سائل يقول: عندما أتوضأ بماء الحنفيَّة وأتمضمض أجد له أحيانًا طعمًا غريبًا، كما أجد له لونًا مائلًا إلى البياض، فما حكم الوضوء بهذا الماء شرعًا؟
الوضوء بماءِ الحنفية في الصورة المسؤول عنها جائزٌ شرعًا، ولا يضُرُّ الماءَ ما يَعرِضُ له من تغيُّرٍ يسيرٍ في الطعمِ أو اللونِ بسبب مخالطة شيءٍ طاهرٍ، ما دام هذا التَّغيُّر لا يسلبُ الماءَ اسمَه، ولا رِقَّته، ولا جريانه، ولم تثبت مخالطتهُ لنجاسةٍ تؤثر في أحد أوصافهِ الثلاثة المذكورة.
المحتويات:
المقرر شرعًا أن الوضوء يكون بالماء المطلق، وهو الماء الباقي على أصل خِلقته، من نحو ماء البحار، والأنهار، والأمطار ونحوها، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فِي ماء البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» أخرجه الأئمة: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه وأحمد، من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
قال العلامة ابن المنذر في "الإجماع" (ص: 34، ط. دار المسلم): [لا تجوز الطهارة إلا بماء مطلق يقع عليه اسم الماء] اهـ.
وقال الإمام البغوي في "تفسيره" (3/ 448، ط. دار إحياء التراث العربي): [الطَّهُور: هو الطاهر في نفسه الـمُطهِّر لغيره، فهو اسمٌ لما يُتطَهَّر به] اهـ.
الطهارة نوعان: حقيقية وهي إزالة النجاسات الحقيقية، وحكمية وهي الوضوء والغسل، ويحصل التطهير في كلٍّ منهما بالماء المطلق.
قال الإمام الكاساني في "بدائع الصنائع" (1/ 83، ط. دار الكتب العلمية): [ما يحصل به التطهير أنواعٌ، منها: الماء المطلق، ولا خلاف في أنه يحصل به الطهارة الحقيقية والحكمية جميعًا] اهـ.
وقال العلامة القُونَوي في "أنيس الفقهاء" (ص: 5، ط. دار الكتب العلمية): [وفي "المحيط": الطهارة نوعان: حقيقية وهي إزالة النجاسة الحقيقية، وحُكْمية وهي الوضوء والغسل. وكلا الطهارتين يَحصُل بالماء المطلق] اهـ.
والأصل بقاء الماء على طهوريته ما دام باقيًا على أصل خلقته، ولم يتغير تغيرًا يخرجه عن مسمى الماء بسبب نجاسة، أو يسلبه وصف الإطلاق؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ، إِلَّا إِنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ» أخرجه الإمام البيهقي في "السنن الكبرى".
فإن تغيَّر الماء بنجاسةٍ أثَّرت في أحد أوصافه الثلاثة -اللون، أو الطعم، أو الرائحة- فقد أجمع الفقهاء على أنه لا يصح التطهر به شرعًا.
قال العلَّامة ابن المنذر في "الإجماع" (ص: 35): [وأجمعوا على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت للماء طعمًا، أو لونًا، أو ريحًا -أنه نجس ما دام كذلك] اهـ.
أمَّا إذا خالطَ الماءَ شيءٌ طاهرٌ، فلا يخلو الحال من إحدى صورتين:
الأولى: ألا تُحدث هذه المخالطة تغيُّرًا في أحد أوصاف الماء الثلاثة، وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى صحة التطهر به في هذه الحالة؛ لبقاء الماء على إطلاقه، واستدلوا على ذلك بقول أم هانئ رضي الله عنها أنَّها قالت: «اغْتَسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَمَيْمُونَةُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ» أخرجه الأئمة: النسائي، وابن ماجه، وأحمد.
قال العلامة الطِّيبي في "شرح المشكاة" (3/ 833، ط. مكتبة نزار): [قوله: «أَثَرُ الْعَجِينِ» الظاهر أن أثره في تلك القصة لم يكن كثيرًا مُغيرًا للماء] اهـ.
وقال العلامة الحطَّاب المالكي في "مواهب الجليل" (1/ 60، ط. دار الفكر): [عُلِمَ من كلام المصنِّف أن المعتبر في سلب الطهورية إنما هو تغير أحد أوصاف الماء لا مجرد مخالطة الماء لغيره فلو وقع في الماء جلد أو ثوب وأخرج ولم يتغير الماء لم يضره] اهـ. ثم قال (1/ 61): [قال في "التوضيح": لما ذكر أن حكم الماء حكم ما غيَّره، فإن كان نجسًا فالماء نجس، وإن كان المغيِّر طاهرًا فالماء طاهر غير مطهِّر] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (1/ 103، ط. دار الفكر) في معرض حديثه عن صفة التغير المؤثر في الماء: [وإن كان يسيرًا بأن وقع فيه قليل زعفران فاصفرَّ قليلًا، أو صابون أو دقيق فابيَضَّ قليلًا بحيث لا يضاف إليه، فوجهان: الصحيح منهما: أنَّه طهور؛ لبقاء الاسم، هكذا صححه الخراسانيون، وهو المختار] اهـ.
وقال العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي في "المنهاج القويم" (ص: 12، ط. دار الكتب العلمية): [(ولا يضر تغيُّرٌ يسيرٌ) وهو ما (لا يمنع اسم الماء) وإن كان بمخالط يستغنى؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم توضأ من قصعة فيها أثر عجين] اهـ.
وقال العلامة البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (1/ 26، ط. دار الفكر): [(و) من الطَّهور (ما استُهلك فيه مائِع طاهر) بحيث لم يغير كثيرًا من لونه أو طعمه أو ريحه، كما يُعلم مما يأتي في أقسام الطاهر (أو) استُهلك فيه (ماءٌ مستعمَلٌ يسير) ولم يغيره، فهو باقٍ على طهوريته؛ لأن ذلك لا يسلبه اسم الماء المطلق، أشبه الباقي على خلقته] اهـ.
الثانية: أن تُحدث مخالطة الطاهر تغيرًا في أحد أوصاف الماء، فقد ذهب الحنفية وهو روايةٌ عن الإمام أحمد إلى صحة التطهر به؛ لأن هذا التغير لم يسلب الماء اسمَه، ولا رقته، ولا جريانه، إلا أنَّ الحنفية يشترطون ألا يكون التغيير عن طبخٍ أو عن غلبةِ أجزاءِ المخالِطِ للماء حتى يصير الماء ثخينًا به، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: 43]. وهذا عامٌّ في كل ماء، فيَعُمُّ كلَّ ما يَصدُق عليه اسم الماء، سواء تغير أو لم يتغير.
قال الإمام الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق" (1/ 19، ط. الأميرية): [(قوله في المتن: وإن غيَّر طاهرٌ أحدَ أوصافه) أو جميعَ أوصافه إذا بقي على أصل خلقته اهـ. إنما يجوز الوضوء بالماء المطلق، وهو ما بقي على أصل خلقته من الرقة والسيلان، فلو اختلط به طاهرٌ أوجَبَ غلظه صار مقيدًا، فلا يجوز الوضوء به، لكن يجوز إزالة النجاسة الحقيقية به كالماء المستعمل على الصحيح] اهـ.
وقال العلامة ابن مودود الحنفي في "الاختيار لتعليل المختار" (1/ 14، ط. الحلبي): [قال: (ويجوز بماءٍ خالطَهُ شيءٌ طاهرٌ فغيَّر أحدَ أوصافه) ولم يُزِلْ رِقَّتَه (كالزعفران، والأشنان، وماء المد) وفي اللبن روايتان (ولا تجوز بماءٍ غلب عليه غيرُه فأزال عنه طبع الماء كالأشربة والخل وماء الورد) وطبْعُ الماء: كونُه سيَّالًا مُرطِّبًا مُسَكِّنًا للعطش] اهـ.
وقال العلامة ابن قُدامة الحنبلي في "المغني" (1/ 11، ط. مكتبة القاهرة) في معرض حديثه عن اختلاف الفقهاء في الماء الذي خالطه طاهر فغيَّر أحد أوصافه: [ونقل عن أحمد جماعة من أصحابه، منهم أبو الحارث، والميموني، وإسحاق بن منصور -جواز الوضوء به. وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، وهذا عام في كل ماء؛ لأنه نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تَعُم، فلا يجوز التيمم مع وجوده، وأيضًا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث أبي ذر رضي الله عنه: «التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ»، وهذا واجد للماء، ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كانوا يسافرون، وغالب أسقيتهم الأُدمُ، والغالب أنها تغير الماء، فلم ينقل عنهم تيمم مع وجود شيء من تلك المياه، ولأنه طهور خالطه طاهر لم يسلبه اسم الماء، ولا رقته، ولا جريانه، فأشبه المتغير بالدهن] اهـ.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن الوضوء بماءِ الحنفية في الصورة المسؤول عنها جائزٌ شرعًا، ولا يضُرُّ الماءَ ما يَعرِضُ له من تغيُّرٍ يسيرٍ في الطعمِ أو اللونِ بسبب مخالطة شيءٍ طاهرٍ، ما دام هذا التَّغيُّر لا يسلبُ الماءَ اسمَه، ولا رِقَّته، ولا جريانه، ولم تثبت مخالطتهُ لنجاسةٍ تؤثر في أحد أوصافهِ الثلاثة المذكورة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم صلاة المريض بسلس البول أمامًا في صلاة الجماعة؟ فأنا مصاب بسلس البول، ودخلت المسجد لصلاة العشاء، ونظرًا لأنني أحفظ القرآن طلب مني المصلون أن أصلي بهم العشاء إمامًا، فتقدمت وصليت بهم فهل صلاتي بهم إمامًا صحيحة أو لا؟
ما حكم بخار النجاسة ودخانها؟ حيث وقعت نجاسة على ثيابي فقمتُ بغسلها بماءٍ ساخن؛ فهل يُعتبر البخار المتصاعد أثناء الغسيل طاهرًا أو نجسًا؟
ما كيفية الطهارة عند وقوع النجاسة على شيء ولم يُعرَف موضعها؟ فقد توضأتُ للصلاة، ولما فرَغتُ مِن الوضوءِ وَقَعَ عليَّ ماءٌ نجسٌ، وأصاب ثَوبِي وبَدنِي، وتَطَايرَ على المكان الذي أُرِيدُ الصلاة فيه، لكن لا أعلم موضع تلك النجاسة التي أصابتني، فما حكم الصلاة في هذه الحالة؟
ما حكم تيمم الجنب عند فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله؟ فقد كنت جنبًا، وكانت المياه مقطوعة، ومع أنه يوجد ماء مخزن، إلا أنَّني لا أستطيع استعمال الطرق القديمة في الاغتسال.
ما حكم صوم من كان يخطئ في غسل الجنابة؟ فكنت أغتسل من الجنابة من دون أن أنوي شيئًا، فسمعت بعد ذلك من أحد الشيوخ أن النية واجبة في غسل الجنابة، فما حكم صومي فيما مضى؟
ما حكم نزول قطرة بول بعد الوضوء؟ فقد تجاوزتُ الرابعة والستين، وعندي حالة قديمة جدًّا تسمى التنقيط في البول، ولا يتم التنقيط إلا بعد التبول وفي غضون 10 دقائق أو ربع ساعة عقب التبول، على الرغم من حرصي الشديد جدًّا على الاستبراء من البول وغسل الموضع بالماء عدة مرات عقب كل مرة، ورغم ذلك وبعد الوضوء وارتداء ملابسي الداخلية يَحدُث أن يتم نزول نقطة أو أقل رغمًا عني، وفي الآونة الأخيرة منذ عدة أشهر فكَّرتُ في وضع ثلاث طبقات من المناديل الورقية على الموضع بعد التبول وبعد الاستبراء والغَسل الجيدين، وأضع هذه الطبقات الورقية بين العضو والشورت.
-فهل يكفي ذلك الطهارةَ للصلاة؟
-وهل يجوز أثناء الصلاة وجود هذه الطبقات الثلاث الورقية؟
-وهل إذا نسيت التخلص من هذه الطبقات الورقية قَبْل كل صلاة تكون صلاتي صحيحة؟
-وهل صلواتي السابقة طوال سنوات عمري صحيحة قبل أَن أضع هذه الطبقات الورقية؟