حكم التبرع بالأعضاء بعد الوفاة

تاريخ الفتوى: 15 فبراير 2025 م
رقم الفتوى: 8597
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: الطب والتداوي
حكم التبرع بالأعضاء بعد الوفاة

ما حكم الشرع الشريف في التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

استقرت الفتوى في الدِّيار المصريَّة على جواز نقل الأعضاء من الميت إلى الحي بالمُحدِّدات الشرعية والضوابط المرعيَّة، والتي تقوم على التحقق من موت المنقول منه موتًا شرعيًّا ومفارقته للحياة مفارقةً تامةً، أي: موتًا كُليًّا يَسمَح بدفنه، ولا عبرة بالموت الإكلينيكي أو ما يُعرَف بـ موت جذع المخأو "الدماغ" إلا إذا تحقق موتُه بتوقف قلبه وتنفُّسه وجميع وظائف مُخِّه ودماغه توقُّفًا تامًّا لا يُرجى له رجعة، بحيث يكون عمل بعض أعضائه إنما هو عملٌ آليٌّ بفعل الأجهزة المحركة لها، وبحيث يُتيقَّن أو يغلب على الظن من وجهة نظر الطب أن روحه قد فارقت جسده مفارقةً تامةً، كما يُشترط أن يكون الميت المنقول منه العضو قد أوصى بهذا النقل في حياته وهو في كامل قواه العقلية، وبدون إكراه مادي أو معنوي، وأن يكون عالِمًا بأنه يوصي بعضو معيَّن يُنزَع من جسده بعد مماته، وألَّا يؤدي النقلُ إلى امتهان لكرامة الآدمي، ومن ثمَّ يكون التبرع بالأعضاء بعد الوفاة جائزًا شرعًا إذا رُوعِيَت تلك الضوابطُ الشرعيَّةُ، والمحدداتُ القانونية.

المحتويات

 

حِرصُ الإسلام على حياة الإنسان والمحافظة عليها

خلق اللهُ تعالى الإنسانَ وكرَّمه وفضَّله على سائر المخلوقات، وارتضاه لأن يكون خليفة في الأرض؛ قال الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].

ولذلك حرص الإسلامُ كلَّ الحرص على حياة الإنسان والمحافظة عليها وعدم الإضرار بها جزئيًّا أو كليًّا، فأمرت الشريعة الإسلامية الإنسان باتخاذ كلِّ الوسائل التي تحافظ على ذاته وحياته وصحته وتمنع عنه الأذى والضرر، فأمرته بالبعد عن المحرمات والمفسدات والمهلكات، ورَغَّبَتْه عند المرض في اتخاذ كلِّ سبل العلاج والشفاء؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].

وعن أسامةَ بنِ شَرِيكٍ رضي الله عنه: أن أَعرابِيًّا جاء إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسولَ اللهِ، أَنَتَدَاوَى؟ قال: «تَدَاوَوْا؛ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ» أخرجه الإمام أحمد.

حكم نقل وزرع بعض الأعضاء البشرية من الإنسان الميت إلى الإنسان الحي

من الوسائل الطبية التي ثبت جدواها في العلاج والدواء والشفاء بإذن الله تعالى: نقلُ وزرع بعض الأعضاء البشرية من الإنسان الميت إلى الإنسان الحي، وقد استقرت الفتوى في دار الإفتاء المصرية على جواز ذلك شرعًا إذا توافرت شروط معينة تُبعد هذه العملية من نطاق التلاعب بالإنسان الذي كرمه الله تعالى ولا تحوِّله إلى قطع غيار تُباع وتُشترى، بل يكون المقصد منها التعاون على البِر والتقوى وتخفيف آلام البَشر، وذلك إذا لم توجد وسيلة أخرى للعلاج تمنع هلاكَ الإنسان، وقرَّر أهل الخبرة من الأطباء العدول أن هذه الوسيلة تحقق النفع المؤكد للآخِذ، ولا تؤدي إلى ضرر بالمأخوذ منه، ولا تؤثر على صحته وحياته وعمله في الحال أو المآل بالنسبة إلى الحي، وعدم انتهاك حرمة الميت.

وهذا حينئذٍ يكون من باب إحياء النفس الوارد في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].

والميت وإن كان مثل الحي تمامًا في التكريم وعدم جواز الاعتداء عليه بأي حال؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، ولحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا» أخرجه الإمام ابن ماجه، فإن هذا التكريم لا يؤثِّر فيه ما يؤخذ منه بعد موته من أجزاء تقوم عليها حياة إنسان آخر بعده؛ لأن مصلحة الحي مقدمة على مصلحة الميت، فالإنسان الحي يقيم شرع الله ودِينه لتستمر الخلافة في الأرض ويُعبَد اللهُ وحده كما أراد، وإذا كان المقرر فقهًا أنه إذا تعارضت حياة الأم مع حياة جنينها فإنه تُقدَّم حياة الأم عليه؛ لأن حياتها محققةٌ، وانفصال الجنين منها حيًّا أمر غير محقق، فمن باب أَوْلَى أن يُقدَّم الحي على مَن تأكد موته، ولا يُعَدّ ذلك إيذاءً للميت، لا سيما وأن ذلك النقل يتم بعملية جراحية فيها تكريم وليس فيها ابتذال.

الشروط والضوابط اللازمة لجواز نقل الأعضاء البشرية من الميت للحي

وهذا الترخيص والجواز في نقل الأعضاء من الميت إلى الحي يشترط فيه أن يكون بعيدًا عن البيع والشراء والتجارة بأي حال، وبدون مقابل مادي مطلقًا للموصي بالتبرع بالعضو حال حياته، أو لورثته بعد موته، ويشترط في جميع الأحوال وجوب مراعاة الضوابط الشرعية التالية للترخيص بنقل الأعضاء الآدمية من الميت إلى الحي، وهي:

1- أن يكون المنقول منه العضو قد تحقق موته موتًا شرعيًّا، وذلك بالمفارقة التامة للحياة، أي: موتًا كليًّا، وهو الذي تتوقف جميع أجهزة الجسم فيه عن العمل توقفًا تامًّا تستحيل معه العودة للحياة مرةً أخرى، بحيث يُسمَح بدفنه، ولا عبرة بالموت الإكلينيكي أو ما يُعرَف بـ"موت جذع المخ" أو "الدماغ" إلَّا إذا تحقق موته بتوقف قلبه وتنفسه وجميع وظائف مخه ودماغه توقفًا تامًّا لا يُرجى له رجعة، وكان عمل بعض أعضائه إنما هو آليٌّ بفعل الأجهزة، بحيث تكون روحه قد فارقت جسده مفارقةً تامةً لا يُرجى بعدها عودتُه للحياة؛ لأنه حينئذٍ لم يعد نَفْسًا حَيَّة، والتحقق مِن الموت يكون بشهادة لجنةٍ مكونةٍ مِن ثلاثة أطباء -على الأقل- متخصصين مِن أهل الخبرة العدول الذين يُخَوَّل إليهم التعرف على حدوث الموت، وتكون مكتوبةً وموقعةً منهم، ولا يكون مِن بينهم الطبيب المنفذ لعملية زرع العضو المراد نقله، وهذه اللجنة يصدر بها قرارٌ من الوزير المختص، كما جاء في المادة الرابعة عشرة من القانون رقم (5) لسنة 2010م، حيث نصَّت على أنه: [لا يجوز نقل أيِّ عضو أو جزء من عضو أو نسيج من جسد ميت إلا بعد ثبوت الموت ثبوتًا يقينيًّا تستحيل بعده عودته إلى الحياة، ويكون إثبات ذلك بموجب قرار يصدر بإجماع الآراء من لجنة ثلاثية من الأطباء المتخصصين في أمراض أو جراحة المخ والأعصاب، وأمراض أو جراحة القلب والأوعية الدموية، والتخدير أو الرعاية المركزة، تختارها اللجنة العليا لزرع الأعضاء البشرية، وذلك بعد أن تجري اللجنة الاختبارات الإكلينيكية والتأكيدية اللازمة للتحقق من ثبوت الموت، طبقًا للمعايير الطبية التي تحددها اللجنة العليا ويصدر بها قرار من وزير الصحة، وللَّجنة في سبيل أداء مهمتها أن تستعين بمن تراه من الأطباء المتخصصين على سبيل الاستشارة، ولا يجوز أن يكون لأعضاء اللجنة علاقة مباشرة بعملية زرع الأعضاء أو الأنسجة، أو بمسؤولية رعاية أيٍّ من المُتَلَقِّين المُحتَمَلِين] اهـ.

2- الضرورة القصوى للنقل، بحيث تكون حالة المنقول إليه المرَضية في تدهوُر مستمر ولا ينقذه من وجهة النظر الطبية إلا نقل عضو سليم من إنسان آخر ميت، ويكون محققًا للمنقول إليه مصلحة ضرورية لا بديل عنها.

3- أن يكون الميت المنقول منه العضو قد أوصى بهذا النقل في حياته وهو بكامل قواه العقلية، وبدون إكراه مادي أو معنوي، عالِمًا بأنه يوصي بعضو معيَّن من جسده إلى إنسان آخر بعد مماته، وبحيث لا يؤدي النقل إلى امتهان لكرامة الآدمي، فلا يجوز أن تتضمن الوصيةُ نقلَ كثير من الأعضاء بحيث يصير جسد الآدمي خاوِيًا؛ لأن هذا ينافي التكريم الوارد في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].

4- ألَّا يكون العضو المنقول من الميت إلى الحي مؤديًا إلى اختلاط الأنساب بأيّ حال من الأحوال، كالأعضاء التناسلية وغيرها.

5- أن يكون النقل بمركز طبي متخصص معتمد من الدولة ومرخَّص له بذلك مباشرة، وبدون أيِّ مقابل مادي بين أطراف النقل، ويستوي في ذلك الغني والفقير، وبحيث توضَع الضوابط التي تساوي بينهم في أداء الخدمة الطبية، وتضمن ألَّا يتقدم أحدٌ على غيره إلا بمقتضى الضرورة الطبية فقط، والتي يترتب عليها الإنقاذ من الضرر المحقق أو الموت والهلاك الحالِّ.

وبنحو ذلك صدر قرار مجمع البحوث الإسلامية رقم (69) في جلسته رقم (8) الدورة (33) المنعقدة بتاريخ: 17 من شهر ذي الحجة سنة 1417هـ الموافق 24 من أبريل سنة 1997م، إذ جاء فيه ما نصُّه: [يجوز نقل عضو من أعضاء جسد الميت إلى جسد إنسان حي إذا كان هذا الإنسان الميت قد أوصى بذلك قبل وفاته كتابةً، أو شهد بذلك اثنان من ورثته، وإذا لم تكن هناك وصية ولا شهادة ففي هذه الحالة يكون الإذن من السُّلطة المختصة، وفي جميع الأحوال يجب أن يكون الإذن بالنقل دون أيِّ مقابل، كما يجب أيضًا أن يكون العضو المنقول لا يؤدي إلى اختلاط الأنساب] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فقد استقرت الفتوى في الدِّيار المصريَّة على جواز نقل الأعضاء من الميت إلى الحي بالمُحدِّدات الشرعية والضوابط المرعيَّة، والتي تقوم على التحقق من موت المنقول منه موتًا شرعيًّا ومفارقته للحياة مفارقةً تامةً، أي: موتًا كُليًّا يَسمَح بدفنه، ولا عبرة بالموت الإكلينيكي أو ما يُعرَف بـ موت جذع المخ أو "الدماغ" إلا إذا تحقق موتُه بتوقف قلبه وتنفُّسه وجميع وظائف مُخِّه ودماغه توقُّفًا تامًّا لا يُرجى له رجعة، بحيث يكون عمل بعض أعضائه إنما هو عملٌ آليٌّ بفعل الأجهزة المحركة لها، وبحيث يُتيقَّن أو يغلب على الظن من وجهة نظر الطب أن روحه قد فارقت جسده مفارقةً تامةً، كما يُشترط أن يكون الميت المنقول منه العضو قد أوصى بهذا النقل في حياته وهو في كامل قواه العقلية، وبدون إكراه مادي أو معنوي، وأن يكون عالِمًا بأنه يوصي بعضو معيَّن يُنزَع من جسده بعد مماته، وألَّا يؤدي النقلُ إلى امتهان لكرامة الآدمي، ومن ثمَّ يكون التبرع بالأعضاء بعد الوفاة جائزًا شرعًا إذا رُوعِيَت تلك الضوابطُ الشرعيَّةُ، والمحدداتُ القانونية.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

ما حكم تفويض المرأة في الطلاق الثلاث، وذلك بأن يفوضها زوجها في تطليق نفسها الثلاث طلقات متفرقات (واحدة بعد واحدة)؟ وهل يجوز لها أن تشترط ذلك في عقد الزواج؟


مؤسسة مقيدة بالإدارة العامة المركزية للجمعيات والاتحادات، وتخضع لأحكام قانون ممارسة العمل الأهلي رقم (149) لسنة 2019م ولائحته التنفيذية. وحيث إن المؤسسة تمارس العديد من الأنشطة، فهل يجوز لها استقبال أموال الزكاة والصدقات والصرف منها على مرضى الجذام؟


ما حكم التشارك في الطعام والشراب في إناء واحد؟ فنحن مجموعة من الشباب خرجنا معًا في رحلة، وجلسنا في استراحة الطريق لنتناول الغداء، فكنا نأكل في طبق واحد، ونتناوب زجاجة الماء نشرب منها جميعًا، فأَنِف أحدنا من هذا الفعل، وأنكر علينا إنكارًا شديدًا بحجة أنه قد تنتقل بسبب ذلك الأمراض، فرد عليه أحد الزملاء بأن ما نقوم به من التشارك في إناء الطعام والشراب سنة نبوية، فلا يجوز أن تنكر علينا ذلك، فما صحة هذا الكلام؟


ما حكم إنكار عدوى كورونا؟ حيث يستنكر البعض الخوف والتحذير من عدوى كورونا، مستدلين بأن المرض من الله وحده وأنه لا عدوى في الإسلام، فكيف نرد على ذلك؟


ما حكم التبرع ببلازما الدم؟ فقد أثبتت التجارب العلمية التي أعلنت عنها وزارة الصحة المصرية نجاح علاج المصابين بفيروس كورونا عن طريق حقنهم بالبلازما المستخلصة من دماء المتعافين منه، حيث ظهرت النتائج المبشرة من خلال زيادة نسب الشفاء للمرضى، وتقليل احتياجهم لأجهزة التنفس الصناعي. وبدأت هذه التجارب منذ إعلان هيئة الغذاء والدواء الأمريكية عن إمكانية استخدام البلازما الخاصة بالمرضى المتعافين من فيروس كورونا المستجد في علاج الحالات الحرجة، نظرًا لكونها تحتوي على الأجسام المضادة للفيروس، مما يمنح احتمالية لتحسن تلك الحالات خاصة مع الشواهد البحثية في العديد من دول العالم.
وقد ناشدت وزيرة الصحة المتعافين من فيروس كورونا، التوجه إلى أقرب مركز نقل دم تابع لخدمات نقل الدم القومية بوزارة الصحة والسكان؛ وذلك للتبرع ببلازما الدم، بعد مرور 14 يومًا على شفائهم، حيث تم تفعيل العمل بخمسة مراكز نقل دم على مستوى الجمهورية.
فما حكم تبرع المتعافين من الوباء بالبلازما في هذه الحالة؟ وهل يسوغ لهم الامتناع من التبرع مع المناشدة الوطنية والاستنفار القومي لإنقاذ الأعداد الكثيرة المصابة بوباء كورونا؟


ما حكم العلاج بالعطور والبخور؟ فهناك بعض الناس يستخدم بعض العطور أو البخور للعلاج؛ نشرًا في الجو، أو استنشاقًا، أو بتدليك مواضع الإصابة ببعض الزيوت العطرية. ويدَّعي بعض الناس أن ذلك بدعة، وأنه لا أصل له شرعًا وغير جائز. فما حكم الشرع في ذلك؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 05 أكتوبر 2026 م
الفجر
5 :24
الشروق
6 :50
الظهر
12 : 43
العصر
4:5
المغرب
6 : 36
العشاء
7 :53