ما حكم إخراج القيمة بدل الأعيان والأشياء في الزكاة؟ وهل ذلك يجوز؟
الأصل في الزكاة أن تخرج مِن جنس المال الذي وجَبَت فيه، ويجوز إخراجها بالقيمة بشرط مراعاة سد حاجة الفقراء والمحتاجين وتحقيق مصلحتهم، وكلما كان جنسُ المُخْرَجِ مِن الزكاة أحظَّ لنصيبهم وأوفَقَ لحاجتهم وأنفَعَ لهُم، كان ذلك أقربَ إلى تحقيق مقصود الزكاة؛ لِمَا أخرجه الإمامان: البخاري في "صحيحه" معلَّقًا، والبيهقي في "سننه" بسَنَدِهِ عن طاوس أنَّ معاذًا رضي الله عنه قال لأهل اليمن: "ائْتُونِي بِعَرَضٍ؛ ثِيَابٍ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ؛ أَهوَنُ عَلَيكُمْ، وَخَيْرٌ لِأَصحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ". فأفاد أنه أخذ مِن أهل الزكوات ما يتوافق مع حاجة الفقراء والمساكين بدلًا عن جنس ما وجبت فيه الزكاة.
المحتويات
شَرَع الإسلامُ الزكاةَ وأوجَبَها على مَن مَلَك النِّصاب من الأغنياء، إذا خَلَت ذمتُه مِن الدَّين، وكان المال فائضًا عن حاجته ومَن يعول، ومضى عليه الحول -عامٌ قمريٌّ كامل-؛ قصدًا لسدِّ حاجة المصارف الثمانية المنصوص عليها في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60].
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأصل في هذه الزكاة أن تُخْرَجَ مِن جنس المال الذي وجبت فيه؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: «خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ، وَالشَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْبَعِيرَ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرَةَ مِنَ الْبَقَرِ» أخرجه الأئمة: أبو داود وابن ماجه في "السنن"، والحاكم في "المستدرك".
وهو ما نص عليه فقهاء المذاهب الفقهية الأربعة المتبوعة؛ كما في "بدائع الصنائع" لعلاء الدين الكَاسَانِي الحنفي (2/ 41، ط. دار الكتب العلمية)، و"المعونة على مذهب عالم المدينة" للقاضي عبد الوهاب المالكي (ص: 389، ط. المكتبة التجارية)، و"حاشية العلامة البُجَيْرَمِي الشافعي على شرح المنهج" (2/ 323، ط. دار الفكر)، و"المغني" للإمام ابن قُدَامة الحنبلي (2/ 285).
ذهب الحنفية -مع تقريرهم هذا الأصل- إلى جواز إخراج القيمة في الزكاة، سواء كانت عينية أو نقدية، وهو قولُ الإمام أَشْهَب وروايةٌ عن الإمام ابن القاسم مِن المالكية، وروايةٌ عن الإمام أحمد، وقال به مِن الصحابة: أميرُ المؤمنين عُمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، ومعاذ بن جبل، والحسن بن علي رضي الله عنهم أجمعين، ومِن التابعين: عمر بن عبد العزيز، وطاوس، ووافقهم الإمامان الثوري والبخاري في خصوص جواز إخراج العروض إذا كانت بقيمة الزكاة.
واستدلوا بما روي عن الصُّنَابِحِ الْأَحْمَسِيِّ رضي الله عنه قال: رَأَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ نَاقَةً مُسِنَّةً، فَغَضِبَ وَقَالَ: «مَا هَذِهِ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي ارْتَجَعْتُهَا بِبَعِيرَيْنِ مِنْ حَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ، فَسَكَتَ. أخرجه الأئمة: ابن أبي شيبة في "المصنف"، وأحمد -واللفظ له- وأبو يعلى في "المسند"، والبيهقي في "السنن الكبرى" وبَوَّب له بـ(باب مَن أجاز أخْذ القِيَم في الزَّكَوَات).
وهو حديثٌ "صَرِيحٌ فِي البَابِ"؛ كما قال العلامة مجد الدين ابن مَوْدُود المَوْصِلِي في "الاختيار لتعليل المختار" (1/ 102، ط. الحلبي).
قال كمال الدين ابن الهَمَام في "فتح القدير" (2/ 193، ط. دار الفكر) بعد سَوْق الحديث: [فعَلِمْنَا أنَّ التَّنْصيص على الأسنان المخصوصة والشاة؛ لبيان قَدْر المالية، وتَخصيصها في التعبير؛ لأنها أسهل على أرباب المواشي] اهـ.
ووجَّهوا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ.. الحديث»، بأنه "محمولٌ على التيسير؛ لأنَّ أداءَ هذه الأجناس على أصحابها أسهَلُ وأيسَرُ مِن غيرها مِن الأجناس، والفقه فيه: أنَّ المقصودَ إيصالُ الرِّزق الموعود إلى الفقير، وقد حَصَل"؛ كما قال العلامة مجد الدين ابن مَوْدُود المَوْصِلِي في "الاختيار لتعليل المختار" (1/ 103).
قال بدر الدين العَيْنِي الحنفي في "البناية" (3/ 348، ط. دار الكتب العلمية): [(ويجوز دَفْع القِيمة في الزكاة عندنا) ش: وهو قول عُمر رضي الله عنه، وابنه، وابن مسعود، وابن عباس، ومعاذ، وطاوس رضي الله عنهم، وقال الثوري: يجوز إخراج العروض في الزكاة إذا كانت بقيمتها، وهو مذهب البخاري] اهـ.
وقال الإمام ابن ناجي التَّنُوخِي المالكي في "شرح متن الرسالة" (1/ 327، ط. دار الكتب العلمية): [وقيل: إن إخراج القيمة مطلقًا جائز؛ قاله أشهب، وبه قال ابن القاسم في "العتبية"، وقيل بعكسه، وفي سماع ابن أبي زيد عن ابن القاسم له: أن يخرج العين عن الحَب، بخلاف العكس، ولم يحفظه خليلٌ إلا لأشهب فقط] اهـ.
وقال شمس الدين ابن قُدَامة الحنبلي في "الشرح الكبير" (2/ 524-525، ط. دار الكتاب العربي): [(ولا يجوز إخراج القيمة، وعنه: يجوز).. وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، والحسن، وعن أحمد مثل قولهم فيما عدا زكاة الفطر] اهـ.
وذهب الإمام ابن حبيب مِن المالكية، والإمام أحمد في روايةٍ اختارها الشيخ ابن تيمية إلى جواز إخراج القيمة، بشرط أن تكون في مصلحة الفقراء والمحتاجين وأنفَعَ لهم.
قال الإمام شهاب الدين القَرَافِي المالكي في "الذخيرة" (3/ 56، ط. دار الغرب الإسلامي): [قال سند: ومنع مالكٌ مِن إخراج الحَبِّ والعَرَض في الكتاب، وأجازه ابن حبيب؛ إذ رآه أحسَنَ للمساكين] اهـ.
وقال الشيخ ابن تيمية الحنبلي في "مجموع الفتاوى" (25/ 82، ط. مجمع الملك فهد): [إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوعٌ منه.. ولأنَّ الزكاة مبناها على المواساة، وهذا معتبر في قدر المال وجنسه، وأمَّا إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل فلا بأس به] اهـ.
وقال علاء الدين المَرْدَاوِي الحنبلي في "الإنصاف" (3/ 65): [وعنه: تجزئ للحاجة مِن تعذُّر الفرض ونحوه، نَقَلَها جماعةٌ، منهم القاضي في "التعليق"، وصَحَّحَها جماعةٌ، منهم ابن تميم، وابن حمدان، واختاره الشيخ تقي الدين. وقيل: ولمصلحةٍ أيضًا، واختاره الشيخ تقي الدين أيضًا. وذكر بعضُهم رواية: تجزئ للحاجة] اهـ.
القول بجواز إخراج القيمة في الزكاة بشرط تحقيق مصلحة الفقير هو المختار للفتوى؛ لأن المقصود الأعظم من الزكاة هو سَدُّ حاجة الفقراء والمحتاجين، وكلما كان جنسُ المُخْرَجِ مِن الزكاة أحظَّ لنصيبهم وأوفَقَ لحاجتهم وأنفَعَ لهُم، كان ذلك أقربَ إلى تحقيق مقصود الزكاة؛ لِمَا أخرجه الإمامان: البخاري في "صحيحه" معلَّقًا، والبيهقي في "سننه" بسَنَدِهِ عن طاوس أنَّ معاذًا رضي الله عنه قال لأهل اليمن: "ائْتُونِي بِعَرَضٍ؛ ثِيَابٍ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ؛ أَهوَنُ عَلَيكُمْ، وَخَيْرٌ لِأَصحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ". فأفاد أنه أخذ مِن أهل الزكوات ما يتوافق مع حاجة الفقراء والمساكين بدلًا عن جنس ما وجبت فيه الزكاة.
بناءً على ذلك: فإنَّ الأصل في الزكاة أن تخرج مِن جنس المال الذي وجَبَت فيه، ويجوز إخراجها بالقيمة بشرط مراعاة سد حاجة الفقراء والمحتاجين وتحقيق مصلحتهم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
برجاء التكرم بإفادتنا؛ هل يجوز إعطاء زكاة المال والصدقات لصالح أحد المراكز المتخصصة للاكتشاف المبكر وعلاج سرطان السيدات بالمجَّان، على أن يتم إنفاق تلك الزكاة والصدقات في مجالات تجهيز المركز وتشغيله؟
هل يجوز لي أن أعطي زكاتي لبنات بنتي المطلقة؟
هل يجوز إخراج زكاة الفطر أول رمضان؟ وهل يجوز إخراجها أوراقًا نقديةً بدلًا عن الحبوب؟ وذلك لوجود مجموعة من الشباب تنشر بين جمهور أهالي المنطقة فكرةَ عدمِ جواز إخراج زكاة الفطر إلا حبوبًا.
ما حكم الشراء الوهمي لمنتجات بعض التجار لزيادة رواج بضاعتهم وأخذ عمولة على ذلك؟ حيث أعمل على موقع على الإنترنت، لمساعدة التجار على إظهار السلعة بسرعة على مواقع بيع السلع، حيث نقوم بشراء وهمي لمنتجاتهم، حيث إنه كلما زادت مبيعاتهم تظهر أسرع؛ لكي يراها الناس بسرعة، ونأخذ عمولة على ذلك، فما الحكم؟
ما حكم إعطاء الزوج الفقير من الزكاة دون إخباره بذلك؛ فأنا أحيط فضيلتكم علمًا بأنني زوجة لموظف بدرجة مدير عام، وعندي ثلاثة أولاد في الكلية والثانوية العامة والمرحلة الابتدائية، وجميعهم يأخذون دروسًا خصوصية بمبالغ باهظة، بالإضافة إلى أن الابن الذي في الكلية مغترب، وله سكن خاص بالإضافة إلى مصاريف الكلية ومعيشته في الغربة، كل هذه التكاليف الضرورية تجعل دخل زوجي سواء كان مرتبًا أو مكافأة لا تكفي لهذه الاحتياجات الضرورية لتربية الأولاد، وليس لزوجي أي ممتلكات، أما أنا فأملك مبلغًا من المال قدره 100,000 أودعته بدفتر توفير في البنك، وأحصل منه على أرباح لأشتري منها مطالبي الخاصة. وسؤالي هو: هل يحق لي أن أوجه زكاة المال الخاصة بي للصرف منها على سد العجز الموجود بميزانية زوجي؟ علمًا بأنه في حالة الموافقة سأقوم بالصرف بمعرفتي دون أن أُعْلِم زوجي أنها زكاة مالي منعًا لإحراجه، وأيضًا في حالة عدم الموافقة سأكون مضطرة للصرف من مالي الخاص لسد العجز المذكور في ميزانية زوجي الذي لا يملك إلا مرتبه فقط.
يرجى إفادتنا بفتوى رسمية من دار الإفتاء المصرية بخصوص مشروع نهر الخير لتوصيل المياه وبناء الحمامات في القرى الفقيرة في صعيد مصر؛ هل التبرع للمشروع يجوز مِن زكاة المال؟ وهل يحسب كصدقة جارية؟ علمًا بأن الأسر التي تقوم مؤسسة عمار الأرض بتوصيل المياه لها هي أسرٌ فقيرةٌ جدًّا، وأحيانًا كثيرة تعجز عن توفير قوتها اليومي، ولم يسمح لهم بتوصيل المياه النظيفة لبيوتهم بسبب ضيق ذات اليد، علمًا بأن مصاريف توصيل المياه وبناء الحمام في البيت الواحد تقدر بحوالي 2000 جنيه مصري للبيت الواحد، وجزاكم الله خيرًا.