ما حكم المديح والابتهالات النبوية، وما مدى مشروعيتهما.
مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم سنة ثابتة منقولة بالتواتر، وهو قربة من أعظم القربات أخذها الخلف عن السلف من غير نكير، وما زالت المدائح النبوية تُحَبِّبُ الناس في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبر العصور، وتُرَغِّبُهُم في اتباعِ سنته والاقتداء بشمائله الشريفة وسجاياه الكريمة، وبها تَتَنَوَّر القلوب وتنشرح الصدور وتزكو النفوس.
مدح الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم من أعظم القربات، وهو من أعظم ما يثبت حب الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم في القلوب، وقد صحّت الأحاديث بأنه لا أحد أحب إليه المدح من الله تعالى، وفي حديث الأسود بن سريع رضي الله عنه أنه قال: قلت: يا رسول الله مدحت الله تعالى بمدحة، ومدحتك بمدحة. قال: «هَاتِ وَابْدَأْ بِمِدْحَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» رواه أحمد واللفظ له والنسائي والطبراني والحاكم وغيرهم.
ولم يزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُعجبه الشِّعر ويُمدَح به فيُثِيبُ عليه، وقد سَمِعَ مدحَهُ بأُذُنِه من حسّان بن ثابت، وعمه العباس، وأنس بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن زهير، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، ولم ينكر منه شيئًا، وتغنَّى المتغنُّون بين يديه بمديحه فُرَادَى كالثابت عن ابن رواحة وأنس رضي الله عنهم في الحداء، والثابت عن عائشة رضي الله عنها في حكمها بأحقيته صلى الله عليه وآله وسلم بما جاء من المدح في بعض شعر الشاعرين.. إلخ، كما تغنَّى المتغنُّون بين يديه بمديحه صلى الله عليه وآله وسلم جماعات كما حدث في استقبال الأنصار له، ولم يُحْفَظ عنه صلى الله عليه وآله وسلم إنكارٌ لهذا أو نسخٌ له، وكان يحب الصوت الحسن فقال لعبد الله بن زيد رضي الله عنه الذي رأى الأذان في منامه: «قُمْ مَعَ بِلالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم.
ولما أراد مؤذنًا له في مكة اختار أبا محذورة رضي الله عنه؛ لأنه حسن الصوت، وكان ينصب لحسان بن ثابت رضي الله عنه منبرًا في المسجد فيقوم عليه يهجو الكفار. أخرجه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها.
وفي "الصحيحين" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: "أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه مَرَّ بِحَسَّانَ رضي الله عنه وَهُوَ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَحَظَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فَقَالَ: أَنْشُدُكَ الله أَسَمِعْتَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: «أَجِبْ عَنِّي اللهمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ». قَالَ: اللهمَّ نَعَمْ". وبوَّب عليه الإمام النسائي (باب الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد).
وفي "صحيح مسلم" عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ لِحَسَّانَ رضي الله عنه: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ الله وَرَسُولِهِ».
قال الإمام النووي في "شرح مسلم" (16/ 45، ط. دار إحياء التراث العربي): [فيه جواز إنشاد الشعر في المسجد إذا كان مباحًا، واستحبابه إذا كان في ممادح الإسلام وأهله أو في هجاء الكفار والتحريض على قتالهم أو تحقيرهم ونحو ذلك] اهـ.
وعلى ذلك: فمدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم والترخيص فيه سنة ثابتة منقولة بالتواتر، أخذها الخلف عن السلف من غير نكير، وذلك في إطار الحدّ الذي حدَّدَه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله في حديث عمر رضي الله عنه عند "البخاري" وغيره: «لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ». أي: في اتخاذهم إياه ولدًا لله أو إلهًا معه، فالرب ربٌ، والعبد عبدٌ، وهناك فارق بين المخلوق والخالق، فإذا ما عرف المسلم ذلك فليمدح بعد ذلك كما يشاء، وليعلم أن كلَّ غُلُوّ في غيره فهو في حقه تقصيرٌ؛ فإنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يحيط بصفاته وشمائله إلا الذي خلقه سبحانه وتعالى، ولا يبلغ المادحون في مدحه صلى الله عليه وآله وسلم إلا على قدرِ ما يفهمونه من ذلك لا على قدرِهِ عليه الصلاة والسلام، كما قال الأول:
أَرى كلَّ مَدْحٍ في النبي مُقَصِّرًا وإن بالغ المُثني عليه فأكثرا
إذا الله أثنى بالذي هو أَهْلُــه عليه فما مقدار ما تمدحُ الورى
وكما قال الإمام البوصيري صاحب البردة الشريفة:
دع مــــا ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم
وانسُب إلى ذاته ما شئتَ من شرف وانسُب إلى قدره ما شئت من عِظَم
فإن فضل رســـول الله لـيس لــــــه حدٌّ فــــــــيعرب عنـه نــــاطق بِـــــفَمِ
وما زالت المدائح النبوية تُحَبِّبُ الناس في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبر العصور، وتُرَغِّبُهُم في اتباعِ سنته والاقتداء بشمائله الشريفة وسجاياه الكريمة، وبها تَتَنَوَّر القلوب وتنشرح الصدور وتزكو النفوس، وهذه السنة من السنن المهجورة عند كثير من المسلمين.
فنسأل الله أن يحييها في الأمة كما كان أسلافنا الصالحون رضي الله عنهم وأرضاهم. وممَّا سبق يُعلَم الجواب عن السؤال.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم الدين في استماع الإنسان إلى حديث الآخرين دون رغبة منهم؟
ما الحكم الشرعي في إقامة احتفال للتخرج في الجامعة؟
ما حكم قراءة القرآن على المتوفى مقابل أجر؟ وهل يصل ثوابها إليه؟
نرجو بيان خطورة التطاول على الصحابة الكرام رضي الله عنهم، أو انتقاصهم، وما يترتب على ذلك شرعًا.
ما حكم تكرار قراءة الفاتحة في الركعة الواحدة عمدًا من غير سبب؟
ما حكم قراءة القرآن بطريقة برايل أثناء الصلاة وتحريك اليد؟ فأنا من ذوي الإعاقة البصرية، وأرغب في قراءة القرآن الكريم من المصحف المكتوب بطريقة برايل أثناء صلاتي فرضًا ونفلًا؛ رغبةً في ضبط التلاوة وطول القيام، وهو ما يتطلب حركةً مستمرةً لليدين والأنامل للأسطر والكلمات أثناء القراءة؛ فما حكم ذلك شرعًا؟