ما حكم بيع الوقف لاستبداله بآخر؟ فنحن جماعة من القائمين على شؤون أحد المساجد في إحدى بلاد غير المسلمين، وقد ضاق المسجد الحالي بالمصلين، ولا يتسع لإقامة الشعائر على الوجه اللائق بسبب ازدياد أعداد المصلين، كما يتعذّر توسعته في موقعه الحالي لأسباب تنظيمية وقانونية ومالية، ونظرًا إلى حاجتنا الماسة إلى مكان أوسع وأصلح لأداء الصلوات والأنشطة الدينية، تدارسنا إمكانية بيع المبنى الحالي وشراء مبنى آخر أو قطعة أرض لبناء مسجد جديد يلبّي حاجة المجتمع المسلم في المنطقة، فما الحكم الشرعي في ذلك؟
الأصل في المسجد أنَّه وقفٌ شرعيٌّ خالصٌ لله تعالى، لا يجوز بيعه أو التصرّف فيه ما دام الانتفاع به ممكنًا، أمّا إذا تعذر الانتفاع به؛ بحيث لم يعد يحقق الغرض الذي وُقِف من أجله، أو تبيّن أن في استبداله بغيره مصلحة حقيقية راجحة غير متوهمة، وتعود هذه المصلحة بالنفع على الموقوف عليهم، فإنَّه يجوز في هذه الحالة البيع والاستبدال، بشرط أن يكون هذا الاستبدال إلى ما هو أنفع للوقف، وأكثر تحقيقًا لمقصود الواقف ومصلحة الجهة الموقوف عليها.
المحتويات
المسجد يُعدّ وقفًا شرعيًّا خالصًا لله تعالى، والمقصود منه خدمة المجتمع المسلم من خلال إقامة الصلاة، وتعليم العلم، وتنظيم الأنشطة الدينية، والوقف: هو حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، بقطع التصرف في رقبته، على مصرف مباح موجود، تقربًا إلى الله تعالى؛ كما في "مغني المحتاج" للخطيب الشربيني (3/ 522، ط. دار الكتب العلمية).
ومن المقرر شرعًا أنَّه يُحرَّم التصرف في أموال الوقف بما يضرّ بأهدافه أو يُعطِّل منفعته العامة التي حددها صاحب الوقف؛ إذ نصَّ الفقهاء على أنَّ "شرط الواقف كنص الشارع"، أي: أنَّ الالتزام بشرط الواقف واجب كوجوب العمل بنصوص الشرع نفسها، فيُعتبر ويُراعى ما أمكن ذلك؛ لأنَّ الوقف في حقيقته قُربة اختيارية يضعها صاحبها في موضع النفع والعبادة. يُنظَر: "رد المحتار" للعلامة ابن عابدين (4/ 433، ط. دار الفكر)، و"الشرح الصغير" للعلامة الدردير، ومعه "حاشية الصاوي" (4/ 120، ط. دار المعارف)، و"الإقناع" للخطيب الشربيني (2/ 363، ط. دار الفكر)، و"كشاف القناع" للإمام البهوتي (4/ 323، ط. دار الكتب العلمية).
على الرغم من كون الشريعة الإسلامية قد منعت التصرف في الوقف إلَّا أنها استثنت من هذا المنع جواز التصرف فيه بما يحقق مصلحة دائمة ويُحيي الغرض الذي أُوقف من أجله، والأصل في ذلك: ما ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين قدم إلى الكوفة وتولى بيت المال، فتعرض للسرقة، وعندما تم القبض على السارق، كتب إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكان رده: "أَنْ لَا تَقْطَعْهُ، وَانْقُلِ الْمَسْجِدَ، وَاجْعَلْ بَيْتَ الْمَالِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ فِي الْمَسْجِدِ مَنْ يُصَلِّي" أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير".
قال الإمام ابن قدامة في "المغني" (6/ 29، ط. مكتبة القاهرة) معلقًا على هذ الأثر: [وكان هذا بمشهدٍ من الصحابة، ولم يظهـر خلافـُه، فكان إجماعًا] اهـ.
ويُستفاد من أثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وما قرره الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذه الواقعة، أصلٌ شرعيٌّ مهمٌّ في باب الوقف، وهو جواز نقل الوقف أو تغييره من موضع إلى آخر إذا اقتضت المصلحة ذلك، تحقيقًا للغرض الذي أُنشئ من أجله الوقف، ومنعًا لتعطيله، فقد أمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنقل موضع المسجد وجعل بيت المال مما يلي القبلة، تعليلًا بكون المسجد لا يخلو من المصلين، أي: أنَّ المصلحة تقتضي هذا النقل لضمان الحفظ والصيانة، وهذا يدل على أنَّ العبرة في الوقف استبقاؤه ما أمكن حتى وإن ترتب على ذلك تغيير صورته لأجل استبقائه، فإذا تعذر الانتفاع به على حاله جاز نقله أو إبداله بما يحقق نفس الغرض.
قال الشيخ بهاء الدين المقدسي في "العدة شرح العمدة" (ص: 313، ط. دار الحديث) في معرض حديثه عن بيان وجه الاحتجاج بالأثر السابق: [ووَجْهُ الحُجَّةِ منه: أنَّه أمره بنقله من مكانه؛ فدل على جواز نقل الوقف من مكانه وإبداله بمكانٍ آخر، وهذا معنى البيع، ولأنَّ فيما ذكرنا استبقاء الوقف بمعناه عند تعذر إبقائه بصورته] اهـ.
أمَّا ما يتعلق بمحل السؤال؛ فإنَّ الأصل بقاء المسجد على حاله ما دام يحقق مقصود الواقف، واستمرارًا لأداء الغاية التي أُنشئ المسجد من أجلها، أمَّا إذا تعذَّر أو شقَّ الانتفاع به على وجهٍ معتبر، بحيث لا يحقق الغرض المقصود من إنشائه، فالذي عليه الفتوى أنه يجوز في هذه الحالة التصرف فيه بما يحقق المصلحة الشرعية الراجحة؛ كبيعه وصرف ثمنه في بناء مسجدٍ آخر بديلًا عنه، أو فيما يعود بالنفع على بيوت الله تعالى، ويشمل ذلك الحالات التي تقتضيها المصلحة العامة، كأن يكون المسجد في موقعٍ لا يحقق الغرض الذي وُقف لأجله، أو كان بيعه يؤدي إلى إقامة مسجدٍ أوسع أو أصلح، ويكون هذا التصرف في جميع هذه الصور جائزًا على سبيل الاستثناء؛ تحقيقًا للمصلحة الراجحة، واستبقاءً لمقصود الوقف واستمرارًا لنفعه في خدمة الدين والمجتمع، بل إن الحنابلة اعتبروا مجرد ضيق المسجد عن أهله من تعطل المنافع التي يجوز بها بيع المسجد واستبداله بغيره.
قال العلامة ابن عابدين في "العقود الدرية" (1/ 115، ط. دار المعرفة): [في فتاوى "قاري الهداية" سُئل عن استبدال الوقف ما صورته: هل هو على قول أبي حنيفة وأصحابه؟ أجاب: الاستبدال إذا تعين بأن كان الموقوف عليه لا ينتفع فيه، وثمة من يرغب فيه، ويعطي بدله أرضًا، أو دارًا لها ريع يعود نفعه على جهة الوقف، فالاستبدال في هذه الصورة قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى، وإن كان للوقف ريع، ولكن يرغب شخص في استبداله إن أعطي بدله أكثر ريعًا منه في صقع أحسن من صقع الوقف جاز عند القاضي أبي يوسف والعمل عليه] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (6/ 28): [الوقف إذا خرب، وتعطلت منافعه، كدار انهدمت، أو أرض خربت، وعادت مواتًا، ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، وصار في موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضعه، أو تشعب جميعه فلم تمكن عمارته ولا عمارة بعضه إلَّا ببيع بعضه، جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته، وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه، بيع جميعه] اهـ.
وقال العلامة البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (2/ 425، ط. عالم الكتب): [(ولو كان) الوقف (مسجدًا) وتعطل نفعه المقصود (بضيقه على أهله) نصًّا. قال في "المغني": ولم تمكن توسعته في موضعه (أو) كان تعطيل نفعه (بخراب محلته) وقال في رواية صالح: يحول المسجد خوفًا من اللصوص، وإذا كان موضعه قذرًا. قال القاضي: يعني إذا كان ذلك يمنع من الصلاة فيه فيباع..؛ لأن الوقف مؤبد. فإذا لم يمكن تأبيده بعينه استبقينا الغرض وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى، واتصال الإبدال يجري مجرى الأعيان، وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع للغرض] اهـ.
وقال أيضًا في "المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد" (2/ 518، ط. دار كنوز إشبيليا): [مسجد انتقل أهل القرية عنه وصار لا يصلى فيه أو ضاق بأهله ولم يمكن توسعته في موضعه ولم يمكن الانتفاع بشيء منه بيع جميعه واشتري بثمنه مثله، نص عليه] اهـ.
بناءً على ما سبق وفي واقعة السؤال: فالأصل في المسجد أنَّه وقفٌ شرعيٌّ خالصٌ لله تعالى، لا يجوز بيعه أو التصرّف فيه ما دام الانتفاع به ممكنًا، أمّا إذا تعذر الانتفاع به؛ بحيث لم يعد يحقق الغرض الذي وُقِف من أجله، أو تبيّن أن في استبداله بغيره مصلحة حقيقية راجحة غير متوهمة، وتعود هذه المصلحة بالنفع على الموقوف عليهم، فإنَّه يجوز في هذه الحالة البيع والاستبدال، بشرط أن يكون هذا الاستبدال إلى ما هو أنفع للوقف، وأكثر تحقيقًا لمقصود الواقف ومصلحة الجهة الموقوف عليها.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما قولكم دام فضلكم في شخص محجور عليه للغفلة؛ فهل له أن يقف أملاكه على نفسه، ثم على أولاده من بعده؟ نرجو التفضل بإجابتنا عن هذا.
ما حكم صرف الفائض من ريع الوقف للمحتاجين؟ فقد سئل بإفادة من وكيل وقف رجل متوفى؛ صورتها: أن الوقف المذكور كان مشروطًا فيه صرف نصف ريع عقاره على خيرات بيَّنها بكتاب الوقف، وفوض النظر فيها لناظر الوقف، وحيث إن الجاري من قديم في مدة النُّظار السابقين، وفي زمن المفتين السابقين: أن ما يبقى بعد صرف الخيرات بتمامها على الوجه اللائق المعتاد يُصرف للفقراء، وحيث إن لهذا الوقف بعضَ مستحقين من ذرية أتباع الواقف وهم فقراء جدًا، فهل يجوز صرف ما كان يصرف إلى الفقراء إليهم، حيث إنهم فقراء ونصيبهم في الوقف لا يقوم بحاجاتهم؟ فنرجو التكرم بالإفادة عما يتبع في ذلك.
ما حكم إنشاء دار مناسبات تلحق بالمسجد؟ وهل يجوز تمويل هذه الدار من تبرعات المساجد؟
سئل بإفادة من عموم الأوقاف مؤرخة في 23 يولية سنة 1900م، مضمونها أن المرحوم صاحب الوقف وقف 198.3 فدانًا بإحدى النواحي بمقتضى وقفية من المحكمة بتاريخ 24 ذي القعدة سنة 1277هـ، ثم حرر حجة تغيير من نفس المحكمة بتاريخ 29 محرم سنة 1283هـ، ولوفاة الواقف وزوجته المشروط لها النظر والاستحقاق من بعده عن غير ذرية؛ كان تنظر واحد من عتقى الواقف على هذا الوقف، ولوفاة بعض عتقى الواقف في مدة نظارة المذكور، وما علم للديوان من أنه كان جاريًا توزيع استحقاق من يموت من هؤلاء العتقى على باقي العتقى، كان أفتي من حضرة مفتي الديوان السلف بتاريخ 19 محرم سنة 1308هـ بأن من يموت منهم لا ينتقل نصيبه لولده، ولا يرد على باقي العتقى لعدم الشرط؛ بل يكون منقطعًا، ومصرفه الفقراء، ولوفاة الناظر المذكور، وتنظر الحضرة الفخيمة الخديوية على هذا الوقف؛ لعدم وجود ذكور من العتقى، وعرض ذلك على حضرة مفتي الديوان الحالي، أفتى بتاريخ 13 فبراير سنة 1900م بأيلولة نصيب الناظر المذكور إلى العتقى الموجودين بالسوية، وللاختلاف في الفتويين المذكورتين كان طلب من حضرة المفتي الحالي إعادة نظره على شرط الواقف، والفتيا الأولى سالفة الذكر والإفادة، ولتصادف قيامه بالإجازة لم يحصل شيء، وعليه يرغب الديوان الاطلاع على هاتين الفتويين، وحجة الوقفية والتغيير، والإفادة بما يقتضيه الوجه الشرعي في نصيب من يموت من العتقى المذكورين. وطيه ورقه عدد 5 بحافظة.
يوجد مقبرة من المقابر قد أذن بالدفن فيها، ودفن فيها فعلًا.
هل تعتبر هذه المقبرة ملكًا لصاحبها وتورث عنه أو لا؟
ما حكم استخدام أدوات المسجد للأغراض الشخصية خارج المسجد وتعريضها للتلف، كالسلم، والماء لغسيل السيارات أمام المسجد، والكهرباء لإنارة البيوت؟