سائلة تقول: هل يستحب أن أبدأ التكبير مع عائلتي في المنزل من أول شهر ذي الحجة؟
الاجتماع مع العائلة والتَّكبير معهم في هذه الأيام المباركة باب عظيم من أبواب التعاون على البِرِّ والتقوى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، كما أنها وسيلة لإحياء سُنة من سنن الحبيب المُصطفَى صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته من بعده، ويُستحب التكبير من بداية شهر ذي الحجة، ولا يقتصر الذكر في هذه الأيام المباركة على التَّكبير، بل يشمل التَّسبيح والتَّهليل وغير ذلك.
المحتويات
فضَّل اللهُ تعالى بعضَ الأزمنة على بعض ببعض النَّفَحَاتِ والعَطَايا، وحثَّ على اغتنام مثل هذه النفحات ومَوَاسِم الخيرات بالتَّعرض لها والتَّزود منها؛ رجاءَ رحمة الله تعالى، وطلبًا لعفوه ومغفرته سبحانه، فعن محمد بن مَسْلَمَة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ لِرَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهَا، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ تُصِيبَهُ مِنْهَا نَفْحَةٌ لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أبَدًا» أخرجه الإمام الطبراني في "المعجم الأوسط".
ومن هذه النَّفَحات المُبَاركات، والمواسم النَّيِّرات التي تَتَضَاعَفُ فيها الحسنات، وتُمْحَى فيها الخطايا والسيئات: العشر الأوائل من ذي الحجة التي أقسم الله تعالى بهن في قوله سبحانه: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1- 2].
لقد رغَّبَ الله تعالى في هذه الأيام المباركة بالإقدام على كافة أنواع القُربات والطَّاعات، من: صومٍ، وصلاةٍ، وصدقةٍ، وذِكْرٍ، ودعاءٍ، واستغفارٍ، وتسبيحٍ، وتهليلٍ، وتكبيرٍ، وصلاةٍ على النبي، وقراءةٍ للقرآن وإنصاتٍ إليه، وغير ذلك؛ لما للعمل في هذه الأيام من مَزِيَّةٍ وفضيلة على ما سواها.
فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ. أخرجه الأئمة: أحمد، وأبو داود، وابن ماجه.
هذا بالنسبة للأعمال الصالحة على جهة العموم.
أمَّا بالنسبة للتَّكبير في العشر الأوائل من ذي الحجة على جهة الخصوص، وهو ما يُعرف بـ"التَّكبير المُطْلَق" الذي يبدأ ببداية هذا الشَّهر، فإنَّه يستحب للمسلم شرعًا في هذه الأيام المُباركة أن يأتي به في موضع يكون ملائمًا لذلك ومناسبًا له من مسجد ومنزل وغيرهما، لا فرق في ذلك بين مُقيم ومُسافر أو ذكر وأنثَى؛ عملًا بعموم قول الله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ﴾ [الحج: 28]، إذ المقصود بـ"الأيام المعلومات": العشر الأوائل من ذي الحجة من أول يوم من هذا الشَّهر حتى يوم النَّحر على ما رُوي عن عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما، وهو ما عليه جمهور أهل العلم، كما في "الجامع لأحكام القرآن" للإمام القُرْطُبي (3/ 2- 3، ط. دار الكتب المصرية).
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّحْمِيدِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّهْلِيلِ» أخرجه الأئمة: أحمد، والبيهقي في "شعب الإيمان".
قال العلامة الحِجَّاوِي في "الإقناع" (1/ 202، دار المعرفة): [ويُسَنُّ التكبير المطلق في العيدين وإظهاره في المساجد والمنازل والطرق حضرًا وسفرًا في كل موضع يجوز فيه ذكر الله.. وفي الأضحى يبتدئ المطلق من ابتداء عشر ذي الحجة ولو لم ير بهيمة الأنعام إلى فراغ الخطبة يوم النحر] اهـ.
وقال العلامة الرُّحَيْبَانِي في "مطالب أولي النُّهَى" (1/ 803، ط. المكتب الإسلامي) مُبَيِّنًا كُلًّا من زمان ومكان التَّكْبير المُطلق: [(و) سُن التكبير المطلق (في كل عشر ذي الحجة) ولو لم ير بهيمة الأنعام، وسُن التكبير المطلق (بكل مكان) في كل موضِع يجوز فيه ذكر الله (من مسجد ومنزل وطريق لمسافر ومقيم حُر أو عبد) ذكر (أو أنثى) من أهل القرى والأمصار] اهـ.
وقد أُثِرَ عن الصَّحابة رضوان الله تعالى عليهم حرصُهم على إحياء سنة التَّكْبير في العشر الأوائل من ذي الحجة برفع الصَّوتِ به في جموع الخلق، ومشاركتهم في ذلك، ومتابعة الناس لهم بالتَّكْبِير خلفهم، فقد روي أنَّ كُلًّا من عبد الله بن عمر، وأبي هريرة رضي الله عنهم، أنهما كانا: «يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا» أخرجه الإمام البخاري معلقًا، ووصله الإمام الحافظ ابن حَجَرٍ العَسْقَلَانِي في "تغليق التعليق" (2/ 378، ط. المكتب الإسلامي).
فجُعل التَّكْبير من غُرَّةِ ذي الحِجَّة شِعَارًا لهذه الأيام المباركة، إحياءً لسُنَّةِ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلَّم وسنَّة السَّلَفِ الصَّالح من بعده، سواء أكان هذا التَّكْبير فرديًّا أم جماعيًّا.
على أنَّ المسلم إن أراد الاستزادة والتَّوسع وتنويع ذكره اللِّسَانِي بين تحميد وتهليل وتكبير وغير ذلك أجزأه ونال الثواب ولا حرج عليه.
قال الإمام النَّووي في "الأذكار" (ص: 147، ط. دار الفكر) في باب الأذكار في العشر الأول من ذي الحِجَّة: [يُستحبُّ الإِكثار من الأذكار في هذا العشر زيادةً على غيره] اهـ. فأفاد ذلك استحباب الذِّكر مطلقًا على تعدد صوره وأشكاله، وتنوع عباراته وصياغاته.
كما لا يخفَى ما في الاجتماع مع العائلة والتَّكبير معهم في هذه الأيام المباركة من مقاصد جليلة، فهو باب عظيم من أبواب التعاون على البِرِّ والتقوى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، كما أنها وسيلة لإحياء سُنة من سنن الحبيب المُصطفَى صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته من بعده، ومن المُقرر شرعًا أن "للوسائل أحكام المقاصد"، كما في "قواعد الأحكام" للإمام العز بن عبد السلام (1/ 53، ط. مكتبة الكليات الأزهرية).
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنه يُستحب للسائلة أن تبدأ في تكبير الله تعالى مع عائلتها في المنزل من بداية شهر ذي الحجة، ولهم ألَّا يقتصروا على التَّكبير، بل يذكروا الله تعالى بأي ذكر شاؤوا كالتَّسبيح والتَّهليل وغير ذلك.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
حكم قراءة صحيح البخاري وكتب السنة لرفع الوباء حيث ورد سؤال يقول صاحبه: في ظِلِّ ما يمرُّ به العالمُ من تفشِّي وباء كورونا يقومُ بعضُ العلماء وطلبة العلم بتنظيم قراءة "صحيح البخاري" بتقسيمه على من يحِبُّ المشاركةَ في ختمه، عن طريق وسائلِ التواصل الاجتماعي؛ تبرُّكًا وتوسُّلًا إلى الله تعالى لكشْف وباء كورونا، جريًا على ما اعتاده علماءُ الأزهر من قراءته في الملمَّات والنوازل: كدفع الوباء، وكشف البلاء، ومواجهة الغلاء.
لكن خرج بعضُ مدَّعي العلمِ على بعض المواقع زاعمًا أن التَّعبُّدَ بتلاوة صحيح البخاري لمجرد التِّلاوة بدعة، وأن التبرُّك والتوسُّل به حرام، وأنه لا فرقَ في ذلك بين "صحيح البخاري" و"مسلم" مثلًا، وأنها مجرَّد طقوس ابتدعها بعض الجهلة لمواجهة الأوبئة، وأنَّ توظيف "صحيح البخاري" للاستشفاء والتحصين لرفع البلاء أمرٌ متكلَّف، وأنَّ من ضرورياتِ الدين أنَّ المقصودَ مِن كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم هو العمل بِمَا فيهما مِن الأوامرِ والنَّواهي، والإيمان بِمَا فيهما مِن الأخبار، وليس المقصود مجرَّد تلاوتهما ألفاظًا وتعبُّدًا.. فبَيِّنوا لنا الصوابَ في ذلك مشكورين.
1- عادة إقراء "صحيح البخاري" عند النوازلِ من الكوارثِ والأوباء قديمة، جرت على لسان السراج البلقيني في اليقظة والمنام.
2- لعل أمر هذه الظاهرة يعودُ إلى أقدم من وباء الطاعون الذي عمَّ الدنيا سنة 749هـ، واشتهرت هذه الظاهرة عند قدوم تيمورلنك إلى بلاد المسلمين.
3- أشهر الإمام سراج الدين البلقيني العمل بها، ودوَّنتها كتب التراجم والتأريخ، ونقلنا ذلك عنه فيما مضى.
4- التحقيق أن هذا العمل ليس موصولًا بعصور السلف، وأنَّ شيوعَه وذيوعَه بحكم وقوعه ووجوده لا يعطيه الحجِّية، وأنه ما زال يحتاجُ للدليل، وأن مجرَّد رؤيةِ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يأمرُ به لا يكفي مُستَدلًّا؛ فالمنامات يُسْتَأنس بها وليست -عند أهل السنة والجماعة- حجةً وبرهانًا، وأن الاتِّكاء عليها مع ترْك الأخْذ بالأسباب بدعةٌ في الدين، ومضادَّة لمقاصدِ الشريعة الكلية، والله المستعان وهو الواقي والعاصم.
ما حكم التكبير في العيد، وما صيغته؟
ما الذي يقوله الإنسان عند حصول الفزع من الزلازل ونحوها؟ حيث يوجد سائل يسأل عن الآداب والسنن المستحبة للإنسان عند حدوث الزلازل أو الهزات الأرضية.
نرجو منكم بيان فضل تعلم القرآن وتعليمه، وما القدر الذي يجب على المكلف حفظه من القرآن الكريم؟
ما حكم تخصيص كل يوم من أيام رمضان بدعاء معين؟ فأنا أشترك مع زملائي في العمل داخل مجموعة على أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي، وأحيانًا ينشر أحدنا حكمة أو حديثًا أو دعاء ونحو ذلك، وقبل دخول شهر رمضان بأيام نشر أحد المشاركين في المجموعة مقالة طويلة بعنوان: "ثلاثون دعاء لأيام رمضان"، وعندما قرأناها وجدنا دعاء اليوم الأول، ثم دعاء اليوم الثاني.. وهكذا حتى اليوم الثلاثين، فأنكر عليه أحد الزملاء ذلك الأمر بحجة أن تخصيص كل يوم بدعاء معين يُعَدُّ بدعة لم ترد في السُّنَّة، فما حكم الشرع في ذلك؟
ما حكم الفتح على الإمام في الصلاة؟ فقد كان إمام المسجد يقرأ في الصلاة الجهرية بآياتٍ مِن القرآن ويخطئ فيها، وإذا قام أحد المصلين بِرَدِّهِ فإنه يقوم بإمساك الميكروفون ويقول على مسمع الناس: لا يجوز رَدُّ الإمام في الصلاة؛ فما الحكم الشرعي في ذلك؟