هل يبطل الصيام إذا لم يشعر الصائم بلذَّة العبادة؟
إذا تمَّ الصوم بأركانه، وشروطه من وجود النية، والإمساك عن المفطرات على الوجه المطلوب شرعًا، وخلا الصوم عمَّا يفسده، فإنه يقع صحيحًا، سواء شَعُرَ الصائم بلذَّة العبادة وحلاوتها أو لم يشعر، غير أنه مما ينبغي على الصائم أن يهيئ نفسه لتحصيل الأسباب التي تعينه على الاستلذاذ بالطاعة.
المحتويات
شَرَع الله عزَّ وجلَّ الصيام لحكٍم جليلٍة، ومقاصد ساميٍة، ومن أعظم مقاصده أن يحقِّق المكلف مقام التقوى؛ التي تعني أن يراقب العبد ربه في السر والعلن، وأن يتحقق بمقام الإحسان، وأن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه، وأن يتخلى عن شهوات النفس ورعوناتها؛ قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (2/ 276، ط. دار الكتب المصرية): [لتتقوا المعاصي، وقيل: هو على العموم؛ لأن الصيام كما قال عليه السلام: (الصيام جنة ووجاء)، وسببُ تقوى؛ لأنه يميت الشهوات] اهـ.
والصوم لغةً: مصدر صام يصوم صومًا وصيامًا، وهو مطلق الإمساك؛ كما في "المصباح المنير" للعلامة الفيومي (1/ 352، ط. المكتبة العلمية).
وشرعًا: الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس مع النية، ينظر: "الاختيار لتعليل المختار" لابن مودود الحنفي (1/ 125، ط. مطبعة الحلبي)، و"الشرح الكبير" للشيخ الدردير المالكي (1/ 509، ط. دار الفكر)، و"مغني المحتاج" للخطيب الشربيني الشافعي (2/ 140، ط. دار الكتب العلمية)، و"كشاف القناع" للبهوتي الحنبلي (2/ 345، ط. دار الكتب العلمية).
ولقد اتفق العلماء على أنَّ أصول المُفَطِّرات هي: الأكل والشرب، والجماع، وطروء الحيض، والنفاس قبل انتهاء وقت الصيام، والقيء عمدًا.
قال العلامة ابن القطان في "الإقناع في مسائل الإجماع" (1/ 231، ط. الفاروق الحديثة): [واتفقوا على أن الأكل لما يغذي من الطعام مما يستأنف إدخاله في الفم، والشرب، والوطء، حرام من حين طلوع الفجر إلى غروبها] اهـ.
وقال أيضًا (2/ 65): [وأجمعوا على أن الصائمة صومًا واجبًا إن حاضت قبل أن تتمه أنها تقضي أيام حيضتها إذا طهرت] اهـ.
وقال العلامة ابن المنذر في "الإجماع" (ص: 49، ط. دار المسلم): [وأجمعوا على إبطال صوم من استقاء عامدًا] اهـ.
فإذا تحقَّقَت هذه الأمور من حصول الامتناع الشرعي عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وخلا الصوم عمَّا يفسده؛ فإنه يكون صحيحًا.
العبادة لها حلاوة ولذَّة يتذوق طعمها المتعبد، وأصل الذوق وجود طعمٍ في الفم ولو قليل، فعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «ذاق طعم الإيمان مَن رضي بالله رَبًّا، وبالإسلام دِينًا، وبمحمد رسولًا» أخرجه الإمام مسلم في "الصحيح".
قال الإمام النووي في "شرحه على صحيح مسلم" (2/ 13، ط. دار إحياء التراث العربي): [هذا حديثٌ عظيمٌ أصلٌ من أصول الإسلام، قال العلماء رحمهم الله معنى "حلاوة الإيمان": استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في رضى الله عزَّ وجلَّ ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وإيثار ذلك على عَرَض الدنيا] اهـ.
والصيام له نوع خاص من الحلاوة واللذة، فالصائم يَشْعُر عند أذان مغرب يوم صيامه بفرحة ولذَّة من حيث إنه: تمام صومه، وخاتمة عبادته، وسلامته من المفسد، وزوال جوعه وعطشه حيث أبيح له الفطر، وهذا الفرح طبيعي، ويوم القيامة يفرح بوعد الله تعالى من الخيرات المُعَدة له، ونيل الثواب، وإعظام المنزلة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فَرِح بصومه» متفقٌ عليه.
قال القاضي عياض في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (4/ 112، ط. دار الوفاء): [وقوله: "للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه": أما فرحته عند لقاء ربه فبينة لما يراه من الثواب وحسن الجزاء، كما قال فى الرواية الاخرى: "إذا لقى الله فجزاه فرح"، وأما عند إفطاره فلتمام عبادته وسلامتها من الفساد وما يرجوه من ثوابها، وقد يكون معناه: لما طبعت النفس عليه من الفرح بإباحة لذَّة الأكل وما منع منه الصائم، وحاجته إلى ذهاب ألم الجوع عنه، وهو ظاهر فى بعض الروايات أنه "إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقى ربه فرح بصومه"] اهـ.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي في "المفهم" (3/ 216، ط. دار ابن كثير): [وقوله: (وللصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره)؛ أي: فَرِح بزوال عطشه وجوعه حين أبيح له الفطر، وهذا الفرح طبيعي، وهو السابق للفهم، وقيل: إن فَرَحه بفطره؛ إنما هو من حيث إنه: تمام صومه، وخاتمة عبادته، وتحقيق ريّه، ومعونته على مستقبل صومه، وأما قوله: (وإذا لقي ربه فرح بصومه)؛ أي: بجزاء صومه، وثوابه] اهـ.
فعُلِمَ من ذلك أن العبادة إذا وقعت على الهيئة المطلوبة، ومستوفية للأركان، والشروط فإنها تكون صحيحة ومجزئة، فإذا لم يشعر الصائم بلذَّة العبادة وحلاوتها فصومه صحيح، ما دام أنه قد تمَّ بأركانه وشروطه من الإمساك عن المفطرات، وتحقِّق النية، وخلوه من المفسدات.
قال الإمام بدر الدين الزركشي في "تشنيف المسامع بجمع الجوامع" (1/ 179، ط. مكتبة قرطبة): [العبادة إن وقعت مستجمعة الأركان، والشروط كانت صحيحة، وإلا ففاسدة] اهـ.
بناءً على ذلك: فإذا تمَّ الصوم بأركانه، وشروطه من وجود النية، والإمساك عن المفطرات على الوجه المطلوب شرعًا، وخلا الصوم عمَّا يفسده، فإنه يقع صحيحًا، سواء شَعُرَ الصائم بلذَّة العبادة وحلاوتها أو لم يشعر، غير أنه مما ينبغي على الصائم أن يهيئ نفسه لتحصيل الأسباب التي تعينه على الاستلذاذ بالطاعة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم الصيام والصدقة بنية الشكر؟ فقد مَنَّ الله عليَّ بوظيفة مرموقة والآن أريد أن أصوم شهرًا بنية شكر الله تعالى على تلك المنَّة، كما أنِّي أُريد أن أتصدَّق أيضًا بقيمة شهرين من راتبي.
ما حكم صوم من أخذت دواء لمنع الحيض حتى تتمكن مِن صيام شهر رمضان كلِّه دون انقطاع؟
ما حكم صيام من كان في بلد غير إسلامي برؤية بلد إسلامي مجاور؟ فأنا أعيش في بلد ذي أقلية مسلمة، ولا أعرف كيفية رؤية الهلال، ولا يوجد عندنا هيئة رسمية لذلك الشأن، لكن هناك بعض الناس يجتهدون في رؤية الهلال، وتختلف أقوالهم كل عام في ثبوت رؤية الهلال وعدم ثبوته، ويجاورنا بلد إسلامي، وبه مؤسسة إفتائية رسمية تقوم باستطلاع هلال شهر رمضان الكريم وتصدر بيانًا بذلك، فهل يجوز لمن يعيشون في مثل بلدنا أن يصوموا بناء على رؤية ذلك البلد الإسلامي المجاور حسمًا للخلاف الموجود في تلك البلد، أو يجب عليهم أن يصوموا برؤية بلدنا؟
كيف أقضي ما فات من صيام رمضان بسبب الحيض؟ لقد جاءتني الدورة الشهرية في سن 14 سنة وكنت أفطر لمدة سبعة أيام ولا أقضيها، فهل يجوز لي الآن أن أصوم هذه الأيام ولو كل أسبوع يومًا أو يومين؟ أرجو الإفادة عن الحكم الشرعي.
ما حكم الشك في عقد نية القضاء وتغييرها إلى تطوع بعد طلوع الشمس؟ حيث سألني بعض الأصدقاء أنَّ عليه قضاء يومٍ من شهر رمضان، ولكنه شَكَّ هل نَوى صيام هذا اليوم قبل الفَجْر أو لا، وكان ذلك الشك بعد طلوع الشمس، فحصل منه أن نَوَى صوم هذا اليوم تطوعًا، فهل يصح ما فعله؟
ما حكم إمساك الحائض عن الطعام والشراب في نهار رمضان؟ حيث تأكل بعض النساء شيئًا قليلًا ثم تمسك بقية اليوم؛ مراعاة لحرمة شهر رمضان.