سائل يقول: هل الأذكار بعد الصلاة المفروضة يلزم لها أن أكون متوضئًا؟
المحافظة على الطهارة عند الإتيان بأذكار ختم الصلاة هو الأكمل والمستحب؛ لعِظَم وشَرَفِ الذكر عقب الصلاة، ولأن الذّاكر يخْـتتم بالذكر صلاته، فناسبه أن يكون على طهارة كالمصلِّين، فإن ختَم المصلي صلاته وهو على غير طهارة صَحَّ ذلك، ولا حرج عليه، فالطهارة ليست شرطًا للذكر.
المحتويات:
من المقرر شرعًا أنَّ ذِكْرَ الله تعالى عبادةٌ جليلة القدر، عظيمة الأجر، كثيرة النفع والخير، وقد امتدح الله الذاكرين والذاكرات، وفي القرآن نداءات لحث المؤمنين والمؤمنات على الإكثار من ذكر الله عزَّ وجلَّ، قال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 35]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب 41- 42]، وقد بيَّنت السنة النبوية فضل ذكر الله عزَّ وجلَّ بأحاديث كثيرة، منها: ما روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ»؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى» أخرجه الترمذي.
وقد وَرَدَ الأمرُ الرباني في الذكر عقب الصلاة مطلقًا في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: 103].
قال الإمام علاء الدين السَّمَرْقَنْدِي في "تفسيره" (1/ 434، ط. دار الكتب العلمية): [﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ قال بعضهم: فإذا فرغتم من الصلاة ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بالقلب واللسان على أي حال كنتم ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ إن لم تستطيعوا القيام] اهـ.
وكذلك دلت الأحاديث الشريفة على استحباب الذكر بعد الصلوات، ومنها حديث ثَوْبَان رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» أخرجه الإمام مسلم.
الطهارة ليست شرطًا للذكر عقب الصلاة -ختم الصلاة-؛ فبمجرد التسليم من الصلاة يجوز الذكر والتسبيح من غير طهارة باتفاق الفقهاء، حيث قرروا صحة وقوع الذكر من غير طهارة، وختم الصلاة في جملته وعباراته من قبيل الذكر العام، وهو مما انعقد الإجماع على جوازه للمُحْدِث، سواء كان حدثه حدثًا أصغر أو أكبر.
فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» متفق عليه.
قال القاضي عياض في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (2/ 227، ط. دار الوفاء): [وقوله: "كان النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يذكُرُ الله على كل أحيانه" -دليلٌ أنه لا يُمنع مَن على غير طهارةٍ من ذكر الله] اهـ.
وقال الإمام الكاساني في "بدائع الصنائع" (1/ 263، ط. دار الكتب العلمية): [والمحدث والجنب لا يمنعان من ذكر الله تعالى] اهـ.
وقال الإمام النووي في "الأذكار" (ص11، ط. دار الفكر): [أجمع العلماءُ على جواز الذكر بالقلب واللسان للمُحْدِث والجُنب والحائض والنفساء، وذلك في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاء وغير ذلك] اهـ.
ومع كون الطهارة ليست واجبة لختم الصلاة، إلا أنه يستحب المحافظة عليها عند ذكرها، فعن مهاجر بن قنفذ، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر، فقال: «إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ، أَوْ قَالَ: عَلَى طَهَارَةٍ» رواه أبو داود، وابن حبان، والحاكم من حديث ابن عمر وقال: "حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ".
قال الإمام ابن الملك في "شرح مصابيح السنة" (1/ 304، ط. إدارة الثقافة الإسلامية): [فيه دليلٌ على أنه يستحبُّ أن يكون ذِكْرُ الله على الوضوء أو التيمم؛ لأن السلام اسم من أسمائه تعالى] اهـ.
كما أنه ذِكْرٌ مُعظَّم يناسبه تَحَقُّقُ الطهارة، ومُؤَدِّيه يختم به الصلاة، فناسبه أن يكون على صفات المصلين؛ قال الإمام الكاساني في "بدائع الصنائع" (1/ 151) في بيان علة استحباب الطهارة للمؤذن: [(ومنها) أن يكون المؤذن على الطهارة؛ لأنه ذِكْرٌ مُعَظَّمٌ، فإتيانه مع الطهارة أقرب إلى التعظيم] اهـ.
ولا تعارض بين ما ورد من أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يذكر الله تعالى على كل أحيانه، وبين ما جاء من عدم رده السلام في بعض المواطن؛ وذلك لأن ما ورد من عموم الذكر مخصوصٌ ببعض الأحوال التي يُكره فيها الذكر باللسان، كحال قضاء الحاجة، وكحال الجنب فيما يتعلق بتلاوة القرآن الكريم.
قال العلامة المناوي في "فيض القدير" (5/ 214، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [(كان يذكر الله تعالى) بقلبه ولسانه بالذكر الثابت عنه من تسبيح وتهليل وتكبير وغير ذلك (على)، قال الولي العراقي: هي ههنا بمعنى في وهو الظرفية كما في قوله تعالى ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ أي في حين غفلة (كل أحيانه) أي أوقاته متطهرًا ومحدثًا وجنبًا وقائمًا وقاعدًا ومضطجعًا وماشيًا وراكبًا وظاعنًا ومقيمًا، فكأن ذكر الله يجري مع أنفاسه، والحديث عام مخصوص بغير قاضي الحاجة؛ لكراهة الذكر حالتئذ باللسان، وبغير الجنب؛ لخبر الترمذي وغيره "كان لا يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة"، وبغير حالة الجماع وقضاء الحاجة فيكره، هذا ما عليه الجمهور] اهـ.
وقال الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (2/ 436، ط. دار الفكر): [في الخبر الصحيح: «كرهت أن أذكر الله إلا على طهر» أو "طهارة" محمول على الذكر اللساني، والكراهة؛ لأنه خلاف الأفضل، وقيل: تحمل الكراهة على ما إذا تيسرت الطهارة] اهـ.
بناء على ما سبق وفي السؤال: فالمحافظة على الطهارة عند الإتيان بأذكار ختم الصلاة هو الأكمل والمستحب؛ لعِظَم وشَرَفِ الذكر عقب الصلاة، ومُؤَدِّيه مُخْـتتم به صلاته، فناسبه أن يكون على صفات المصلِّين، فإن ختَم المصلي صلاته وهو على غير طهارة صَحَّ ذلك، ولا حرج عليه، فالطهارة ليست شرطًا للذكر.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم اغتسال الحائض للإحرام بالحج؟ فعندما ذهبت أنا وزوجتي للحج، وافق الإحرام للحج عادتها الشهرية. فهل تغتسل للإحرام؟
حَدَثَ نِقَاشٌ عندنا بين رُوَّاد المسجد حول مدى جواز إلقاء السلام على مَن يقرأ القرآن، فنرجو بيان الحكم الشرعي في هذه المسألة.
ما حكم صيام من احتلم في نهار رمضان؟ فقد كنت نائمًا أثناء النهار في رمضان، فاحتلمت واستيقظت على جنابة ثم اغتسلت؛ فهل فسد صومي بهذا الاحتلام، وبِالتالي يكون عليَّ قضاء هذا اليوم بعد رمضان؟
السائل يعاني من سلس بول عقب التبول يستمر من نصف ساعة إلى ساعة، كما يعاني من نزول مذي أو وَدي بعد ساعة أو ساعتين من تمام الوضوء والصلاة.
اطلعنا على الطلب المتضمن النقاط التالية:
1- هل يمكن أن يوجد تعريف اصطلاحي شرعي جامع للآية الواحدة من آيات القرآن الكريم؟
2- اشتهر بين المسلمين أن عدد آيات القرآن الكريم توقيفي لا مدخل فيه للاجتهاد مع أنه يوجد الاختلاف في عدد آيات الفاتحة.
3- أن ترتيب الآيات في المصحف هو الترتيب المطابق لما في اللوح المحفوظ، والربط المعنوي بين الآيات واضح في كتب التفسير، أما الربط اللفظي بين كلام الله من أوله إلى آخره ففي حاجة إلى بيان شافٍ.
4- مسألة الوقوف في القرآن الكريم وعلامات هذه الوقوف وتقسيماتها ورموزها مما يعسر فهمه وتطبيقه في التلاوة، ولا بد لهذه الأمور من بيان واضح إذ المعنى يختلف تبعًا للوقف والوصل في القراءة.
حكم قراءة صحيح البخاري وكتب السنة لرفع الوباء حيث ورد سؤال يقول صاحبه: في ظِلِّ ما يمرُّ به العالمُ من تفشِّي وباء كورونا يقومُ بعضُ العلماء وطلبة العلم بتنظيم قراءة "صحيح البخاري" بتقسيمه على من يحِبُّ المشاركةَ في ختمه، عن طريق وسائلِ التواصل الاجتماعي؛ تبرُّكًا وتوسُّلًا إلى الله تعالى لكشْف وباء كورونا، جريًا على ما اعتاده علماءُ الأزهر من قراءته في الملمَّات والنوازل: كدفع الوباء، وكشف البلاء، ومواجهة الغلاء.
لكن خرج بعضُ مدَّعي العلمِ على بعض المواقع زاعمًا أن التَّعبُّدَ بتلاوة صحيح البخاري لمجرد التِّلاوة بدعة، وأن التبرُّك والتوسُّل به حرام، وأنه لا فرقَ في ذلك بين "صحيح البخاري" و"مسلم" مثلًا، وأنها مجرَّد طقوس ابتدعها بعض الجهلة لمواجهة الأوبئة، وأنَّ توظيف "صحيح البخاري" للاستشفاء والتحصين لرفع البلاء أمرٌ متكلَّف، وأنَّ من ضرورياتِ الدين أنَّ المقصودَ مِن كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم هو العمل بِمَا فيهما مِن الأوامرِ والنَّواهي، والإيمان بِمَا فيهما مِن الأخبار، وليس المقصود مجرَّد تلاوتهما ألفاظًا وتعبُّدًا.. فبَيِّنوا لنا الصوابَ في ذلك مشكورين.
1- عادة إقراء "صحيح البخاري" عند النوازلِ من الكوارثِ والأوباء قديمة، جرت على لسان السراج البلقيني في اليقظة والمنام.
2- لعل أمر هذه الظاهرة يعودُ إلى أقدم من وباء الطاعون الذي عمَّ الدنيا سنة 749هـ، واشتهرت هذه الظاهرة عند قدوم تيمورلنك إلى بلاد المسلمين.
3- أشهر الإمام سراج الدين البلقيني العمل بها، ودوَّنتها كتب التراجم والتأريخ، ونقلنا ذلك عنه فيما مضى.
4- التحقيق أن هذا العمل ليس موصولًا بعصور السلف، وأنَّ شيوعَه وذيوعَه بحكم وقوعه ووجوده لا يعطيه الحجِّية، وأنه ما زال يحتاجُ للدليل، وأن مجرَّد رؤيةِ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يأمرُ به لا يكفي مُستَدلًّا؛ فالمنامات يُسْتَأنس بها وليست -عند أهل السنة والجماعة- حجةً وبرهانًا، وأن الاتِّكاء عليها مع ترْك الأخْذ بالأسباب بدعةٌ في الدين، ومضادَّة لمقاصدِ الشريعة الكلية، والله المستعان وهو الواقي والعاصم.