حكم شراء وتجهيز المقابر بنية الوقف والصدقة الجارية

تاريخ الفتوى: 22 يوليو 2026 م
رقم الفتوى: 9024
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: البيع
حكم شراء وتجهيز المقابر بنية الوقف والصدقة الجارية

ما حكم شراء وتجهيز المقابر بنية الوقف العام ومدى اعتباره من الصدقة الجارية؟ فنحن شركة للاستثمار وإدارة الأصول العقارية، ونحن بصدد تنفيذ مشروع مقابر، وبصفتنا المالكين للمشروع، ورغبة من بعض عملائنا في الوقوف على الضوابط الشرعية وأحكام الشريعة الإسلامية في إمكانية شراء مقابر بِنيَّة الوقف العام لدفن عامة المسلمين، وهل يعد تجهيز المقابر من الصدقات الجارية؟ وبيان الأحكام المتعلقة بها وفق الشريعة الإسلامية.

يجوز شرعًا وقف المقابر، سواء كان هذا الوقف في صورة قبور مجهزة، أو أرضٍ تُستَغل للدفن فيها، مع مراعاة أن يُلتزَم بشرطِ الواقف واعتبارِه وتنفيذِه وعدم تعدِّيه إلى غيره، وألا يُتعدَّى على الوقف بعد حصوله ببيع ولا تملُّك، وأن يتساوَى في المنفعة بتلك القبور مَن وُقفت لأجلهم، وألا يدفن في القبر الواحد أكثر من ميتٍ ولا يجمع فيه بين رجل وامرأة إلا للضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، فإذا وجدت الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلتها جاز الجمع على أن يكون بينهما ساتر من تراب أو نحوه، كما يجب أن يكون القبر بحيث يُوَارِي جسدَ الميت فيَستُره ويَكتم رائحتَه عن الأحياء، وأن يكون تصميمُه الهندسي بحيث يوضَع فيه الميت على جنبه الأيمن مُستقبِلًا بوجهه وشِقِّه الأيمن القِبلةَ، وأن يُراعَى في تهيئة القبر وإعداده طولُ الميت، وأن يكون عَرضُه على قَدْرِ نصف طولِه على الأقل، وهذا كله مع مراعاة اللوائح والقوانين المنظمة لهذا الشأن، واستصدار التراخيص اللازمة من الجهات المختصة المعنية.

المحتويات

 

الحث على الإنفاق في سبيل الله والوقف

حث الشرع الشريف على كافة وجوه الخير والإنفاق في سبيل الله حتى يتسارع الناس في ميادين البر والإحسان؛ سَدًّا لحاجة كل ذي حاجة، وتحقيقًا لمبدأ التكافل والتعاون بين الناس، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، وقال سبحانه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 195]، ومن وجوه الإنفاق في سبيل الله: الوقف.

وقد عرفه العلامة الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (3/ 522، ط. دار الكتب العلمية) بقوله: [حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود] اهـ.

الدليل على مشروعية الوقف من السنة النبوية

قد دلت النصوص الشرعية على مشروعية الوقف، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن عمر بن الخطاب أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يَسْتَأْمِرُهُ فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضًا بخيبر لم أُصِبْ مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا»، قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يُوهَبُ ولا يُورَثُ، وتصدق بها في الفقراء، وفي القربى وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وَلِيَهَا أن يأكل منها بالمعروف، وَيُطْعِمَ غير مُتَمَوِّلٍ. متفق عليه.

قال الإمام الترمذي في "سننه" (3/ 651، ط. مكتبة مصطفى الحلبي): [والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم، لا نعلم بين المتقدمين منهم في ذلك اختلافًا في إجازة وقف الأَرَضِينَ وغير ذلك] اهـ.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» أخرجه الإمام مسلم.

قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (11/ 85، ط. دار إحياء التراث): [قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته، وينقطع تجدد الثواب له، إلا في هذه الأشياء الثلاثة؛ لكونه كان سببها، فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف] اهـ.

حكم وقف المقابر

قد نص الفقهاء على جواز وقف المقابر، سواء كان ذلك في صورة قبر واحد مجهز للدفن، أو قطعة أرض توقف فيحفر فيها ويدفن عامةُ المسلمين أو مَن خَصَّهم الواقفُ بوقفه.

قال الإمام ابن القطان في "الإقناع في مسائل الإجماع" (2/ 190، ط. الفاروق الحديثة): [واتفقوا على جواز إيقاف أرض لبناء مسجد أو لعمل مقبرة] اهـ.

وقال الإمام ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص: 97، ط. دار الكتب العلمية): [واتفقوا على جواز إيقاف أرض لبناء مسجد أو لعمل مقبرة] اهـ.

الضوابط والشروط الشرعية لوقف المقابر والدفن فيها

إذا تقرر جواز ذلك فإن هناك شروطًا وضوابط يجب مراعاتها، منها ما يتعلق بالوقف، ومنها ما يتعلق بالدفن في المقابر الموقوفة وغيرها، ومن ذلك:

أولًا: أن يُلتزَم بشرط الواقف ولا يتعدى إلى غيره، فإن شَرَطَ الواقف الدفن لجماعة معينة فيجب اعتباره وتنفيذه، ولا يجوز حينئذ دفن غيرهم في هذه المقابر؛ لأن شرط الواقف كنص الشارع يجب اتباعه، والأصل في ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» أخرجه الإمام أبو داود.

قال العلَّامة ابن نُجيم في "الأشباه والنظائر" (1/ 163، ط. دار الكتب العلمية): [شرط الواقف يجب اتباعه؛ لقولهم: شرط الواقف كنص الشارع، أي: في وجوب العمل به، وفي المفهوم والدلالة] اهـ.

وقال العلامة تقي الدين السبكي في "الفتاوى" (2/ 13، ط. دار المعارف): [والفقهاء يقولون: شروط الواقف كنصوص الشارع، وأنا أقول من طريق الأدب: شروط الواقف من نصوص الشارع؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ»، وإذا كانت مخالفة النص تقتضي نقض الحكم، فمخالفةُ شرط الواقف تقتضي نقض الحكم] اهـ.

ثانيًا: عدمُ بيع الوقف أو تمليكِه من حيث الأصل؛ لأن الوقف يُخرج العين الموقوفة عن ملك صاحبها، وتبقى المنفعة لعموم الناس أو من حدَّدهم الواقف إن كان ثَمَّ تحديدٌ.

قال العلامة كمال الدين بن الهمام في "فتح القدير" (6/ 220، ط. دار الفكر): [وإذا صح الوقف خرج عن مِلك الواقف. ثم قوله: (لم يجز بيعه ولا تمليكه) هو بإجماع الفقهاء] اهـ.

ثالثًا: ألا يدفن في القبر الواحد أكثر من ميت -سواء كان ذلك ابتداءً، أو تبعًا- إلا للضرورة أو الحاجة، فإن حصلت الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة فإنه يراعى حينئذ قدر الإمكان أن يُخصَّ قبرٌ للرجال ومثلُه للنساء، فإن تعذر ذلك فيجمع حيث تعين ذلك، على أن يكون بينهما ساتر من تراب أو نحوه.

قال الإمام النووي في "روضة الطالبين" (2/ 138- 139، ط. المكتب الإسلامي): [ولا يجمع بين النساء والرجال إلا عند تأكد الضرورة، ويجعل بينهما حاجز من تراب، ويقدم الرجل وإن كان ابنًا، فإن اجتمع رجل وامرأة وخنثى وصبي قُدِّم الرجل، ثم الصبي، ثم الخنثى، ثم المرأة. وهل يجعل حاجز التراب بين الرجلين، وكذا بين المرأتين، أم يختص باختلاف النوع؟ قال العراقيون: لا يختص، بل يعم الجميع. وأشار جماعةٌ إلى الاختصاص. قلت: الصحيح قول العراقيين] اهـ.

وقال العلامة الرملي في "نهاية المحتاج" (3/ 10، ط. دار الفكر): [(ولا يدفن اثنان في قبر) أي لحدٍ وشقٍّ واحدٍ ابتداءً، بل يفرد كل ميت بقبر حالة الاختيار؛ للاتباع. ذكره في "المجموع" وقال: إنه صحيح. فلو دفنهما ابتداءً فيه من غير ضرورة حَرُم -كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى- وإن اتحد النوع كرجلين أو امرأتين، أو اختلف وكان بينهما محرمية ولو أمًّا مع ولدها وإن كان صغيرًا، أو بينهما زوجيةٌ أو مملوكيةٌ كما جرى عليه المصنف في "مجموعه" تبعًا للسرخسي] اهـ.

وقال الإمام ابن الحاج في "المدخل" (2/ 18- 19، ط. دار التراث): [العلماء رحمة الله عليهم قد اتفقوا على أن الموضع الذي دُفن فيه المسلم وقفٌ عليه ما دام منه شيءٌ ما موجودًا فيه حتى يفنى، فإذا فني حينئذ يدفن غيره فيه، فإن بقي شيءٌ ما من عظامه فالحرمة قائمة كجميعه، ولا يجوز أن يحفر عليه ولا يدفن معه غيره ولا يكشف عنه اتفاقًا] اهـ.

رابعًا: أن يكون القبر بحيث يُوَارِي جسدَ الميت فيَستُره ويَكتم رائحتَه عن الأحياء، وأن يكون تصميمُه الهندسي بحيث يوضَع فيه الميت على جنبه الأيمن مُستقبِلًا بوجهه وشِقِّه الأيمن القِبلةَ، وأن يُراعَى في تهيئة القبر وإعداده طولُ الميت، وأن يكون عَرضُه على قَدْرِ نصف طولِه، وإن زاد على ذلك فهو حسن.

قال العلامة ابن عابدين في "رد المحتار" (2/ 234، ط. دار الفكر): [وفي القُهُسْتَاني: وطولُه على قَدْرِ طولِ الميتِ، وعَرْضُه على قَدْرِ نصفِ طولِه] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنه يجوز شرعًا وقف المقابر، سواء كان هذا الوقف في صورة قبور مجهزة، أو أرضٍ تُستَغل للدفن فيها، مع مراعاة أن يُلتزَم بشرطِ الواقف واعتبارِه وتنفيذِه وعدم تعدِّيه إلى غيره، وألا يُتعدَّى على الوقف بعد حصوله ببيع ولا تملُّك، وأن يتساوَى في المنفعة بتلك القبور مَن وُقفت لأجلهم، وألا يدفن في القبر الواحد أكثر من ميتٍ ولا يجمع فيه بين رجل وامرأة إلا للضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، فإذا وجدت الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلتها جاز الجمع على أن يكون بينهما ساتر من تراب أو نحوه، كما يجب أن يكون القبر بحيث يُوَارِي جسدَ الميت فيَستُره ويَكتم رائحتَه عن الأحياء، وأن يكون تصميمُه الهندسي بحيث يوضَع فيه الميت على جنبه الأيمن مُستقبِلًا بوجهه وشِقِّه الأيمن القِبلةَ، وأن يُراعَى في تهيئة القبر وإعداده طولُ الميت، وأن يكون عَرضُه على قَدْرِ نصف طولِه على الأقل، وهذا كله مع مراعاة اللوائح والقوانين المنظمة لهذا الشأن، واستصدار التراخيص اللازمة من الجهات المختصة المعنية.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

ما حكم الشراكة بين شخصين أحدهما بالمال والآخر بمنصبه الوظيفي ونفوذه؟ فهناك رجلٌ ذو مال يَتَّجِرُ في مواد البناء، ويريد إبرام اتفاقِ شراكةٍ مع صَاحبٍ لا مال له، غير أن هذا الصاحب ذو مَنْصِبٍ وظيفيٍّ ومكانةٍ ونفوذ، مما يُمكِّنه مِن تسهيل وتيسير الصفقات وإسنادها بيعًا وشراءً، بالآجل أو نقدًا، في حين أن التاجر صاحب المال هو مَن يقوم بالتعاقد مع الجهات (بنفوذ هذا الصاحب ومَنصِبِه الوظيفي) ودفع الأثمان (لأجَلٍ كانت أو حالَّةً)، وما ينشأ بعد ذلك مِن مصاريفٍ ونحوها، وعلى هذا الاتفاق تكون الشراكةُ مِن أحدهما بالمال، ومِن الثاني بالمَنصِب الوظيفي والنفوذ وما يترتب على ذلك مِن تسهيل الصفقات وإسنادها إلى الأول (التاجر)، ثم بعد البيع وخصم المصروفات تقسم الأرباح بين الشريكين بالتساوي، فما الحكم في ذلك شرعًا؟


ما حكم بيع المال المشاع من دون إذن باقي الشركاء؟ فقد اشترى مجموعةٌ من الأفراد ماكينة رَيٍّ على المشاع لِسَقْيِ المحاصيل الزراعية، وبعد فترة بَاعَها أحدُ الشركاء بدون إذن الآخَرين، فما حكم هذا البيع شرعًا؟


يريد السائل أن يكتب نصيبه من البيت الذي يمتلكه لزوجته التي ساهمت في بنائه، على أن يكون البيع ساريًا بعد وفاته؛ خوفًا عليها من إخوته الذين رباهم وصرف عليهم حتى تزوجوا جميعًا، ولكنهم أساءوا معاملته. فما حكم الشرع في ذلك؟


يقول السائل: يدَّعي بعض الناس جواز الاتّجار في المخدرات من غير تعاطيها، وأنه ليس حرامًا؛ لأنه لم يرد نصٌّ في القرآن الكريم أو السنة المشرفة بحرمة ذلك. فنرجو من منكم الردّ على ذلك وبيان الرأي الشرعي الصحيح.


نرجو منكم بيان أهمية العمل والحث على إتقانه في الشرع.


ما حكم استنشاق الصائم في عمله غبار الملح رغمًا عنه؟ حيث يوجد شخص يعمل في معمل لتصنيع الملح ويستنشق غبار الملح وهو صائم رغمًا عنه، فما الحكم في ذلك؟ وهل يفسُد صيامه؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 11 سبتمبر 2026 م
الفجر
5 :9
الشروق
6 :37
الظهر
12 : 52
العصر
4:23
المغرب
7 : 6
العشاء
8 :24