ما حكم غسل القدمين في الوضوء لمريض السكري؟ فامرأة مريضة بالسكَّر والقلب، وتُعاني من التهابات مستمرة في القدمين خاصة بين الأصابع، وقد وصف لها الطبيب بعض المراهم، وأمرها بعدم غسلها بالماء أكثر من مرة واحدة في اليوم إذا لزم الأمر، فماذا تفعل عند الوضوء؟
يجوز شرعا لمن يعاني من التهابات في القدمين، خاصة فيما بين الأصابِع بسبب المرض أن يكتفي بغسل قدميه مرَّةً واحدةً في أول وضوءٍ له في يومه وليلته، ثمَّ يدَعُ غسلَ مواضع الإصابة بالالتهاب بقيَّة اليوم بقدر ما أوصاه الطبيب، ويكتفي بالمسح عند الوضوء إن أمكن، فإن تعذَّر عليه المسح واستطاع أن يضع عليه عازلًا من كريم أو مرهم أو يجعل عليها شيءٍ من قماشٍ أو نحوه ذلك مما يحفظها من الماء فعل ثم يمسح عليها، فإن لم يستطع فعليه أن يتيمم بعد الوضوء عن تلك المواضِع التي لم يغسلها بالماء ولم يمسح عليها، فإن تعسَّر عليه التيممُ بعد الوضوء جاز له شرعًا تركُ التيمم، وذلك حتى يبرأ أو يقدر على غَسل قدميه أو مسحهما دون ضرر، ولا إثم عليه في ذلك ولا حرج.
المحتويات:
جعل اللهُ الطهارةَ من الأحداث والأنجاس شرطًا لصحَّة الشروع في الصلاة، ومن ذلك الطهارة بالوضوء من الحدث الأصغر؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الشريف: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» متفق عليه.
ومن المُقَرر في الشرع الشريف أن غَسلَ الرجلين من فرائض الوضوء التي لا تصح الصلاة بدونها، وذلك عملًا بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6].
ولما ورد عن سيدنا عُثْمان بن عفَّان رضي الله عنه أنه دَعَا بوَضُوء فتوضأ... ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثم قال: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» متفق عليه.
ووجوب غسل القدمين في الوضوء هو ما عليه أكثر أهل العلم، كما في "المُغْنِي" للإمام مُوَفَّق الدِّين بن قُدَامَة (1/ 98، ط. مكتبة القاهرة)، بل نقل فيه الإمام النَّوَوِي الإجماعَ، كما في "المجموع" (1/ 417، دار الفكر).
كما فرضت الشريعةُ الإسلاميةُ الفرائضَ وألزَمَت بها المكلَّفين، فإنها لم تَخْلُ من الرَّحمة والتيسير ورفع الحرج، فقد راعت حاجات المكلَّفين وما يعِنُّ لهم من مشقةٍ أو حرجٍ في أداء بعض التكليفات الشرعية وفق ما يجري عليهم من الأقدار، وما قد يصيبهم من الأمراض والأكدار، فقال الحق جَلَّ وَعَلَا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وهو ما تقرَّر في القواعد الفقهيَّة الكبرى من أن "الْمَشَقَّةَ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ"، كما في "الأشباه والنظائر" للإمام جلال الدين السُّيُوطِي (ص: 76، ط. دار الكتب العلمية).
فمن وجد مشقةً شديدةً تمنعه من غسلِ عضوٍ من أعضاء الوضوء لم يُلزَم شرعًا بغسل ذلك العضو، بل يصير إلى بدلٍ يناسب حاله، إذ في إلزامه بالغسل ضررٌ يصيبه، وقد تقرَّر في الشرع الشريف أن "الضرر يزال"، كما في "الأشباه والنظائر" للإمام الحافظ جلال الدين السُّيُوطِي (ص: 83)، ولأن في إلزامه بالأصل مع وجود الضرر إتلافًا لأعضائه أو إهلاكًا لنفسه، وهو ما نهى الله تعالى عنه في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195].
ولذلك نصَّ الفقهاء على أنَّ المصاب بتشقُّقٍ في قدمه على نحوٍ يتضرر فيه من ملاقاة الماء لبشرةِ تلك المواضع من القدم -يسقط عنه غسل مواضع المرض والإصابة بقدر ما يرفع عنه الضرر ويلزمه المسح بدلا عن الغسل إن استطاع ذلك حتى ولو بالمسح على حائلٍ يفصل بين الموضع المصاب والماء، دون حاجة إلى التيمم مع المسح، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة.
قال الإمام الشُّرُنْبُلَالِي الحنفي في "مراقي الفلاح" (ص: 63، ط. دار الكتب العلمية، مع "حاشية الإمام الطَّحْطَاوِي"): [(ولو ضَرَّه غسلُ شقوق رجليه، جاز) أي: صح (إمرار الماء على الدواء الذي وضعه فيها) أي: الشقوق للضرورة (ولا يُعاد الغسل) ولو مِن جنابة (ولا المسح) في الوضوء] اهـ.
وقال الإمام شِهَابُ الدِّين النَّفَرَاوِي المالكي في "الفواكه الدواني" (1/ 163، ط. دار الفكر): [الموضع المجروح أو الذي يتألم صاحبه بمسه ولم يكن مجروحًا: إن خاف بغسله مرضًا أو زيادته، أو تأخُّر بُرء -كالخوف المُجَوِّز للتيمم-، فإنه يمسح عليه وجوبًا إن خاف هلاكًا أو شديد أذًى، وندبًا إن خشي دون ذلك، فإن لم يستطع مباشرته بالمسح مسح على جبيرته، وهو الدواء الذي يجعل عليه، فإن لم يستطع مسح على الخرقة ولو انتشرت وخرجت عن محله حيث احتيج إلى ذلك، ولا يشترط لبسها على طهارة] اهـ.
وقال الإمام موفق الدين بن قُدَامَة الحنبلي في "المغني" (1/ 205) فيما يروي عن الإمام أحمد في المسألة: [إن كان في رجله شقٌّ... قيل له: متى يسع صاحب الجرح أن يمسح على الجرح؟ فقال: إذا خشي أن يزداد وجعًا أو شدَّةً... كما قلنا في الإصبع المجروحة إذا جعل عليها مرارة أو عصبها، مسحها] اهـ.
وقال الإمام أبو السعادات البُهُوتِي الحنبلي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 67، ط. عالم الكتب): [(و) يجب مسح (جميع جبيرةٍ) على كسرٍ أو جرح... (فلو تعدَّى) أي: تجاوز (شدُّها) أي: الجبيرة (محلَّ الحاجة) إليها وهو موضع الكسر، أو الجرح وما أحاط به مما لا يمكن الشد إلا به (نَزَعها)... (فإن خاف) ذلك (تيمَّم لزائدٍ) على محلِّ الحاجة؛ لأنه موضِع يخاف استعمال الماء فيه، فجاز التيمم له، كالجرح... (ودواء) على البدن (-ولو قارًا في شق وتضرر بقلعه- كجبيرة) في المسح عليه إن وَضَعه على طهارة] اهـ. فأفاد أنَّ المسح على موضِع الإصابة في القدم مع غسل الصحيح منها لا يلزم له التيمم، وإنما يلزم التيمم إن لم يكن على الجرح حائلٌ من جبيرةٍ أو دواءٍ وتعذر المسح عليه، أو كان الشيءُ الموضوعُ على الجرح يتعدى موضِع الإصابة، أو وُضِع على غير طهارةٍ.
فالمتعين في حقِّ المصاب في تلك الحالة عندهم أن يفعل من واجبات الوضوء ما لا يضرُّه فقط، فإن تضرَّر من الغَسل زيادة على مرَّةٍ في اليوم -كما هي مسألتنا-، اكتفى بغسلها في أول وضوءٍ له من اليوم، ثم يمسح إن أمكنه ذلك على مواضع المرض كلما احتاج للوضوء بقية اليوم، فإن تضرَّر من المسح أيضًا واستطاع وضع عازلٍ كالدهان والمراهم العلاجيَّة أو لفافةٍ من القماش ونحوه على موضع المرض وإمرار الماء عليه، أو مسحه بدلًا عن الغَسل فعل ذلك، ولا حرج من وجود الحائل أو عدم وضعه على طهارةٍ للضرورة.
فإن تعذر عليه المسح فلا يلزمه شيء عند الحنفية، وللمالكية أربعة أقوال: أولها: يتيمم؛ ليأتي بطهارة ترابية كاملة. وثانيها: يغسل ما صَحَّ، ويَسقط محل الجِرَاح. وثالثها: يتيمم إن كَثُر الجرح، أي: كان أكثر من الصحيح، فإن قَلَّ الجرحُ غَسَل الصحيحَ وسَقَط الجريح. ورابعها: يجمعهما، فيغسل الصحيح، ويتيمم للجريح، ويقدم المائية؛ لئلا يفصل بين الترابية وبين ما فُعِلت له بالمائية.
جاء في "الفتاوى الهندية" (1/ 5، ط. المطبعة الكبرى الأميرية) نقلًا عن شمس الأئمة الحلواني الحنفي: [إذا كان في أعضائه شقاقٌ... فإن عجز عن المسح سقط عنه المسح أيضًا، فيغسل ما حوله، ويترك ذلك الموضع، كذا في "الذخيرة"] اهـ.
وقال الإمام أبو البَرَكَات الدَّرْدِير المالكي في "الشرح الكبير" (1/ 165، ط. دار الفكر، مع "حاشية الإمام الدُّسُوقِي"): [(وإن تعذَّر) أو شَقَّ (مسُّها) أي: الجراح (وهي بأعضاءِ تَيَمُّمِهِ) الوجه واليدين، كلًّا أو بعضًا (تركها) بلا غسل ولا مسح؛ لِتَعَذُّر مَسِّها (وتوضأ)... (وإلا) بأن كانت الجراح في غير أعضاء التيمم (فـ) في المسألة أربعة أقوال: أولها: يتيمم؛ ليأتي بطهارة ترابية كاملة. ثانيها: يغسل ما صح، ويسقط محل الجِرَاح؛ لأن التيمم إنما يكون عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، وسواء فيهما كان الجريح أقلَّ أو أكثر (ثالثها: يتيمم إن كَثُر) الجرح، أي: كان أكثر من الصحيح؛ لأن الأقل تابِع للأكثر، فليس المراد: كَثُر في نفسه، بدليل التعليل، فإنْ قَلَّ الجرح غسل الصحيح وسقط الجريح (ورابعها: يجمعهما) فيغسل الصحيح، ويتيمم للجريح، ويقدم المائية؛ لئلا يفصل بين الترابية وبين ما فُعِلت له بالمائية] اهـ.
بينما ذهب الشافعية إلى أنَّ الواجب على المصاب بشقوقٍ تمنعه من غسل قدمه أن يجمع بين الوضوء والمسح والتيمم، وذلك بأن يغسل الأعضاء الصحيحة في الوضوء، ويمسح مواضع المرض إن أمكنه ذلك، فإن تعذر المسح ترك مواضع الإصابة دون غسل أو مسح، وفي كلِّ ذلك يجبر ترك الغَسل أو المسح بالتيمُّم المعروف شرعًا، ويؤخر التيمم عن الوضوء، فيتوضأ، ثم يتبع الوضوء بالتيمم؛ لأن التيمم بدلٌ، فلا بد من تحقق التعذر عند الاشتغال بالوضوء لينوب التيمم عنه ويحل محله، وليكون ألصق وأقرب للاشتغال بالصلاة، وهو ما وافقهم فيه المالكية في قولٍ، والحنابلةُ لكن في حالة تعذر مسح المريض على كلٍّ من موضِع المرض مباشرةً وما وُضِع عليه من الدواء أو الحائل، كما زاد الحنابلة في حالات الجمع بين التيمم والوضوء ما إذا وُضِع الدواء أو الجبيرة على غير طهارةٍ، وفي حالة تعدِّي موضِع المرض إلى غيره من البَشَرة الصحيحةِ.
قال الإمام شِهَابُ الدِّين النَّفَرَاوِي المالكي في "الفواكه الدواني" (1/ 163) في كيفية الطهارة مع وجود الجراحات: [لو تعذر مسُّها بسائر الوجوه، بأن لا يستطيع مسَّها، لا بالماء ولا بالتراب، لا مباشرة ولا بحائل، فإن كانت بأعضاء التيمم سقط محلُّها، ويفعل ما سِوَاها من غسل أو مسح في الوضوء أو الغسل، وأما لو كانت بغير أعضاء التيمم فأربعة أقوال... الرابع: يجمعها، ويقدِّم الغسل، ويؤخر التيمم؛ ليتصل بالصلاة] اهـ.
وقال الإمام شمس الدين الخطيب الشِّرْبِينِي الشافعي في "مغني المحتاج" (1/ 256-257، ط. دار الكتب العلمية): [(فإن كان) على العضو الذي امتنع استعمال الماء فيه ساتِرٌ (كجبيرة لا يمكن نزعُها) لخوف محذور مما تقدم بيانه، وكذا... الشقوق التي في الرِّجل إذا احتاج إلى تقطير شيءٍ فيها يَمنع من وصول الماء... (غَسَلَ الصحيحَ) على المذهب؛ لأنها طهارةُ ضرورةٍ، فاعتُبر الإتيان فيها بأقصى الممكن (وتيمم)... (ويجب مع ذلك مسحُ كلِّ جبيرته) التي يَضُر نزعُها (بماء) استعمالًا للماء ما أمكن] اهـ.
وقال الإمام موفق الدين بن قُدَامَة الحنبلي في "المغني" (1/ 206): [وإذا لم يكن على الجرح عصاب، فقد ذكرنا فيما تقدم أنه يغسل الصحيح، ويتيمم للجرح] اهـ.
وقال الإمام الرُّحَيْبَانِي الحنبلي في "مطالب أولي النهى" (1/ 137، ط. المكتب الإسلامي) في المسح على الجبيرة: [لو وضعت (على طهارةٍ، وجاوَزَت المحل، وخِيفَ نزعُها، تيمَّم لزائدٍ) على محل الحاجة (ومُسِح) بالبناء للمفعول (غَيرُه) وهو ما جاوز محل الحاجة (وغُسِل صحيحٌ) فيجتمع في هذه الصورة الغَسلُ والمَسحُ والتَّيمُّمُ (ودواءٌ) لُصِق على جرحٍ أو وُضِع (ولو قارًا) جُعِل (في شق) رِجلٍ ونحوها، كمَرَار أَلْقَمَهَا أصبعه المُتَأَلِّمَة (وخِيفَ) ضررٌ (بِقَلْعِهِ، كجبيرةٍ) إذا وضَعَها على طهارةٍ، جاز المسح عليها؛ لأنها في معناها] اهـ.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنَّه لا حرج على المرأة المذكورة التي تعاني من التهابات في القدمين، خاصة فيما بين الأصابِع بسبب ما تُعانيه من مرض -في أن تكتفي بغسل قدميها مرَّةً واحدةً في أول وضوءٍ لها في يومها وليلتها، ثمَّ تدَعُ غسلَ مواضع الإصابة بالالتهاب بقيَّة اليوم بقدر ما أوصاها به الطبيب، مع الاكتفاء بالمسح عند الوضوء إن أمكن، فإن تعذَّر عليها المسح واستطاعت أن تضع عليها عازلًا من كريم أو مرهم أو تلُفها بشيءٍ من قماشٍ أو نحوه يحفظها من الماء أثناء الوضوء فعلت ذلك ومسَحَت عليه، فإن لم تستطع فعليها أن تتيمم بعد الوضوء عن تلك المواضِع التي لم تغسلها بالماء ولم تمسح عليها، فإن تعسَّر عليها التيممُ بعد الوضوء جاز لها شرعًا تركُ التيمم، وذلك حتى تبرأ أو تقدر على غَسل قدميها أو مسحهما في الوضوء دون ضرر، ولا إثم عليها في ذلك ولا حرج.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم اشتراط الوضوء لذكر الله؟
هل يأخذ المصحف المكتوب بطريقة برايل نفس أحكام القرآن الكريم من حيث احترامه وتنزيهه ومس المحدث له ونحو ذلك؟
بخصوص الشخص الذي له رخصة التيمم بسبب عدم توفر الماء أو بسبب مرض يمنعه من استعمال الماء؛ هل يُشْتَرَطُ في حقه تَكرار التيمم لكل فريضة، أو يجوز له أن يصلي بالتيمم الواحد أكثر من فريضة كما هو الحال في الوضوء؟
ما حكم طهارة من تيمم ثم وجد الماء قبل الشروع في أداء الصلاة؟