هل يستحبُّ الإكثار من الصيام في شهر شعبان؟ وهل يوجد حدٌّ للإكثار؟
شهرَ شعبان من الشُّهور التي اختصَّها الله سبحانه وتعالى بمزيد عناية، وشرَّفها بعلوِّ المنزلة وسموِّ المكانة، وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يُكثر الصيام فيه؛ لكونه محلًّا لرفع الأعمال إلى الله تعالى، فيُستحبُّ للمكلَّف الإكثارُ من الصيام فيه، اقتداءً بالنبيِّ العدنان عليه أفضلُ الصَّلاة وأتمُّ السلام، ولا حدَّ لأكثره، فمن أراد صيام شهر شعبان كلِّه فَعَل، ولا حرج عليه في ذلك شرعًا.
المحتويات:
خلق اللهُ عزَّ وجلَّ الزمانَ والمكانَ، وفضَّل بعضه على بعض في سائر الدهور والأعصار، ومن ذلك: تفضيل بعض الشهور، كشهر رمضان، وبعض الأيام، كأيام العشر من ذي الحجة، والسِّتِّ من شوال، وبعض الليالي، كليلة القدر، والنصف من شعبان.
وقد حثَّت الشريعة الإسلامية على زيادة الاعتناء بهذه الشهور والأيام، وإحيائها بشتى صور العبادات؛ لما فيها من الفضل والإحسان وزيادة التَّجلي والإكرام، حيث ورد الأمر الشرعي بالتذكير بها في قوله سبحانه: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5].
كما ورد الأمر بالتعرض لنفحاتها واغتنامها في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ اللهِ فِي أَيَّامِ دَهرِكُم؛ فَإِنَّ لِلهِ نَفَحَاتٍ، عَسَى اللهُ أَن يُصِيبَكُم مِنهَا بِوَاحِدَةٍ فَلَن تَشقُوا بَعدَهَا أَبَدًا» أخرجه الإمام الدولابي في "الكنى والأسماء".
ومن الشهور المفضَّلة التي اختصَّها الله سبحانه وتعالى بمزيد عناية، وشرَّفها بعلوِّ المنزلة وسموِّ المكانة: شهرُ شعبان؛ إذ أفرده بفضائل جليلة، وميَّزه بمرتبةٍ رفيعة، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يختصُّ أيامه بالصِّيام؛ لكونها محلًّا لرفع الأعمال، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذَلِكَ شَهرٌ يَغفُلُ النَّاسُ عَنهُ بَينَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهرٌ تُرفَعُ فِيهِ الأَعمَالُ إِلَى رَبِّ العَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَن يُرفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» أخرجه الإمامان: أحمد، والنسائي.
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية وبعض الحنابلة إلى أنَّه يستحب الإكثار من الصيام في شهر شعبان، غير أنَّ الشافعِيَّة قيَّدوا ذلك بألَّا يُبتدأ الصيام بعد انتصافه ممَّن لا عادة له ولا سبب، أمَّا من كانت له عادةٌ متَّبعة، أو صام قبل النصف ثم واصل، أو صام بعد النصف لسببٍ معتبر كقضاءٍ أو نذر -فلا يدخل شيءٌ من ذلك في النهي.
وإنَّما كان الإكثار من الصِّيام في شهر شعبان مستحبًّا؛ لحديث أسامة بن زيد رضي الله عنه المتقدِّم، ولحديث أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لا يُفطِرُ، وَيُفطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لا يَصُومُ، فَمَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ استَكمَلَ صِيَامَ شَهرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيتُهُ أَكثَرَ صِيَامًا مِنهُ فِي شَعبَانَ» أخرجه الإمامان: البخاري واللفظ له، ومسلم.
وعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: «لَم يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَهرًا أَكثَرَ مِن شَعبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعبَانَ كُلَّهُ» أخرجه الإمام البخاري.
ومعنى «يَصُومُ شَعبَانَ كُلَّهُ»: أي: أكثره؛ فإنَّه صلى الله عليه وآله وسلَّم ما صام شهرًا كاملًا غير رمضان، كما في "النجم الوهاج" للإمام الدميري (3/ 365، ط. دار المنهاج)، ويشهد لذلك ما في رواية الإمام مسلم: «كَانَ يَصُومُ شَعبَانَ إِلَّا قَلِيلًا».
جاء في "الفتاوى الهندية" في الفقه الحنفي (1/ 202، ط. دار الفكر): [(المرغوبات من الصيام أنواع) أولها: صوم المُحرَّم. والثاني: صوم رجب. والثالث: صوم شعبان، وصوم عاشوراء] اهـ.
وقال الإمام الحطَّاب المالكي في "مواهب الجليل" (2/ 407، ط. دار الفكر): [الأشهر المُرغَّب في صومها ثلاثة: المُحرَّم، ورجب، وشعبان] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (6/ 386، ط. دار الفكر): [قال أصحابنا: ومن الصوم المستحب: صوم الأشهر الحُرُم.. ومن المسنون: صوم شعبان] اهـ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (1/ 419، ط. دار الكتاب الإسلامي): [إذا انتصف شعبان حَرُم الصَّوم بلا سببٍ إن لم يَصِلهُ بما قبله على الصحيح في "المجموع" وغيره] اهـ.
وقال العلامة ابن مُفلح الحنبلي في "الفروع" (5/ 99، ط. مؤسسة الرسالة): [لم يذكر الأكثر استحباب صوم رجب وشعبان، واستحبه في "الإرشاد"، وقال شيخنا: في مذهب أحمد وغيره نزاع، قيل: يستحب، وقيل: يكره، فيفطر ناذرهما بعض رجب، واستحب الآجري صوم شعبان، ولم يذكره غيره.. وكذا قال ابن الجوزي في كتاب "أسباب الهداية": يستحب صوم الأشهر الحُرُم، وشعبان كله، وهو ظاهر ما ذكره صاحب "المحرر"] اهـ.
لا حدَّ لأكثر الصِّيَام في شهر شعبان، فلا يُمنع من أراد صيامه كلَّه؛ لعموم الأدلة الواردة في الحثِّ على الإكثار من الصيام فيه لمن قدر عليه.
قال إمام الحرمين الجويني في "نهاية المطلب" (4/ 75، ط. دار المنهاج): [لو أراد أن يصوم شعبان كله، فصام يومَ الشك على قصدِ استكمال شعبان، فلا بأس] اهـ.
ولا يُعارِض هذا ما ورد من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا استَكمَلَ صِيَامَ شَهرٍ إِلَّا رَمَضَانَ»، وأنَّه صلى الله عليه وآله وسلم: «كَانَ يَصُومُ شَعبَانَ إِلَّا قَلِيلًا»؛ إذ قد ذُكر في أوجُه الجمع بين هاتين الروايتين وبين رواية الإمام البخاري: «كَانَ يَصُومُ شَعبَانَ كُلَّهُ»: أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يصوم شعبان كلَّه تارةً، ويصوم معظمه أخرى؛ لئلَّا يُتوهَّم أنَّه واجبٌ كلُّه كرمضان، كما في "فتح الباري" للإمام ابن حجر العسقلاني (4/ 214، ط. دار المعرفة).
وكذلك لا يُعارِض صيامَ شعبان كلَّه ما رُوِيَ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا انتَصَفَ شَعبَانُ فَلَا تَصُومُوا» أخرجه الإمامان: أبو داود، والبيهقي.
وذلك لأنَّ النهي عن الصيام إذا انتصف شعبان -عند من يقول به من الفقهاء- محمولٌ على مَن ابتدأ الصيام بعد النصف ولم يَصِلهُ بما قبله، أمَّا محل الجواز بل الندب، ففي مَن صام قبل النصف، ثم واصَلَ الصيامَ بعده، أو صام بعد النصف صومًا له سببٌ معتبر، كقضاءٍ، أو نذرٍ، أو وِردٍ معتادٍ له في الصوم، سواءٌ وَصَلَهُ أو لم يَصِلهُ، كما في "الفتاوى الفقهية الكبرى" للإمام ابن حجر الهَيتَمي (2/ 82، ط. المكتبة الإسلامية).
بناءً على ذلك: فإنَّ شهرَ شعبان من الشُّهور التي اختصَّها الله سبحانه وتعالى بمزيد عناية، وشرَّفها بعلوِّ المنزلة وسموِّ المكانة، وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يُكثر الصيام فيه؛ لكونه محلًّا لرفع الأعمال إلى الله تعالى، فيُستحبُّ للمكلَّف الإكثارُ من الصيام فيه، اقتداءً بالنبيِّ العدنان عليه أفضلُ الصَّلاة وأتمُّ السلام، ولا حدَّ لأكثره، فمن أراد صيام شهر شعبان كلِّه فَعَل، ولا حرج عليه في ذلك شرعًا.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
هل الإسراف في الطعام بعد الإفطار يؤثر على المعاني المطلوبة من وراء الصيام؟
سأل فضيلة الشيخ خطيب المسجد الأقصى المبارك ومدير الوعظ والإرشاد بالقدس، وقال: في الوقت الذي نعيد النظر في التوقيت الدهري لمواقيت الصلاة المعمول به في مدينة القدس ليقوم على أسس علمية فلكية. نرجو التكرم بالإجابة عما يلي:
1- بيان الفارق الزمني بين مدينة القدس والقاهرة، علمًا بأننا لاحظنا تضاربًا في التوقيت بين عاصمة عربية وأخرى.
2- هل يمكننا الاعتماد على توقيت القاهرة كأساس ثابت لتوقيت القدس؟
نرجو منكم بيان ما يجب على المسلم فعله عند الدعوة إلى طعام حال قضائه ما فات من صيام رمضان؟ فهناك صائم يقضي ما فاته من رمضان ودُعي إلى طعام، فهل يجوز له الفطر وترك إتمام الصوم من أجل تلبية الدعوة؟
هل الدواء الذي يؤخذ للغرغرة في الفم يبطل الصيام؟
هل يُعَدُّ طولُ ساعات الصيام في الصيف عذرًا مبيحًا للفطر في رمضان؟
ما حكم من أكل أو شرب عامدًا في نهار رمضان؟