ما حكم عمل وليمة مرة كل عام شكرًا لله؟ فقد اعتاد والدي على القيام بعمل وليمة عند حدوث أمر يفرحه فرحًا شديدًا، كنجاحنا في كل عام، وكذلك عند انقضاء العام بدوام الصحة والعافية لأهل المنزل، وغير ذلك من باب شكر الله تعالى على نعمه، فما حكم الشرع في ذلك؟
ما اعتاده والد السائل من عمل الوليمة مرة كل عام شكرًا لله تعالى على نعمه جائزٌ شرعًا؛ فهي مندرجة تحت إطعام الطعام المندوب إليه شرعًا، مع مراعاة عدم الإسراف والتبذير، وألا تتضمن محرمًا في المطعم والمشرب والمفرش أو شيئًا من اللهو المحرم، وألا يُخَصَّ فيها الأغنياء دون الفقراء؛ تحقيقًا لمعاني الإحسان والأدب وجبر الخواطر.
المحتويات
لفظ الوليمة مشتق من الوَلْم، وهو الاجتماع، والمشهور استعمالها مطلقة عن أيّ قيد في وليمة العُرس، وتستعمل في غيره بقيد، وتقع على كل طعام يُتَّخذ لسرور حادث من عرسٍ وغيره، وتحصل الوليمة بالذبح وغيره، وكل ما يصدق عليه معنى الطعام، وهي باللحم أفضل عند القدرة على تحصيله؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ المُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا إِلَّا أَنْ أَمَرَ بِلَالًا بِالأَنْطَاعِ فَبُسِطَتْ، فَأَلْقَى عَلَيْهَا التَّمْرَ وَالأَقِطَ وَالسَّمْن» أخرجه البخاري.
يقول الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (5/ 2105، ط. دار الفكر): [إعلامٌ بأنَّه ما كان فيها من طعام أهل التَّنعُّم والتَّترُّف، بل من طعام أهل التَّقشُّف من التمر وَالأَقِطِ والسمن] اهـ.
عمل الولائم له أسباب متعددة؛ منها: الشكر على النعمة في كل عام، والوليمة في كل عام شكرًا لله على النعمة الأصل فيها أنها جائزة شرعًا؛ لما فيها من إطعام للطعام، وشكر الله تعالى على تجدد النعم، وإدخال السرور على قلوب الناس.
وقد دلت نصوص الشرع الشريف على استحباب إطعام الطعام شرعًا، قال تعالى في شأن الأبرار مادحًا صفاتهم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: 8].
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أي الإسلام خير؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» متفق عليه.
وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه، قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب وكان أول شيء تكلم به أن قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِسَلَامٍ» أخرجه الأئمة: أحمد، والترمذي، وابن ماجه.
وعن صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «خِيَارُكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ» أخرجه الأئمة أحمد، وابن أبي شيبة في "مصنفه"، والطبراني في "مكارم الأخلاق"، وغيرهم.
وعن أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا، وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا»، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لِمَنْ أَطَابَ الكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» أخرجه الأئمة أحمد، والطبراني في "مكارم الأخلاق"، والبيهقي في "البعث والنشور"، والحاكم في "المستدرك" وصححه.
وقد ذكر الإمام أبو حامد الغزالي بعض ما جاء عن الصحابة مما يبين أن إطعام الطعام من أجلِّ القربات عند الله تعالى، فقال في "إحياء علوم الدين" (2/ 9، ط. دار المعرفة): [وقال عليٌّ رضي الله عنه: لأن أجمع إخواني على صاع من طعام أحب إليَّ من أن أعتق رقبة، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: من كرم المرء طيب زاده في سفره وبذله لأصحابه، وكان الصحابة رضي الله عنهم يقولون: الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق، وكانوا رضي الله عنهم يجتمعون على قراءة القرآن ولا يتفرقون إلا عن ذواق] اهـ.
وهذا ما قرره الأئمة والعلماء، حيث نصوا على أن هذه العبادة من خصال الأبرار، قال الإمام ابن رشد المالكي في "البيان والتحصيل" (18/ 196، ط. دار الغرب الإسلامي): [في إطعام الطعام قال مالك: كان ابن عمر لا يكاد يوصل إلى طعامه، فقيل له يا أبا عبد الله لم؟ قال: لتضايق الناس عليه وكثرة من يغشاه، ولقد نزل يوما بالجحفة فأتى صبي أسود أغلف عريان سائل فسأله، فقال اقعد فكل، قال فدار فلم يجد موضعا لتضايق الناس على الطعام، فلما رأى ذلك منه ابن عمر دعاه فألصقه إلى صدره، فقال له كل، قال فزعم الذي حدث قال فلقد رأيته ولقد لصق إلى بطنه. قال محمد بن رشد: إطعام الطعام من أفعال الأبرار] اهـ.
وقال الشيخ الحسن اليوسي في "المحاضرات في اللغة والأدب" (ص: 320-321، ط. دار الغرب الإسلامي): [ويحكى عن الشيخ أبي محمد عبد الخالق بن ياسين الدغوغي أنه كان يقول: "طلبنا التوفيق زمانًا فأخطأناه، فإذا هو في إطعام الطعام"] اهـ.
كما حثت نصوص الكتاب والسنة على شكر الله تعالى وحمده على نعمه الجديدة والمتجددة، فقال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]، والمعنى: لئن شكرتم نعمتي وأفضالي عليكم لأزيدن من تفضلي عليكم.
قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (9/ 343، ط. دار الكتب المصرية، القاهرة): [(لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)؛ أي: لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من فضلي] اهـ.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّهَ ليَرضى عَن العبدِ أن يأكُلَ الأَكلَةَ فيحمَدَهُ عليها ويشرَبَ الشَّربَةَ فيحمَدَهُ علَيها» أخرجه الإمام مسلم.
وإذا قيَّدَ الإنسان فعله بشكر الله تعالى كان ذلك أمرًا مستحبًّا، ولفاعلها الأجر والثواب على ذلك.
قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (7/ 286، ط. مكتبة القاهرة) في مطلق الدعوة لغير وليمة العُرس: [هي بمنزلة الدعوة لغير سبب حادث، فإذا قصد فاعلها شكر نعمة الله عليه، وإطعام إخوانه، وبذل طعامه، فله أجر ذلك إن شاء الله تعالى] اهـ.
كما أن إدخال السرور على قلوب الناس من أحب الأعمال إلى الله تعالى؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دِينًا، أَوْ تُطْرَدُ عَنْهُ جُوعًا...» أخرجه الطبراني في المعجمين "الكبير" و"الأوسط".
بناءً على ما سبق وفي واقعة السؤال: فما اعتاده والد السائل من عمل الوليمة مرة كل عام شكرًا لله تعالى على نعمه جائزٌ شرعًا؛ فهي مندرجة تحت إطعام الطعام المندوب إليه شرعًا، مع مراعاة عدم الإسراف والتبذير، وألا تتضمن محرمًا في المطعم والمشرب والمفرش أو شيئًا من اللهو المحرم، وألا يُخَصَّ فيها الأغنياء دون الفقراء؛ تحقيقًا لمعاني الإحسان والأدب وجبر الخواطر.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي بالأمسيات الدينية؛ بأن يأتوا بقارئ للقرآن من بعد صلاة المغرب أو العشاء ويقرأ القرآن، ثم بعد ذلك يعقبها كلمة من واعظ يعظ الناس، ثم بعد ذلك يختمون برجل يقول التواشيح، فهل هذا الفعل جائزٌ أم لا؟ فهناك من يقول إنه غير جائز، وهناك من يقول إن هذا الفعل ليس فيه شيء، وأن من يقول إنه بدعة يُضيِّق على العباد ويُحرِّم الحلال وأن الدين يسر وأن هذا من التشدد وعدم الفهم، فأين الحق هل مع الفريق الذي يقول إنه سنة وليس فيه شيء؟ أم مع الفريق الذي يقول إنه بدعة، فقد كثر الكلام في هذا الأمر، مع ذكر الدليل لأن الفريق الذي يقول إنه بدعة يقول إن البدعة ما لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا الصحابة ولا التابعين ولا القرون الثلاثة المفضلة، فهل هذا القول صحيح، وما القول الراجح مع الدليل؟
ما مدى جواز شراء المفرقعات بالنسبة لأولاد المسلمين بمناسبة رأس السنة الميلادية، وهل يجوز شراء هذه المفرقعات واستخدامها قبل أو بعد رأس السنة أو في ليلة رأس السنة، وليست احتفالًا بالسنة الميلادية، وإنما لكونها تباع في هذه المواسم؟
ما الشروط التي يجب توافرها في الأضحية حتى تكون صحيحة؟ وما هي العيوب التي تؤثر فيها؟
السؤال من وزارة التجارة والصناعة شؤون التموين أن الاتحاد العام للقصَّابين بالقاهرة قد شكا للوزارة من أنه بسبب قفل الأسواق في الأقاليم الموبوءة بالكوليرا تعذَّر جلب الحيوانات المعدَّة للذبح بالعدد الكافي للوفاء بحاجة المستهلكين، وطالب بالعودة إلى حظر الذبح ثلاثة أيام في الأسبوع؛ للموازنة بين العرض والطلب، ولإزالة عوامل ارتفاع الأسعار؛ ونظرًا لما تعلقه هذه الوزارة من الأهمية على موازنة العرض والطلب بقدر الإمكان، فإنه قد يكون من المفيد أن يصرف الناس عن الإسراف في ذبح الأضحيات إذا كان يجوز شرعًا الاستعاضة عنها بما يساوي ثمنها من الصدقات الأخرى، وفي ذلك ما فيه من العمل على خفض الأسعار تيسيرًا على الطبقات الفقيرة؛ لذلك أكون شاكرًا لو تفضلتم بإفتاء الوزارة فيما إذا كان من الجائز استبدال الأضحية عينًا بالصدقة بما يوازي ثمنها في أقرب وقت؛ ليتسنى للوزارة إذاعتها على عامة المسلمين بكافة الوسائل الممكنة.
الاستعلام على وجه رسمي من دار الإفتاء المصرية بالقاهرة، عما إذا كانت الفتوى رقم 10/ 311 والمرفق صورة ضوئية منها صادرة من دار الإفتاء المصرية من عدمه -ومفادها تحريم الاحتفال بشم النسيم-، وفى الحالتين بيان مدى صحة تلك الفتوى من عدمه، وطلب الإفادة بذلك على وجه رسمي.
نرجو منكم بيان حكم شراء أضحية العيد عن طريق الوزن. وذلك عن طريق وزن الأضحية وتقدير وزنها بالكيلوجرام، علمًا بأن وزن الكيلوجرام الواحد مقدر سعره مسبقًا بالعملة الورقية. مع العلم بأن هناك قولًا شائعًا في بلدنا بعدم جواز شراء الأضحية عن طريق وزنها ودفع قيمة الوزن. وجزاكم الله عنا كل الخير.