ما حكم بيع كتب تتضمن أخطاء علمية ومخالفات شرعية؟ فقد أعطاني صديقي مجموعة من الكتب لأبيعها لصالحه، وأخبرني بعض أصدقائي أن هذه الكتب فيها مخالفات شرعيَّة، فهل يجوز بيعها؟
يجوز شرعًا بيع الكتب العلمية متى كانت مملوكة لصاحبها، واحتوت على ما ينتفع به، أما حال كونها تحتوي على مخالفات شرعية ومغالطات علمية وقطعت اللجان العلمية المختصة بذلك ولم تأذن في نشرها وتداولها؛ فإن كان بيعها للعلماء والمختصين وطلبة العلم، من أجل الوقوف على ما بها وبيان زيفها ومعرفة كيفية الرد علي ما تتضمنه أو ما يماثلها، أو كان بغرض فرمها وإعادة تدويرها بحيث يزول ما بها، وتتحول إلى موادّ خام يمكن الانتفاع بها في أوجه أخرى مباحة فحلال شرعًا ولا حرج فيه، فللوسائل أحكام المقاصد، وأما إن كان بيعها بغرض تداولها والانتفاع بما تتضمنه وذلك لغير العلماء والمختصين وطلاب العلم العالمين بما فيها من مخالفات شرعية فحرام شرعًا، ففيه إعانة على الباطل.
المحتويات:
أحلَّ اللهُ سبحانَه وتعالى البيعَ ما دامَ عن تراضٍ، فقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، وروى ابن ماجه وابن حبان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ». وروى الحاكم في "المستدرك" عن أبي بُرْدَة قال: سُئِل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي الكسب أطيب أو أفضل؟ قال: «عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ».
ومن شروط صحة عقد البيع أن يكون المبيع مملوكًا للبائع، منتفعًا به انتفاعًا مشروعًا؛ فلا يجوز بيع المعين الذي لا يملكه الإنسان، ولا بيع ما لا نفع فيه نفعًا مباحًا، لأنه حينئذ أكل لأموال الناس بالباطل، ولأنه لا يعد مالًا، فأخذ المال في مقابلته ممتنع؛ للنهي عن إضاعة المال.
روى الترمذي وابن ماجه عن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله الرجل يسألني البيع وليس عندي، أفأبيعه؟ قال: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ».
قال العلامة الكاساني في "بدائع الصنائع" (5/ 146-147، ط. دار الكتب العلمية): [(ومنها): وهو شرط انعقاد البيع للبائع أن يكون مملوكًا للبائع عند البيع، فإن لم يكن لا ينعقد] اهـ.
وقال العلامة المواق في "التاج والإكليل" (6/ 71، ط. دار الكتب العلمية): [(وقدرة عليه) ابن عرفة: يطلب في المعقود عليه أن يكون مقدورا على تسليمه مملوكا لبائعه أو لمن ناب عنه] اهـ.
وقال العلامة الحطاب في "مواهب الجليل" (4/ 263، ط. دار الفكر): [يشترط في المعقود عليه أن يكون منتفعا به فيجوز بيع المنتفع به لا ما لا منفعة فيه فلا يجوز العقد به، ولا عليه، والدليل على ذلك ما تقدم من أنه من أكل المال بالباطل] اهـ.
وقال العلامة الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (2/ 349، ط. دار الكتب العلمية): [الشرط (الرابع) من شروط المبيع: (الـمِلك) فيه (لـمَن له العقد)] اهـ.
وقال أيضًا في "الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع" (2/ 275، ط. دار الفكر): [(ولا) يصح (بيع ما لا منفعة فيه)؛ لأنه لا يعد مالا، فأخذ المال في مقابلته ممتنع للنهي عن إضاعة المال] اهـ.
وقال العلامة الحجاوي في "الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل" (2/ 62، ط. دار المعرفة): [الرابع: أن يكون مملوكا لبائعه ملكا تاما] اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة في "المغني" (6/ 358، ط. دار عالم الكتب): [ولا يجوز بيع ما لا منفعة فيه] اهـ.
كتب العلم من الأشياء التي يجوز بيعها، وبذل العوض في مقابلتها، فهي وسيلة للتعلم، وللوسائل أحكام المقاصد، وإذا كان التعلم مرغبًا ومأذونًا فيه شرعًا، فإن وسائله كذلك.
قال الشيخ عليش في "منح الجليل" (7/ 487، ط. دار الفكر) عند كلامه على الإجارة على تعليم الفقه وبيع كتبه ونقله قول الإمام مالك بالكراهة: [ابن يونس: قد أجاز غيره بيع كتب الفقه، فكذلك الإجارة على تعليمه جائزة على هذا، وهو الصواب. ابن عبد الحكم: بِيعت كتب ابن وهب بثلاثمائة دينار وأصحابنا متوافرون فلم ينكروه، وكان أبي وَصيَّه] اهـ.
وقال العلامة ابن رشد في "البيان والتحصيل" (11/ 33، ط. دار الغرب الإسلامي): [قال الإمام القاضي: هذه الرواية تدل على جواز بيع كتب العلم] اهـ.
وقال الإمام النووي في "المجموع" (9/ 253، ط. المنيرية): [قال أصحابنا: يجوز بيع كتب الحديث والفقه واللغة والأدب والشعر المباح المنتفع به وكتب الطب والحساب وغيرهما مما فيه منفعة مباحة] اهـ.
وقال العلامة البُهُوتي في "كشاف القناع" (3/ 155، ط. دار عالم الكتب): [ويجوز بيع كتب العلم] اهـ.
بيد أنه إذا كانت هذه الكتب تحتوي على مخالفات شرعية مقطوع بحرمتها وتخالف أصلًا من أصول الدين وقواعده -ككتب الدجل والشعبذة والتنجيم والإلحاد- وغيرها، فبيعها يكون على أحد ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون بيعها بقصد تداولها والانتفاع بما تتضمنه من مادة علمية لغير العالمين بما فيها من مخالفات شرعية، فهذا غير جائز شرعًا؛ لفقد المنفعة المباحة، ولأن فيه إعانة على الباطل، إذ يترتب عليه مفاسد دينية وأخلاقية وعلمية ومجتمعية، ومن المقرر أن "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح".
قال العلامة القرافي في "الفروق" (4/ 212، ط. دار عالم الكتب): [درء المفاسد أولى من رعاية حصول المصالح] اهـ.
وقال العلامة التاج السبكي في "الأشباه والنظائر" (1/ 105، ط. دار الكتب العلمية): [درء المفاسد أولى من جلب المصالح] اهـ.
وقد تقرر في الشرع الحنيف أنه لا ضرر ولا ضرار، فقد روى الحاكم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ، مَنْ ضَارَّ ضَارَّهُ اللهُ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللهُ عَلَيْهِ».
وعلى عدم جواز بيع الكتب والحالة هذه تواردت نصوص الفقهاء:
قال الإمام النووي في "المجموع" (9/ 253): [قال أصحابنا: ولا يجوز بيع كتب الكفر لأنه ليس فيها منفعة مباحة بل يجب إتلافها وقد ذكر المصنف المسألة في أواخر كتاب السير وهكذا كتب التنجيم والشعبذة] اهـ.
وقال العلامة الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (2/ 343): [ولا يصح بيع كتب الكفر والسحر والتنجيم والشعبذة] اهـ.
وقال العلامة الجمل في "حاشيته على شرح المنهج" (3/ 26، ط. دار الفكر): [ويحرم بيع كتب العلم المحرم ونحوه] اهـ.
الثانية: أن يكون بيعها للعلماء والمختصين وطلاب العلم؛ للوقوف على ما بها وبيان زيفها ومعرفة كيفية الرد علي ما تتضمنه أو ما يماثلها، فهذا جائز شرعًا ولا حرج فيه؛ لما فيه من المصلحة التي لا تخفى، فالبيع حينئذ ليس لنشر الفكر المخالف للشرع، وإنما لمواجهته ورده والتصدي له، فهو حينئذ وسيلة لغرض مشروع، وقد تقرر شرعًا أن "للوسائل أحكام المقاصد"، فمتى كان المقصد مشروعًا كانت الوسيلة إليه مشروعة، بل قد يرتقي إلى الوجوب، حيث تعين طريقًا لذلك، إذ رد الباطل وكشف زيغه وبطلانه من الأمور الواجبة على العلماء والمختصين، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
قال الإمام العز بن عبد السلام في "قواعد الأحكام" (1/ 53، ط. مكتبة الكليات الأزهرية): [للوسائل أحكام المقاصد] اهـ.
وقال العلامة تاج الدين السبكي في "الأشباه والنظائر" (2/ 88): [ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب] اهـ.
وقال إمام الحرمين الجويني في "نهاية المطلب" (17/ 444، ط. دار المنهاج): [الكتب المحرمة، فقد مثلها الأصحاب بكتب الشرك والهُجْر من الأشعار، ثم قالوا: إن تمكن الانتفاع بأوعيتها، مُحي ما لا يجوز تركه، وردّت الجلود والأوعية إلى المغانم، وإن لم يكن عليها جلود ينتفع بها، ولا أوعية، فسبيلها أن تمحى، وإذا كان لا يتأتى محو ما فيها إلا بالتمزيق والإحراق، فعلنا ذلك، ولم نتركها في أيدي الناس. هذا ما ذكره الأصحاب. وفيه بقية نظر على المتدبّر، فأما الهُجر والخنا والفحش الذي لا خير فيه، فالأمر على ما ذكره الأصحاب، وأما كتب الشرك، فقد يخطر فيها للفطن أنها يُنتفع بها، على معنى أن الحاجة تمس إلى الاطلاع على مذاهب المبطلين، حتى إذا عرفت، اتجه الردّ عليها بمسالك الحق، فإن كانت تلك المقالات مشهورة، فالرأي إبطالها، وإن كان فيها ما لم يتقدم الاطلاع عليه، ففيه تردد واحتمال بيِّن] اهـ.
وقال العلامة الرحيباني في "مطالب أولي النهى" (1/ 607، ط. المكتب الإسلامي) في بيان جواز النظر في تلك الكتب وما ماثلها: [(ويتجه جواز نظر) في كتب أهل البدع لمن كان متضلعًا من الكتاب والسنة مع شدة تثبت، وصلابة دين، وجودة فطنة، وقوة ذكاء، واقتدار على استخراج الأدلة، (لرد عليهم) وكشف أسرارهم، وهتك أستارهم، لئلا يغتر أهل الجهالة بتمويهاتهم الفاسدة، فتختل عقائدهم الجامدة، وقد فعله أئمة من خيار المسلمين، وألزموا أهلها بما لم يفصحوا عنه جوابًا] اهـ. وإذا لم يتيسر الوصول إلى تلك الكتب إلا بشرائها جاز حينئذ.
الثالثة: أن يكون بيعها بقصد إتلافها أو فرمها أو إعادة تدويرها بحيث يزول ما بها، وتتحول إلى مواد خام يمكن الانتفاع بها في أوجه أخرى مباحة، فلا حرج حينئذ من بيعها، لعدم تعين المحظور، ولأن في الكتب مالية الورق، وللوسائل حكم المقاصد.
قال العلامة ابن الرفعة في "كفاية النبيه في شرح التنبيه" (16/ 456، ط. دار الكتب العلمية): [فوجب إتلافها كالخمور. وكذا كتب السحر وما لا منفعة فيه كما قاله أبو الطيب، وكتب الهجو كما قاله القاضي الحسين. ثم إتلافها يكون بغسلها إن أمكن الانتفاع بوعائها، بأن كانت في رق، وإن كانت في ورق مزقها، بحيث تصلح لعمل الكاغذ، وتباع، ولا يجوز إحراقها؛ لما في ذلك من إتلاف ماليتها] اهـ.
وقال العلامة الحجاوي في "الإقناع" (2/ 61): [ويصح شراء كتب زندقة ليتلفها لا خمر ليريقها ولأن في الكتب مالية الورق] اهـ.
وإذا تقرر ما سبق: فإن الحكم بأن كتبًا ما تشتمل على مخالفات شرعية مقطوع به، مما لا ينفرد به آحاد الناس، وليس محلًّا للاجتهاد الفردي، وإنما يتطلب العرضَ على الجهات العلمية المختصة كل في مجاله، للنظر فيها ومراجعتها وتقييمها، ومن ثمَّ إبداء الرأي فيها، فإن قطعت بعدم المخالفة كان بيعها جائزًا، وإن قطعت بالمخالفة وعدم التصريح بالنشر، فيكون التعامل معها في ضوء الحالات المذكورة.
بناء على ذلك وفي واقعة السؤال: فيجوز شرعًا بيع الكتب العلمية متى كانت مملوكة لصاحبها، واحتوت على ما ينتفع به، أما حال كونها تحتوي على مخالفات شرعية ومغالطات علمية وقطعت اللجان العلمية المختصة بذلك ولم تأذن في نشرها وتداولها؛ فإن كان بيعها للعلماء والمختصين وطلبة العلم، من أجل الوقوف على ما بها وبيان زيفها ومعرفة كيفية الرد علي ما تتضمنه أو ما يماثلها، أو كان بغرض فرمها وإعادة تدويرها بحيث يزول ما بها، وتتحول إلى موادّ خام يمكن الانتفاع بها في أوجه أخرى مباحة فحلال شرعًا ولا حرج فيه، فللوسائل أحكام المقاصد، وأما إن كان بيعها بغرض تداولها والانتفاع بما تتضمنه وذلك لغير العلماء والمختصين وطلاب العلم العالمين بما فيها من مخالفات شرعية فحرام شرعًا، ففيه إعانة على الباطل.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تشتغل بالتعليم والتدريس والإفتاء؟
ما مدى مشروعية استدامة نفقات التعليم للمحضون بعد بلوغه ١٥ عامًا؟ فهناك ولدٌ يعيش في حضانة أمه، وقد بلغ مِن العمر خمسة عشر عامًا، ولا يزال في مرحلة التعليم، فهل يجب على أبيه الاستمرارُ في النفقة على تعليمه بعد بلوغه هذه السن؟
نرجو منكم بيان فضل العلم؟ وهل العلوم التي يحث الشرع على تحصيلها هي العلوم الدينية أو أنها تشمل العلوم الدنيوية النافعة أيضًا؟
ما مدى استحقاق العامل الربح إذا لم يحصل في المضاربة ربح؟ فهناك رجلٌ أعطى لصاحِبٍ له مالًا ليَتَّجِر فيه بالبيع والشراء، على أن يكون الربحُ الحاصلُ مِن ذلك مناصفةً بينهما، والسؤال: هل يستحق الصاحِبُ المذكورُ رِبْحًا إذا لَمْ يَتمَّ بَيْعُ تلك البضاعة؟
شخص اشترى بضاعة من أحد الناس فوجد بها عيبًا ينقص من قيمتها فتضرَّر المشتري من ذلك فرجع على البائع؛ ويسأل هل يجوز له رد هذه البضاعة بسبب هذا العيب؟ وهل هناك شروط لذلك؟
ما حكم الاستفادة من نقاط الخصم التي تهديها إحدى المحلات التجارية للمشتري عند قيامه بعملية الشراء ؟ فهناك رجلٌ حصل على مجموعةٍ مِن نقاط الخصم مِن أحد المتاجر، مما يُتيح له شراء السِّلع مِن ذلك المتجر بتخفيض يكافئ تلك النقاط عند الطلب، فما حكم الشراء بهذه النقاط؟