ما مقدار السترة في الصلاة؟ وما مسافة المرور أمام المصلي الذي لم يتخذ سترة؟
اتخاذ السترة في الصلاة يعين المكلف على استحضار الخشوع، وحضور القلب، وعدم التشويش عليه من قِبل المارة حال صلاته، وهو أمر مطلوب ومستحب شرعًا، وتتحقق السترة طولًا بذراع -(46.375) سم- فأكثر، وعرضًا بما يجعلها واضحة للناظر حتى يتحقق المقصد منها، فإذا اتّخذ المصلّي سترةً حَرُم على المارّ المرور بينه وبينها، واقتصر على المرور من ورائها، أمّا إذا لم تكن له سترة، فإنَّ حدّ المانع من المرور يكون بمقدار ما يشغله المصلّي في أداء صلاته، من موضع قدميه إلى موضع سجوده.
المحتويات:
السُّترة: هي ما يجْعَلُه المصلي أمامَه لمنْعِ المرورِ بين يديه، ومن المعلوم شرعًا أنَّ اتخاذها أمر مطلوب شرعًا على جهة الاستحباب؛ لما فيه من عدم التشويش على المصلي من قِبل المارة حال صلاته، ولأنَّ فيها كف بصره عما وراءها، وجمع خاطره بربط الخيال بها كي لا ينتشر؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ وَلْيَدْنُ مِنْهَا» أخرجه الأئمة: أبو داود (واللفظ له)، وابن ماجه والبيهقي في "السنن".
ومحلُّ استحباب اتخاذ السُّترة -على المُختار- إنَّما هو في حال ما إذا خشي المصلي أن يمُرَّ من أمامه أحدٌ، ولا بأس بتركِها إذا أمِن المرورَ، كأن يكون في مكان ليس فيه سواه، أو في صف متقدِّم بحيث لا يتقدم عليه بين يديه أحدٌ. ينظر: "مراقي الفلاح" للعلامة الشرنبُلالي الحنفي (ص: 134، ط. المكتبة العصرية)، و"شرح مختصر خليل" للعلامة الخَرَشِي المالكي (1/ 278، ط. دار الفكر).
السُّترة للمُصَلي في الصلاة تكون بكلِّ ما يُعَد ساتِرًا، ويجزئ منها قدْرُ مؤخرة الرَّحْلِ، وهي: العُود أو الخَشَبة الذي في آخِرِ الرَّحلِ ويستنِد إليها الراكبُ؛ لما جاء عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: سُئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن سُترة المصلي؟ فقال: «مِثلُ مُؤْخِرة الرحْلِ» رواه الإمام مسلم.
قال الإمام النووي في "شرحه على مسلم" (1/ 231، ط. إحياء التراث العربي): [وأمَّا مؤخرة الرحل فبضم الميم بعده همزة ساكنة ثم خاء مكسورة، هذا هو الصحيح... وهي العود الذي يكون خلف الراكب] اهـ.
وقد اختلف الفقهاء في ضابط السترة طولًا وعرضًا، فذهب الحنفية إلى أنَّ طولها ذِراع وعرضها أُصبع، وعلَّلوا ذلك بأنَّ ما دونه لا يظهر للناظر من مسافة بعيدة، فلا يتحقق الغرض من اتخاذ السترة حينئذ.
قال الإمام الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق" (1/ 160، ط. الأميرية): [ينبغي أن يكون طولُها ذراعًا وغِلَظُها غلظَ الأصبع؛ لما رويناه، ولأنَّ ما دون ذلك لا يبدو للناظر من بعيد فلا يحصُل به الغرض] اهـ.
وذهب المالكية إلى أنَّ أقلَّها عرضُ رمح وطولُ ذراع وإلَّا فلا يحصُل بها المراد من تجنب المرور بينها وبين المصلي.
قال العلامة أحمد الدردير المالكي في "الشرح الكبير -مع حاشية الدسوقي-" (1/ 246، ط. دار الفكر): [أشار لقَدْرِها بقوله: (في غِلَظِ رُمحٍ وطولِ ذراعٍ)، لا ما دونهما] اهـ.
قال الشيخ الدسوقي المالكي محشيًا عليه: [(قوله: في غِلَظِ رمح)، أي: إن أقلَّ ما تكون أن تكون في غِلَظِ رُمْحٍ فأولى ما كانت أغلظَ منه، وأمَّا لو كانت أدنى من غلظِ الرمح فلا يحصل بها المطلوب. (قوله: وطول ذراع)، أي: من المرفق لآخر الإصبع الوسطى، والمراد أنَّه لا بد فيها أن تكون طول ذراع فأكثر في الارتفاع بين يديه] اهـ.
وذهب الشافعية إلى أنَّها تكون في طولها ثلثي ذراع فأكثر، أمَّا العرض فلا حد له، فيستوي فيه الغليظ والدقيق؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «استَتِرُوا في صلاتِكم ولو بسَهْمٍ» أخرجه البيهقي في "السنن"، وابن خزيمة في "صحيحه".
قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (1/ 184، ط. الكتاب الإسلامي): [(فإن لم يجد) سترة من جدار، أو نحوه (فعصا) مثلا (يغرزها، أو متاع) يجمعه، وليكن كلٌّ منهما (قدر مؤخرة الرحل) ثلثي ذراع فأكثر] اهـ.
وقال العلامة الدَّمِيري الشافعي في "النجم الوهاج" (2/ 233، ط. دار المنهاج) في خصوص الغِلَظِ: [ولا ضابط لعرضِها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «استَتِرُوا في صلاتِكم ولو بسَهْمٍ»] اهـ.
وذهب الحنابلة إلى أنَّها تكون في طولها ذراعًا فأكثر، أمَّا العرض فلا حد له، فيستوي فيه الغليظ والدقيق.
قال الشيخ أبو النجا الحجاوي الحنبلي في "الإقناع" (1/ 131، ط. دار المعرفة): [تُقارِب طولَ ذراع فأكثر، فأمَّا قدرها في الغِلَظِ فلا حدَّ له، فقد تكون غليظة كالحائط أو دقيقة كالسهم] اهـ.
والذراع عند الحنفية سبع قبضات فوق كل قبضة إصبع قائمة، وهو ما يساوي: (46.375) سم، وعند المالكية: ما بين طرفي المرفق إلى آخر الأصبع المتوسط وهو ستة وثلاثون أصبعًا، كل أصبع ست شعيرات بطن إحداهما إلى ظهر الأخرى وهو ما يساوي: (53) سم، وعند الشافعية والحنابلة أربعة وعشرون أصبعًا معترضاتٍ، وهو ما يساوي: (61.834) سم. ينظر: "حاشية ابن عابدين على الدر المختار" (1/ 196، ط. دار الفكر)، و"حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني" (1/ 363، ط. دار الفكر)، و"الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع" للشيخ الخطيب الشربيني الشافعي (1/ 171، ط. دار الفكر)، و"المبدع شرح المقنع" لابن مفلح الحنبلي (2/ 115، ط. دار الكتب العلمية)، و"المكاييل والموازين" لمفتي الجمهورية الأسبق فضيلة الأستاذ الدكتور/ علي جمعة محمد (ص: 50، ط. دار القدس).
وقد نهى الشرع الشريف المكلفَ عن المرور بين يدي المصلي، فعن أبي جُهيم رضي الله عنه، قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لو يَعْلَم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقِفَ أربعين خيرًا له من أن يَمُرَّ بين يديه» متفق عليه.
قال العلامة ابنُ دقيق العيد في "إحكام الأحكام" (1/ 282، ط. مطبعة السنة المحمدية): [فيه دليلٌ على منْعِ المرور بين يدي المصلي إذا كان دون سُترة، أو كانت له سترةٌ فمرَّ بينه وبينها، وقد صُرِّحَ في الحديث "بِالْإِثْمِ"] اهـ.
من المقرر أنَّه إذا اتخذ المصلي سترة كان مرور المار بعدها، وامتنع من المرور فيما بين المصلي وسترته؛ عملًا بحديث أبي جهيم.
أما إذا لم يتخذ سترة فاختلف الفقهاءُ في القَدْرِ الذي يُكره المرورُ فيه أمام المصلي.
فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية إلى أنَّه قدر ما يحتاجه المصلي لأداء أفعال الصلاة من موضع قدميه إلى موضع سجوده؛ لأنَّ في المرور من تلك المسافة ذهابًا للخشوغ وعدم حضور القلب وتشويشًا على المصلي.
قال العلامة الكمال بن الهمام الحنفي في "فتح القدير" (1/ 405، ط. دار الفكر): [(قوله: وإنَّما يأثم إذا مر في موضع سجوده على ما قيل ولا يكون بينهما حائل) قيل: هذا هو الأصح؛ لأنَّ من قدمه إلى موضع سجوده هو موضع صلاته] اهـ.
وقال العلامة الدردير المالكي في "الشرح الكبير" (1/ 246): [الأرجح ما لابن العربي من أنَّ المصلي سواء صلى لسترة أم لا -لا يستحق زيادة على مقدار ما يحتاجه؛ لقيامه وركوعه وسجوده] اهـ.
وقال العلامة الرملي الشافعي في "نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج" (2/ 56، ط. دار الفكر): [وإنما يحرم المرور مع السترة المقررة، بخلاف ما إذا فقدت أو كانت وتباعد عنها أكثر من ثلاثة أذرع أو اختل شرط من شروطها؛ لأنَّ القصد من السترة أن يظهر لصلاته حريم يضطرب فيه في حركاته وانتقالاته، فإذا لم يستتر فهو المهدر لحرمة نفسه] اهـ.
وذهب الحنابلة أنَّه قدرُ ثلاثة أذرع بذراع اليدِ فأقلَّ مِن قدم المُصلي، هذا حيث لم تُوجد سترة.
قال العلامة البهوتي الحنبلي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 211، ط. عالم الكتب): [(وإلا) أي: وإن لم يكن للمصلي سترة؛ فإنَّه يحرم المرور (ففي ثلاثة أذرع فأقل) من قدم المصلي] اهـ.
ولما كان مقصد الشرع الشريف من طلب وضع المصلي السترة أمامه هو الوصول إلى استحضار الخشوع، وحضور القلب، وعدم التشويش عليه من قِبل المارة حال صلاته، ولأنَّ فيها كف بصره عما وراءها، وجمع خاطره بربط الخيال بها كي لا ينتشر، فإن المختار للفتوى أنَّها تتحقق طولًا بذراع [(46.375)سم]، وعرضًا بما يجعلها واضحة للناظر حتى يتحقق المقصد منها، ويكفي في مسافة المرور -حيث لا سترة- ما يحتاجُه المصلي لأداء أفعال الصَّلاة من موضع قدميه إلى موضع سجوده، فهذا القدْرُ مِن المكان حقُّه، وفي تحريم ما وراءه تضييقٌ على المارَّةِ.
بناءً على ما سبق وفي واقعة السؤال: فاتخاذ السترة في الصلاة يعين المكلف على استحضار الخشوع، وحضور القلب، وعدم التشويش عليه من قِبل المارة حال صلاته، وهو أمر مطلوب ومستحب شرعًا، وتتحقق السترة طولًا بذراع [(46.375) سم] فأكثر، وعرضًا بما يجعلها واضحة للناظر حتى يتحقق المقصد منها، فإذا اتّخذ المصلّي سترةً حَرُم على المارّ المرور بينه وبينها، واقتصر على المرور من ورائها، أمّا إذا لم تكن له سترة، فإنَّ حدّ المانع من المرور يكون بمقدار ما يشغله المصلّي في أداء صلاته، من موضع قدميه إلى موضع سجوده.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
هل يجوز شرعًا للعاملين بالمستشفى ترك العمل لأداء صلاة القيام -التراويح- في جماعة؟ علمًا بأن هؤلاء العاملين مرتبطون بأداء عمل مباشر، وكذا غير مباشر، في خدمة المرضى، وتركهم العمل يُنْقِصُ في الأغلب الأعمّ من الخدمة المقدمة للمرضى، وقد يلحق الضرر بأحدهم أو بعضهم.
ما حكم صلاة الفريضة على الكرسي؟ حيث يقول السائل: إن ظاهرة صلاة الفريضة جماعة في المسجد على الكرسي هي من الأمور المحدثة التي تفتقد الشرط الثاني للعبادة، وهو الموافقة للشرع وسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وإن ظهور بعض الفتاوى بصحَّة صلاة الجماعة على الكرسي، مستندةً إلى حديث صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسافرًا على الدابة لصلاة النافلة، وليس الفريضة، في حين أن هذا لا ينطبق على صفة صلاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا نفلًا ولا فرضًا ولا مقيمًا ولا مسافرًا، فلم يثبت عنه ذلك الأمر ألبتة، كل ذلك دفعني إلى أن أبيِّن أدلة عدم صحة الصلاة للجالس على الكرسي؛ فالكرسي كان موجودًا فعلًا في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كرسي يستعمله في غير الصلاة، ولم يستعملْه ألبتة هو وأصحابه في الصلاة حال الصحَّة أو المرض ولا في الفريضة ولا في النافلة ولا في السفر ولا في الحضر، وحين مرض الرسول مرضًا شديدًا أعجزه عن الصلاة قائمًا قَعَدَ على الأرض ولم يجلسْ على كرسي أو غيره، وثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى النافلة مسافرًا على الدابة، فإذا حضرت الفريضة نَزَلَ واستقبل القبلة وصلَّى قائمًا، ولم يستعمل كرسيًّا ولا غيره. كما أن الصلاة بالجلوس على الكرسي تؤدِّي إلى مفاسدَ كثيرةٍ، منها:
إسراف العوام والمقلدين من الأمة في استعمال الكرسي في الصلاة دون ضوابطَ شرعيةٍ.
عدم استواء الصف وما له من أثر في قبول الصلاة.
تضييق المجال على الصف خلف الكرسي في السجود.
إسراف بعض المصلين في بعض البلدان باستخدام أرائكَ طويلةٍ مثل التي في الكنائس، مما يؤدِّي إلى تحوُّل المساجد في مظهرها إلى كنائسَ، وهذا محظورٌ شرعًا بلا جدال؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23].
أنها تمنع من السجود على الأرض الواجب لصحة الصلاة لمن يقدر عليه.
فعدمُ استعمال النبي للكرسي في الصلاة وعدمُ ترخيصه بذلك لصحابته، بالإضافة إلى المفاسد الناجمة عن استعمال الكرسي في الصلاة، كلُّ هذا يشير إلى أن من يجيز استعمالَه فإنه يتعدَّى بذلك تعدِّيًا عقديًّا عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وهو على خطرٍ عظيم وحافة هاوية يكاد يقع فيها مَن يتبنى مثلَ هذا الرأي.
ما حكم سكوت الإمام عقب قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية؟ وما مقداره؟
سائل يقول: نرجو منكم بيان ما ورد في السنة النبوية من تحذير النبي صلى الله عليه وآله وسلم من التخلف عن صلاة الجمعة كسلًا وتهاونًا ممَّن وجبت عليهم.
سائل يقول: نرجو منكم بيان فضل المحافظة على أداء السنن الرواتب والحث على أدائها والترغيب فيها. وهل الإكثار منها سبب لمحبة الله عز وجل؟
هل يجوز نقل دورة المياه الخاصة بالمسجد من الناحية البحرية إلى الناحية القبلية؛ فتكون دورة المياه باتجاه القبلة، يعزلها عن المسجد جدار؟