ما حكم التوفير الشخصي من بدل الانتقال المصروف من جهة العمل؟ فهناك شاب يعمل في مكتب هندسي، ويصرف له بالإضافة إلى راتبه بدلُ انتقال شهري ثابت مقابل ذهابه إلى المكتب بانتظامٍ نظرًا لبعد مسكنه، كما يصرف له بدل انتقال متغير بحسب ما يكلَّف به من أعمال الإشراف في مواقع العمل المختلفة وما يلزم لها من الأسفار، بحيث يقوم بإبلاغ المكتب بكلفة المواصلات اللازمة للوصول لتلك المواقع بحسب ما يجده من تعريفة المواصلات أو أسعار التذاكر، إلا أنَّه عادةً ما يحاول التوفير الشخصي من هذا البدل، سواء في ذهابه إلى المكتب أو في سفره وانتقاله لمواقع الإشراف، باختياره وسيلة المواصلات الأقل تكلفة، وإخبار المكتب بالكلفة الأعلى المعتادة للذهاب لهذا الموقع ليوفِّر في آخر كلِّ شهرٍ مبلغًا من بدلات تلك الانتقالات يضمُّه لراتبه لتحسين الدخل، فهل ما يفعله جائزٌ شرعًا؟
بدلُ الانتقال الثابت المصروفَ من المكتب الهندسي الذي يعمل فيه الشاب المذكور عوضًا عن تخصيص سيارة تقله من مسكنه إلى مقر العمل بسبب بُعد مسكنه، ومن غير تقييد هذا البدل باستقلال وسيلة نقلٍ مخصوصةٍ -يجوز له شرعًا التصرف فيه بشتى أنواع التصرفات دون قيدٍ أو شرط ما دامت جهة العمل لا تقيده بتصرف معين.
أمَّا بدل الانتقال المتغير الذي يُصرف بحسب ما يخبر به من مصروفاتٍ ونفقاتٍ تكبَّدها فعلًا للانتقال في قضاء مصلحةٍ تابعة للعمل -فيَحرُم عليه شرعًا المطالبةُ فيه بما يزيد على المصروفات الفعليَّة التي يدفعها، فإنَّه مؤتمن في ذلك، وإن فعل يكون قد خان الأمانة، وكذب في الإخبار، وأَكَلَ المال بالباطل، ويجب عليه شرعًا التوبةُ وردُّ الحقوق إلى أصحابها على الوجه الميسر له، من نحو خصمها من المصروفات المستجدة إن ثَقُل عليه ردُّها جملةً واحدةً أو خاف التأذي من الإفصاح عنها لصاحب العمل.
المحتويات
العمل والسعي لتحصيل الرِّزق مما أمرنا به الشرع الشريف، قال الله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10].
قال الإمام الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (28/ 227، ط. الدَّار التونسيَّة): [المراد بـ﴿فَضْلِ اللَّهِ﴾: اكتساب المال والرزق] اهـ.
وعمل الرَّجل عند غيره مِن جملة أوجُهِ الاكتساب التي أباحها الشرع الشريف، والتي تُعرَف في الفقه الإسلامي بالإجارة، وقد ذكر القرآن استئجار كليم الله موسى مِن قبل شُعيب عليهما السلام، قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26].
وعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: «اسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكرٍ رَجُلًا مِن بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيشٍ، فَدَفَعَا إِلَيهِ رَاحِلَتَيهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَورٍ بَعدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيهِمَا صُبحَ ثَلَاثٍ» أخرجه الإمام البخاري.
والإجارة في الأعيان يشترط فيها معلوميَّة العمل ومعلوميَّة العوض أو البدل.
قال العلَّامة أبو النجا الحجاوي في "الإقناع في فقه الإمام أحمد" (2/ 283، ط. دار المعرفة) في تعريف الإجارة: [هي عقدٌ على منفعةٍ مباحةٍ معلومةٍ تؤخذ شيئًا فشيئًا مدَّة معلومة مِن عين معلومَة أو موصوفة في الذمة، أو عملٍ معلومٍ بعوضٍ معلوم] اهـ.
والإجماع منعقدٌ على ثبوتها من جملة العقود المشروعة المسمَّاة في الفقه الإسلامي.
قال العلامة ابن المنذر في "الإجماع" (ص: 115، ط. دار الآثار): [وأجمعوا على أن الإجارة ثابتة] اهـ.
ومن صفة عقد الإجارة أنَّه عقدٌ ملزِمٌ متى ما استوفى شرائطه مِن حصول العِلمِ للمتعاقدين بالعمل والعوض، والتراضي على ذلك.
قال الإمام الكاساني في "بدائع الصنائع" (4/ 201، ط. دار الكتب العلميَّة): [وأمَّا صفة الإجارة: فالإجارة عقدٌ لازمٌ إذا وقعت صحيحة عريَّة عن خيار الشَّرط والعيب والرؤية عند عامَّة العلماء] اهـ.
بدل الانتقال الوارد في السؤال والمصروف مِن صاحب العمل للشابِّ الذي يعمل عنده ينقسم إلى قسمين -كما هي مسألتنا-:
أحدهما: مقدار ثابت من المال يصرف له عوضًا عن تخصيص سيارة تقله من مسكنه إلى العمل؛ لبعد مسكنه، ومن غير التقييد باستقلال وسيلة نقلٍ مخصوصةٍ.
والآخر: بدلٌ متغيِّر يُصرف له بحسب ما يخبر به من مصروفاتٍ ونفقاتٍ تكبَّدها من ماله الخاص في قضاء مصلحةٍ تابعة للعمل، كمصروفات السَّفر والانتقال بين مواقع العمل الهندسي بالمحافظات المختلفة، ونحو ذلك.
فأمَّا الأول: فالشأن فيه كشأن الرَّاتب والأجر المتعاقد عليه بينهما، فيملكه الأجير ويجوز له إنفاقه بحسب ما تقتضيه شؤونه ومصالحه، أو التوفير الشخصي منه؛ لأنَّ صاحب العمل لم يشترط في مقابل دفع هذا المال إلا الوصول بانتظام إلى مقرِّ العمل في المواعيد المقرَّرة، فهو يدفع له ذلك المال على جهةِ العوض عن الجهد البدني والكلفة الماليَّة المبذولة، وتحملًا منه بحسب الاتفاق المبرم بينهما لتلك التكلفة أو بدلها -كما ذكر في السؤال-.
ولما كان البدل معلومًا ثابتًا والعمل معلومًا وهو الوصول في مواعيد المكتب المحدَّدة بانتظام، كان التوفير مِن هذا البدل حينئذٍ غير قادحٍ في الامتثال والالتزام بالشَّرط المتمثل في الحضور في الموعد والانتظام في العمل، وما دام الشَّرط مُراعى فلا إثم أو حرج.
وأمَّا البدل الآخر: فإنَّه لمَّا كان بدلًا متغيرًا، وكان تقديره مبنيًّا على ما يدفعه العامل حقيقة مِن تكلفة الانتقال، كان العامل فيه مستأمنًا على بيان النفقة الفعليَّة.
والتوفير الشخصي في هذا الموضع وترشيد الإنفاق مع الإخبار بالتكلفة الأعلى للحصول عليها من صاحب المكتب خيانة لتلك الأمانة؛ لأنَّه مستأمن على بيان النفقة الفعلية، والإخبار بالتكلفة الأعلى طلب زيادةٍ بغير حقٍّ، ومخالف للمدفوع من النَّفقات الفعلية، وكلُّ خيانةٍ محرَّمةٌ في الشرع الشريف، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما خطبنا نَبِيُّ الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا قال: «لَا إِيمَانَ لِمَن لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَن لَا عَهدَ لَهُ» أخرجه الأئمة: أحمد، وأبو يعلى في "المسند"، وابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي في "السنن الكبرى".
كما أنَّ تحديد البدل المتغيِّر بالإخبار عن القيمة الأعلى في حين إنفاق القيمة الأدنى كذبٌ وإخبارٌ بالباطل، وتضليلٌ لصاحب العمل، وأكل للمال بالباطل، وكلُّ ذلك محرَّمٌ شرعًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: 105]، وقال جلَّ وعَلَا: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188].
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِيَّاكُم وَالكَذِبَ، فَإِنَّ الكَذِبَ يَهدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكذِبُ وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ حَتَّى يُكتَبَ عِندَ اللهِ كَذَّابًا» أخرجه الشيخان.
وقد انعقد الإجماع على تحريم الكذب في الجملة.
قال الإمام النووي في "الأذكار" (ص: 377، ط. دار الفكر): [قد تظاهرت نصوصُ الكتاب والسُّنة على تحريم الكذب في الجملة، وهو مِن قبائح الذنوب وفواحش العيوب، وإجماعُ الأمة منعقدٌ على تحريمه مع النصوص المتظاهرة] اهـ.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن بدلَ الانتقال الثابتَ المصروفَ من المكتب الهندسي الذي يعمل فيه الشاب المذكور عوضًا عن تخصيص سيارة تقله من مسكنه إلى مقر العمل بسبب بعد مسكنه، ومن غير تقييد هذا البدل باستقلال وسيلة نقلٍ مخصوصةٍ -يجوز له شرعًا التصرف فيه بشتى أنواع التصرفات دون قيدٍ أو شرط ما دامت جهة العمل لا تقيده بتصرف معين، أمَّا بدل الانتقال المتغير الذي يُصرف بحسب ما يخبر به من مصروفاتٍ ونفقاتٍ تكبَّدها فعلًا للانتقال في قضاء مصلحةٍ تابعة للعمل -فيَحرُم عليه شرعًا المطالبةُ فيه بما يزيد على المصروفات الفعليَّة التي يدفعها، فإنَّه مؤتمن في ذلك، وإن فعل يكون قد خان الأمانة، وكذب في الإخبار، وأَكَلَ المال بالباطل، ويجب عليه شرعًا التوبةُ وردُّ الحقوق إلى أصحابها على الوجه الميسر له، من نحو خصمها من المصروفات المستجدة إن ثَقُل عليه ردُّها جملةً واحدةً أو خاف التأذي من الإفصاح عنها لصاحب العمل.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم تكفين الجزء المأخوذ من الميت لدفنه؟ فإنَّ ابني كان طالبًا في كلية الطب، وأحضرنا له بعض العظام البشرية للتعليم عليها، وقد أنهى دراسته الجامعية، فماذا أفعل في هذه العظام؟ هل أعطيها لغيره من الطلبة ليتعلم عليها، أو يجب عليَّ دفنُها صيانةً لحرمة هذا الميت؟
ما حكم تزوير الشهادات الطبية لبيع البلازما؟ ففي ظل انتشار وباء فيروس كورونا "كوفيد- 19"، وبعد خروج تصريحات وزارة الصحة المصرية بارتفاع نسب الشفاء بعد حقن المرضى ببلازما المتعافين؛ لاشتمالها على أجسام مضادة للفيروس، وجدنا من يستغل هذه الحاجة ويلفق كذبًا من الشهادات الطبية ما يفيد تعافيه من الفيروس؛ وذلك لبيع البلازما بمبالغ مالية كبيرة، فما حكم ذلك؟
كيف تحدث القرآن عن المساجد بصفة عامة وعن المسجد الحرام بصفة خاصة؟ وما هي الحصانات والضمانات التي منحتها شريعة الإسلام لمن هو في داخل الحرم؟ وما السلوك القويم الذي يجب أن يتحلى به المسلم في تلك الأماكن الطاهرة؟
ما حكم ما يُسمى بـ(طلعة رجب) لتوزيع الصدقات عند المقابر؟ علمًا بأنه يعتاد بعض المسلمين في بداية شهر رجب من كل عام زيارة المقابر فيما يعرف بـ "طلعة رجب" ويمكثون في المقابر يوزعون فيها الطعام والأموال على الفقراء والمحتاجين. فما حكم ذلك شرعًا؟
ما حكم بيع الأدوية المرسومة بسعر قديم بسعرها الجديد؟ فهناك رجلٌ يملِك صيدلية، وفي ظلِّ ارتفاع الأسعار تُوَرَّدُ إليه الأدوية مُسَعَّرَةً بأسعارها الجديدة، ويوجد في الصيدلية أدويةٌ أخرى بأسعارها القديمة، فهل يجوز له بيع الأدوية المُسَعَّرَة بالسِّعر القديم بسِعر التوريد الجديد مِن باب توحيد سِعر الدواء؟ علمًا بأنه يسدد ثمن الدواء القديم لشركات الأدوية بالسِّعر القديم المنقوش عليه ولو كان السداد بعد تحرُّك الأسعار.
نرجو منكم توضيح ما ورد في الشرع الشريف من فضل المصافحة بين الناس عند كل لقاء وبيان ثوابها.