حكم تعليم الأبناء في الإسلام ومدى مسؤولية الآباء تجاه أبنائهم في ذلك

تاريخ الفتوى: 15 مايو 2022 م
رقم الفتوى: 6841
من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام
التصنيف: بر الوالدين
حكم تعليم الأبناء في الإسلام ومدى مسؤولية الآباء تجاه أبنائهم في ذلك

سائل يسأل عن مدى اهتمام الإسلام بالتعليم؟ وهل يجب على الأب أن يقوم بتعليم أبنائه؟ وما حكم الشرع في إهمال تعليم الأبناء وتسريحهم من المدارس؟

التعليم مطلوب في الإسلام على سبيل العموم، وهو حقٌّ واجبٌ للأبناء على آبائهم، وإهمالُ الآباء في ذلك بمنع أبنائهم من الالتحاق بالمدارس أو تسريحهم منها هو حرمانٌ للأبناء من هذا الحق الأصيل، وهو فعل مذمومٌ شرعًا، ومجرَّمٌ قانونًا.

المحتويات

 

حث الشرع على طلب العلم والترغيب فيه

حثَّ الإسلام على طلب العلم ورغَّب فيه وأعلى شأن طالبيه؛ فقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11]، وهذا الشَّرَف حاصلٌ لمَنْ طَلَب علمًا دينيًّا يصلح به أمر آخرته، أو عِلْمًا دنيويًّا يصلح به أمر دنياه؛ فقد نصَّ الفقهاء على أنَّ طلب العلوم الدنيوية -ممَّا تتوقف عليه مصالح العباد- يُعدُّ من فروض الكفايات. انظر: "رد المحتار" لابن عابدين (1/ 42، ط. دار الفكر)، و"روضة الطالبين" للنووي (10/ 217، ط. المكتب الإسلامي).

وعندما وصف الله تعالى في كتابه العلماء بأنهم هم أهل خشيته مِن خَلْقِه جاء ذلك في سياق الكلام على دورة الحياة في الطبيعة، وتنوع ألوان الثمار (علم النبات)، واختلاف أشكال الجبال (علم الجيولوجيا)، ومظاهر اختلاف الكائنات الحية (التنوع البيولوجي)، وكلها من العلوم الدنيوية؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ۝ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: 27-28].

بيان أن تعلم العلم تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة

تَعلُّم العلم تعتريه الأحكام التكليفية؛ فيكون فرض عين؛ كتعلم ما لا بُدَّ منه للمسلم لإقامة دينه وأداء عبادته، وصحة معاملاته، كتعلم أحكام الطهارة، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج لمن وجب عليه، وإخلاص النية في العبادات لله، وتعلم أحكام البيوع والمعاملات للاحتراز عن الحرام، وكل مَن اشتغل بشيءٍ يفرض عليه تعلم حكمه ليمتنع عن الحرام فيه.

ويكون التعلم فرض كفاية؛ كتعلم كل علم لا يستغنى عنه ممَّا يرتبط بمصالح الناس الدنيوية؛ كالطب، والحساب، وكذا علم النحو، واللغة، والكلام، والقراءات، وأسانيد الحديث.

ويكون مندوبًا؛ كالتبحُّرِ في الفقه بالتَّوسُّع فيه، والاطلاع على غوامضه، وكذا غيره من العلوم الشرعية.

ويكون مباحًا؛ كتعلم الشعر الذي ليس فيه ما ينكر.

وقد يكون التعلم مكروهًا؛ كتعلم أشعار الغَزَل ممَّا فيه وصف النساء الـمُعيَّنات.

وقد يكون التعلّم حرامًا؛ كتعلم الشعوذة، وضَرْب الرمل، والسحر، والكهانة، والعرافة.

قال الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" (1/ 16، ط. دار المعرفة): [اعلم أنَّ الفرض لا يتميَّز عن غيره إلا بذكر أقسام العلوم، والعلوم بالإضافة إلى الغرض الذي نحن بصدده تنقسم إلى: شرعية، وغير شرعية. وأعني بالشرعية: ما استُفيد من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه ولا يرشد العقل إليه؛ مثل الحساب، ولا التجربة؛ مثل الطب، ولا السماع؛ مثل اللغة. فالعلوم التي ليست بشرعية تنقسم إلى: ما هو محمود، وإلى ما هو مذموم، وإلى ما هو مباح. فالمحمود: ما يرتبط به مصالح أمور الدنيا؛ كالطب والحساب، وذلك ينقسم إلى: ما هو فرض كفاية، وإلى ما هو فضيلة وليس بفريضة. أما فرض الكفاية: فهو علمٌ لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب؛ إذ هو ضروريٌّ في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب؛ فإنه ضروريٌّ في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما. وهذه هي العلوم التي لو خَلَا البلدُ عمَّن يقوم بها حرج أهل البلد، وإذا قام بها واحدٌ كفى وسقط الفرض عن الآخرين؛ فلا يتعجب من قولنا: إن الطب والحساب من فروض الكفايات؛ فإنَّ أصول الصناعات أيضًا من فروض الكفايات؛ كالفلاحة والحياكة والسياسة، بل الحجامة والخياطة؛ فإنه لو خَلَا البلدُ من الحَجَّام تَسَارَعَ الهلاكُ إليهم وحرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك] اهـ.

حكم تعليم الأبناء في الإسلام ومدى مسؤولية الآباء تجاه أبنائهم في ذلك

من المُقرَّر شرعًا أنَّ التعليم من حقوق الولد على والده؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6].

قال الإمام الجصاص في "أحكام القرآن" (3/ 624، ط. دار الكتب العلمية): [وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6] روي عن علي رضي الله عنه في قوله: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ قال: "علموا أنفسكم وأهليكم الخير"، وقال الحسن: "تعلمهم وتأمرهم وتنهاهم". قال أبو بكر: وهذا يدلّ على أنّ علينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير وما لا يستغنى عنه من الآداب، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: 132]، ونحو قوله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، ويدل على أنَّ للأقرب فالأقرب منَّا مزية به في لزومنا تعليمهم وأمرهم بطاعة الله تعالى، ويشهد له قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» رواه البخاري، ومعلوم أنَّ الراعي كما عليه حفظ مَن استرعي وحمايته والتماس مصالحه فكذلك عليه تأديبه وتعليمه؛ وقال عليه السلام: «فالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالأَمِيرُ رَاعٍ عَلَى رَعِيَّتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ»] اهـ.

وقد روى الإمام أحمد في "مسنده" عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلاَةِ لِسَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ».

قال الإمام ابن الحاج في "المدخل" (4/ 295، ط. دار التراث): [اعلم أنَّ الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذَجَة خالية عن كل نقش وصورته، وهو قابل لكل نقش وقابل لكل ما يُمال به إليه فإنْ عُوِّد الخير وعُلِّمَه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة يشاركه في ثوابه أبواه وكل معلِّم له ومؤدِّب، وإن عُوِّد الشر وأُهْمِلَ إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيِّم به والولي عليه؛ وقد قال تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]، ومهما كان الأب يصونه من نار الدنيا فينبغي أن يصونه من نار الآخرة، وهو أولى؛ وصيانته بأن يؤدِّبَه ويُهذِّبه ويُعلِّمَه محاسن الأخلاق ويحفظه من القرناء السوء، ولا يعوِّده التَّنعُّم، ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر ويهلك هلاك الأبد] اهـ.

وقال الشيخ شهاب الدين النفراوي المالكي في "الفواكه الدواني" (2/ 114، ط. دار الفكر): [يجب على الوليِّ أن يُعلِّم نحو الصبي ما يعتقده في الله وفي الرسول، وكذا سائر ما جاءت به الرسل، وكذا معرفة ما يتعلَّق بصلاته وصيامه وطهارته، ويجب عليه أن يعلمه من القرآن ما يُصلِّي به من فاتحة، ويُسنُّ تعليمه ما تحصل السنة، وما عدا ذلك فمندوب] اهـ.

وقال الإمام النووي في "المجموع" (3/ 11، ط. دار الفكر): [قال الشافعي في "المختصر": وعلى الآباء والأمهات أن يؤدِّبوا أولادهم ويُعلِّموهم الطهارة والصلاة ويضربوهم على ذلك إذا عقلوا. قال أصحابنا: ويأمره الولي بحضور الصلوات في الجماعة وبالسواك وسائر الوظائف الدينية ويعرفه تحريم الزنا واللواط والخمر والكذب والغيبة وشبهها، قال الرافعي: قال الأئمة: يجب على الآباء والأمهات تعليم أولادهم الطهارة والصلاة والشرائع بعد سبع سنين وضربهم على تركها بعد عشر سنين] اهـ.

وقال العلامة ابن مفلح في "الفروع" (1/ 413، ط. مؤسسة الرسالة): [يلزم الولي أمره بها -أي: بالفاتحة- وتعليمه إيَّاها والطهارة.. وكذا مذهب الشافعي أنَّ تعليم الأب وسائر الأولياء ما يحتاجه الابن لدينه يجب، قال الشافعي وأصحابه: وكذا الأم لعدم الأب] اهـ.

ومن أجل كون التعليم من حقوق الولد على والده؛ فقد حَرص الـمُشرِّع المصري في سَنِّه للقانون رقم 139 لسنة 1981م وفقًا لآخر تعديلاته، على تجريم تَخلُّف الطفل عن التعليم دون عذرٍ مقبول من المدرسة؛ حيث نصت المادة (21) من القانون المشار إليه على أنَّه: [يعاقب بغرامة مقدارها عشرة جنيهات والد الطفل أو المُتَولِّي أمره إذا تَخلَّف أو انقطع دون عذرٍ مقبولٍ عن الحضور إلى المدرسة خلال أسبوع من تسلّم الكتاب المنصوص عليه في المادة (19) من هذا القانون] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك: فالتعليم مطلوب في الإسلام مِن حيث الجملة، وهو حقٌّ واجبٌ للأبناء على آبائهم، وإهمالُ الآباء في ذلك –بمنعهم أبناءهم من الالتحاق بالمدارس أو تسريحهم منها- هو حرمانٌ للأبناء من هذا الحق الأصيل، وهو فعل مذمومٌ شرعًا، ومجرمٌ قانونًا.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

يستدل بعض الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُه» على منع مدح النبي؛ فما المراد بالإطراء المنهيّ عنه في الحديث؟ 


ما حكم اتفاق الزوجين على نفقات الأولاد بعد الطلاق؛ حيث إن هناك زوجين اتفقا على الطلاق ولهما أولاد ذكورٌ وإناثٌ، وخوفًا من وقوع الخلافات والنزاعات حول الإنفاق على الأولاد بعد الطلاق قاما بعقد اتفاق مكتوب يتضمن تحديد قدر النفقات وكيفية أدائها، فهل هذا الاتفاق جائز شرعًا؟ وهل يمكن للمطلق الرجوع في هذا الاتفاق؟ وهل قيمة النفقة ثابتة لا تتغير بتغير الظروف واختلاف الأسعار؟


ما حكم تحمل الزوج مصاريف ولادة زوجته؛ فأنا أعيش مع زوجي في محافظة بعيدة عن المحافظة التي يقيم فيها كلٌّ من أسرتي وأسرة زوجي، وأردت الذهاب للولادة في المحافظة التي تقيم فيها الأسرتان، فأخبرني زوجي أن تكاليف ولادتي ستكون على والدي لأني سوف أقوم بالوضع في بيته، ولن يتحمل الزوج مصاريف الولادة، فهل هذا الكلام صحيح شرعًا؟


ما حكم الإخبار بما في الخاطب من عيوب؟ فقد استشار رجلًا جارُه في شأن شاب تقدَّم لخِطبة ابنته، وهو يعلم عن هذا الشاب بعض الأمور غير الحسنة، فهل يجوز له أن يخبر جاره بها، أو ينبغي أن يستر عليه؟


ما حكم توارد الشريكين على الربح بحيث يأخذ كل واحد منهما الربح سنة دون الآخر؟ حيث ورثتُ أنا وأخي مصنعًا من أبي، وقد اتفقنا على أنْ يتولى كلُّ واحد منَّا هذا المصنع سنة، على أنْ تكون أرباح هذا المصنع للقائم عليه (صاحب النوبة) في هذه السَّنَة، فهل هذا يجوز شرعًا؟


ما حكم الأذى المترتب على توسعة زاوية واستخدام سماعات تؤذي الجيران؟ فقد أقام أناس مبنى فوقه تسقيفة -تندة- مثبتة بطول واجهة منزلي كله، وذلك بعَرض الرصيف فابتلعته بأكمله، وبارتفاع سور بلكونة الدور الأول -فوق الأرضي- كله، والمنزل على طريق عمومي يسير به نقل ثقيل ونقل عام فلم يعد هناك رصيف، وكذلك أعتم هذا البناء على حجرة البواب حتى تساقطت حوائطها، وكذلك التندة تشكل منطًّا لنا ويتجمع فوقها كم شديد من الأتربة وتدخل عن طريقها القطط والفئران، فمنعت استخدام البلكونة والشباك في الحجرات المطلة على الشارع، وكذلك أوقفت حال المنزل من بيع واستئجار، ونحن في حاجة لذلك، وهذا كله بحجة توسعة لزاوية موجودة بالدور الأرضي للمنزل، كما أن هناك عدة سماعات صوتها مرتفع تؤذينا وتزعجنا، فأرجو بيان الحكم الشرعي في ذلك.


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 25 أغسطس 2026 م
الفجر
4 :56
الشروق
6 :28
الظهر
12 : 57
العصر
4:32
المغرب
7 : 26
العشاء
8 :47