ما حكم استبدال الإطعام بالقيمة في فدية الحَج؟
إذا وجبت الفدية على المُحْرِمِ جَرَّاءَ ما ارتَكَبَه مِن مَحْظُورَات خِلَالَ فَتْرَةِ الإحرَام فله أن يُفدي عن ذلك بالذَّبْحِ أو الصيَامِ أو الإطعَام، وإن تخيَّر الإطعام فله أن يُطعم ستة مساكين كما هو مذهب الجمهور، وله أن يخرج قيمة ذلك الطعام مالًا على ما ذهب إليه الحنفية.
المحتويات
الحَجُّ مِن الشعائر المشتملة على أنواعٍ مِن المناسك والقُرُبات، والتي منها: الفدية على مَن ارتكب محظورًا مِن محظورات الإحرام، كالحَلْق، أو التَّطيُّب، أو قَصِّ الأظفار، أو نحو ذلك من المحظورات.
والمقصود بالفدية هنا: ما نَصَّت عليه الآية الكريمة: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196].
فالآية دالةٌ بنَصِّها على تخيير الفادي بين الذَّبْح، والصيام، والإطعام.
والفقهاء وإن اتَّفقوا على جواز إخراج الطعام كفديةٍ في هذا الشأن، إلَّا أنهم اختلفوا في مدى جواز إخراج قيمة هذا الإطعام، وخلافهم في ذلك مُخَرَّجٌ على الاختلاف في جواز إخراج القيمة بَدَلًا عن الإطعام في الكفارات، ووجه التخريج والإلحاق: هو اتحاد صورة الـمُخْرَج -وهي الإطعام- في كلٍّ مِن الكفَّارات والفدية، إضافة إلى وجود التَّشابه بين الكفارة والفدية من حيث إنَّ كلًّا منهما جبرٌ للخَلَل الواقع مِن المكلَّف.
فيرى المالكية، والشافعيةُ، والحنابلةُ في المعتمد: أنَّ إخراج القيمة بَدَلًا عن الإطعام في الكفارات لا يجزئ.
قال العلامة الحَطَّاب المالكي في "مواهب الجليل" (3/ 272، ط. دار الفكر) عند كلامه على تفسير التخيير الوارد في قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89]: [لا تُجْزِئ القيمة عن الإطعام والكسوة] اهـ.
وقال الإمام محيي الدِّين النَّوَوي الشافعي في "روضة الطالبين" (8/ 307، ط. المكتب الإسلامي): [جنس طعام الكفارة كالفِطرَةِ... ولا تجزئ القيمة قطعًا] اهـ.
وقال العَلَّامة أبو السَّعَادات البُهُوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (5/ 388، ط. دار الكتب العلمية) عند كلامه على كَفَّارة الظهار: [(ولا يجزئ إخراج القيمة)؛ لأنَّ الواجب هو الإطعام، وإعطاء القيمة ليس بإطعامٍ] اهـ.
ومُدْرَكُهم في ذلك كما أَوْرده أبو إسحاق الشِّيرَازي الشافعي في "المهذب" (1/ 278، ط. دار الكتب العلمية): [أنَّ إخراج الإطعام حقٌّ لله تعالى بنصِّ الآية السابقة، وقد علَّقه سبحانه وتعالى على ما نَصَّ عليه، فلا يجوز نَقْل ذلك إلى غيره، كالأضحية لمَّا علَّقها على الأنعام لم يَجُزْ نَقْلُها إلى غيرها] اهـ.
بينما ذهب فقهاء الحنفية إلى جواز إخراج القيمة بَدَلًا عن الإطعام، وهو ما نَسَبه أبو بكر الأَثْرم رواية للإمام أحمد.
قال شمس الأئمة السَّرَخْسِي الحنفي في "المبسوط" (2/ 156، ط. دار المعرفة): «[أداء القيمة مكان المنصوص عليه في الزكاة والصدقات والعشور والكفارات: جائزٌ عندنا] اهـ.
وقال العَلَّامة مُوفَّق الدِّين ابن قُدَامة الحنبلي في "المغني" (8/ 35، ط. مكتبة القاهرة) عند كلامه على عدم إجزاء القيمة في الكفارة: [وخرَّجَ بعضُ أَصحابنا من كلام أَحمد رواية أُخرى: أَنَّهُ يُجزئه، وهو ما روى الأثرم أَنَّ رجلًا سأَل أَحمد قال: أَعطيتُ في كفارةٍ خمسة دوانيق؟ فقال: "لو استشرتني قبل أَن تَعطي لم أُشر عليك، ولكن أعط ما بقي من الأَثمان على ما قلتُ لك"، وسَكَت عن الذي أَعطى. وهذا ليس بروايةٍ، وإِنما سكت عن الذي أَعطى؛ لأَنَّه مختلف فيه، فلم ير التضييق عليه فيه] اهـ.
ومُدْرَك ذلك أَنَّ المعتبر هو الإخراج، وذلك يَحْصُل بالقيمة كما يَحْصُل بالإطعام.
وما ذهب إليه الجمهور مِن أَنَّ الإطعام حقٌّ لله لا يجوز تغييره -فيه بحث؛ لأنَّ إطعام المسكين يحصل بتمليك القيمة أيضًا، فكان تمليك القيمة من الفقير إطعامًا له وتأديةً لحق الله تعالى، كما أَنَّ "القيمة في دَفْع الحاجة مثل الطعام، فورود الشرع بجواز الطعام يكون ورودًا بجواز القيمة، بل أولى؛ وذلك لأنَّ تمليك الثمن أقرب إلى قضاء حاجة المسكين مِن تمليك عين الطعام؛ لأنَّه به يُتوصَّل إلى ما يختاره مِن الغذاء الذي اعتاد الاغتذاء به، فكان أقرب إلى قضاء حاجته، فكان أولى بالجواز"، كما في "بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 102، ط. دار الكتب العلمية).
والأمرُ في ذلك واسع، فمَنْ شاء أخرج الطعام كفدية عن ارتكابه محظورًا من محظورات الإحرام، كما هو مذهب الجمهور، ومَن شاء أخرج قيمة ذلك الطعام ولا حرج عليه كما ذهب إلى ذلك الحنفية.
بناءً على ذلك: فللمُحْرِمِ الذي وَجَبَت عليه الفِدْيَةُ جَرَّاءَ ما ارتَكَبَه مِن مَحْظُورَات خِلَالَ فَتْرَةِ الإحرَام أن يُفدي عن ذلك بالذَّبْحِ أو الصيَامِ أو الإطعَام، وإن تخيَّر الإطعام فله أن يُطعم ستة مساكين كما هو مذهب الجمهور، وله أن يخرج قيمة ذلك الطعام مالًا على ما ذهب إليه الحنفية.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم ترك طواف الوداع للحائض؟ فهناك سائلة تسأل وتقول: جاءتني العادة الشهرية بعد الوقوف بعرفة وطواف الزيارة، ولم أتمكن من طواف الوداع؛ لعذر الحيض، فهل عليَّ شيء؟ حيث أخبرني بعض الحجاج بضرورة توديع البيت، وبأن ترك طواف الوداع يلزمه دم، فهل هذا صحيح؟
ما حكم تغيير نية النسك بعد دخول مكة؟ فهناك رجلٌ نَوَى العُمرة متمتِّعًا بها إلى الحج، وبعد دخوله مكةَ مَرِضَ، فلم يَتمكن مِن أداء العُمرة حتى دَخَل يومُ التَّرْوِيَة، ولا يُريد أن يُجهِد نَفْسه بالعُمرة في هذا اليوم قبل الوقوف بعرفة، فهل يجوز له شرعًا أن يحوِّل نِيَّة الإحرام مِن التمتُّع إلى القِرَان؟ علمًا بأنه لا يزال مُحرِمًا، ولَم يطُف بالبيت الحرام.
ما حكم طهارة ملابس الإحرام إذا وقع عليها دم؟ فأنا كنتُ قد أحرمتُ بالعمرة، وفي أثناء الإحرام فوجئتُ بـجُرحٍ في يدي ووقوع دمٍ على ملابس الإحرام، فهل يَلْزَم غَسْل وإزالة الدَّم الذي وقع على ملابس الإحرام أَو لا؟
ما حكم الإنفاق على الفقراء بدلا من الحج والعمرة في أيام الوباء؟ فمع انتشار وباء كورونا قامت السلطات السعودية بتأجيل العمرة، كما قامت بقصر الحج على حجاج الداخل من السعودية فقط؛ تحرزًا من انتشار عدوى الوباء، وأمام حزن الكثيرين ممن كانوا يحرصون على أداء العمرة بشكل مستمر في شهر رمضان أو غيره من مواسم الطاعات، وكذلك الحج تطوعًا في موسمه، خرجت دار الإفتاء المصرية بمبادرة عنوانها "كأنك اعتمرت": أكثر من ثواب العمرة، تدعو فيها من يريد الذهاب للعمرة إلى إنفاق الأموال المعدة لها، على الفقراء والمساكين والغارمين وأصحاب العمالة اليومية (الأرزقية) وكل من تضرروا بظروف الوباء؛ تفريجًا لكروبهم، وقضاءً لحوائجهم، وإصلاحًا لأحوالهم.
فهل يكون ذلك مساويًا لثواب العمرة والحج تطوعًا فضلًا عن أن يكون زائدًا عليها؟
هل يجوز للحاج أن يأكل من الهدي الواجب عليه، سواء أكان هديَ تمتعٍ، أو قِرانٍ، أو نذر، أو لارتكاب محظور؟ حيث التبس الأمر عليَّ ولا أدري الصواب، فأرجو الإفادة وجزاكم الله خيرًا.
سئل بإفادة واردة من وزارة الداخلية؛ صورتها: نحيط علم فضيلتكم أنه لما قامت الحرب الأوروبية في العام الماضي صار السفر إلى الحجاز صعبًا وطريقه غير مأمون للأسباب الآتية:
أولًا: عدم توفر الأسباب لسفر البواخر المخصصة لنقل الحجاج المصريين في ذهابهم وإيابهم، ولا يبعد أن يكون ذلك سببًا في تأخيرهم بالحجاز زمنًا ليس بالقليل، وفي ذلك مخاطرة على أنفسهم وعائلاتهم.
ثانيًا: صعوبة المواصلات الخاصة بنقل المواد الغذائية للأقطار الحجازية التي انبنى عليها عدم إرسال مرتبات الغلال التي كانت ترسلها الحكومة المصرية للحجاز سنويًّا، ولا يبعد أن يكون ذلك سببًا في وجود خطر على الحُجاج أثناء وجودهم في الأراضي المقدسة.
ثالثًا: عدم تمكُّن الحكومة بسبب العسر المالي من اتخاذ التدابير اللازمة لوقاية الحجاج المصريين من الأخطار التي تهدد حياتهم سواء كان من اعتداء أعراب الحجاز عليهم، أو من تأخيرهم مدة طويلة بتلك الجهات.
رابعًا: عدم تمكن الحكومة بسبب العسر المالي أيضًا من اتخاذ الاحتياطات الصحية التي كانت تتخذها في كل سنة لوقاية القطر من الأوبئة والأمراض المعدية التي ربما تفد مع الحجاج.
لذلك قد أخذت الوزارة في ذلك الوقت رأي فضيلة المفتي السابق عما يراه موافقًا للشرع الشريف من جهة الترخيص للحجاج المصريين بالسفر إلى الحجاز، فرأى فضيلته أنه يجوز للحكومة والحالة هذه إعطاء النصائح الكافية للحجاج المصريين بتأجيل حجهم للعام المقبل مثلًا حتى تزول الأخطار ويتوفر أمن الطريق الذي لا بد منه في وجوب الحج. وحيث إن الأسباب التي انبنى عليها هذا الرأي ما زالت موجودة بل زادت خطورة بدخول تركيا في الحرب، وقد آن موسم الحج الذي فيه تصدر وزارة الداخلية منشورها السنوي الخاص بسفر الحجاج المصريين؛ لذلك رأينا لزوم الاستمداد برأي فضيلتكم فيما يوافق الشرع الشريف في هذا الشأن.