ما حكم التصرف في مال التبرعات من غير علم المتبرع؟ فهناك امرأة تقول: أعطاني زوجي أموالًا لتوزيعها على المحتاجين، فهل يَحرُم عليَّ أن أعطي أهلي منها لضيق حالهم؟ علمًا بأنني لن أخبره بأنني أعطيتهم لأجل الإحراج، وهل يكون هذا مُحرَّمًا لو لم أخبره؟
إذا كان أهل المرأة المذكورة من المحتاجين، وكان زوجها قد أطلق لها التصرف في توزيع تلك الأموال على المحتاجين، فلا حرج عليها شرعًا في أن تعطي أهلها منها لحاجتهم سواء كانت هذه الأموال زكاةً أو صدقة، ولا يلزمها أن تبادره بخبر ما فعلت ما دام لم يسألها، سواء خافت الوقوع في الحرج أو لم تخف.
أما إذا كان زوجها قد حدد لها أشخاصًا معينين أو جهة معينة لصرف هذه الأموال إليها، ولم يذكر من ذلك أهلها المحتاجين، فإن عليها في هذه الحالة أن تلتزم بمن حددهم لها بصرف تلك الأموال إليهم، فإن أرادت الخروج عن ذلك التحديد، بأن تعطي أهلها المحتاجين، كان واجبًا عليها أن تستأذنه في ذلك.
المحتويات
الصورة المسؤول عنها من إعطاء الزوج زوجته مالًا لتوزيعه على من يستحقه هي عبارة عن وكالة، ويعني ذلك أن الزوج قد أناب عنه زوجته ووكلها في توزيع ماله على المستحقين له من الفقراء والمساكين، وهو ما يتوافق مع طبيعة عقد الوكالة، وقد عرفها الإمام البَابَرتِي في "العناية" (7/ 499، ط. دار الفكر) بأنها: "إقامةُ الإنسانِ غيرَه مَقامَ نَفسه في تصرُّفٍ معلومٍ"؛ وذلك لأن التصرف في المال مما تصح فيه النيابة، بحيث يمكن للإنسان أن يتصدق أو يخرج زكاته بنفسه أو عن طريق غيره؛ لأنها عبادة مالية، وهي مما يجوز فيها النيابة، سواء كان المتصدق قادرًا على أدائها بنفسه أو لا.
قال الإمام الكاساني في "بدائع الصنائع" (2/ 212، ط. دار الكتب العلمية): [العبادات في الشرع أنواع ثلاثة: مالية محضة، كالزكاة والصدقات والكفارات والعشور. وبدنية محضة، كالصلاة والصوم والجهاد. ومشتملة على البدن والمال: كالحج. فالمالية المحضة تجوز فيها النيابة على الإطلاق وسواء كان من عليه قادرًا على الأداء بنفسه أو لا؛ لأن الواجب فيها إخراج المال وأنه يحصل بفعل النائب] اهـ.
وقال الإمام الدسوقي في "حاشيته على الشرح الكبير" (2/ 18، ط. دار الفكر): [من العبادات ما لا يقبل النيابة بإجماع، كالإيمان بالله، ومنها ما يقبلها إجماعًا، كالدعاء والصدقة والعتق ورد الديون والودائع] اهـ.
وقال الإمام الرملي الكبير في "حاشيته على أسنى المطالب" (1/ 450، ط. دار الكتاب الإسلامي): [كل عبادة جازت النيابة في فرضها جازت النيابة في نفلها، كالصدقة] اهـ.
وقال الإمام البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (2/ 188، ط. عالم الكتب) عند كلامه على ما تصح فيه الوكالة: [(و) من (عبادة) تتعلق بالمال (كتفرقة صدقة، و) تفرقة (نذر، و) تفرقة (زكاة)] اهـ.
ولمَّا كانت الوكالة مقيدة ومطلقة، وكان المال المذكور إما أن يكون مال زكاة وإما أن يكون مال تبرعات وصدقات، فإن الحاصل من هذه التفرقة صورٌ أربعة، يمكن إجمالها في صورتين:
الصورة الأولى: أن يكون المال مال زكاة أو صدقات، وقيد الوكيلُ يدَ الموكل في توزيعه.
والصورة الثانية: أن يكون المال مال زكاة أو صدقات، أطلق الوكيلُ يدَ الموكل في توزيعه.
ففي حالة الصورة الأولى التي قيد الوكيلُ فيها يدَ الموكل في توزيع المال إلى جهة معينة أو أشخاص معينين: يجب على الوكيل أن يلتزم بما حدده له مُوكِّلُهُ من تصرفات، وأن يلتزم بما اشترطه من شروط، ولا يجوز له مخالفته؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]. والمعنى: أوفوا بعَقد الله عليكُم، وبعَقدكم بعضكم على بعض.
قال الإمام الزجاج في "معاني القرآن" (2/ 139، ط. عالم الكتب): [خاطب اللهُ جلَّ وعزَّ جميعَ المؤمنين بالوفاء بالعقود التي عَقَدها اللهُ عليهم، والعقود التي يعقدها بعضهم على بعضٍ على ما يوجبه الدين] اهـ.
وعن عمرو بن عَوفٍ المُزَنِي رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «المُسلِمُونَ عِندَ شُرُوطِهِم، إِلَّا شَرطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَو شَرطًا أَحَلَّ حَرَامًا» أخرجه الأئمة: الترمذي وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ، والدارقطني، والبيهقي واللفظ له، والحاكم.
قال الإمام الكَاسَانِي في "بدائع الصنائع" (6/ 98): [الأصل في الشروط اعتبارُها ما أَمكَن] اهـ.
وقال العلامة ابن عَابِدِين في "رد المحتار" (2/ 269، ط. دار الفكر): [الوكيل إنما يستفيد التصرف من الموكِّل، وقد أمره بالدفع إلى فلان، فلا يَملِك الدفعَ إلى غيره] اهـ.
وقال الإمام ابن رُشد في "البيان والتحصيل" (8/ 189، ط. دار الغرب الإسلامي): [ليس للوكيل أن يتعدى في وكالته ما سُمِّي له ويتجاوز ذلك إلى ما لم يُسَم له] اهـ.
وقال الإمام تقي الدين السُّبكِي في "فتاويه" (1/ 481، ط. دار المعرفة): [والوكيل يجب عليه تتبُّع تخصيصات الموكِّل، ولا خلاف أن الموكِّل لو قال لوكيله: فَرِّق هذا المال -أي: تصدق به على أهل البلد الفلاني- لم يكن له أن يفرِّقه على غيرهم] اهـ.
وقال الإمام ابن قُدَامَة في "عمدة الفقه" (ص: 59، ط. المكتبة العصرية): [وليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله الإذن لفظًا أو عُرفًا] اهـ.
أما في حالة الصورة الثانية التي تكون فيها الوكالةُ في توزيع المال مُطلَقةً وغير مقيَّدة بجهة معيَّنة ولا أشخاص معيَّنين، وأذن الموكِّل للوكيل في صرفها على المحتاجين من عموم العالَمين: فإنه يجوز للوكيل أن يصرفها لمن شاء من غير قيد، إلا أنه يفرق في ذلك بين مال الزكاة ومال الصدقات، بحيث يتم صرف مال الزكاة حصرًا للأصناف الثمانية الوارد ذكرها في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة: 60].
ولذلك خصَّهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالذكر في حديث معاذ رضي الله عنه لَمَّا أرسله إلى اليمن وقال له: «فَأَعلِمهُم أَنَّ اللهَ افتَرَضَ عَلَيهِم صَدَقَةً فِي أَموَالِهِم، تُؤخَذُ مِن أَغنِيَائِهِم، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم» أخرجه الإمامان: البخاري واللفظ له، ومسلم.
أما الصدقات فتجوز في تلك الأصناف ولغيرهم، فإنَّ الصدقةَ أمرُها أوسعُ مِن الزكاة، حيث تَجُوز للفقيرِ وغيرِه، ولا يُشتَرَطُ فيها التمليك.
وقد نص جماعة من الفقهاء على أن الموكل لو قال لوكيله: أعط هذه المال -زكاة أو صدقات- لمن شئت من الفقراء والمساكين أو المحتاجين، فأخذ منها لنفسه أو أعطى منها لولده الكبير أو الصغير أو لزوجته أو لوالده، باعتبارهم كذلك، جاز ذلك ما داموا قد انطبق عليهم الوصف الذي أراده الموكل.
قال الإمام ابن مَازَه الحنفي في "المحيط البرهاني" (2/ 321، ط. دار الكتب العلمية): [رجلٌ دفع إلى رجلٍ مالًا، قال: أعط هذا مَن أحببت، ليس له أن يتصدق على نفسه عند أبي حنيفة، وقال محمد: له ذلك] اهـ.
قال الإمام ابن نجيم في "البحر الرائق" (2/ 227، ط. دار الكتاب الإسلامي): [وللوكيل بدفع الزكاة أن يدفعها إلى ولد نفسه، كبيرًا كان أو صغيرًا، وإلى امرأته إذا كانوا محاويج] اهـ.
وقال الإمام الحَطَّاب في "مواهب الجليل" (2/ 354، ط. دار الفكر): [مَن دُفِعَت إليه زكاة ليُفرِّقها في أهلها، وكان هو مِن أهلها، جاز أن يأخذ منها بالمعروف] اهـ.
وقال الإمام ابن قُدَامَة في "المغني" (5/ 88، ط. مكتبة القاهرة): [وهل له أن يعطيه لولده أو والده أو امرأته؟ فيه وجهان: أولهما: جوازه؛ لدخولهم في عموم لفظه، ووجود المعنى المقتضي لجواز الدفع إليهم] اهـ.
ومن ثَمَّ فإذا كانت الوكالةُ مطلقةً وغير مقيدة بأشخاص معينين أو جهات معينة، وكان أهل السائلة من المحتاجين، فإنه يجوز لها أن تعطيهم من المال بالمعروف، سواء كان المال من الزكاة أو الصدقات، ما داموا من جملة الأصناف الثمانية التي جاء ذكرها في الآية الكريمة، أما إذا كانت مقيدة فلا يجوز لها إعطاؤهم ولا غيرَهم ممن لم يذكرهم زوجُها من هذا المال إلا أن تستأذنه في ذلك؛ إذ يجب عليها الالتزام بحدود الوكالة، ولا يجوز لها التعدي لما لا تشمله تلك الوكالة، ولا يجب عليها المبادرة بإخباره بما فعلت ما دامت لم تتعد حدود ما وكلها فيه؛ لأن الوكالة في الشيء تقتضي إطلاق يد الوكيل فيما وُكل فيه، بحيث لا يلزمه الرجوع إلى الموكل بخبر أو غيره إلا إذا احتيج إليه.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإذا كان أهل المرأة المذكورة من المحتاجين، وكان زوجها قد أطلق لها التصرف في توزيع تلك الأموال على المحتاجين، فلا حرج عليها شرعًا في أن تعطي أهلها منها لحاجتهم سواء كانت هذه الأموال زكاةً أو صدقة، ولا يلزمها أن تبادره بخبر ما فعلت ما دام لم يسألها، سواء خافت الوقوع في الحرج أو لم تخف.
أما إذا كان زوجها قد حدد لها أشخاصًا معينين أو جهة معينة لصرف هذه الأموال إليها، ولم يذكر من ذلك أهلها المحتاجين، فإن عليها في هذه الحالة أن تلتزم بمن حددهم لها بصرف تلك الأموال إليهم، فإن أرادت الخروج عن ذلك التحديد، بأن تعطي أهلها المحتاجين، كان واجبًا عليها أن تستأذنه في ذلك.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم دفع الزكاة لجمعية تتولى رعاية مرضى الـ"ألزهايمر"؟ فهناك جمعية مصرية أهلية مُشهَرة بالإدارة المركزية للجمعيات والاتحادات بوزارة التضامن الاجتماعي، وتخضع لقانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي رقم (149) لسنة 2019م ولائحته التنفيذية.
وحيث إن الجمعية تتولى الرعاية الطويلة لمرضى الـ"ألزهايمر"، والاكتشاف المبكر للمرض في دُور الرعاية الخاصة بها، فهل يجوز الصرف من مال الزكاة في الأنشطة الآتية:
- دار لاستضافة مرضى الـ"ألزهايمر" من الرجال والعمل بنظام الكفالة، وأخرى لرعاية مرضى الـ"ألزهايمر" من النساء.
- دار لاستضافة أطفالنا من مرضى السرطان.
- تجهيز مستشفى لأمراض الـ"ألزهايمر" والمُسنين.
- وقف لعلاج المرضى المُسنين في المنزل.
- تقديم المساعدات العلاجية والغذائية ومستلزمات المرض.
- قسم المساعدات الإنسانية لإعالة أهل الحوائج والدعم الغذائي والقوافل الإغاثية.
ما حكم الدين برجل معه مال ولا يخرج زكاة، وزوجته تأخذه من ورائه وتخرج الزكاة وتشتري ما يحتاج إليه الأولاد وتحتاج إليه هي؟ مع العلم أنه معه مال كثير ولكنه يكنزه.
هل يجوز لمن وجبت الزكاةُ في ماله أن يخرِجَها مقسطةً في صورة دفعات شهرية على مدار العام إلى مَنْ يعرف أنهم يستحقونها لسدِّ حاجتهم شهرًا بشهر؟
هل يجوز إخراج زكاة المال على هيئة أدوية للمرضى المحتاجين؟
قال السائل: أستقطع جزءًا كبيرًا من مرتبي لشراء أساور وسلاسل ذهبية لبناتي لأبيعها بعد ذلك للمعاونة في تجهيزهن عند الزواج، فهل تجب فيها زكاة؟
ما حكم الزكاة في الماشية التي تملكها الدولة؟ فالسائل يعمل في محطة البحوث الزراعية التابعة لكلية الزراعة، ويوجد بجهة عمله مزارع للأقسام العلمية وكذلك وحدات إنتاجية، ويتبع ذلك وجود قطعان من الماشية والأغنام ومحاصيل زراعية تنتج على مدار العام. ويسأل هل تستحق زكاة على هذه الماشية والأغنام ومنتجاتها وكذلك المحاصيل الزراعية؟