سائل يقول: رجلٌ كبيرٌ في السن، ويُرهَق جدًّا عند الكلام، فهل يجوز له ترك قراءة الفاتحة خلف الإمام في الركعات السرية من الصلوات المفروضة؟
على المأمومِ أن يقرأ الفاتحة في مواضِع الإسرارِ من الصَّلوات خلف الإمام، كصلاتي الظهر والعصر، والركعة الثالثة من صلاة المغرب، والركعتين الثالثة والرابعة من صلاة العشاء، وذلك ما دام قادرًا على قراءتها ولم يكن له عذرٌ يمنعه منها.
فإن كان عاجزًا عن قراءتها أو تلحقه مشقةٌ وإرهاق شديدان بقراءتها فإنه يجزئه حينئذ قراءة الإمام لها، وتصحُّ صلاتهُ شرعًا، وعلى ذلك فيجوز للرجلِ المذكور الذي تلحقهُ مشقةٌ ظاهرةٌ عند الكلامِ أن يقتصرَ على متابعة الإمامِ دون أن يقرأ الفاتحةَ، ولا إثم عليه في ذلك ولا حرج، وصلاتهُ صحيحةٌ ومجزئةٌ شرعًا.
المحتويات:
من المقرر شرعًا أن قراءة فاتحة الكتاب من أعظم أعمال الصلاة وأجلِّ أذكارها، وقد وردت النصوص الشرعية ببيان فضلها ومكانتها، إلا أن الفقهاء اختلفوا في بعض الأحكام المتعلقة بقراءتها تبعًا لاختلاف أحوال المصلين، ومن ذلك حكم قراءتها للمأموم خلف الإمام في الصلاة السرية، كصلاتي الظهر والعصر، والركعة الثالثة من صلاة المغرب، والركعتين الثالثة والرابعة من صلاة العشاء.
فذهب الحنفية إلى أن المأموم لا يقرأ الفاتحةَ، وأن قراءة الإمام كافيةٌ عنه، بل كرهوا له القراءة خلف الإمام كراهةً تحريمية، ونُقل في المذهب قولٌ بفساد صلاته إذا قرأ، إلا أن الأصح والمعتمد عندهم صحة الصلاة مع الكراهة التحريمية، واستدلوا على ذلك بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» أخرجه الأئمة: ابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي في "السنن الكبرى" من حديث سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
قال العلامة الحَصْكَفِي الحنفي في "الدر المختار" ومعه "حاشية العلامة ابن عابدين" (1/ 544، ط. الحلبي): [(والمؤتم لا يقرأ مطلقًا) ولا الفاتحة في السرية اتفاقًا] اهـ.
وقال أيضًا (1/ 544- 545): [(فإن قرأ كُره تحريمًا) وتصح في الأصح. وفي "درر البحار" عن "مبسوط خواهر زاده": أنها تفسد، ويكون فاسقًا، وهو مروي عن عدة من الصحابة، فالمنع أحوط (بل يستمع) إذا جَهَرَ (وينصت) إذا أَسَرَّ] اهـ.
قال العلامة ابن عابدين (1/ 544) محشيًا: [(قوله: اتفاقًا) أي بين أئمتنا الثلاثة] اهـ.
وقال أيضًا (1/ 545): [(قوله: أنها تفسد) هذا مقابل الأصح] اهـ.
وذهب المالكية في المعتمد، والحنابلة في المذهب، وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم إلى أن قراءة الفاتحة لا تجب على المأموم، وأن قراءة الإمام تكفيه، واستدلوا على ذلك بحديث سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما المتقدم: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ»، غير أنهم استحبوا له قراءتها في الصلوات السرية ومواضع الإسرار، كصلاة الظهر والعصر، والركعة الثالثة من المغرب، والثالثة والرابعة من العشاء.
قال الشيخ الدردير المالكي في "الشرح الكبير" ومعه "حاشية العلامة الدسوقي" (1/ 236- 237، ط. دار الفكر) عند الحديث عن فرائض الصلاة: [(و) خامسها (فاتحةٌ) أي: قراءتها (بحركة لسانٍ على إمام وفذٍّ) أي: منفردٍ لا على مأمومٍ هذا إذا أَسمع نفسه، بل (وإن لم يسمع نفسه) فإنه يكفي في أداء الواجب] اهـ.
قال العلامة الدسوقي محشيًا (1/ 237): [(قوله: لا على مأمومٍ) أي: فلا تجب عليه، كانت الصلاة جهريةً أو سريةً، خلافًا لابن العربي القائل بلزومها للمأموم في السريةِ، وهو ضعيف، والمعتمد عدم لزومها له، وإنما استحب له قراءتها في هذه الحالة فقط] اهـ.
وقال الإمام ابن قُدَامة الحنبلي في "المقنع" ومعه "الشرح الكبير" و"الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" (4/ 303- 307، ط. هجر): [ولا تجب القراءة على المأموم، ويستحب أن يقرأ في سكتات الإمام، وفيما لا يجهر فيه، أو لا يسمعه لبعده] اهـ.
قال العلامة المَرْدَاوي في "الإنصاف" (4/ 303) معلقًا عليه: [قوله: (ولا تَجِبُ القراءةُ على المأمومِ) هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. نصَّ عليه، وقطَع به كثيرٌ منهم] اهـ.
وقال العلامة شمس الدين ابن قُدَامة في "الشرح الكبير" (4/ 303): [(ولا تجب القراءة على المأموم) هذا قول أكثر أهل العلم. وممن كان لا يرى القراءة خلف الإمام: علي، وابن عباس، وابن مسعود، وأبو سعيد، وزيد بن ثابت، وعقبة بن عامر، وجابر، وابن عمر، وحذيفة بن اليمان. وبه يقول الثوري، وابن عيينة، وأصحاب الرأي، ومالك، والزهري، والأسود، وإبراهيم، وسعيد بن جبير. قال ابن سيرين: لا أعلم من السنة القراءة خلف الإمام] اهـ.
بينما ذهب الشافعية، وهو قولٌ لبعض فقهاء المالكية، واختاره الإمام أبو بكر بن العربي، وبه قال الإمام ابن حزم الظاهري إلى أنه يجب على المأموم قراءةُ الفاتحةِ في الصَّلاةِ السِّريَّةِ.
واستدلوا على ذلك بعموم الأحاديث الواردة في وجوب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» أخرجه الشيخان من حديث عُبادة بن الصامت رضي الله عنه.
وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ» ثَلَاثًا غَيرُ تَمَامٍ. فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: «اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ» أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
قال الإمام النووي الشافعي في "شرح صحيح مسلم" (4/ 103، ط. دار إحياء التراث العربي) في معرض شرحه للحديث الأول: [قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» فيه دليل لمذهب الشافعي رحمه الله تعالى ومن وافقه أن قراءة الفاتحة واجبة على الإمامِ والمأمومِ والمنفردِ، ومما يؤيد وجوبها على المأمومِ قول أبي هريرة: «اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ»، فمعناه: اقرأها سرًّا بحيث تُسمِع نفْسك] اهـ.
وقال في "المجموع" (3/ 365، ط. دار الفكر): [مذهبنا وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في كل الركعات من الصلاة السرية والجهرية، وهذا هو الصحيح عندنا] اهـ.
وقال الإمام أبو بكر بن العربي المالكي في "أحكام القرآن" (1/ 10، ط. دار الكتب العلمية) بعد تحرير أقوال العلماء في قراءة المأموم الفاتحة: [والصحيحُ عندي وجوبُ قراءتها فيما يُسرُّ، وتحريمها فيما جهر إذا سمع قراءة الإمام؛ لما عليه من فرض الإنصات له والاستماع لقراءته] اهـ.
وقال الإمام ابن حزم الظاهري في "المحلى بالآثار" (2/ 265، ط. دار الفكر): [وقراءة أمِّ القرآن فرض في كل ركعة من كل صلاة، إمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا] اهـ.
ويتضح مما سبق أن قراءة الفاتحة للمأموم خلف الإمام في مواضع الإسرار من الصلوات، كصلاتي الظهر والعصر، والركعة الثالثة من صلاة المغرب، والركعتين الثالثة والرابعة من صلاة العشاء من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الفقهاء، والمختار للفتوى وجوبُ قراءتها على المأموم إذا كان قادرًا عليها، ولم يكن له عذرٌ يمنعه من قراءتها؛ خروجًا من الخلاف، واحتياطًا للعبادة.
أمَّا من عجز عن قراءة الفاتحة أو لحقته مشقةٌ معتبرةٌ في ذلك فله حكمه الخاص الذي تراعى فيه الأعذار الشرعية؛ إذ المقصود حصول الصلاة على وجهها المشروع بحسب القدرة والاستطاعة، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وقال جلَّ شأنه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «وَإِذَا أَمَرتُكُم بِأَمرٍ فَأْتُوا مِنهُ مَا استَطَعتُم» أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (9/ 102) مُعلِّقًا على الحديث: [هذا من قواعد الإسلام المهمة، ومن جوامع الكلم التي أعطيها صلى الله عليه وآله وسلم، ويدخل فيها ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها، فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن] اهـ.
وقد نصَّ الفقهاء على أن من عجز عن قراءة الفاتحة أو لم يحسنها، ولم يستطع تعلمها -ويلحق بذلك من لحقته مشقةٌ ظاهرة في قراءتها-، وكان قادرًا على الائتمام بمن يحسنها، لزمه ذلك؛ لأن الائتمام طريقٌ إلى استدراك ما عجز عنه من القراءة، والمقصود أداء الصلاة على الوجه المشروع بحسب الوسع والاستطاعة.
قال العلامة الدسوقي في "حاشيته على الشرح الكبير" (1/ 237): [(قوله: ائتم وجوبًا بمن يحسنها) أي: لأن قراءتها واجبة، ولا يتوصل بذلك الواجب إلا بالائتمام بمن يحسنها] اهـ.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن على المأمومِ أن يقرأ الفاتحة في مواضِع الإسرارِ من الصَّلوات خلف الإمام، كصلاتي الظهر والعصر، والركعة الثالثة من صلاة المغرب، والركعتين الثالثة والرابعة من صلاة العشاء، وذلك ما دام قادرًا على قراءتها ولم يكن له عذرٌ يمنعه منها، فإن كان عاجزًا عن قراءتها أو تلحقه مشقةٌ وإرهاق شديدان بقراءتها فإنه يجزئه حينئذ قراءة الإمام لها، وتصحُّ صلاتهُ شرعًا، ومن ثمَّ فإنه يجوز للرجلِ المذكور الذي تلحقهُ مشقةٌ ظاهرةٌ عند الكلامِ أن يقتصرَ على متابعة الإمامِ دون أن يقرأ الفاتحةَ، ولا إثم عليه في ذلك ولا حرج، وصلاتهُ صحيحةٌ ومجزئةٌ شرعًا.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم ترك الصلاة خلف إمام بدعوى كونه متصوفا؟ حيث يخرج عددٌ من المصلين في بلدتنا من المسجد، ولا يُؤدّون الصلاة خلف إمام المسجد بحجة أنَّه متصوفٌ وينتظم في سلك إحدى الطرق الصوفية، وأنَّه يقوم بزيارة أضرحة آل البيت والأولياء، وهو بذلك في نظرهم يكون قد أشرك، كما أنَّه يقيم حلقات الذكر وهم يرونها بدعة؛ فما حكم الشرع في فعل هؤلاء المصلين؟
سائل يقول: مريض تقرر له إجراء عملية جراحية تستغرق وقتًا طويلًا، حيث سيدخل غرفة العمليات قبل دخول وقت صلاة الظهر، ولا يخرج إلا بعد العصر، فهل يباح له الجمع بين صلاتي الظهر والعصر؟ ومتى ينوي الجمع؟
ما حكم صيام تارك الصلاة؟ وهو الذي يصوم ولا يصلي؟ وهل يؤثر تركه الصلاة على صيامه؟
ما حكم نسيان الإمام التكبيرات في صلاة العيد وسجوده للسهو؟ حيث صلى بنا الإمام صلاة عيد الفطر ونسي أن يكبر في الركعة الأولى بعد تكبيرة الإحرام السبع التكبيرات، وسجد للسهو، وبعد أن سلم قال أحد المصلين: نعيد الصلاة، وقال آخر: لا سجود سهو في صلاة السنة، وقال ثالث: هذه الصلاة صحيحة. فما هو الرأي الصحيح في هذه المسألة؟
ما فضل الدعاء بعد الانتهاء من الطاعات؟ لأني سمعت أنَّ الدعاء بعد فعل أيّ طاعة من الطاعات مُستجَاب؛ فما صحة هذا الأمر؟
ما حكم اقتداء المرأة وهي في بيتها بإمام التراويح عن طريق مكبرات الصوت؟ فأنا أسكن بجوار المسجد، وتسمع والدتي الإمام في صلاة التراويح من خلال مكبرات الصوت، فهل يجوز أن تصلي وهي في المنزل بصلاة الإمام في المسجد؟ علمًا بأنها تسمع صلاته بشكلٍ كاملٍ.