ما حكم قضاء السنن الرواتب التابعة للصلاة المفروضة؟
يُسنُّ المحافظة على أداء السنن الراتبة في أوقاتها المحددة، فإن خَرَج وقتها فالمختار للفتوى أنه يجوز للمسلم أن يقضيها بعد ذلك، في أيِّ وقتٍ من غير حدٍّ -إلَّا أن يكون وقت كراهة-، وسواء كانت الفائتة الفجر أم غيرها من الرواتب.
المحتويات
الإكثار من النوافل سببٌ لمحبة الله تعالى؛ ففي الحديث القدسي الذي أخرجه البخاري في "صحيحه" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ».
ومن هذه النوافل التي رغَّب سيدنا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم في المواظبة عليها: السنن الرواتب التابعة للصلوات المفروضة، وجملتها اثنتا عشرة ركعة عند الحنفية؛ وهي: أربع ركعات قبل صلاة الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد صلاة المغرب، وركعتان بعد صلاة العشاء، وركعتان قبل صلاة الفجر؛ ومجموعها اثنتا عشرة ركعة.
وأَمَّا الشافعية والحنابلة فمقدارها عندهم عشر ركعات: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر.
ويرى المالكية أنه لا حَدَّ للسنن الرواتب. ينظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 284، ط. دار الكتب العلمية)، و"مواهب الجليل" للحطاب (2/ 66-67، ط. دار الفكر)، و"المجموع شرح المهذب" للإمام النووي (4/ 7، ط. دار الفكر)، و"المغني" للشيخ ابن قدامة (2/ 93، ط. مكتبة القاهرة).
فعن أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنها أنَّها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلاَّ بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ أَوْ إِلاَّ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ» رواه مسلم.
وفي روايةٍ للترمذي والنسائي في "السنن": «مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ: أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ».
كما خصَّ سيدنا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم بعض هذه الرواتب بالتَّأكيد والترغيب، كنافلة الفجر؛ فعن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» رواه مسلم.
وعنها قالت: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مِنْهُ تَعَاهُدًا عَلَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ» متفق عليه.
وكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحرص على أن يصلِّي أربعًا قبل الظهر، فإذا لم يصلِّهنَّ قبل الظهر صلَّاهن بعدها؛ فقد روى الإمام الترمذي في "سننه" عن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إِذا لم يُصَلِّ أربعًا قبل الظهر صلَّاهنَّ بعده.
قال العلامة الحسين بن محمود المظهري في "المفاتيح في شرح المصابيح" (3/ 137، ط. دار النوادر): [من أدَّى فرائض الله تعالى يحبُّه الله، ومن أدَّى الفرائض والنوافل يزيد حبُّ الله له، فبقدر ما زاد من النوافل يزيد حبُّ الله له، حتى صار عبدًا مُخلصًا مرضيًّا لله تعالى] اهـ.
نظرًا لعظم ثواب هذه السنن اختلف الفقهاء في حكم قضاء الفوائت منها: فذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّ السنن الرواتب لا تُقْضَى بعد خروج وقت صلاتها المفروضة، واستثنوا من ذلك سنة الفجر، ووافقهم الحنابلة في قولٍ.
قال العلامة الكاساني في "بدائع الصنائع" (1/ 287): [لا خلاف بين أصحابنا في سائر السنن -سوى ركعتي الفجر- أنَّها إذا فاتت عن وقتها لا تُقضَى سواء فاتت وحدها، أو مع الفريضة.. أمَّا سنة الفجر فإن فاتت مع الفرض تُقضَى مع الفرض استحسانًا.. وأمَّا إذا فاتت وحدها لا تُقضَى عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: تُقضَى إذا ارتفعت الشمس قبل الزوال] اهـ.
وقال الشيخ الدردير المالكي في "الشرح الصغير" (1/ 408، ط. دار المعارف): [(والفجر) أي: ركعتاه، (رغيبة) أي: مُرغَّب فيها.. (ولا يُقضَى نفلٌ) خرج وقته (سواها)؛ فإنَّها تُقضَى بعد حل النافلة (للزوال) سواء كان معها الصبح أو لا] اهـ.
قال العلامة الصاوي محشِّيًا عليه: [قوله: (ولا يُقضَى نفل): ظاهره أنَّه يحرم قضاء غيرها من النوافل، وصرَّح في الأصل بالحرمة، قال في الحاشية: هذا بعيدٌ جدًّا، وليس منقولًا ولا سيَّما الإمام الشافعي يجوِّز القضاء، والظاهر أنَّ قضاء غير الفرائض مكروهٌ فقط] اهـ.
وذهب الشافعية في الأظهر، والحنابلة في المشهور إلى استحباب قضاء النوافل الراتبة.
قال الإمام النووي في "روضة الطالبين" (1/ 337، ط. المكتب الإسلامي-بيروت): [النافلة قسمان: أحدهما: غير مؤقتة، وإنما تفعل لسبب عارض؛ كصلاة الكسوفين، والاستسقاء، وتحية المسجد، وهذا لا مدخل للقضاء فيه. والثاني: مؤقتة؛ كالعيد، والضحى، والرواتب التابعة للفرائض، وفي قضائها أقوال: وأظهرها: تُقضَى، والثاني: لا، والثالث: ما استقلّ؛ كالعيد والضحى، قُضي، وما كان تبعًا كالرواتب، فلا] اهـ.
وقال العلامة المرداوي في "الإنصاف" (2/ 178، ط. دار إحياء التراث العربي–الطبعة الثانية): [(ومن فاته شيءٌ من هذه السنن سُنَّ له قضاؤها) هذا المذهب والمشهور عند الأصحاب.. وعنه: لا يُستَحَبّ قضاؤها] اهـ.
أمَّا عن كيفية قضاء السنن الرواتب عند القائلين به:
فللشافعية فيه أقوالٌ: المشهور: أنَّها تُقضى أبدًا في أي وقتٍ من غير حدٍّ، والثاني: تُقضَى فائتة النهار ما لم تغرب الشمس، وفائتة الليل ما لم تطلع الشمس، والثالث: يَقضِي كل راتبة تابعة لفريضة ما لم يصلِّ الفريضة التي بعدها، فيقضي سنة الصبح ما لم يصلِّ الظهر.
وعند الحنابلة تُقضَى السنن الرواتب على الترتيب كما هو الحال في قضاء الصلوات، ولم يحدُّوا وقتًا لقضائها.
وأمَّا قضاء سنة الفجر إذا فاتت: فعند الحنفية إن فاتت مع الفرض فإنَّها تُقضى مع الفرض استحسانًا، ولا تقضى بعد الزوال، وأمَّا إذا فاتت وحدها فلا تُقضى.
وعند المالكية: تُقضَى في الوقت الذي تحلُّ فيه النوافل إلى الزوال، سواء فات معها الفرض أو لا. ينظر: "بدائع الصنائع" (1/ 287)، و"حاشية الصاوي" (1/ 408)، و"روضة الطالبين" (1/ 337)، و"الإنصاف" (2/ 178)، و"كشاف القناع" للإمام البهوتي (1/ 260، ط. دار الكتب العلمية).
المختار للفتوى: جواز قضاء النوافل الرواتب؛ وذلك لما أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ نَسِىَ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا».
فهو عامٌّ في كل صلاة؛ سواء كانت فريضة أو راتبة. ينظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (2/ 288، ط. دار الكتب العلمية)، لكن ينبغي أن يكون القضاء في غير أوقات الكراهة؛ مراعاةً لخلاف المالكية.
بناءً على ذلك: فإنَّه يُسنُّ المحافظة على أداء السنن الراتبة في أوقاتها المحددة، فإن خَرَج وقتها جاز للمسلم أن يقضيها بعد ذلك، في أيِّ وقتٍ من غير حدٍّ -إلَّا أن يكون وقت كراهة-، وسواء كانت الفائتة هي الفجر أم غيرها من الرواتب.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
تعلمون فضيلتكم أنه قد يضطر القائمون على المساجد إلى إضافة أدوار عليا فوق المسجد نظرًا لضيق الأماكن، ولكن تقابلنا مشكلة تبزغ من وقت لآخر، وهي: أن المصلين في هذه الأدوار العليا لا يتمكنون من رؤية الإمام ولا المصلين خلفه بالدور الأرضي، وإنما يتابعون الصلاة عن طريق السماع فقط (بمكبرات الصوت)، ولا يخلو الأمر أحيانًا من وجود سهو في الصلاة كأن يقوم الإمام بدلًا من الجلوس للتشهد أو تكون هناك سجدة تلاوة أو سجود للسهو، وغير ذلك مما لا يفطن إليه المصلون بالأدوار العليا، فيستمرون في صلاتهم حتى يكتشفوا الخطأ فيحدث ارتباك في المسجد، بل وقد ترتفع الأصوات ويشك الناس في صلاتهم.
وقد فكرنا في الاستفادة من الأجهزة الحديثة في التغلُّب على هذه المشكلة قياسًا على الاستفادة من مكبرات الصوت والإضاءة الحديثة وقبل أن نقدم على ذلك نودُّ أن نتعرَّف على الحكم الشرعي في ذلك حتى لا نفتح بابًا للبدع في المساجد بغير قصد، لذلك نعرض على فضيلتكم اقتراحنا أولًا، ونسأل الله أن يوفقكم في الإجابة وفق ما يُحبُّه ويرضاه. وهذا الاقتراح يتمثل في الآتي:
1- تثبيت عدسة مراقبة (كاميرا تصوير) خلف الإمام فقط لمتابعة حركته من قيام وركوع وسجود، ولا تستعمل إلا عند إقامة الصلاة وتغلق عند انتهاء التسليمتين (على غرار الكاميرات المستعملة للمراقبة في الشركات والهيئات).
2- اتصال هذه الكاميرا بشاشة عرض صغيرة (كمبيوتر أو تلفزيون) أو فانوس إسقاط -بروجكتور- توضع في قِبلة الأدوار العليا بالمسجد ليتمكن المصلون من متابعة الإمام بين الحين والآخر.
فيرجى التكرم بالإفادة عن مدى شرعية هذا الأمر قبل تنفيذه.
ما حكم طهارة من وجد الماء بعد التيمم؟ فقد انقطعت المياه في قريتنا كلِّها للصيانة مدةً طويلة بحيث لا يمكنني الحصول على ماءٍ للوضوء، وحضَرَت صلاةُ الظهر، وانتظرتُ حتى قَرُب موعدُ صلاة العصر، ولم تأتِ المياه، ولا يمكنني الوصول إلى مكان قريبٍ فيه ماءٌ لأتوضأ، فتيممتُ بالتراب لصلاة الظهر، وبعد الفراغ مِن الصلاة مباشرةً سمعتُ صوت الماء في الصنبور، فهل يجب عليَّ الوضوء وإعادة الصلاة؟ وما الحكم إن وجدتُ المياه بعد التيمم قبل الصلاة أو في أثنائها؟
ما حكم صلاة الجنازة على أكثر من متوفى مرة واحدة؟ نظرًا لما حدث من انتشار فيروس كورونا المستجد، وما ترتَّب عليه من زيادة أعداد الموتى بسبب هذا الوباء، وما نتج عنه مِن اجتماع أكثر مِن جنازة في وقت واحد للصلاة عليها؛ فهل إذا صلَّى الإنسان على أكثر مِن جنازة دفعة واحدة ينال مِن الأجر والثواب ما يأخذه لو صلَّى على كل جنازة منفردة؟
هل يجوز شرعًا بناء مصلى للسيدات أعلى المدفن؟
ما حكم من يترك صلاة الجمع والجماعات لكونه من أصحاب الأعذار؟
ما حكم القنوت في الفجر؟ حيث إن هناك خلافًا بين المصلين في مسجدنا في ذلك.