ضابط عقوق الوالدين

تاريخ الفتوى: 12 مايو 2026 م
رقم الفتوى: 8976
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: بر الوالدين
ضابط عقوق الوالدين

ما ضابط عقوق الوالدين؟ فكثيرًا ما يُحذِّر الدعاةُ من عقوق الوالدين، غير أنِّي لا أستطيع التمييزَ بين ما يُعدُّ من العقوق وما لا يُعدُّ منه.

عقوق الوالدين المحرَّم شرعًا هو كل ما يصدر من الولد -ذكرًا كان أو أنثى- من قولٍ أو فعلٍ يترتب عليه أذى أو إيلام ظاهرٌ للوالدين أو أحدهما، وبأيِّ نوعٍ كان من أنواع الأذى، قَلَّ ذلك أو كَثُر، فيشمل الأذى المادِّيِّ، كترك خدمتهما حيث احتاجا إليها، أو عدم قضاء حوائجهما مع القدرة على ذلك، والأذى المعنوي، كرفع الصوت عليهما، أو التأفف من كلامهما والتضجر منهما، أو نهرهما، أو هجرهما وقطع صلتهما.

ولا يدخل في العقوق ترك طاعتهما إن أمرا بمعصية، أو كان الطلبُ صادرًا عن تعنُّتٍ أو تحكُّمٍ لا مصلحة فيه، ولا قدرة للولد عليه.

المحتويات

 

بيان وجوب بر الوالدين في الإسلام

أمر الله تعالى ببرِّ الوالدين والإحسان إليهما، والتَّلطُّف في معاملتهما، وقرن عبادته ببرِّهما، وشكرهما بشكره، ونهى عن كل ما يؤذيهما من قولٍ أو فعل، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ۝ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23- 24].

قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (10/ 238، ط. دار الكتب المصرية): [أمرَ الله سبحانه بعبادته وتوحيده، وجعل برَّ الوالدين مقرونًا بذلك، كما قَرَن شكرهما بشكره] اهـ.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قلت: يا رسول الله، أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: «الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا»، قلت: ثم أيُّ؟ قال: «ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَينِ»، قلت: ثم أيُّ؟ قال: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» أخرجه الإمامان: البخاري واللفظ له، ومسلم.

عقوق الوالدين من كبائر الذنوب

عقوقُ الوالدين أو أحدِهما أحد كبائر الذنوب، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عن الكبائر، قال: «الإِشرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَينِ، وَقَتلُ النَّفسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» أخرجه الإمامان: البخاري واللفظ له، ومسلم.

وقد أجمع الفقهاء على وجوب برِّ الوالدين، وعلى أن عقوقهما أو أحدهما حرامٌ شرعًا ومن كبائر الذنوب.

قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (16/ 104، ط. دار إحياء التراث العربي): [وأجمع العلماء على الأمر ببر الوالدين، وأنَّ عقوقهما حرام من الكبائر] اهـ.

والبرُّ الواجب: إحسانُ الولد إلى والديه قولًا وفعلًا، وطاعتُهما في غير معصيةٍ فيما فيه منفعةٌ لهما، بشرطِ ألَّا يترتَّب على ذلك ضررٌ على الولد، فإن وُجدت مشقَّةٌ لا تبلغ الضرر وجبت الطاعة، وإلَّا فلا.

قال الشيخ ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" (5/ 381، ط. دار الكتب العلمية): [ويلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية وإن كانا فاسقين، وهو ظاهر إطلاق أحمد، وهذا فيما فيه منفعة لهما ولا ضرر، فإن شق عليه ولم يضرَّه وجب، وإلَّا فلا] اهـ.

وقال العلامة ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (1/ 436، ط. عالم الكتب): [قال أبو بكر في "زاد المسافر": من أغضب والديه وأبكاهما يرجع فيضحكهما. وقال في رواية أبي عبد الله: روى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَبَايَعَهُ، فَقَالَ: جِئتُ لِأُبَايِعَكَ عَلَى الجِهَادِ، وَتَرَكت أَبَوَيَّ يَبكِيَانِ، قَالَ: «ارجِع إلَيهِمَا فَأَضحِكهُمَا كَمَا أَبكَيتَهُمَا». وقال الشيخ تقي الدين بعد قول أبي بكر: هذا مقتضى قوله أَن يبرأ في جميع المباحات، فما أمراه ائتمر، وما نهياه انتهى. وهذا فيما كان منفعة لهما ولا ضرر عليه فيه ظاهر، مثل ترك السفر، وترك المبيت عنهما ناحية. والذي ينتفعان به ولا يستضر هو بطاعتهما فيه قسمان: قسم يضرهما تركه، فهذا لا يُستراب في وجوب طاعتهما فيه، بل عندنا هذا يجب للجار. وقسم ينتفعان به ولا يضره أيضًا طاعتهما فيه على مقتضى كلامه، فأما ما كان يضره طاعتهما فيه لم تجب طاعتهما فيه، لكن إن شق عليه ولم يضره وجب] اهـ.

وقال العلامة المناوي في "فيض القدير" (2/ 25، ط. المكتبة التجارية): [(وبر الوالدين) أي طاعتهما والإحسان إليهما فيما لا يخالف الشرع] اهـ.

ضابط عقوق الوالدين المُحرَّم شرعًا

أمَّا ضابطُ العقوق المحرَّم: فهو كل ما يصدر من الولد -ذكرًا كان أو أنثى- من قولٍ أو فعلٍ يترتب عليه أذى أو إيلام ظاهرٌ للوالدين أو أحدهما، وبأيِّ نوعٍ كان من أنواع الأذى، قَلَّ أو كَثُر -كما عبَّر به الفقهاء-، فيشمل الأذى المادِّيِّ، وهو ما كان واقعًا على أبدانهما أو أموالهما، كضربهما، أو إتلاف مالهما، والأذى المعنوي، وهو ما كان واقعًا على مشاعرهما أو كرامتهما، كرفع الصوت عليهما، أو التأفف من كلامهما والتضجر منهما، أو نهرهما، أو هجرهما وقطع صلتهما.

قال العلامة السنهوري في "الوسيط" (1/ 855، ط. دار إحياء التراث العربي): [قد يكون الضرر مادِّيًّا يصيب المضرور في جسمه أو في ماله، وهو الأكثر الغالب. وقد يكون أدبيًّا يصيب المضرور في شعوره أو عاطفته أو كرامته أو شرفه أو أي معنى آخر من المعاني التي يحرص الناس عليها] اهـ.

ويُستدلُّ على عمومِ العقوق لجميعِ أنواع الأذى -مادِّيًّا كان أو معنويًّا- بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]. فإنَّ النهيَ عن التأفُّف -وهو أدنى مراتب الأذى المعنوي- يدلُّ بطريق الأولى على تحريم ما هو أشدُّ منه من أنواع الأذى.

قال الإمام العُكْبَري في "رسالته في أصول الفقه" (ص: 96، ط. المكتبة المكية): [﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، نبَّهَ بالتأفُّفِ على تحريم الشتم والضرب وسائر أسباب التعنيف؛ لأنَّه إنَّما منع من التأفيف لما فيه من الأذى، وذلك بالضرب أعظم، فوجب أن يكون بالمنع أولى] اهـ.

ولا يدخل في العقوق ترك طاعتهما إن أمرا بمعصية، أو كان الطلبُ صادرًا عن تعنُّتٍ أو تحكُّمٍ لا مصلحة فيه، ولا قدرة للولد عليه.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (10/ 406، ط. دار المعرفة): [والعُقُوق -بضم العين المهملة- مشتَقٌّ من العَقِّ وهو القطع، والمراد به: صدورُ ما يتأذَّى به الوالد من ولده، من قولٍ أو فعلٍ، إلَّا في شركٍ أو معصيةٍ، ما لم يتعنَّت الوالد] اهـ.

وقال الإمام بدر الدين العيني في "عمدة القاري" (22/ 86، ط. دار إحياء التراث العربي): [قال الشيخ تقي الدين السبكي: إنَّ ضابط العقوق: إيذاؤهما بأيِّ نوعٍ كان من أنواع الأذى، قَلَّ أو كَثُر، نهَيَا عنه أو لم ينهَيَا، أو يخالفهما فيما يأمران أو ينهيان، بشرط انتفاء المعصية في الكل] اهـ.

وقال العلامة ابن حجر الهيتمي في "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (2/ 116، ط. دار الفكر): [العقوق لأحد الوالدين هو أن يؤذي الولد أحد والديه بما لو فعله مع غير والديه كان محرَّمًا من جملة الصغائر، فينتقل بالنسبة إلى أحد الوالدين إلى الكبائر، أو يخالف أمره أو نهيه فيما يدخل فيه الخوف على الولد فوات نفسه أو عضو من أعضائه ما لم يتهم الولد في ذلك، أو أن يخالفه في سفر يشق على الوالد وليس بفرض على الولد، أو في غيبة طويلة فيما ليس بعلم نافِع ولا كسب أو فيه وقيعة في العرض لها وقع] اهـ.

وقال العلامة المناوي في "التيسير بشرح الجامع الصغير" (1/ 251، ط. مكتبة الإمام الشافعي): [والعُقُوقُ: ما يتأذَّى به من قولٍ أو فعلٍ غير محرَّم، ما لم يتعنَّت الأصل] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن عقوق الوالدين المحرَّم شرعًا هو كل ما يصدر من الولد -ذكرًا كان أو أنثى- من قولٍ أو فعلٍ يترتب عليه أذى أو إيلام ظاهرٌ للوالدين أو أحدهما، وبأيِّ نوعٍ كان من أنواع الأذى، قَلَّ ذلك أو كَثُر، فيشمل الأذى المادِّيِّ، كترك خدمتهما حيث احتاجا إليها، أو عدم قضاء حوائجهما مع القدرة على ذلك، والأذى المعنوي، كرفع الصوت عليهما، أو التأفف من كلامهما والتضجر منهما، أو نهرهما، أو هجرهما وقطع صلتهما، ولا يدخل في العقوق ترك طاعتهما إن أمرا بمعصية، أو كان الطلبُ صادرًا عن تعنُّتٍ أو تحكُّمٍ لا مصلحة فيه، ولا قدرة للولد عليه.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

يقول السائل: ما حكم إمامة الصبيِّ لصبيٍّ مثله في الصلاة، وهل يختلف إذا كانت الصلاة فرضًا أو نفلًا؟


ما حكم حضانة الصغير المتوفاة أمه؟


هل يحق للكافل الاعتراضُ على زواج مكفولته التي تزوجت بغير ولي لكون عقد الزواج قد أُبرِم دون موافقته ولا يناسب مهرُهَا مكانَتَهَا الاجتماعية والثقافية؟


ما حكم الشرع في قيام بعض الإخوة بحِرمان أخيهم رؤيةَ أبيه المسن الذي يعيش معهم في مكان منفصلٍ عن مكان أخيهم؟


سائل يقول: توفي والدي رحمه الله في يونيه 1998م، ووالدتي موجودة، ونحن خمسة أشقاء: ثلاثة ذكور وبنتان والكل متزوج، وقبل وفاة والدي بعشر سنوات أو أكثر سجل ووثق قطعة أرض بناء لكل من شقيقتي، لكل واحدة قيراط وثلث مبانٍ، وقام أزواجهما بالبناء، وفي مارس 2003م توفيت شقيقتي وتركت طفلتين، وبعد أقل من عام من وفاتها فوجئنا بأن الشقيق الثاني قام بسلب نصف منزل شقيقتي المتوفاة، وذلك بطريقة لا أخلاقية، وقام بتسجيل نصف المنزل باسمه، وهو الآن في نزاع بينه وبين زوج شقيقتي المتوفاة.
القضية في المحكمة الآن، وقام بحصر التركة بدون معرفة أمه وأشقائه، وقال: إن كل ما فعلته مثل القرآن بل أفضل، فأنا دارس للشريعة والقانون، واستطرد محذرًا: لو تم الطعن فيما فعلته سيكون مصير من يفعل ذلك السجن لسنوات لا يعلم مداها أي إنسان.
إن كل ما عمله هذا الشقيق لم يرض أمه أو أشقاءه، والأم تتمنى له الموت أو الهداية، وقد أساء سمعتنا في القرية. فهل نسكت ويضيع حق الطفلتين اليتيمتين بنتَي أختي؟ أم يسجن الأخ الشارد؟


يقول السائل: ما الحكم إذا كَفَلَت أسرة طفلًا، ثم أنجبت هذه الأسرة ابنًا أو بنتًا؟ هل يصير أَخًا أو أختًا للمكفول بالرضاع، وتثبت بينهم الأخوة؟ وتجري بينهما أحكام الرضاع؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 25 يونيو 2026 م
الفجر
4 :9
الشروق
5 :55
الظهر
12 : 58
العصر
4:33
المغرب
8 : 0
العشاء
9 :34