ما حكم تلبية الدعوة إلى الوليمة للعائد من الحج؟ فأحد جيراني أنعم الله عليه بأداء فريضة الحج، وعاد إلى أرض الوطن بالسلامة، وعزم على إقامة وليمة في بيته بهذه المناسبة، ودعاني إليها. فما حكم إجابة تلك الدعوة؟ وهل عليَّ حرج إذا لم أحضر؟
يستحب إجابة دعوة الجار الذي عاد من الحج إلى مأدبة طعام (النقيعة)؛ لما في ذلك من البر والصلة، ومشاركته فرحته بأداء ركن الإسلام الأكبر، وإدخال السرور على قلبه، وكل ذلك مما ندبت إليه الشريعة الغراء، ورغَّبت فيه، ورتَّبت الثواب عليه، ولا حرج عليك إذا تخلفت عن إجابة الدعوة.
المحتويات
الوليمة: اسمٌ لكل طعامٍ يُتَّخَذُ لِجَمْعٍ مِنَ النَّاسِ، وقد يراد بها طعامُ الْعُرْسِ خاصةً، والجمع ولائِم، وَأَوْلَمَ أي: صَنَعَ وَلِيْمَة؛ كما في "المصباح المنير" لأبي العباس الفيومي (2/ 672، ط. المكتبة العلمية).
وطعام القادم من السفر يقال له: (النَّقِيعَةُ)، وهي مشتقة من النقع وهو الغبار؛ لأنَّ المسافر يأتي وعليه غبار السفر، وتطلق على الطعام الذي يصنعه القادم من السفر أو يصنع له؛ كما في "لسان العرب" للعلامة ابن منظور (8/ 362، ط. دار صادر)، و"فتح الباري" للحافظ ابن حجر العسقلاني (6/ 194، ط. دار المعرفة).
وقد فرَّق الحنابلة بين أن تُصنع من القادم فأسمَوْها: "التحفة"، وبين أن تُصنع له فأسمَوْها: "النقيعة"؛ كما في "شرح منتهى الإرادات" للإمام البهوتي (3/ 32، ط. عالم الكتب).
قد حثَّ الشرع الشريف على تلبية الدعوة إلى الولائم وإجابة الداعي؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ، فَلْيُجِبْ» أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له.
وعن جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ، فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» أخرجه مسلم في "الصحيح" واللفظ له، والإمام أحمد في "المسند".
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ» أخرجه مسلم في "الصحيح".
وأخرج أيضًا بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ». وقوله: «فَلْيُصَلِّ» محمولٌ عند جمهور الشراح على المعنى اللغوي؛ وهو: الدعاء، ومنه: قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103]؛ فيكون المعنى: "فليَدْعُ لأهل الطعام بالمغفرة والبركة ونحو ذلك"؛ كما في "شرح الإمام النووي على صحيح مسلم" (9/ 236، ط. دار إحياء التراث العربي).
وفي تلبية دعوة المسلم إدخالٌ للسرور على قلبه، وصلةٌ للأرحام، وجبرٌ للخواطر، وتطييبٌ للنفوس، وتأليفٌ للقلوب بكسب المحبة والمودة، ومشاركةٌ للمسلم في فرحه بعودته من حجته مغفور الذنب إن شاء الله، وكل ذلك من البِرِّ المأمور به.
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، أيُّ الناس أحبُّ إلى الله؟ وأيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله عز وجل؟ فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ: أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ: سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ» أخرجه الطبراني في "معاجمه"، وابن بشران في "أماليه".
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» رواه البخاري ومسلم واللفظ له.
قال الإمام النووي في "شرحه على صحيح مسلم" (16/ 139): [«مَثَلُ الْمَؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ... إلى آخره» هذه الأحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض، وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثم ولا مكروه] اهـ.
قد ذهب عامةُ فقهاء الحنفية والشافعيةُ في الصحيح والحنابلةُ إلى سُنِّيَّةِ واستحبابِ تلبية دعوة النقيعة.
قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "حاشيته على رد المحتار" (6/ 347، ط. دار الفكر): [قوله: (دُعي إلى وليمة) هي طعام العرس، وقيل: الوليمة اسم لكل طعام، وفي "الهندية" عن التمرتاشي: اختُلف في إجابة الدعوى: قال بعضهم: واجبٌ لا يسع تركها، وقال العامة: هي سنةٌ، والأفضل أن يجب إذا كانت وليمةً، وإلا فهو مخيرٌ، والإجابة أفضل؛ لأن فيها إدخال السرور في قلب المؤمن... وفي "البناية": إجابة الدعوة سنة؛ وليمة أو غيرها] اهـ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (3/ 224، ط. دار الكتاب الإسلامي) في حكم تلبية غير دعوة العرس: [(و) في (غيرها مستحبة) لخبر "الصحيحين": «إذَا دُعِيَ أَحَدُكَمْ إلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا»] اهـ.
وقال العلامة البهوتي الحنبلي في "شرح منتهى الإرادات" (3/ 33، ط. عالم الكتب): [(والإجابة إليها) أي: الدعوات غير الوليمة (مستحبة)؛ لحديث البراء مرفوعًا: "أَمَرَ بِإِجَابَةِ الدَّاعِي" متفق عليه. وأدنى أحوال الأمر: الاستحباب، ولما فيها من جبر قلب الداعي، وتطييب خاطره] اهـ.
وذهب المالكية في المنصوص عندهم إلى أنَّ تلبية الدعوة إلى "النقيعة" مكروهة، وذهب الإمام ابن رشد إلى إباحتها من غير حرج في التخلف عنها.
قال العلامة الصاوي في "حاشيته على الشرح الصغير" (2/ 499، ط. دار المعارف): [ووجوب إجابة الدعوة والحضور: إنما هو لوليمة العرس، وأما ما عداها فحضوره مكروهٌ، إلا العقيقة فمندوبٌ؛ كذا في "الشامل"، والذي لابن رشد في "المقدمات": أنَّ حضور الكل مباحٌ إلا وليمة العرس فواجبٌ، وإلا العقيقة فمندوبٌ، والمأدبةُ إذا فُعلت لإيناس الجار ومودته فمندوبةٌ أيضًا، وأمَّا إذا فعلت للفخار والمحمدة فحضورها مكروه] اهـ.
ومقتضى ذلك: أن وجه الكراهة عندهم في تلبية دعوة النقيعة: هو ما يُظن اشتمالها عليه من مقاصد مذمومة كالمحمدة والافتخار ونحوه. فإذا اشتملت على مقاصد محمودة؛ كشكر الله تعالى، وإطعام الطعام، والتودد، وتأليف القلوب: فإنه يستحب إجابتها؛ لاندراجها حينئذ تحت ما نصوا عليه من استحباب إجابة المأدبة إذا اشتملت على تلك المقاصد. وأما إذا فعلت من غير قصد مذموم أو محمود: فإن تلبيتها تكون مباحة.
قال العلامة الحطاب في "مواهب الجليل" (4/ 3، ط. دار الفكر): [وقال في "جامع الذخيرة": مسألة فيما يؤتى من الولائم، ثم قال صاحب "المقدمات": هي خمسة أقسام: واجبة الإجابة إليها وهي وليمة النكاح، ومستحبة الإجابة وهي المأدبة وهي الطعام يعمل للجيران للوداد، ومباحة الإجابة وهي التي تعمل من غير قصد مذموم كالعقيقة للمولود والنقيعة للقادم من السفر والوكيرة لبناء الدار والخرس للنفاس والإعذار للختان ونحو ذلك، ومكروه وهو ما يقصد به الفخر والمحمدة لا سيما أهل الفضل والهيئات] اهـ.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنه يستحب لك إجابة دعوة جارك الذي عاد من الحج؛ لما في ذلك من البر والصلة، ومشاركته فرحته بأداء ركن الإسلام الأكبر، وإدخال السرور على قلبه، وكل ذلك مما ندبت إليه الشريعة الغراء، ورغَّبت فيه، ورتَّبت الثواب عليه، ولا حرج عليك إذا تخلفت عن إجابة الدعوة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم خروج المتمتع إلى ميقات مكاني كأبيار علي؟ فهناك شخص سافر مع شركة سياحية لأداء الحج، وكان برنامج الرحلة أن يذهب إلى مكة حتى نهاية الحج، ثم يتوجهون إلى زيارة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنوى الحجَّ متمتعًا، وبعد أدائه العمرة وتحلُّله منها، أخبره المشرفون أن برنامج الرحلة قد تغير، وأن موعد زيارة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيكون قبل أداء الحج لظروف طارئة، فذهب للزيارة، وفي أثناء عودته أحرم بالحج من أبيار علي، فهل انقطع تمتعه أو لا؟ وإن لم ينقطع فهل يلزمه الهدي؟ وإذا أحرم منها فهل يمكنه أن يحرم متمتعًا أو قارنًا؟ وهل يلزمه هدي أو لا؟ وهل يصح إحرامه بعمرة ثانية؟ كما يُرجى الإفادة عن حكم ما فعله بعض المرافقين في الرحلة حيث لم يُحرموا من أبيار علي وأحرموا من داخل الحرم، فمنهم من أفرد، ومنهم من تمتع، ومنهم من قرن، وجزاكم الله خيرًا.
هل يلزم الزوج دفع تكاليف أداء زوجته لفريضة الحج؟ وهل للزوج أن يأخذ من مال زوجته ليؤدي فريضة الحج؟
ما حكم تقصير الوكيل في نيابته في رَمْي الجمار؟ فقد قام أحد الحُجَّاج مِن قريتي في نفس الفوج بإنابتي عنه في القيام برمي جمرة العقبة؛ وذلك لعدم قدرته على ذلك، ففعلتُ ذلك عنه، لكني قمت برميها جميعًا دفعة واحد، ولم أخبره بذلك الأمر حتى تُوفِّي، فما مدى صحة رمي الجمرات؟
أخذتُ ابني الصبي معي في الحج، فهل يصح حجُّه؟ وهل يُغنِي عن حج الفريضة؟
ما حكم ترك طواف الوداع للحائض؟ فهناك سائلة تسأل وتقول: جاءتني العادة الشهرية بعد الوقوف بعرفة وطواف الزيارة، ولم أتمكن من طواف الوداع؛ لعذر الحيض، فهل عليَّ شيء؟ حيث أخبرني بعض الحجاج بضرورة توديع البيت، وبأن ترك طواف الوداع يلزمه دم، فهل هذا صحيح؟
نحيطكم عِلمًا بأن صندوق خاص بإحدى الجهات الرسمية يقوم بتنظيم بعثة سنوية للحج، وذلك حسب البرنامج التالي ذكره، فبرجاء التفضل بإبداء الرأي في مدى صحة هذا البرنامج من الناحية الشرعية:
تقوم البعثة بالسفر بالملابس العادية إلى المدينة أولًا، وتمكث البعثة بالمدينة لمدة خمسة أيام، قبل التوجه إلى مكة لأداء مناسك الحج، ونقوم بشراء صكوك الهدي من المدينة، والإحرام من فندق الإقامة بنية القران بين الحج والعمرة.
ثم نقوم بعد ذلك بالتوجه إلى الحرم المكي لأداء طواف القدوم والسعي بعده، فهل يجزئ هذا السعي عن سعي الحج؟
في يوم التروية نذهب ليلًا مباشرة إلى عرفة، ولا نبيت بمِنى ولا ندخلها، ونبيت ليلة عرفة بمقر البعثة بعرفة والذي يكون داخل حدود عرفة، ونمكث بالمخيَّم داخل عرفة دون الذهاب إلى جبل الرحمة، وعند غروب الشمس نبدأ في التحرك إلى المزدلفة، فنصل إليها ليلًا، ونصلي المغرب والعشاء جمع تأخير مع قصر العشاء، ونسرع بجمع الحصى من المزدلفة، ثم نبادر بعد ذلك وفي منتصف الليل بمغادرة المزدلفة إلى منى لرمي جمرة العقبة الكبرى، ويمكن لكبار السن والسيدات التوكيل في رمي الجمرات، ثم نتوجه إلى مكة المكرمة لطواف الإفاضة، وبعدها نتوجه إلى الفندق لأخذ قسط من الراحة.
ثم نتوجه في ظهيرة يوم النحر من مكة إلى منى للمبيت بها حتى الساعة 12 صباحًا، ثم نقوم برمي الجمرات ليلة أول أيام التشريق وثاني أيام العيد، ثم التوجه إلى فندق الإقامة لمَن يرغب. وفي ظهر أول أيام التشريق وثاني أيام العيد نتوجه إلى منى ونقيم بها حتى نرمي جمرات اليوم الثاني من أيام التشريق في حدود الساعة 12 صباحًا، ونتعجل اليوم الثالث، ونقوم بمغادرة مِنى إلى مكة ليلة ثاني أيام التشريق بعد رمي الجمرات.
ننصح الكثير من أعضاء البعثة وخاصة كبار السن بالذهاب بعد العشاء بساعة أو ساعتين ليلة 12 من ذي الحجة بالذهاب إلى الجمرات ورمي جمرات اليوم الأول، ثم يمكثون إلى أن ينتصف الليل ويرمون لليوم الثاني. كما ننصح كبار السن والنساء ومن لا يستطع الذهاب إلى منى أن يبقى بمكة ويوكِّلَ من يرمي عنه الجمرات. ويمكن لمن أحب عمل أكثر من عمرة أن يقوم بذلك بعد الرجوع إلى مكة والتحلّل الأكبر، ويقوم أعضاء البعثة بطواف الوداع في يوم 13 من ذي الحجة، أي: قبل المغادرة بيوم.
كما ننصح كبار السن والمرضى أن يجمعوا في طواف الإفاضة بين نية الإفاضة ونية الوداع.
وتفضلوا سيادتكم بقبول فائق الاحترام