سائل يقول: سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ»؛ فما المراد من الغيرة في حقِّ الله سبحانه وتعالى؟
الغيرة الواردة في الحديث في حق الله سبحانه وتعالى غيرة مجازية محمولة على أن الله تعالى يبغض الفواحش، ولذا حَرَّمَ على العباد اقترافَها، وزجرهم عنها، وحظرها عليهم، وشدَّد في منعها وحماية الإنسان منها، وتوعَّد على فعلها.
وأما الغيرة بمعناها الحقيقي -وهي كراهة شركة الغير في حقه، وتغير يحصل من الْحَمِيَّةِ وَالْأَنَفَةِ- فهي إنما تكون بهذا المعنى في حق المخلوقين، لا في حق الخالق سبحانه وتعالى، فالحق يغار على عباده غيرة كمال لا يتطرق إليها نقصان بحالٍ من الأحوال؛ لاستحالة النقص في حقِّ الله تعالى.
المحتويات
الغيرة هي: حالةُ رَفْضٍ تَعْتَرِي الإنسانَ عندما يُشاركه غيرُه في حَقِّه؛ فيَكرهُ ذلك نتيجةَ الحمية والأنفة.
قال الإمام الجرجاني في "التعريفات" (ص: 163، ط. دار الكتب العلمية): [الغيرة: كراهة شركة الغير في حقِّه] اهـ.
وقال الإمام بدر الدين الحنفي في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (7/ 71، ط. دار إحياء التراث العربي): [وَهِي تغير يحصل من الحمية والأنفة] اهـ.
وقد ورد في السُّنَّة النبوية نسبةُ لفظ "الغيرة" لله سبحانه وتعالى؛ فقد بيَّن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الله تعالى أغير من أيِّ أحدٍ من خلقه، ومن الأحاديث التي ذُكر فيها هذا المعنى: حديث عَبْدِ اللهِ بن مسعود رضي الله عنه، أنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ» متفق عليه.
ومنها: حديث أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» متفقٌ عليه.
لمَّا كان من ثوابت العقيدة عند أهل الإسلام أن الخالق سبحانه وتعالى يجب له كلُّ كمالٍ يليق بذاته المقدسة، ويستحيل في حقِّه كلُّ ما لا يليق بذاته من نحو نقصٍ أو عيبٍ -امتنع حمل الغيرة المنسوبة في الحديث الشريف إلى الله تعالى على المعنى المعهود في الأذهان والشائع في الاستعمال، وهو الناتج عن الْحَمِيَّةِ وَالْأَنَفَةِ.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (2/ 530، ط. دار المعرفة): [قوله: "أَغْيَرَ" أفعل تفضيل من الْغَيْرَةِ بفتح الغين المعجمة، وهي في اللُّغَة تَغَيُّرٌ يَحْصُلُ من الْحَمِيَّةِ وَالْأَنَفَةِ، وأصلها في الزوجين وَالْأَهْلَيْنِ، وكل ذلك مُحَالٌ على الله تعالى؛ لأنه مُنَزَّهٌ عن كلِّ تَغَيُّرٍ ونقص، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ على المجاز؛ فقيل: لما كانت ثمرة الغيرة صَوْنَ الحريم وَمَنْعَهُمْ وَزَجْرَ من يقصد إليهم أُطْلِقَ عليه ذلك؛ لكونه مَنَعَ من فعل ذلك، وزجر فاعله وَتَوَعَّدَهُ؛ فهو من باب تسمية الشيء بما يترتب عليه] اهـ.
ومن هنا، فقد بيَّن العلماءُ أن الغيرة التي وصف بها رسولُ الله عليه الصلاة والسلام اللهَ سبحانه وتعالى مجازٌ محمولٌ على بغض الله سبحانه وتعالى للفواحش؛ ولذا حَرَّمَ على العباد اقترافَها، فمن غيرته سبحانه وتعالى أن زجر عنها، وحظرها، وشدَّد في منعها وحماية الإنسان منها، وتَوَعَّد على فعلها.
قال الإمام بدر الدين العيني في "عمدة القاري" (7/ 71): [وهو مجَازٌ محمول على غاية إظهار غضبه] اهـ.
وقال أيضًا في (18/ 228): [وغيرة الله تعالى أَن يأْتي المؤمن ما حرَّم الله عليه؛ أَي: إِن غيرته مَنْعُه وتحريمُه] اهـ.
وقال الإمام ابن دقيق العيد في "إحكام الأحكام" (1/ 353، ط. دار عالم الكتب): [المنزهون لله تعالى عن سمات الحد ومشابهة المخلوقين بين رجلين: إما ساكت عن التأويل، وإما مؤول، على أن يراد شدة المنع والحماية من الشيء؛ لأن الغائر على الشيء مانع له، وحام منه، فالمنع والحماية من لوازم الغيرة، فأطلق لفظ "الغيرة" عليهما من مجاز الملازمة] اهـ.
وقال الإمام ابن فُورَكَ في "مشكل الحديث وبيانه" (ص: 96، ط. عالم الكتب): [فأما معنى الغيرة فهو الزَّجر والتَّحْرِيم؛ لأن الغيور هو الذي يزْجر عَمَّا يغار عليه، ويحظر الدنو منه، وقد بيَّن عقبيه بقوله: "ومن غيرته حرم الْفَوَاحِش"؛ أَي: زجر عنها، وحَظَرَهَا] اهـ.
وقال الإمام ابن الجوزي في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (1/ 300، ط. دار الوطن): [قال العلماءُ: كلُّ مَن غار مِن شيء اشتدَّت كراهيته له؛ فلما حرَّم الله عزَّ وجلَّ الفواحش، وتوعَّد عليها، وصفه رسوله عليه السلام بالغيرة] اهـ.
وقال بعض العلماء: إن المراد من غيرة الله تعالى أنه يُغَيِّرُ حالَ العاصي بمعاقبته في الدنيا والآخرة أو في إِحْدَاهُمَا.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (2/ 531) نقلًا عن بعض العلماء: [غَيْرَةُ الله ما يُغَيِّرُ حالَ العاصي بِانْتِقَامِهِ منه في الدنيا والآخرة أو في إِحْدَاهُمَا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)] اهـ.
ويؤكد استحالةَ نسبة معنى الغيرة الذي يوهم نقصًا في حقِّ الله تعالى أن الغيرة منها ما يحبه الله تعالى، ومنها ما يُبغضه؛ فعن عقبة بن عامر الجُهني رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «غَيْرَتَانِ إِحْدَاهُمَا يُحِبُّهَا اللهُ، وَالْأُخْرَى يُبْغِضُهَا اللهُ ...فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ يُحِبُّهَا اللهُ، وَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ يُبْغِضُهَا اللهُ» أخرجه الإمامان: أحمد، وابن خزيمة.
والمراد أن العبد إذا وجد ريبة؛ أي: حصل عنده شكٌّ بقرينة ما في حدوث ما يُغضب الله، فغار، فغيرته حينئذٍ مما يحبُّهُ الله تعالى، أما إذا غار من غير ما تستلزم منه الغيرة؛ أي: نتيجة سوء الظن، فهذا مما لا يحبُّهُ الله تعالى.
قال الإمام المناوي في "التيسير بشرح الجامع الصغير" (2/ 162، ط. مكتبة الإمام الشافعي): [(الغيرة في الريبة)؛ أي: عند قيامها (يُحِبُّها الله، والغيرة في غير الريبة) بل بمجرد سوء الظن (يبغضها الله)، وهذه الغيرة تُفْسِدُ المحبة وتُوقِعُ العداوة] اهـ.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فالغيرة الواردة في الحديث في حق الله سبحانه وتعالى غيرة مجازية محمولة على أن الله تعالى يبغض الفواحش، ولذا حَرَّمَ على العباد اقترافَها، وزجرهم عنها، وحظرها عليهم، وشدَّد في منعها وحماية الإنسان منها، وتوعَّد على فعلها.
وأما الغيرة بمعناها الحقيقي -وهي كراهة شركة الغير في حقه، وتغير يحصل من الْحَمِيَّةِ وَالْأَنَفَةِ- فهي إنما تكون بهذا المعنى في حق المخلوقين، لا في حق الخالق سبحانه وتعالى، فالحق يغار على عباده غيرة كمال لا يتطرق إليها نقصان بحالٍ من الأحوال؛ لاستحالة النقص في حقِّ الله تعالى.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
سائل يسأل عن الفرق بين المعجزة والكرامة، وهل يوجد دليل على صحة كرامات الأولياء؟
كيف يقبض ملك الموت أرواح الكثير من البشر في وقت واحد رغم اختلاف أماكنهم؟
هل ثبت في صيام أيام العشر من ذي الحجة شيء مخصوص؟ ثم إن لم يثبت شيء فهل يعني هذا عدم مشروعية صيامها؟
أحد الشباب الذي يؤمنا في الصلاة بالزاوية التي نصلي فيها يشدد على ضرورة وضع القدم بالقدم، وحذر من أن هناك حديثا في هذا المعنى يشبه المصلي بالبغل إن لم يمتثل لما يقول. ويطلب السائل بيان صحة هذا الحديث، والحكم الشرعي.
نرجو منكم بيان المعنى المراد من قول النبي عليه الصلاة والسلام: "أحب الصيام" في حديث: «إِنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ، صِيَامُ دَاوُدَ».
نرجو منكم الرد على من يقول: إنَّ مراجعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لربه في عدد الصلوات فيه تبديلٌ للقول، كيف وقد قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: 29]، كما أنَّ فيه نوع وصاية من نبي الله موسى على رسولنا الكريم سيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام.