ما حكم الهجرة غير الشرعية، والتي تتم بطرق مخالفة للقوانين واللوائح المنظمة للسفر والدخول بين الدول؟
الهجرة غير الشرعية -وهي انتقال الشخص من بلده إلى بلدٍ آخر بطرقٍ مخالفةٍ للقوانين واللوائح المنظمة للسفر والدخول، كالتسلل عبر الحدود أو البحر، أو استعمال الوثائق المزورة، أو البقاء بعد انتهاء التأشيرة دون تجديد قانوني- تُعدُّ أمرًا ممنوعًا شرعًا، ولا يجوز الإقدام عليها؛ لما تشتمل عليه من مخالفةٍ لوليِّ الأمر الذي أمر الله بطاعته، وتعريضِ النفس للهلاك، وخرقِ القوانين والمعاهدات التي بين الدول، وما قد يصاحبها من الغشِّ والتدليس والتعاون على الإثم.
ويجب على من أراد الهجرة أن يسلك الطرق النظامية والقانونية المشروعة المعتبرة لدى الدول.
المحتويات:
يُطلق مصطلح "الهجرة غير الشرعية" ويُراد به الانتقال بين البلاد بطريقة لا تسمح بها قوانين البلد المغادر أو البلد المقصود أو كليهما، وتتحقق هذه الصورة بدخول شخص حدود دولة ما دون وثائق قانونية رسمية تعبر عن موافقة تلك الدولة، سواء بالتسلل الخفي عبر الطرق البرية أو البحرية، أو باستخدام وثائق مزورة، كما تشمل الدخول بتأشيرة مؤقتة ثم البقاء في البلد بعد انتهاء مدتها دون تجديد قانوني، وتسمى أيضًا: الهجرة السرية، أو غير القانونية، أو غير النظامية. يُنظر: "الهجرة غير النظامية، دراسة الحالة المصرية"، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، القاهرة، 2018، (ص: 23).
وكلمة "شرعية" هنا لا تعني الشرع الإسلامي، بل تعني الموافِقة للقوانين واللوائح المنظمة للهجرة والسفر بين الدول.
أما ما يقابلها فهو "الهجرة القانونية" أو "النظامية"، وهي التي تتم وفق الإجراءات والأوراق الرسمية المعتمدة بين البلدين عبر المنافذ والقنوات المخصصة.
تُعد الهجرة غير الشرعية ظاهرة عالمية واسعة الانتشار، وتُشكِّل مشكلة كبيرة تواجهها العديد من الدول بسبب ما يترتب عليها من أضرار اقتصادية واجتماعية وثقافية وأمنية تختلف حسب خصوصيات كل دولة.
والهجرة غير الشرعية على النحو الذي نشاهده ونسمع به في بلادنا في هذه الأيام -تتضمن جملة من المخالفات الشرعية والمفاسد، ومن أبرزها:
أولًا: مُخالَفةُ وَلِيِّ الأمر الذي أَمَرَ اللهُ تعالى بطاعته ما لم يأمُر بمعصية:
فهذا التصرف مخالف للوائح والقوانين، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59].
قال العلامة الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (5/ 97، 98، ط. الدار التونسية للنشر) عند تفسير هذه الآية: [فأولو الأمر من الأمة ومن القوم هم الذين يسند الناس إليهم تدبير شؤونهم ويعتمدون في ذلك عليهم، فيصير الأمر كأنه من خصائصهم، فلذلك يقال لهم: ذوو الأمر وأولو الأمر] اهـ.
وقال العلامة الماوردي في "الأحكام السلطانية" (ص: 16، ط. دار الحديث): [ففرض علينا طاعة أولي الأمر فينا، وهم الأئمة المتأمرون علينا] اهـ.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» أخرجه الإمامان: البخاري واللفظ له، ومسلم.
ومن ذلك يفهم أن طاعة ولي الأمر واجبة في المستحب والمباح والمكروه إذا أمر به، خاصة إذا كانت هذه الطاعة تحقق اجتماع الكلمة وانتظام أمور المعاش، وتمنع الفوضى والشقاق الذي يفسد الدين والدنيا.
قال العلامة ابن حجر الهيتمي في "الفتاوى الفقهية الكبرى" (1/ 278، ط. المكتبة الإسلامية): [تجب طاعة الإمام فيما يأمر به وينهى عنه ما لم يخالف حكم الشرع، والظاهر أن مرادهم بمخالفة حكم الشرع أن يأمر بمعصية أو ينهى عن واجب، فشمل ذلك المكروه، فإذا أمر به وجب فعله إذ لا مخالفة حينئذ] اهـ.
ومن هنا وجب على من أراد الهجرة الالتزام بالقوانين المتفق عليها دوليًّا والتي أمر بها ولي الأمر.
وقد نصَّ القانونُ المصري رقم (97) لسنة 1959م -المعدَّل بعدة قوانين وقرارات، آخرُها القانون رقم (16) لسنة 2024م- بشأن جوازات السفر في المادة الأولى على أنه: "لا يجوز لمن يتمتعون بجنسية الجمهورية العربية المتحدة مغادرة أراضي الجمهورية أو العودة إليها إلا إذا كانوا يحملون جوازات سفر وفقًا لهذا القانون".
ثانيًا: تعريض النفس للهلاك بغير مسوغ شرعي:
حيث تتضمن كثيرٌ من صور هذه الهجرة ركوب البحر في مراكب غير مرخصة وغير صالحة للإبحار في أعالي البحار، محملة فوق طاقتها، مع سلوك طرق بحرية خطرة؛ للتهرب من خفر السواحل، وهو ما يُعدُّ تغريرًا بالنفس وتعريضًا لها للهلاك. وقد جعلت الشريعة حفظ النفس من أعظم مقاصدها، قال العلامة الشاطبي في "الموافقات" (1/ 31، ط. دار ابن عفان): [اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وعلمها عند الأمة كالضروري] اهـ.
وقد نهى الله تعالى عن التسبب في الهلاك، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195].
قال العلامة ابن عاشور في "التحرير والتنوير" (2/ 214): [ومعنى النهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة: النهي عن التسبب في إتلاف النفس أو القوم عن تحقق الهلاك بدون أن يُجتَنى منه المقصود] اهـ.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، قال العلامة القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (5/ 156، 157، ط. دار الكتب المصرية): [(تقتلوا) على التكثير... ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل في الحرص على الدنيا وطلب المال بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف] اهـ.
وقد اتفق العلماء على تحريم ركوب البحر عند غلبة ظن الهلاك؛ قال الحافظ ابن عبد البر في "التمهيد" (1/ 234، ط. وزارة الأوقاف المغربية): [ولا خلاف بين أهل العلم أن البحر إذا ارتج لم يجز ركوبه لأحد بوجه من الوجوه] اهـ.
وعن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وَمَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ إِذَا ارْتَجَّ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» أخرجه الإمام أحمد.
وقال الإمام الغزالي في "المستصفى" (ص: 355): [يحل ركوب البحر لمن غلب على ظنه السلامة، ويحرم على من غلب على ظنه الهلاك] اهـ.
وقال الإمام البهوتي في "كشاف القناع" (2/ 236، ط. وزارة العدل): [والقاصدان ركوب البحر إذا غلب على ظن أحدهما الهلاك، وعلى ظن الآخر السلامة، فيعمل كل منهما بغالب ظنه] اهـ.
ثالثًا: إذلال النفس:
يضع الدخول غير الرسمي المهاجِرَ تحت طائلة التتبع الأمني المستمر، فيتعرض للاعتقال والإهانة، وقد يضطر إلى أفعال مهينة كالتسول وافتراش الطرقات، مما يسيء إليه شخصيًّا وإلى بلده ودينه، ويعطي صورة سلبية عن المسلمين.
وقد نهى سيدنا صلى الله عليه وآله وسلم عن إذلال النفس، فقال فيما رواه الإمام الترمذي: «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه». وسئل: كيف؟ فقال: «يتعرض من البلاء لما لا يطيق».
وروى الطبراني عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من أعطى الذل من نفسه طائعًا غير مكره فليس منَّا».
رابعًا: خرق المعاهدات والعقود الدولية:
تخالف هذه الهجرة الاتفاقيات الدولية المنظمة للسفر والدخول بين الدول، وقد بيَّن النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وجوب الوفاء بالشروط التي يتفق عليها المسلمون، سواء مع بعضهم البعض أو مع غيرهم، ما دامت هذه الشروط لا ينتج عنها معصية لله عز وجل، وذلك في عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" بلفظه عن عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ، وله روايات أخرى في كتب الحديث.
قال العلامة المناوي في "فيض القدير" (6/ 272، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [(المسلمون عند شروطهم فيما أحل) بخلاف ما حرم فلا يجب بل لا يجوز الوفاء به] اهـ. فبيَّن أن هذا يعني الثبات على الشروط الجائزة شرعًا والوفاء بها.
خامسًا: التزوير والغش والتدليس:
تشمل بعض صور هذه الهجرة تزوير الوثائق والكذب على السلطات، والكذب هو الإخبار بخلاف الواقع، وأصله التحريم، قال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30].
وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من غشَّنا فليس منَّا».
سادسًا: غالبًا ما يلجأ المهاجر إلى سماسرة يزورون له الأوراق أو ينقلونه بطرق خطرة مقابل أجرة، وهذا تعاون على المعصية. وقد نهى الله تعالى عن ذلك بقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
قال العلامة ابن كثير في "تفسيره" (2/ 433، ط. دار الكتب العلمية): [ينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم] اهـ.
وهذه المفاسد السابق ذكرها قد تجتمع كلها في صورة واحدة من صور الهجرة غير الشرعية، وقد ينقص بعضها في صور أخرى، لكن لا تخلو أي صورة من مفسدة أو أكثر، ووجود مفسدة واحدة منها كافٍ للقول بالمنع والتحريم.
وهذه المفاسد السابق ذكرها تتعلق بمن يقوم بالهجرة غير الشرعية بنفسه وليس له من يعول، أما رب الأسرة الذي يقامر بالهجرة غير الشرعية مقامرة غير مضمونة النتائج، فإن مفاسد هجرته تتعدى إلى الزوجة والأبناء فتؤثر سلبًا على استقرارهم ومستقبلهم.
فالأمل الزائف بالثراء السريع غالبًا ما ينتهي ببيت مهدد بالانهيار وأسرة مثقلة بالديون والدموع.
بناءً على ما سبق: فالهجرة غير الشرعية -وهي انتقال الشخص من بلده إلى بلدٍ آخر بطرقٍ مخالفةٍ للقوانين واللوائح المنظمة للسفر والدخول، كالتسلل عبر الحدود أو البحر، أو استعمال الوثائق المزورة، أو البقاء بعد انتهاء التأشيرة دون تجديد قانوني- تُعدُّ أمرًا ممنوعًا شرعًا، ولا يجوز الإقدام عليها؛ لما تشتمل عليه من مخالفةٍ لوليِّ الأمر، وتعريضِ النفس للهلاك، وخرقِ القوانين والمعاهدات، وما قد يصاحبها من الغشِّ والتدليس والتعاون على الإثم، ويجب على من أراد الهجرة أن يسلك الطرق النظامية والقانونية المشروعة المعتبرة لدى الدول.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تسافر وحدها؛ حيث تريد ابنتي البكر التي تبلغ من العمر ثلاثين عامًا أن تسافر مع والدتها لأداء فريضة الحج، علمًا بأن السفرَ آمنٌ والصحبة آمنة؟
ما حكم نقلُ الوديعة بسبب سفر المودع عنده؟ فهناك رجلٌ أودع أمانةً عند أحدِ الأشخاص ليحفظها له دون أجرٍ وسافَر، وطرأ للمودَع عنده سفرٌ عاجِل، فهل يجوز له أن ينقل هذه الأمانة إلى مَن يثق بهِ في حفظ ماله حتى عودتِه مِن سفرِه؟
ما حكم إفطار المسافر بعد نيته السفر وقبل شروعه فيه؟ فرجلٌ كثير السفر بسبب عمله، وأحيانًا يكون سفره في شهر رمضان، ويسأل: هل يُباحُ له الترخُّص بالفطر قبل شروعه في السفر؟
هل يأخذ الجورب حكم الخف في المسح عليه؟ وإذا كان كذلك فما صفة المسح؟ وما مدته بالنسبة للمقيم والمسافر؟ وما مبطلات المسح؟
هل يجوز للمسافر الذي وصل إلى مكة صائما أن يفطر ليتقوى على أداء العمرة؟ فهناك رجلٌ سافر في رمضان قبل الفجر لأداءِ العمرةِ، على أن يمكُثَ في مكَّة ثلاثةَ أيامٍ وفي المدينة مثلَها، ثمَّ إنه نوى الصيام وهو في الطائرةِ وشَرَع فيه، ولمَّا وصل إلى مكَّة أراد أن يتقوى على أداءِ العمرةِ بالفطر، فهل يجوز له ذلك شرعًا؟
ما حكم قصر الصلاة لمن غيّر محلّ إقامته حال سفره إلى بيته في البلد؟ فقد انتقل رجل بشكل دائم مع زوجته وأولاده لمحافظة أخرى نظرًا لظروف عمله، وأحيانًا يذهب إلى شقته في البلد لقضاءِ يومٍ أو يومين مع أبويه، فهل له أن يترخَّص بقصر الصلاة فيها باعتباره مسافرًا؟