حكم الإقامة في بلاد غير المسلمين

تاريخ الفتوى: 24 أغسطس 2016 م
رقم الفتوى: 3641
من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام
التصنيف: مستجدات ونوازل
حكم الإقامة في بلاد غير المسلمين

ما حكم الإقامة في بلاد غير المسلمين؟ فلي شقيقة تعيش في أمريكا مع زوجها، وعندهم خمسة من الأولاد كلهم مسلمون ومحافظون على الدين الإسلامي ويعظمون أركانه، ويعيشون عيشة هادئة في مجتمع يتبادلون فيه مع من يتعاملون معهم من مجاملات وتهاني، إلى غير ذلك. فهل يعتبرون كفارًا لأنهم يعيشون في مجتمع غير إسلامي، رغم إيضاحنا لفضيلتكم أنهم على الدين الإسلامي، ويؤدون ما يفرضه عليهم الدين من الشهادتين وأداء الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والتعامل الحسن بما يرضي الله ورسوله، مع العلم أنَّه لا يوجد من يؤثر على دينهم أو يمسُّ أو يقترب من جوهر عقيدتهم أو يحول بينهم وبين القيام بتكاليف الدين الإسلامي؟

أولًا: يحرم شرعًا المبادرة بتكفير المسلم؛ فالحكم على شخص معين بالكفر إنما هو وظيفة القاضي، ويجب حمل أفعاله وأقواله على السلامة ما أمكن ذلك.
ثانيًا: يجوز للمسلم شرعًا الإقامة في بلاد غير المسلمين ما دام يأمن فيها على نفسه ودينه ويستطيع القيام بالتكاليف الشرعية.

المحتويات

 

التحذير من رمي المسلمين بالكفر

التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فكما أن التحليل والتحريم لله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فكذلك التكفير، وليس كل وصف بالكفر من قول وفعل يكون كفرًا أكبر مخرجًا عن الملة؛ ولذلك لم يجز أن نكفر إلا من دل َّالكتاب والسنة على كُفرِه دلالة واضحة، فلا يكفي في ذلك مجردُ الشبهة والظن؛ لِمَا يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة؛ فإن تكفير المسلم كقتله؛ كما جاء في حديث ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلاَمِ فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ» رواه البخاري وغيره.

وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يُدرَأ بالشبهات؛ ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الحكم بالتكفير على الناس:
فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» رواه الشيخان.
وروى الإمام مسلم في "صحيحه" أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ».
وروى الإمام الطبراني في "المعجم الكبير" عن عِمرَانَ بن حُصَينٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ».
والحكم بكفر إنسان شأنه كشأن غيره من الأحكام التي لا تتم إلا بوجود أسبابها وشروطها، وانتفاء موانعها، فقد ينطق المسلم بكلمة الكفر لغلبة فرح أو غضب أو نحوهما أو لعدم علمٍ أو تفطُّنٍ لمدلولها، فلا يكفر به لعدم القصد؛ كما روى الإمام مسلم في "صحيحه" عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ».
فمسائل الإيمان والكفر من المسائل التي ينبغي الحذر من الكلام فيها؛ لما يترتب عليها مِن أحكام دنيوية وأخروية، والتسرع في التكفير يترتب عليه أمور خطيرة من استحلال الدماء والأموال، ومنع التوارث، وفسخ النكاح، وغيرها مما يترتب على الردة، ولذلك وجب التبيُّنُ والتحري الشديد قبل إصدار الحكم بالكفر خصوصًا على من ثبت إسلامهم، فمتى أمكن حمل فعل المسلم أو قوله على محمل حسن تعيَّن ذلك، لا سيما أن إسلامه قرينة قوية تدفع عنه حكم الكفر.
يقول حجة الإسلام الغزالي في "الاقتصاد" (ص: 157، ط. دار الكتب العلمية): [والذي ينبغي أن يميل المحصِّلُ إليه: الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلًا، فإن استباحة الأموال والدماء من المصلِّين إلى القبلة المصرِّحين بقول: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" خطأٌ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم امرئ مسلم] اهـ.

من الذي له سلطة الحكم على الناس بالكفر

ليس التكفير من شأن العامة، وإنما هو شأنُ القاضي بما خَوَّلَه إياه وليُّ الأمر مِن صلاحيَّات التثبت من وقوع المكلَّف فيما أجمعت الأمة على أنه كفر أكبر ناقل عن الملة، عامدًا عالمًا قاصدًا مختارًا، مع التحقق من قيام الشروط وانتفاء الموانع، والتيقن من زوال عوارض الأهلية والتكليف بالكلية، والتأكد من توفر القصد بالبينات والقرائن.

حكم الإقامة في بلاد غير المسلمين

قد نص الفقهاء على جواز إقامة المسلم في بلاد غير المسلمين، ما دام المسلم قادرًا على إقامة شعائر دينه المفروضة عليه، ولا يوجد ما يؤثِّر على دينه سلبًا، أو يحول بينه وبين القيام بتكاليف الدين الإسلامي:
قال الإمام شهاب الدين الرملي الشافعي [ت957هـ] في "الفتاوى" (4 /52-54، ط. المكتبة الإسلامية): [(سئل) عن المسلمين الساكنين في وطن من الأوطان الأندلسية يسمى "أرغون" وهم تحت ذمة السلطان النصراني؛ يأخذ منهم خراج الأرض بقدر ما يصيبونه فيها، ولم يتعد عليهم بظلم غير ذلك لا في الأموال ولا في الأنفس، ولهم جوامع يصلون فيها ويصومون رمضان ويتصدقون ويفكون الأسارى من أيدي النصارى إذا حلوا بأيديهم، ويقيمون حدود الإسلام جهرًا كما ينبغي، ويظهرون قواعد الشريعة عيانًا كما يجب، ولا يتعرض لهم النصراني في شيء من أفعالهم الدينية، ويدعون في خطبهم لسلاطين المسلمين من غير تعيين شخص، ويطلبون من الله نصرهم وهلاك أعدائهم الكفار، وهم مع ذلك يخافون أن يكونوا عاصين بإقامتهم ببلاد الكفر فهل تجب عليهم الهجرة؟
(فأجاب) بأنه لا تجب الهجرة على هؤلاء المسلمين من وطنهم؛ لقدرتهم على إظهار دينهم به، ولأنه صلى الله عليه وآله وسلم بعث عثمان يوم الحديبية إلى مكة لقدرته على إظهار دينه بها، بل لا تجوز لهم الهجرة منه؛ لأنه يرجى بإقامتهم به إسلامُ غيرهم، ولأنه دار إسلام؛ فلو هاجروا منه صار دار حرب.
وفيما ذكر في السؤال من إظهارهم أحكام الشريعة المطهرة وعدم تعرض الكفار لهم بسببها على تطاول السنين الكثيرة ما يفيد الظن الغالب بأنهم آمنون منهم من إكراههم على الارتداد عن الإسلام أو على إجراء أحكام الكفر عليهم: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: 220] اهـ بتصرف.
وقال العلامة ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (9/ 295، ط. مكتبة القاهرة): [والثالث، من تستحب له، ولا تجب عليه: وهو من يقدر عليها، لكنه يتمكن من إظهار دينه، وإقامته في دار الكفر، فتستحب له، ليتمكن من جهادهم، وتكثير المسلمين، ومعونتهم، ويتخلص من تكثير الكفار، ومخالطتهم، ورؤية المنكر بينهم. ولا تجب عليه؛ لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة. وقد كان العباس رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقيمًا بمكة مع إسلامه] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك: فإقامة المسلم في بلاد غير المسلمين لا تقدح في إسلامه، ويجوز له أن يقيم في تلك البلاد ما دام أن ذلك لا يؤثر على دينه ولا يمسُّ جوهر عقيدته ولا يحول بينه وبين القيام بتكاليف الدين الإسلامي.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

كثير من العمال باليومية في المهن المختلفة تأثرت دخولهم وظروفهم المعيشية في ظل ظروف الخوف من تفشي مرض "كورونا"، فهل يجوز إخراج الزكاة لهؤلاء، واعتبارهم من مصارف الزكاة المعتبرة؟ 


ما حكم كفالة أطفال مجهولة النسب ونسبهم إلى الكافل؟ وهل هذا يجوز شرعًا؟


ما حكم الوظائف الحكومية في البلاد غير الإسلامية؟ حيث تسأل جامعة الإمام أبي الحسن الأشعري بداغستان -بعد شرح موجز لأحوال المسلمين هناك-: ما حكم المناصب الحكومية في داغستان، هل يجوز لواحدٍ من المسلمين أن يرشح نفسه ليكون رئيسًا لجمهورية داغستان -علمًا بأن %95 من السكان ينتسبون إلى الإسلام- أو وزيرًا من الوزراء، أو عضوًا في مجلس الشعب؟ وإذا رشح نفسه وصار واحدًا من المذكورين هل يُعتبر عميلًا للكفار لأنه يحمي وينفذ القانون الروسي، ويأمر ويحكم به؟
وما حكم شَغل المسلم لهذه المناصب في الحكومة المركزية الروسية في موسكو، هل له أن يكون منتخبًا في البرلمان الروسي، أو أن يعمل موظفًا حكوميًّا في روسيا وفي المجالات المختلفة؛ في الوزارات الداخلية والخارجية والاقتصادية وغيرها؟
وما حكم مشاركة المسلمين منا في الانتخابات العامة لاختيار رئيس روسيا الاتحادية، هل تعتبر هذه الانتخابات اختيارًا منا لتولية الكافر علينا، وإعطاءً للكافر الولاءَ، وماذا علينا أن نفعل إذا كان الحكم الشرعي كذلك فعلًا؛ والحال أننا إذا لم نُجر الانتخابات في القرية ولم نشارك فيها نهائيًّا نقع في مشاكل مع الحكومة، وفي ذات الوقت نخاف من الوقوع في الإثم إن شاركنا، وهناك من الشباب من لا يشاركون في الانتخابات ويفسِّقون أو يُكَفِّرون من شارَك، ولهم من يتبعهم في هذا الرأي، فما الحكم في ذلك؟
وهل يجوز لمسلمٍ أن يكون شرطيًّا أو يعمل في الأمن في بلدنا؟ فهناك مَن يقول بجواز قتل الشرطة ورجال الأمن والمخابرات، ولو كانوا يدَّعون الإسلام ويصلون ويصومون؛ لأن مجرد كونهم موظفين في البلد الذي هو تحت حكم الكفار يُحِلُّ دماءهم وأموالهم، ومن المعلوم أن روسيا تُنَصِّب علينا رئيسًا ووزراء وشرطة وغيرهم من أرباب المناصب والسلطات من غير المسلمين، إذا لم يَشْغَل أحدٌ مِن المسلمين هذه المناصب.


ما حكم إقامة الشعائر والتجمعات في زمن الوباء؟ فالخطاب المرسل من فضيلة الشيخ رئيس لجنة الفتوى بالإدارة الدينية بجمهورية قازاخستان، والمتضمن: نستهل رسالتنا هذه بالشكر على خدمتكم التي تقدمونها للأمة الإسلامية، وندعو الله أن يوفقنا جميعًا على أعمال فيها مرضاته تعالى.
نظرًا لما يمر به العالم من انتشار مرض كورونا؛ يرى المتخصصون أن التجمعات الإنسانية هي من الأسباب الرئيسية في انتشار المرض وتداوله بين الناس، ومما يدل على ذلك: أن الشعائر والتجمعات التي تقام في المسجد كصلاة الجمعة وصلاة الجماعة وغير ذلك قد باءت خطرًا على أرواح المصلين.
فلذا نرجو من حضراتكم أن تشاركونا ما الإجراءات التي اتخذتموها؟ وما أصدرت لجنة الفتوى لديكم من فتاوى بشأن هذا الوضع؟ وفي أي حالة من الأحوال توقف صلاة الجمعة وغيرها من الشعائر؟ حفظكم الله وحفظ المسلمين من كل مرض وسوء، وجزاكم الله خيرًا.


ما حكم التبرع ببلازما الدم؟ فقد أثبتت التجارب العلمية التي أعلنت عنها وزارة الصحة المصرية نجاح علاج المصابين بفيروس كورونا عن طريق حقنهم بالبلازما المستخلصة من دماء المتعافين منه، حيث ظهرت النتائج المبشرة من خلال زيادة نسب الشفاء للمرضى، وتقليل احتياجهم لأجهزة التنفس الصناعي. وبدأت هذه التجارب منذ إعلان هيئة الغذاء والدواء الأمريكية عن إمكانية استخدام البلازما الخاصة بالمرضى المتعافين من فيروس كورونا المستجد في علاج الحالات الحرجة، نظرًا لكونها تحتوي على الأجسام المضادة للفيروس، مما يمنح احتمالية لتحسن تلك الحالات خاصة مع الشواهد البحثية في العديد من دول العالم.
وقد ناشدت وزيرة الصحة المتعافين من فيروس كورونا، التوجه إلى أقرب مركز نقل دم تابع لخدمات نقل الدم القومية بوزارة الصحة والسكان؛ وذلك للتبرع ببلازما الدم، بعد مرور 14 يومًا على شفائهم، حيث تم تفعيل العمل بخمسة مراكز نقل دم على مستوى الجمهورية.
فما حكم تبرع المتعافين من الوباء بالبلازما في هذه الحالة؟ وهل يسوغ لهم الامتناع من التبرع مع المناشدة الوطنية والاستنفار القومي لإنقاذ الأعداد الكثيرة المصابة بوباء كورونا؟


ما حكم نشر آيات من القرآن على مواقع التواصل وترشيح صديق يكمل بعد وهكذا؛ فقد انتشر في وسائل التواصل الاجتماعي وضع آية من آيات القرآن الكريم، واختيار أحد الأشخاص لنشرها بين أصدقائه، ويختار هو صديقًا غيره لينشرها، ومن يختار يختار غيره (تحت شعار: لا تجعلها تتوقف عندك)، وذلك كشبكة متواصلة لنشر هذه الآية أو الدعاء بقصد عموم الذكر بين الناس في شهر رمضان، فما حكم فعل ذلك؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 05 أكتوبر 2026 م
الفجر
5 :24
الشروق
6 :50
الظهر
12 : 43
العصر
4:5
المغرب
6 : 36
العشاء
7 :53