الواجب على من رأى الصائم يأكل أو يشرب ناسيًا

تاريخ الفتوى: 08 ديسمبر 2025 م
رقم الفتوى: 8818
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: الصوم
الواجب على من رأى الصائم يأكل أو يشرب ناسيًا

ماذا يجب على من رأى الصائم يأكل أو يشرب ناسيًا؟ فقد دخلتُ على قريبٍ لي في شهر رمضان، فرأيته فجأة يشرب ناسيًا، فهل أذكِّرُهُ بِأَنَّه صائم؟ وهل تنبيه الصائم حال أكله أو شربه ناسيًا واجبٌ؟

يستحب لمن رأى صائمًا يأكل أو يشرب ناسيًا في نهار رمضان أن يُذكِّرَه بالصيام، فهو من باب التعاون على البر والتقوى، وإن وَجَدَ أنَّ في تذكيره ضررًا فينبغي تَرْكه، ويجب على من ذُكِّرَ الكَفُّ بقية اليوم عن سائر المفطرات، ولا يلزمه قضاء هذا اليوم حِينَئِذٍ، فصومه صحيح.

المحتويات:

 

التجاوز عن الناسي في الشريعة الإسلامية

النِّسْيانُ أَمْرٌ جُبلت عليه طبائِعُ البشر، ومن يُسْرِ الشريعة الإسلامية وكمال رحمتها وسماحتها أنَّ الله تعالى تجاوزَ عن مؤاخذةِ العبد حال وقوع الخطأ والنسيان منه، فعن أبي ذَرٍّ الغفارِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» أخرجه الأئمة: ابن ماجه، وابن حبان، والحاكم.

ولا خلاف بين الفقهاء في أنَّ النسيان مُسْقِطٌ للإثم؛ لِأَنَّ فِعْلَ النَّاسي لا يشتمل على هَتْكِ حرمةٍ شرعية، ولا قَصْدِ الفِعْلِ وتَعَمُّدِه، لذا فلم يخش عليه العقاب. يُنْظَرُ: "الأشباه والنظائر" للعلَّامة ابن نجيم الحنفي (ص: 259-260، ط. دار الكتب العلمية)، و"الأشباه والنظائر" للحافظ السيوطي الشافعي (ص: 188، ط. دار الكتب العلمية).

حكم قضاء من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائم

اختلف الفقهاء في حكم قضاء من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائم، فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنَّ من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائمٌ صيامَ فريضةٍ أو نافلةٍ فإنَّهُ يُتِمُّ صومه ولا قضاء عليه ولا كفارة؛ إذ المؤاخذةُ لا تكونُ إلا عند قَصْدِ هَتْك حرمة الشيء مقرونةً بالشروع فيها، والنَّاسي لم يَتَحقَّق فيه هذا القَصْد، فانتفى الإثم والمؤاخذة عنه شرعًا. يُنْظَرُ: "الهداية في شرح بداية المبتدي" للإمام المرغيناني الحنفي (1/ 120، ط. دار إحياء التراث)، و"مغني المحتاج" للعلَّامة الشربيني الخطيب الشافعي (2/ 158، ط. دار الكتب العلمية)، ,"كشاف القناع عن متن الإقناع" للعلَّامة البُهُوتي الحنبلي (2/ 320، ط. عالم الكتب).

بينما ذهب المالكية إلى أنَّ من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائمٌ صيام الفريضة فإنَّهُ يصير مفطرًا، ويلزمه القضاء شرعًا، مع وجوب الإمساك بقيَّةِ اليوم؛ مراعاةً لحرمةِ الوقت في شهر رمضان، وأمَّا إذا وقع النسيان في صيام النَّافْلة فيلزمه الإمساك بقيَّةِ اليوم، ولا قضاء عليه شرعًا. يُنْظَرُ: "كفاية الطالب الرباني" للشيخ عليِّ بن خَلَفٍ المُنُوفِي المالكي (1/ 452، ط. دار الفكر).

والمختار للفتوى أنَّهُ لا قضاءَ ولا كفارة على من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائم صيام فريضةٍ أو نافلة؛ لعموم ما ورد عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ النبي صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم قال: «مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» رواه البخاري، وفي رواية ابن خزيمة والحاكم: «مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ»، وفي رواية الدارقطني: «إِذَا أَكَلَ الصَّائِمُ نَاسِيًا أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ».

قال الإمام النووي في "المنهاج شرح صحيح مسلم" (8/ 35، ط. دار إحياء التراث): [فيه دلالةٌ لمذهب الأكثرين أنَّ الصائمَ إذا أكل أو شرب...ناسيًا؛ لا يُفْطِر] اهـ.

فالحديث لم يُسَمِّ الأكل والشرب ناسيًا إفطارًا؛ وإنَّما سَمَّاهُ صومًا، وأَمَرَ النَّاسيَ بإتمامه، وأطلق على ذلك الطعام أو الشراب بِأَنَّهُ "رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَى الصائم"، فعُلِمَ من هذا أنَّه لم يُفْطِر.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (4/ 156، ط. دار المعرفة): [والقاعدة أنَّ النسيان لا يؤثِّرُ في المأمورات...، وعمدة من لم يوجب القضاء حديث أبي هريرة؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بالإتمام، وَسَمَّى الذي يُتَمُّ صومًا] اهـ.

ماذا يجب على من رأى الصائم يأكل أو يشرب ناسيًا؟

أمَّا ما يتعلَّقُ بمن رأى صائمًا يأكل أو يشرب ناسيًا في نهار رمضان، أيُذكِّره أم لا -وهو محل السؤال- فهذه المسألة محل خلافٍ بين الفقهاء: فذهب الحنفية في ظاهر المذهب إلى أنَّهُ ينبغي على من رأى صائمًا يأكل أو يشرب ناسيًا أن يُذَكِّرَه؛ لا سِيَّمَا إذا كان الآكل ناسيًا باديًا عليه أمارةُ الصحةِ والقوةِ والقدرة على الصيام كالشاب؛ إذ الشباب أمارة القوة، وترك تذكيره حِينَئِذٍ مكروهٌ كراهةً تحريمية، لكن إذا كان الصائم باديًا عليه أمارة الضعف أو المرض أو العجز عن الصيام كالشيخ الكبير أو المرأة العجوز، فإنَّهُ يَسَعُ من رآه تَرْكُ تذكيره دون إثم؛ إذ الشيخوخة مَظِنَّةُ الرحمة والتخفيف غالبًا، خاصةً وأنَّ أكلَه قد يقويه على سائر الطاعات، فما يفعله ناسيًا لا يُعَدُّ معصيةً يؤاخذ عليها شرعًا، وبالتالي فالسكوت عنه ليس من باب إقرار المنكر؛ إنَّما من باب الإعانة على الطاعة.

قال العلَّامة ابن الهمام الحنفي في "فتح القدير" (2/ 328، ط. دار الفكر): [ومن رأى صائمًا يأكل ناسيًا: إن رأى قُوَّةً تُمْكِنُهُ أن يُتِمَّ صومه بلا ضعٍف؛ المختار أنَّهُ يُكْرَه أن لا يُخْبِرَهُ، وإن كان بحالٍ يضعف بالصوم ولو أكل يتقوى على سائر الطاعات يسعه أن لا يخبره] اهـ.

وقال العلامة ابن نجيم الحنفي في "البحر الرائق شرح كنز الدقائق" (2/ 292، ط. دار الكتاب الإسلامي): [والأولى أن لا يذكره إن كان شيخا؛ لِأَنَّ ما يفعله الصائم ليس بمعصية، فالسكوت عنه ليس بمعصية، ولِأَنَّ الشيخوخة مَظِنَّةُ المرحمة، وإن كان شابًّا يقوى على الصوم يكره أن لا يخبره، والظاهر أنَّها تحريمية؛ لِأَنَّ الولوالجي قال: يلزمه أن يخبره ويكره تركه] اهـ.

وذهب المالكيةُ إلى وجوب تذكير الناسي مطلقًا؛ لا سِيَّمَا وأنَّ المالكية يرون أنَّ الأكل والشرب ناسيًا في صيام الفريضة يوجب القضاء كما سبق ذكره، وعملًا بِأَنَّ تذكير الغافل واجبٌ.

قال الإمام العَدَوِي المالكي في "حاشيته على شرح مختصر خليل للخرشي" (1/ 220، ط. دار الفكر) في معرض الحديث عن حكم إيقاظ النائم للصلاة: [وهل يجب إيقاظ النائم؟ لَا نَصَّ صَرِيحٌ في المذهب، إلَّا أَنَّ القرطبي قد قال: لا يَبْعُد أن يقال: إنَّهُ واجبٌ في الواجب، ومندوبٌ في المندوب؛ لِأَنَّ النَّائم وإن لم يكن مُكلَّفًا؛ لَكِنَّ مَانِعَهُ سريع الزوال، فهو كالغافل، وتنبيه الغافل واجبٌ] اهـ.

وذهب الشافعية في عموم مذهبهم في باب العبادات إلى أنَّ تذكير النَّاسي مستحبٌّ؛ لِأَنَّهُ من باب التعاون على البر والتقوى، وذلك ما لم يترتب عليه ضررٌ، فإذا ترتب ضَرَرٌ فلا يستحب فعله بل يحرم، ووجه كون التذكير مستحبًّا لا واجبًا أنَّ الناسي ليس مُقَصِّرًا ولا عاصيًا بدليل أنَّهُ لا قضاء عليه؛ إذ وجوب التذكير يتعلَّقُ بتفويت واجبٍ، كما لو رأى إنسانًا يتوضأ بماءٍ نجسٍ، أو يُصَلِّي خَلْفَ مُحْدِثٍ فيجب إعلامه وتذكيره لوجوب القضاء حِينَئِذٍ، أو فعل محرم، كما لو نام بعد دخول وقت الصلاة، وظَنَّهُ أنَّهُ لا يستيقظ في الوقت، وأعلمه بحرمة النوم حِينَئِذٍ فيجب إيقاظه إذا ضاق الوقت؛ لِأَنَّهُ عاصٍ، والعاصي يجب نهيه؛ ونهيه بإيقاظه.

قال العلَّامة الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (1/ 417، 464): [حكم التنبيه هل هو واجبٌ أو مندوبٌ أو مباحٌ؟... هذا إن لم يخف ضررًا وإلا فلا يستحب ذلك بل يحرم] اهـ.

وقال الإمام العبادي الشافعي في "حاشيته على الغرر البهية" (1/ 247، ط. المطبعة الميمنية): [قال النووي في "شرحه للمهذب": يستحب إيقاظ النائم للصلاة، ولا سِيَّمَا إذا ضاق وقتها لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، وفيه حديث: «أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يَمُرُّ بالنَّائم ِفيوقظه للصلاة»، وهذا بخلاف ما لو رآه يتوضأ بماءٍ نجسٍ أو يُصَلِّي خَلْفَ مُحْدِثٍ، وقلنا: يجب القضاء فإنَّهُ يلزم إعلامهُ... وَيُفَرَّقُ أيضًا بِأَنَّهُ هنا مُتلبِّسٌ بما هو محذورٌ في نفسه، بخلاف النَّوْمِ فإنَّهُ في نفسه غير محذورٍ، وإنَّما يكون محذورًا باعتبار ما يترتب عليه من تفويت الصلاة على النائم إن حرم نومه بأن نام بعد دخول الوقت وظَنَّهُ أنَّهُ لا يستيقظ في الوقت، وأعلمه بحرمة النوم حِينَئِذٍ فينبغي وجوب إيقاظه إذا ضاق الوقت؛ لِأَنَّهُ عاصٍ، والعاصي يجب نهيه؛ ونهيه بإيقاظه] اهـ.

وذهب الحنابلة إلى وجوب تذكير من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائمٌ، شابًّا كان الصائم أو شيخًا؛ لا سِيَّمَا وأنَّ الأكل والشرب في نهار رمضان ظاهره منكرٌ يجب النهي عنه، وديننا الحنيف جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب خيرية أمَّة الإسلام.

قال العلَّامة الْبُهُوتِي الحنبلي في "كشاف القناع" (2/ 322): [(ولو أراد أن يأكل أو يشرب من وَجَبَ عليه الصوم في) نهار (رمضان ناسيًا أو جاهلًا وَجَبَ إعلامه على من رآه) كإعلام نائمٍ إذا ضاق وقت الصلاة] اهـ.

وقال العلَّامة الرحيباني الحنبلي في "مطالب أولي النهى" (1/ 275، 276، ط. المكتب الإسلامي): [الأمر بالمعروف لا يجب إلا إذا ظَنَّ امتثالَ المأمور، وهو قَوْلٌ لبعضهم، والمذهب وجوبه أفاد أو لم يفد؛ لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [لقمان: 17]] اهـ.

والمختار للفتوى هو: استحباب تذكير الناسي لا وجوبه؛ إذ الوجوب حيث كان التقصير، والناسي ليس مُقَصِّرًا ولا عاصيًا، وذلك ما لم يخش الضرر، فإن خشي الضرر تركه؛ لما تَقَرَّرَ من أنَّ "درء المفاسد مُقَدَّمٌ على جلب المصالح".

الخلاصة

بناءً على ما سبق وفي واقعة السؤال: فيستحب لمن رأى صائمًا يأكل أو يشرب ناسيًا في نهار رمضان أن يُذكِّرَه بالصيام، فهو من باب التعاون على البر والتقوى، وإن وَجَدَ أنَّ في تذكيره ضررًا فينبغي تَرْكه، ويجب على من ذُكِّرَ الكَفُّ بقية اليوم عن سائر المفطرات، ولا يلزمه قضاء هذا اليوم حِينَئِذٍ، فصومه صحيح.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

هل يجب على المسافر الذي قدم بلده مفطرًا أن يمسك بقية اليوم؟ فقد سافرتُ في شهر رمضان المبارك قبل الفجر، ولَمَّا كان السفرُ طويلًا، أخذتُ بالرخصة فأفطرتُ في الطريق، وبعد أن وصَلْتُ إلى منزلي بعد العصر أكلتُ وشرِبْتُ، فهل كان واجبًا عليَّ الإمساك عن الطعام والشراب بمجرد وصولي إلى البيت؟


ما الحكم فيمَن أكل أو شرب ناسيًا في رمضان أو في صيام التطوع؟ هل يكمل الصوم؟


سأل فضيلة الشيخ خطيب المسجد الأقصى المبارك ومدير الوعظ والإرشاد بالقدس، وقال: في الوقت الذي نعيد النظر في التوقيت الدهري لمواقيت الصلاة المعمول به في مدينة القدس ليقوم على أسس علمية فلكية. نرجو التكرم بالإجابة عما يلي:

1- بيان الفارق الزمني بين مدينة القدس والقاهرة، علمًا بأننا لاحظنا تضاربًا في التوقيت بين عاصمة عربية وأخرى.

2- هل يمكننا الاعتماد على توقيت القاهرة كأساس ثابت لتوقيت القدس؟


ما حكم قطع تتابع صيام الكفارة بسبب الفطر للسفر؟ فإن أحد جيراني يعمل سائقًا، وقد وجب عليه كفارة صيام شهرين متتابعين، فصام شهرًا أو أكثر من الكفارة، وبحكم عمله طُلِبَ للسفر في رحلة مدة ثلاثة أيام، وفي اليوم الثاني منها أفطر، ثم أكمل صيامه من اليوم التالي، فهل بفطره في يوم سفره يكون تتابع صيامه قد انقطع؟


ما حكم من أكل أو شرب عامدًا في نهار رمضان؟


ما حكم أخذ حقنة التطعيم في العضل للصائم في نهار رمضان؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 20 فبراير 2026 م
الفجر
5 :3
الشروق
6 :30
الظهر
12 : 9
العصر
3:22
المغرب
5 : 47
العشاء
7 :5