سائل يقول: أخبرني أحد أصدقائي بأنه سمع شخصًا يقول: كل ما تركه النبي عليه الصلاة والسلام يكون محرمًا؛ فما مدى صحة هذا الكلام؟ وهل ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لفعل ما يدلّ بمجرده على تحريمه؟
من المقرَّر شرعًا لدى علماء الأصول أنَّ فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدلّ على عدم التحريم فقط، ويتَّسع للأحكام الأربعة الأخرى الوجوب والندب والإباحة والكراهة؛ فقد صلى الفريضة وهي واجبة، وصلَّى الراتبة وهي مندوبة، وأكل وشرب وهو مباح، وشرب قائمًا وبال قائمًا وهو مكروه؛ ليدلّ على الجواز.
وفي المقابل تَرْك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لفعلٍ ما يدل على عدم الوجوب فقط ويتَّسع للأحكام الأربعة الأخرى وهي الحرمة والكراهة والإباحة والندب، فقد ترك الكذب وهو حرام، وترك الإسراف في الوضوء وهو مكروه، وترك أكل الضب وهو مباح، وترك صيام داود عليه السلام يوم ويوم وهو مندوب، وفي ذلك يقول الإمام أبو عبد الله التلمساني في "مفتاح الوصول في بناء الفروع على الأصول": [ويلحق بالفعل في الدلالة الترك؛ فإنَّه كما يستدل بفعله صلى الله عليه وآله وسلم على عدم التحريم يُستدل بتركه على عدم الوجوب] اهـ. (ص: 25، ط. مكتبة الكليات الأزهرية).
وقال الشيخ أبو الفضل عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري في رسالته "حسن التفهم والدرك لمسألة الترك" (ص: 11، ط. مكتبة القاهرة): [والترك وحده إن لم يصحبه نص على أن المتروك محظور لا يكون حجة في ذلك، بل غايته أن يفيد أن ترك ذلك الفعل مشروع، وأما أن ذلك الفعل المتروك محظور، فهذا لا يستفاد من الترك وحده، وإنما يستفاد من دليل يدل عليه] اهـ.
وقال أيضًا (ص: 9-10): [إنه إذا ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئًا فيحتمل وجوهًا غير التحريم منها:
1- أن يكون تركه عادة: قُدِّم إليه صلى الله عليه وآله وسلم ضبٌّ مشويّ فمدّ يده الشريفة ليأكل منه؛ فقيل: إنه ضب، فأمسك عنه، فسُئل: أحرام هو؟ فقال: «لَا، ولكنَّه لَمْ يَكُنْ بأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أعَافُه» والحديث في "الصحيحين"، وهو يدل على أمرين:
أحدهما: أن تركه للشيء ولو بعد الإقبال عليه لا يدل على تحريمه.
والآخر: أن استقذار الشيء لا يدل على تحريمه أيضًا.
2- أن يكون تركه نسيانًا، فقد سها صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة، فترك منها شيئًا، فسئل: هل حدث في الصلاة شيء؟ فقال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» أخرجه البخاري ومسلم.
3- أن يكون تركه مخافةَ أن يُفرض على أمته، كتركه صلاة التراويح حين اجتمع الصحابة ليصلوا معه.
4-أن يكون تركه؛ لعدم تفكيره فيه، ولم يخطر على باله، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يخطب الجمعة إلى جذع نخلة، ولم يفكر في عمل كرسي يقوم عليه ساعة الخطبة، فلما اقترح عليه عمل منبر يخطب عليه وافق وأقره؛ لأنه أبلغ في الإسماع، واقترح الصحابة أن يبنوا له دكة من طين يجلس عليها؛ ليعرفه الوافد الغريب، فوافقهم ولم يفكر فيها من نفسه.
5- أن يكون تركه لدخوله في عموم آيات أو أحاديث، كتركه صلاة الضحى وكثيرًا من المندوبات؛ لأنها مشمولة بقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]، وأمثال ذلك كثيرة.
6- أن يكون تركه خشية تغيير قلوب الصحابة أو بعضهم:
قال صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة رضي الله عنها: «لَوْلاَ حَدَاثَةُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ ثُمَّ لَبَنَيْتُهُ عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَإِنَّ قُرَيْشًا اسْتَقْصَرَتْ بِنَاءَهُ» وهو في "الصحيحين"، فترك صلى الله عليه وآله وسلم نقض البيت وإعادة بنائه حفظًا لقلوب أصحابه القريبي العهد بالإسلام من أهل مكة، ويحتمل تركه صلى الله عليه وآله وسلم وجوهًا أخرى تعلم من تتبع كتب السنة، ولم يأت في حديث ولا أثر تصريح بأنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا ترك شيئًا كان حرامًا أو مكروهًا] اهـ. ومما سبق يُعلَم الجواب عما جاء بالسؤال.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما مدى صحة ما جاء عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: حدثني عمر رضي الله عنه؛ أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر بعدي فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض». فقال له أبو بكر: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: «لأنهم في رباط إلى يوم القيامة».
ما مدى صحة حديث: «من قال: الحمد لله الذي تواضع كل شيء لعظمته، والحمد لله الذي ذل كل شيء لعزته، والحمد لله الذي خضع كل شيء لملكه، والحمد لله الذي استسلم كل شيء لقدرته، فقالها يطلب بها ما عند الله؛ كتب الله له بها ألف حسنة، ورفع له بها ألف درجة، ووكل بها سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة»؟ وما حكم العمل به؟
يقول السائل: أنا مسلم وأحافظ على الفرائض والشعائر، لكني أعمل في مجالٍ متخصص يستغرق وقتي، ولا أتمكن من دراسة علوم الدين، فقال لي بعض الناس: إن هناك من يرى أن ذلك يُعدُّ من الإعراض عن دين الله ومن نواقض الإسلام. فما حكم الشرع في ذلك؟ نرجو منكم البيان.
ورد في الشرع الشريف كثير من النصوص التي تفيد جواز مطالبة الإنسان بحقِّه وحرصه على ذلك، وكذلك هناك نصوص أخرى تفيد استحسان العفو عن الحقِّ، فكيف يمكن فهم ذلك؟ وهل هناك تعارض بين المطالبة بالحقِّ والعفو عنه، وأيهما أفضل؟
ما حكم طلب الشفاعة من سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام بقول اشفَع لنا يا رسول الله صلَّى الله عليكَ وعلى آلِكَ وسلَّمَ؟
ما حكم عطاء الوالد لبعض أولاده حال حياته؟ فنحن ثلاث أخوات شقيقات، ولنا أختان من أبينا، وكان والدنا رحمه الله تعالى قد كتب لي ولشقيقَتَيَّ أرضًا زراعية مساحتها 11 فدانًا بيعًا وشراء، وترك ستة أفدنة أخرى لم يكتبها باسم أحد، تم تقسيمها على ورثته بعد وفاته، وكذلك قد خصني أنا وشقيقَتَيَّ -دون الأختين الأخريين- بمبلغ ألف جنيه في دفتر توفير لكل واحدة منا، مع العلم أننا ساعتها كنا صغيرات، وكانت أختانا لأبينا متزوجتين.
والسؤال هنا: هل من حق الإنسان أن يتصرف حال حياته كيفما يشاء في ماله؟ مع العلم أنني قد سمعت عدة آراء فقهية مختلفة في هذه المسألة؛ بعضها يحرم ما فعله الوالد ويلزمنا بِرَدِّ الحقوق، وبعضها يحرم ما فعله الوالد ويجعل رد الحقوق تطوعيًّا منا، وبعضها يجيز ما فعله الوالد ولا يلزمنا بشيء، فما مدى صحة هذه الآراء؟ وهل يجوز لي تقليد أيٍّ منها؟ وهل معنى حديث: «استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك، والبر ما اطمأن إليه القلب والإثم ما حاك بالصدر» أن الإنسان إذا سمع عددًا من الآراء فإن الرأي الذي يطمئن إليه قلبه وعقله يكون هو الصحيح شرعًا؟ وما حكم العمل بالأحوط هنا؟ حيث إنني قد احتطت ورددت بعض الحقوق لأصحابها، وطلبت منهم المسامحة في الباقي فسامحوا.