ما حكم جهر الإمام -ناسيًا- بالقراءة في الصلاة السرية والعكس؟ علمًا بأنني دخلت المسجد لأصلي جماعة في صلاة العصر، فإذا بالإمام قرأ في الصلاة جهرًا ولم يسجد للسهو. فهل ذلك صحيح؟
الجهر في الصلاةِ الجهريةِ، والإسرار في الصلاة السريةِ سنة للإمامِ والمأمومِ؛ فمَن أسر في الصلاةِ الجهريةِ، أو جهر في الصلاةِ السريةِ سهوًا أو عمدًا؛ فصلاته صحيحه، وليس عليهِ سجود للسهوِ.
المحتويات:
الجهر في اللغة: الإعلان عن الشيء وكشفه، يقال جهرتُ بالكلامِ: أعلنت به، ورجلٌ جهيرُ الصوتِ، أي: عَالِيَهُ. ينظر: "مقاييس اللغة" لابن فارس (1/ 487، ط. دار الفكر)، و"تاج العروس" للزبيدي (10/ 495، وما بعدها، ط. دار الهداية).
وعند الفقهاءِ، الجهرُ هو: أن يقرأَ المُصَلِّي بصوتٍ مرتفعٍ يسمعُ غَيْرَهُ، والإسرارُ أنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ بالقراءةِ فقط دُونَ غيره. ينظر: "العناية" للإمام البابرتي (1/ 330، ط. دار الفكر)، و"شرح مختصر خليل" للإمام الخرشي (1/ 275، ط. دار الفكر)، و"أسنى المطالب" لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري (1/ 156، ط. دار الكتاب الإسلامي)، و"كشاف القناع" للعلامة البهوتي (1/ 332، ط. دار الفكر).
الحكمةُ من الجهرِ والإسرارِ في موضعيهما: أنَّه لما كان الليلُ محلُّ الخلوةِ، ويُطلَبُ فيه السهرُ، شُرَعَ الجهرُ فيهِ طلبًا للذةِ مناجاةِ العبدِ لربهِ، وخُصَّ بالركعتينِ الأُولَيَيْنِ لنشاطِ المصلي فيهما، والنهار لما كان محلُّ الشواغلِ والاختلاطِ بالناسِ طُلِبَ فيهِ الإسرارُ لعدمِ صلاحيتهِ للتفرغِ للمناجاةِ، وأُلحِقَ الصبحُ بالصلاةِ الليليةِ لأنَّ وقتهُ ليسَ محلًّا للشواغلِ عادةً؛ كما قال العلامة البجيرمي في "حاشية البجيرمي على شرح الخطيب" (2/ 63، ط. دار الفكر).
الفقهاءُ مختلفون في مدى الإلزام بالجهر في الصلاة الجهرية، والإسرار في الصلاة السرية:
فيرى المالكيةُ والحنابلةُ أنَّ الجهرَ في الصلاةِ الجهريةِ، والإسرار في الصلاة السريةِ سنةٌ للإمامِ والمأمومِ، ووافقهم على ذلكَ الشافعيةُ في الإمامِ دونَ المأمومِ، فالجهرُ عندهم سنةٌ للإمامِ، ومن الهيئاتِ للمأمومِ؛ قال العلامة الخرشي المالكي في "شرح مختصر خليل" (1/ 275): [منْ سُنَنِ الصلاةِ: الجهرُ فيما يُجْهَرُ فيه؛كَأُولَتَيِ المغربِ والعشاءِ، والصبحِ، والسرُّ فيما يسرُ فيهِ كالظهرِ والعصرِ وأخيرتيِ العشاءِ] اهـ.
وقال العلامة الخطيب الشربيني الشافعي في "الإقناع" (1/ 142-143، ط. دار الفكر): [(وهيئاتُ الصلاةِ) جمع هيئةٍ، والمرادُ بها هنا ما عدا الأبعاضَ من السننِ التي لا تُجبر بالسجودِ، وهي كثيرةٌ، والمذكورةُ منها هنا (خمسةُ عشرَ خصلةٌ).. الخامسةُ: (الجهرُ) بالقراءةِ (في مَوْضِعِهِ)؛ فيُسَنُّ لِغَيرِ المأمومِ أنْ يَجْهَرَ بالقراءةِ في الصبحِ، وَأَوَلَتَيِّ العشاءين، والجمعةَ، والعيدين، وخسوفِ القمرِ، والاستسقاءِ، والتراويح، ووتر رمضان، وركعتي الطوافِ ليلًا أو وقتَ الصبحِ، (والإسرارُ) بها (في موضعهِ)] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (2/ 25، ط. مكتبة القاهرة): [وجملةُ ذلكَ أنَّ الجهرَ والإخفاتَ في موضعهما منْ سُنَنِ الصلاةِ، لا تَبْطلُ الصلاةُ بتركهِ عمدًا] اهـ.
وذهب الحنفيةُ إلى القولِ بأنهُ يجبُ على الإمامِ مراعاةُ صفةِ القراءةِ من الجهرِ والمخافتةِ؛ قال العلامة السرخسي الحنفي في "المبسوط" (1/ 222، ط. دار المعرفة): [مراعاةُ صفةِ القراءةِ في كلِّ صلاةٍ بالجهرِ والمخافتةِ واجبٌ على الإمامِ] اهـ.
على ذلك: فإذا أسرَّ الإمامُ في الصلاةِ الجهريةِ أو جَهرَ في الصلاة السريةِ سهوًا؛ فلا تبطلُ صلاتُه اتفاقًا، ولكن هل عليه سجودُ سهوٍ أو لا؟ خلافٌ بينَ الفقهاءِ.
فذهبَ الحنفيةُ، والحنابلةُ في روايةٍ إلى أنَّ الإمامَ إذا سَهَا فجهرَ في الصلاةِ السريةِ، أو أسرَّ في الصلاةِ الجهريةِ يكونُ عليهِ سجودُ السهوِ، وهو ما ذهب إليه المالكيةُ في غير اليسير من الجهر والإسرار؛ قال شمس الأئمة السرخسي في "المبسوط" (1/ 222): [(وإن جهر الإمام فيما يخافت فيه أو خافت فيما يجهر به يسجد للسهو)؛ لأن مراعاة صفة القراءة في كلِّ صلاةٍ بالجهر والمخافتة واجبٌ على الإمام] اهـ.
وقال الشيخ الدردير في "الشرح الصغير" (1/ 381-382، ط. دار المعارف، ومعه "حاشية الصاوي") في بيان سجود السهو: [(و) كـ (إبدالِ السرِ بالفرضِ) أي: فيه -لا في النفل- كأن يقرأ في الظهر أو العصر ولو في فاتحةٍ منهما أو من أخيرةِ المغربِ أو العشاءِ (بما زادَ على أدنى الجهرِ) سهوًا، فَإِنَّهُ يسجدُ بعدَ السلامِ؛ لأنَّ الجهرَ مكانَ السِّرِّ زيادةٌ، كما أنَّ السر مكان الجهر نقصٌ، وأمَّا لو أتى فيما ذُكِر بأدنى الجهر -بأنْ أَسْمَعَ نفسه ومَن يليه خاصة-؛ فلا سجودَ عليه؛ لخِفَّة ذلك، فتَحَصَّل أنَّ مَن تركَ الجهرَ فيما يُجهر فيه وأتى بدله بالسر فقد حصل منه نقص، لكن لا سجود عليه إلَّا إذا اقتصر على حركة اللسان، وأنَّ مَن ترك السر فيما يُسر فيه وأتى بدله بالجهر فقد حصل منه زيادة، لكن لا سجود عليه بعد السلام إلا إذا رفع صوته فوق سماع نفسه، ومن يليه بلصقه بأنْ كان يسمعه من بعد عنه بنحو صف فأكثر] اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (2/ 25): [الجهرُ والإخفاتُ -في موضعهما- مِن سننِ الصلاةِ، لا تبطل الصلاةُ بتركهِ عمدًا، وإنْ تَركَهُ سهوًا فهلْ يُشرع لهُ السجود منْ أجلهِ؟ فيهِ عنْ أحمد روايتان: إحْدَاهُمَا لا يُشرع] اهـ.
وقال القاضي أبو يعلى ابن الفراء في "المسائل الفقهية" (ص: 121، ط. مكتبة المعارف): [مسألة: واختلفت هل يسجد للسهو لأجل الإخفات في موضع الجهر، والجهر في موضع الإخفات؟
فنقل أبو داود: أنه يسجد، وهو اختيار الخرقي؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ»] اهـ.
وذهب الشافعيةُ والحنابلةُ في المعتمدِ إلى أنَّه ليس على ترك الجهر والإسرار في الصلاةِ سجودٌ للسهوِ، وهو ما ذهب إليه المالكية في اليسير من الجهر والإسرار؛ قال الشيخ الدردير في "الشرح الكبير" (1/ 279، ط. دار الفكر): [(و) لا سجودَ في (يسيرِ جهرٍ) في سريةٍ بأن أَسْمَعَ نفسه ومَن يليه فقط (أو) يسير (سِرٍّ) في جهريةٍ، والمرادُ أعلى السرِّ، ولو عَبَّر به كان أَوْلى؛ بأن أسمع نفسه فيها فقط] اهـ.
قال العلامة الدسوقي محشِّيًا عليه: [(قوله: ويسير جهرٍ أو سِرٍّ) معناه: لا سجودَ على من جَهَرَ خفيفًا في السريةِ بأنْ أَسْمَعَ نفسه ومَن يليه، ولا على مَن أَسَرَّ خفيفًا في الجهرِ بأن أَسْمَعَ نفسه فقط] اهـ.
وقال الإمام النووي في "المجموع" (4/ 128، ط. دار الفكر): [مذهبنا: أنَّهُ لا يُسْجَدُ لتركِ الجهرِ والإسرارِ] اهـ.
وقال العلامة البهوتي الحنبلي في "الروض المربع" (ص: 105، ط. دار المؤيد) عند كلامه على سنن الصلاة: [ومنهُ: الجهرُ والإخفاتُ والترتيلُ والإطالةُ والتقصيرُ في مَواضِعِهَا، (ولا يُشرعُ)؛ أي: لا يجبُ، ولا يُسَنُّ (السجودُ لتركهِ) لعدمِ إمكانِ التحرزِ منْ تَرْكِهِ] اهـ.
وقال القاضي أبو يعلى ابن الفراء في "المسائل الفقهية" (ص: 122): [مسألة: واختلفت هل يسجد للسهو لأجل الإخفات في موضع الجهر، والجهر في موضع الإخفات؟.. ونقل صالح وابن منصور والأثرم والمشكاتي: ليس عليه سجود، ونقل المشكاتي: إن سجد لم يضره.. فظاهر هذا أن السجود غير مسنون، وإنما هو جائز؛ لأن هذا ترك هيئة فلم يجبر كبقية الهيئات] اهـ.
والدليل على أنَّ ترك الجهر والإسرار في موضعهما ممَّا لا يُسجد لهُ للسهوِ أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فَعَل ذلكَ؛ فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم كانوا يسمعون منه النغمة في الظهر بـ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾» رواه ابن خزيمة في "صحيحه"، والمقدسي في "المختارة".
وقد روي هذا الفعل -الجهر في الصلاة السرية- عن عددٍ من الصحابة، منهم: عمر، وعبد الله بن مسعود، وخباب بن الأرت، وسعيد بن العاص رضي الله عنهم، كما روى ابن أبي شيبة في "مصنفه"، والبيهقي في "السنن الكبرى".
بناءً على ما سبق: فما فعلهَ الإمام في الصلاة صحيحٌ شرعًا؛ إذ إنَّ إسرار الإمام في الصلاةِ الجهريةِ، أو جهرَه في الصلاةِ السريةِ سهوًا لا تَبْطُل به الصلاة، وليس عليهِ سجود للسهوِ. والذي ننصح به أن لا تكون مِثْل هذه المسائل مثار نزاعٍ وخلافٍ بين المصلين، لا سيما وأنَّ الخلاف في مِثْل هذه المسائل سائغ، ويَسَعنا فيها الأخذ برأي أحد الفقهاء، فلا تحجير فيها ولا تضييق.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
طلبت وزارة التعليم العالي -المراكز الخارجية- الإدارة العامة للتمثيل الثقافي بكتابها المتضمن أن الإدارة تلقت من السيد مدير المركز الثقافي العربي بنواكشوط أن الكثير من رجالات موريتانيا العاملين في شتى المجالات الثقافية الذين تقدمت بهم السن ولا يستطيعون الذهاب إلى المساجد يسألون عن إمكانية متابعة صلاة الجماعة بالمسجد -الجمعة وغيرها- عن طريق المذيع عبر الأثير، وإذا كانت هذه المتابعة جائزة شرعًا فعلى أي مذهب، وعندئذٍ فهل الأفضل الصلاة بهذه الطريقة أم الصلاة الفردية، وتطلب الإدارة العامة بيان حكم الشرع في هذا الموضوع؛ حتى يمكنها الرد على السيد مدير المركز الثقافي ليتولى بدوره إفادة المستفتين في هذا الموضوع.
ما حكم خطأ المؤذن غير العربي في ألفاظ الآذان؟ فأنا أصلي في مسجد في سانت أولبنس إحدى ضواحي لندن، لدينا مؤذن باكستاني عند لفظة "حي على الصلاة" يقول: "خيال الا الصلاخ" وكذلك في لفظة "حي على الفلاح" فيقول: "خيال الفلاخ" تكلمت معه ولكنه لا يغير هذا. الرجاء أن تؤتونا بفتوى لعله أن يستمع. ولكم الثواب.
هل الأفضل والأكثر ثوابًا في قيام الليل هو إطالة القيام للقراءة، أو كثرة عدد الركعات؟
ما الفضل الوارد في الشرع بخصوص الصلاة على الجنازة واتباعها؟ وما ثواب ذلك؟
مجموعة مِن النساء يجتمعن كلَّ فترة، وتسأل إحداهن: هل يجوز أن تَؤُمَّ المرأة غيرها من النساء في صلاة الفرض؟ وما مكان وقوفها للإمامة إن جاز لها أن تَؤُمَّهُنَّ؟
ما حكم الجمع في البلاد التي تنعدم فيها العلامات؟ فقد جاء في خطاب الأمين العام للمجمع الفقهي الإسلامي، بشأن المقصود بجواز الجمع في البلدان الواقعة بين خطَّي عرض 48 و66 درجة شمالًا وجنوبًا، في القرار الثاني الخاص بمواقيت الصلاة في هذه البلدان:
أما البلدان الواقعة ما بين خطَّيْ عرض 48، 66 درجة شمالًا وجنوبًا -وهي التي ورد السؤال عنها- فإن المجلس يؤكد على ما أقره بشأنها، حيث جاء في قرار المجمع في دورته التاسعة ما نصه: "وأما البلاد الواقعة ما بين خطَّي عرض 48، 66 درجة شمالًا وجنوبًا، فيعين وقت صلاة العشاء والفجر بالقياس النسبي على نظيريهما في ليلِ أقربِ مكانٍ تتميز فيه علامات وقتَي العشاء والفجر، ويقترح مجلس المجمع خط عرض 45 درجة باعتباره أقربَ الأماكن التي تتيسر فيها العبادة أو التمييز، فإذا كان العشاء يبدأ مثلًا بعد ثلث الليل في خط عرض 45 درجة يبدأ كذلك بالنسبة إلى ليل خط عرض المكان المراد تعيين الوقت فيه، ومثل هذا يقال في الفجر".
وإيضاحًا لهذا القرار -لإزالة الإشكال الوارد في السؤال الموجه للمجمع- فإن مجلس المجمع يرى أن ما ذُكر في القرار السابق من العمل بالقياس النسبي في البلاد الواقعة ما بين خطَّي عرض 48، 66 درجة شمالًا وجنوبًا إنما هو في الحال التي تنعدم فيها العلامة الفلكية للوقت، أمَّا إذا كانت تظهر علامات أوقات الصلاة، لكن يتأخر غياب الشفق الذي يدخل به وقت صلاة العشاء كثيرًا، فيرى المجمع وجوب أداء صلاة العشاء في وقتها المحدد شرعًا، لكن من كان يشق عليه الانتظار وأداؤها في وقتها -كالطلاب والموظفين والعمال أيام أعمالهم- فله الجمع عملًا بالنصوص الواردة في رفع الحرج عن هذه الأمة، ومن ذلك ما جاء في "صحيح مسلم" وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "جَمَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ"، فَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "أَرَادَ أَلَّا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ". على ألا يكون الجمع أصلًا لجميع الناس في تلك البلاد، طيلةَ هذه الفترة؛ لأن ذلك من شأنه تحويلُ رخصة الجمع إلى عزيمة، ويرى المجمع أنه يجوز الأخذ بالتقدير النسبي في هذه الحال من باب أولى.
وأما الضابط لهذه المشقة فمرده إلى العرف، وهو مما يختلف باختلاف الأشخاص والأماكن والأحوال". انتهى ما جاء في القرار.
والسؤال: هل يقتصر الجمع بين الصلاتين في هذا القرار على أفراد الناس ممن وجدت في حقهم المشقة؟ وهل يسري ذلك على المراكز والمساجد؟ أم أنها تقيم صلاة العشاء في وقتها ولو تأخر؛ كي لا يكون الجمع أصلًا؟