الأربعاء, 04 نوفمبر 2026 – 24 جُمادى الأولى 1448 هـ
18 مايو 2022 م

القوامة

القوامة

جعل الله تعالى على الزوجين واجبَ رعايةِ الأسرة واستقرار الحياة الزوجية بينهما؛ وذلك من خلال شعور كليهما بالمسئولية في الواجبات والآداب اللازمة تجاه بعضهما؛ حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، وَالْـمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ» متفقٌ عليه.

ومن الثابت بالنص الشريف أن الرجل في إطار العلاقة الزوجية تثبت له القوامة؛ وذلك بقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34]، وهي تعني مسئولية الرجل عن الأسرة المكونة من الزوجة والأولاد إن وجدوا، ولا ترتب بحالٍ حقًّا يتسلط به الرجل على المرأة، فاللغة لا تساعد على استنتاج هذا المعنى من لفظ القوامة المذكور في الآية الكريمة، لأن (قوَّام) بالتشديد يعنى القائم على حقوق الله تعالى؛ كما جاء في "القاموس المحيط"، والـ(قوَام) بالتخفيف يعنى العدل وسطًا بين الطرفين؛ كما جاء في "القاموس" أيضًا، فعلى هذا كله لا تنتج القوامة تسلطًا واستعلاءً، بل تنتج قيامًا على الحق وعدلًا في تولي الأمر، وكل ذلك يدخل في مضامين المسئولية والولاية، فهل القائم على حقوق الله تعالى أو على الحقوق جميعًا يمكن أن يفهم أنه بذلك تسلط على هذه الحقوق، أو الأدق أن يقال إنه أضحى مسئولًا عن هذه الحقوق بكل تفاصيلها.

فعلى هذا كله  باعتبار أن اللغة هي التي يفهم بها النص الشرعي، يمكن أن نقول في طمأنينة إن مفهوم القوامة الزوجية وحقائقه يدور حول قيادة الأسرة وضبط أمورها وانتظام شئونها في رشد، ويلاحظ أن الشرع الشريف حينما شرع مبدأ القوامة شرع إلى جانبه مبدأ المساواة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَـهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْـمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 228]، وهو يقرر أن أهلية المرأة كأهلية الرجل تمامًا بتمام أمام تشريعات الحقوق والواجبات وأحكامها، وأيضًا أمام تشريعات الجزاء وأحكامها، بل علَّق صحَّة الزواج على إذن المرأة ورضاها سواء كانت بكرًا أو ثيبًا، كما عالج الشرع الشريف ما قد ينتج عن ذلك من تصرفات سيئة لبعض الرجال بسبب الفهم الخطأ لمفهوم القوامة؛ حيث يعنى لديهم النظرة الدونية للمرأة وما يتبع ذلك من السيطرة والتسلط وعدم الاحترام والتقدير؛ حيث يأتي التأكيد على وجوب معاملة المرأة بالحسنى وعدم الإساءة إليها بالقول والفعل، ومشورتها في أمور الحياة الزوجية، حتى ولو كانت في أمر فطام الولد من الرضاعة، فضلًا عن احترام حقها في إدارة خصوصيتها كما تحب، وعدم تقييد حرية تصرفها فيما يدخل تحت ذمتها المالية؛ وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: 20]، ويستثنى من ذلك ما كان عن طِيبِ خاطر منها؛ انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4].

وبذلك يعكس مبدأ "القوامة الزوجية" التوازنَ الحكيم في توزيع الأدوار والمسئوليات بين الزوجين في داخل الأسرة وخارجها على نحو منضبط يراعي الفروق البيولوجية والنفسية بين الجنسين؛ حتى يتمكن كل منهما من أداء واجباته تجاه الآخر بما يلائم فطرته وخِلْقتَه، وأن ما اختص به الزوج من أحكام هو من قبيل الفضل الوظيفي، وهو هكذا بالنسبة للمرأة؛ ولذا كان الحث على ألا يتمنى أحدهما مميزات الآخر؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: 32]، فالقوامة تكليف وواجب.

***

جعل الله تعالى الزوجة راعية ومؤتمنة على زوجها وأسرتها، تهتم بهم وتقوم بمصالحهم وتبذل لهم ما تقتضيه فطرتها من العطف والحب والحنان، بما يعود على البناء الأسري بالاستقرار والأمان والتكامل.


يتناول بعض الباحثين قضية تنظيم النسل بصورة معكوسة؛ حيث يتوهم أنها تتعارض مع قضية الرزق، مع استشهادٍ ببعض النصوص الشرعيَّة المحرِّمة لقتل الأولاد من أجل الفقر والعجز عن الاكتساب؛ كما في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: 151].


تُعدُّ النصيحة من أفضل وسائل الإرشاد والتوجيه بين الزوجين نحو ما ينبغي فعله من أحد الطرفين تجاه الآخر، خاصةً أن الحياة الزوجية لا تخلو من التعرض للمواقف والهزات المهددة لاستقرار بناء هذه الحياة ذات الميثاق الغليظ وتكامل أدوار ومسئوليات أفرادها، سواء كان ذلك نتيجة فتور التواصل والتفاعل بين الزوجين، أو قصور الأداء للأدوار والمسئوليات، أو عدم تشبع الاحتياجات بصورة ملائمة لهما.


تحتل قضية تجديد الخطاب الديني الأولوية في معالجة الحالة الدينية في الأمة في عصرها الحاضر حتى تعود إلى سيرتها الأولي، انطلاقًا من سنة الله تعالى الجارية؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» "سنن أبي داود" (ص: 291).


فطر الله تعالى الكون على وجود ثنائياته من أجل أن تتكامل؛ فخلق الشمس والقمر، والليل والنهار، والسماء والأرض، وكذلك الذكر والأنثى، وهيأ سماتٍ خاصةً بكل جنس وما هو مخلوق لأجله على قدر طاقته وخصائصه، وتترتب على هذه السمات والخصائص مجموعة الوظائف، وفى ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: 49]، وقال سبحانه أيضًا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُون﴾ [يس: 36].


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 04 نوفمبر 2026 م
الفجر
4 :43
الشروق
6 :11
الظهر
11 : 38
العصر
2:43
المغرب
5 : 6
العشاء
6 :25