حكم بيع بيانات المرضى الصحية لشركات التأمين أو الأدوية

تاريخ الفتوى: 02 مايو 2026 م
رقم الفتوى: 8939
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: البيع
حكم بيع بيانات المرضى الصحية لشركات التأمين أو الأدوية

ما حكم تعامل بعض الأفراد من الموظفين مع البيانات الصحية الشخصية للمرضى والقيام بجمعها وتحليلها بواسطة الذكاء الاصطناعي؟ وهل يجوز بيع هذه البيانات لشركات التأمين أو الأدوية؟

قيام بعض الأفراد الذين يعملون في إحدى الجهات أو الهيئات الصحية بجمع وتحليل البيانات الصحية الشخصية الخاصة بالمرضى عن طريق برامج الذكاء الاصطناعي، والعمل على بيعها لشركات التأمين أو الأدوية مقابل مبلغ من المال دون إذن أصحاب تلك البيانات -فعلٌ محرم شرعًا وممنوع قانونًا، إذ إن هذه البيانات من جملة الأسرار والأمانات التي يجب حفظها.

كما أنَّ التفريط في هذه البيانات الصحية مقابل مبلغ من المال، فيه من الخيانة، وبيع الشخص ما لا يملكه، والكسب المحرم شرعًا.

ويستثنى من ذلك بعض الحالات التي يكون فيها نقل البيانات الصحية الشخصية لغرض معين يمس الصالح العام كما في حالة الأبحاث الطبية الإكلينيكية، أو العمل على إعداد مصل وقائي يمنع من تفشي الأمراض المعدية، ففي هذه الحالات يُسمح بنقل التقارير الطبية الخاصة بالمريض للجهات المختصة دون التَّعرُّض للمعلومات الشخصية للمريض كاسمه وعنوانه إلَّا بإذنه بعد رجوع الجهة إليه.

المحتويات

 

الأمانة الوظيفية وحفظ أسرار البيانات في الإسلام

مِن المقرر شرعًا أنَّ العمل أمانة، وأنَّ الإنسان مأمورٌ بأن يؤدي الأمانة التي ائتُمن عليها، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58].

فكل عامل أمين على عمله ومسؤول عنه، فعن عبد الله بن عُمر رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، قال: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» أخرجه الشيخان.

فالموظف في عمله راعٍ على ما أُسند إليه من عمل، ومسؤولٌ عنه أمام الله تعالى، وهو مؤتمن على العمل الذي كُلف به وفوض إليه، ومؤتمن كذلك -بحكم وظيفته- على ما يقع تحت يده من الملفات التي بها بيانات شخصية خاصة بالعملاء، وهذه البيانات تُعد من قبيل "الأسرار".

والسر أمانةٌ من الأمانات التي يجب حفظها، فعن أنسٍ رضي الله عنه قال: «أسرَّ إلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم سرًّا، فما أخبرت به أحدًا بعده، ولقد سألتني أم سليم فما أخبرتها به» أخرجه البخاري.

قال الإمام ابن بَطَّال في "شرح صحيح البخاري" (9/ 63، ط. مكتبة الرشد): [السر أمانة وحفظه واجب، وذلك من أخلاق المؤمنين] اهـ.

والإشارة في النصوص عامة تشمل جميع الأمانات كما قال الإمام ابن كثير في "تفسيره" (2/ 338، ط. دار طيبة): [وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله عز وجل على عباده، من الصلوات والزكوات، والكفارات والنذور والصيام، وغير ذلك، مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة على ذلك. فأمر الله عز وجل بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة] اهـ.

حكم بيع البيانات الصحية للمرضى والتكسب منها

البيانات الصحية الشخصية: هي عبارة عن المعلومات والتقارير الطبية المتعلقة بالصحة البدنية والعقلية والنفسية للشخص ونتائج الفحوصات المخبرية، وهي داخلة في عموم الأمانات الواجب حفظها من حيث كونها من الأسرار التي لا يريد المريض أن يطَّلِع عليها أحد.

ومن ثَمَّ فإن قيام بعض الأفراد من العاملين في الجهات الصحية باستخدام الذكاء الاصطناعي في جمع وتحليل البيانات الصحية الشخصية الخاصة بالمرضى -والتي هي تحت أيديهم بحكم وظيفتهم- والعمل على بيعها لشركات التأمين أو الأدوية خارج نطاق العمل هو من قبيل خيانة الأمانة التي ائتُمنوا عليها، وقد نهى الإسلام عن خيانة الأمانة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27].

وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن من صفات المنافقين وعلاماتهم خيانة الأمانة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» أخرجه البخاري.

وقد عَدَّ الإمامان الذهبي وابن حجر الهيتمي الخيانة من الكبائر.

قال الإمام الذهبي في "الكبائر" (1/ 149، ط. دار الندوة): [الكبيرة التاسعة والثلاثون: الخيانة] اهـ.

وقال الحافظ ابن حجر في "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (2/ 442، ط. دار الفكر): [الكبيرة الأربعون بعد المائتين: الخيانة في الأمانات كالوديعة والعين المرهونة أو المستأجرة وغير ذلك] اهـ.

والبيانات الصحية الشخصية الخاصة بالمرضى هي ملك لهم، والموظفون أمناء على هذه البيانات، فبيعهم لها لا يصحُّ؛ لأنَّ المبيع غير مملوك للبائع، ومن المقرر شرعًا أنه يشترط لصحة البيع: أن يكون المبيع مملوكًا للبائع؛ لما ورد عن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله الرجل يسألني البيع وليس عندي، أفأبيعه؟ قال: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» رواه الترمذي وابن ماجه.

وهو ما اتفق عليه الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، قال العلامة الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (5/ 146- 147، ط. دار الكتب العلمية): [(ومنها): وهو شرط انعقاد البيع للبائع أن يكون مملوكًا للبائع عند البيع، فإن لم يكن لا ينعقد] اهـ.

وقال العلامة المواق المالكي في "التاج والإكليل" (6/ 71، ط. دار الكتب العلمية): [(وقدرة عليه) ابن عرفة: يطلب في المعقود عليه أن يكون مقدورًا على تسليمه مملوكًا لبائعه أو لمن ناب عنه] اهـ.

وقال العلامة الشربيني الخطيب الشافعي في "مغني المحتاج" (2/ 349، ط. دار الكتب العلمية): [الشرط (الرابع) من شروط المبيع: (الـمِلك) فيه (لـمَن له العقد)] اهـ.

وقال العلامة البُهُوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (3/ 180، ط. دار الكتب العلمية) في كلامه عن شروط المبيع: [الشرط الرابع: (أن يكون) المبيع (مملوكًا لبائعه) وقت العقد وكذا الثمن (ملكًا تامًّا)] اهـ.

كما أن جمع البيانات الصحية الشخصية الخاصة بالمرضى وتحليلها عبر برامج الذكاء الاصطناعي وبيعها لشركات التأمين أو الأدوية والتكسب من وراء ذلك يُعد من صور الكسب المحرم شرعًا؛ لأنه ناتج عن اتخاذ الأسباب المحرَّمة في المكاسب، كخيانة الأمانة والتعدي على حقوق المريض بإفشاء أسراره دون إذنه، وقد أمرنا الشرع الشريف بالسعي في طلب الرزق الحلال والبعد عن الكسب الحرام، وأن يكون الإنسان حريصًا على إطابة ماله؛ لأنه مسؤول أمام الله سبحانه وتعالى، فقد جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَمَاذا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ» أخرجه الترمذي.

حماية البيانات الشخصية في القانون المصري

قد نظم المشرع المصري إجراءات التعامل مع البيانات الشخصيَّة لدى الجهات والهيئات، سواء كانت بيانات صحية أو غيرها من البيانات، والتي تتم معالجتها إلكترونيًّا بواسطة الذكاء الاصطناعي أو غيره من البرامج.

فنص في المادة (36) من قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020م على أنَّه: [يُعاقب بغرامة لا تقلُّ عن مائة ألف جنيه ولا تُجاوز مليون جنيه كلُّ حائز أو متحكم أو معالجٍ جمَعَ أو عالَجَ أو أفشَى أو أتاح أو تداوَلَ بيانات شخصية معالَجَة إلكترونيًّا بأي وسيلة من الوسائل في غير الأحوال المصرَّح بها قانونًا أو بدون موافقة الشخص المَعنيِّ بالبيانات.

وتكون العقوبة الحبس مدةً لا تقلُّ عن ستة شهور وبغرامة لا تقل عن مائتي ألف جنيه ولا تجاوز مليوني جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، إذا ارتكب ذلك مقابل الحصول على منفعة مادية أو أدبية، أو بقصد تعريض الشخص المعني بالبيانات للخطر أو الضرر] اهـ.

كما نصَّ في الفقرة الثانية من المادة (150) من اللائحة التنفيذية لقانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 على أنَّه: [يحظر على الموظف مخالفة القوانين، واللوائح، والقرارات، والنظم المعمول بها، ويحظر عليه على الأخص ما يأتي:

1- مباشرة الأعمال التي تتنافى مع الحيدة والتجرد والالتزام الوظيفي أثناء ساعات العمل الرسمية.

2- إفشاء أية معلومات يطلع عليها بحكم وظيفته إذا كانت سرية بطبيعتها أو بموجب تعليمات تقضي بذلك دون إذن كتابي من الرئيس المختص، ويظل هذا الالتزام قائمًا بعد ترك الخدمة] اهـ.

الحالات المستثناة لنقل البيانات الصحية للصالح العام

يستثنى بعض الحالات التي يجوز فيها نقل المعلومات لشركات الأدوية منها:

إذا كان نقل هذه المعلومات بقصد المصلحة كتصنيع عقار معين والوقوف على الحالة العامة للمرضى من أجل إضافة مركبات معينة خاصة في الأمراض الحديثة والتي تعمل الأبحاث على إيجاد أدوية لها، ويكون ذلك بنقل التقارير الطبية والفحوصات المخبرية الخاصة بحالة المريض دون التعرض للتفاصيل الشخصية كاسمه أو عنوانه الا بإذن منه بعد رجوع الجهة اليه.
ومنها أيضًا: أن يكون نقل هذه المعلومات لحماية الصحة العامة في حالة الأمراض المعدية شديدة الخطورة، لاتخاذ التدابير الوقائية بشكل مسبق، بشرط أن يكون نقل هذه المعلومات للجهات المختصة.

وهذا ما نص عليه المشرع المصري في المادة رقم (6) من القانون رقم 13 لسنة 2025 بشأن "تنظيم المسؤولية الطبية وسلامة المريض" حيث أكد أنه: [يحظر على مقدم الخدمة إتيان أي من الأفعال الآتية ومنها:

7- إفشاء سر متلقي الخدمة الذي اطلع عليه أثناء مزاولة المهنة الطبية أو بسببها سواء كان متلقي الخدمة قد ائتمنه على هذا السر أو اطلع عليه بنفسه أثناء متابعته، ويستثنى من ذلك الحالات الآتية:
أ- إذا كان ذلك بناء على طلب متلقي الخدمة أو موافقته.

و- حماية الصحة العامة في حالة الأمراض المعدية، ويكون الإفشاء للجهات المختصة وحدها، وفقًا لأحكام قانون الاحتياطات الصحية للوقاية من الأمراض المعدية المشار إليه] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن قيام بعض الأفراد الذين يعملون في إحدى الجهات أو الهيئات الصحية بجمع وتحليل البيانات الصحية الشخصية الخاصة بالمرضى عن طريق برامج الذكاء الاصطناعي، والعمل على بيعها لشركات التأمين أو الأدوية مقابل مبلغ من المال دون إذن أصحاب تلك البيانات -فعلٌ محرم شرعًا وممنوع قانونًا، إذ إن هذه البيانات من جملة الأسرار والأمانات التي يجب حفظها.

كما أنَّ التفريط في هذه البيانات الصحية مقابل مبلغ من المال، فيه من الخيانة، وبيع الشخص ما لا يملكه، والكسب المحرم شرعًا.

ويستثنى من ذلك بعض الحالات التي يكون فيها نقل البيانات الصحية الشخصية لغرض معين يمس الصالح العام كما في حالة الأبحاث الطبية الإكلينيكية، أو العمل على إعداد مصل وقائي يمنع من تفشي الأمراض المعدية، ففي هذه الحالات يُسمح بنقل التقارير الطبية الخاصة بالمريض للجهات المختصة دون التَّعرُّض للمعلومات الشخصية للمريض كاسمه وعنوانه إلَّا بإذنه بعد رجوع الجهة إليه.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

في ظل ما يمرُّ به المجتمع من أزمة انتشار وباء فيروس كورونا، بدا جليًّا ما يقوم به الأطباء والممرضون من عمل جليل؛ حيث يتصدرون أول صفوف مواجهة انتشار هذا الفيروس، ويحرصون على تقديم عملهم على أتم وجه غير عابئين بأنهم أكثر الناس عرضةً للإصابة بالعدوى، مما يعرض حياتهم وذويهم للخطر، وذلك من أجل إغاثة المرضى والقيام بالواجب الوطني والمجتمعي. فكيف هي نظرة الإسلام لمن يقوم بمثل هذا العمل العظيم؟ وما واجب المجتمع تجاههم حينئذ؟


ما حكم صلاتي في المنزل بدلًا من المسجد خوف الوقوع في الرياء وحبّ الظهور؟ وما الذي يجب عليَّ فعلُه؟

 


حكم بيع قائمة بأرقام الهواتف بمبالغ معينة لبعض الشركات أو الأفراد للمساعدة في التواصل مع أصحاب هذه الأرقام؟ فهناك بعض الأفراد الذين يعملون في بعض الجهات التي تقدم خدمات لجمهور المتعاملين معها، ويقوم هؤلاء الأفراد بجمع أرقام هواتف العملاء وبياناتهم وعمل قائمة بها دون علم أصحابها، ثم يبيعونها لشركاتٍ أخرى تقدم خدماتٍ للجمهور، مقابل مبلغ مالي. فما حكم الشرع في ذلك؟


هل كفالة ولد الزنا يؤجر عليها كافله، كما يؤجر على كفالة اليتيم؟


ما حكم شراء سلعة باسم شخص آخر للحصول على خصومات البيع بالجملة؟ فقد طلبتُ شراء سلعة من شركة ما، وقال لي موظف خدمة العملاء لمعرفة سابقة بيني وبينه: سأدخل سلعتك على حساب عميل عندنا -يتعامل معنا بنظام الجُملة- لتحصل عليها بسعرٍ أقل، خدمة لي، وقد وافقت على ذلك، فهل هذا جائزٌ شرعًا؟ لأنَّه لا ضرر على العميل المسجل عندهم، الأمر فقط أنه إذا وُضع اسم عميل سابق على النظام يأتي الخصم.


نرجو منكم الرد على دعوى أن الزيادة في ألفاظ التكبير في صلاة العيد بدعة؛ حيث دار نقاش بيني وبين بعض الناس في أحد المساجد وقال: إنَّ الزيادة في ألفاظ التكبير بالصيغة المتبعة المعروفة والمتضمنة الصلاة على النبي وآله وأصحابه وأزواجه وذريته بدعة وليس من الدين. فما حكم ذلك شرعًا؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 24 أغسطس 2026 م
الفجر
4 :55
الشروق
6 :27
الظهر
12 : 57
العصر
4:33
المغرب
7 : 27
العشاء
8 :48