14 سبتمبر 2026 م

خلال دورة «الفتوى وقضايا الإدمان والمخدرات».. رؤية شرعية وإعلامية وأسرية متكاملة لحماية العقل ومواجهة أخطر الظواهر المجتمعية

خلال دورة «الفتوى وقضايا الإدمان والمخدرات».. رؤية شرعية وإعلامية وأسرية متكاملة لحماية العقل ومواجهة أخطر الظواهر المجتمعية

في إطار فعاليات دورة «الفتوى وقضايا الإدمان والمخدرات.. رؤية شرعية ومجتمعية»، التي يعقدها مركز التدريب بدار الإفتاء المصرية بالتعاون مع صندوق مكافحة وعلاج إدمان المخدرات ، تحت رعاية فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، تناولت محاضرات اليوم الثاني، عددًا من الأبعاد الشرعية والفكرية والإعلامية والأسرية المرتبطة بمواجهة الإدمان والمخدرات، بمشاركة نخبة من علماء الشريعة والمتخصصين، حيث ناقشت المحاور المطروحة سبل حماية العقل والإنسان والأسرة، وتطوير الخطاب الإفتائي والإعلامي، وتعزيز أدوار الوقاية والعلاج والتعافي، بما يواكب تعقيدات الظاهرة وتعدد آثارها على الفرد والمجتمع.

وفي مستهل المحاضرات، قدم الأستاذ الدكتور عبد الله النجار، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر الشريف وعضو مجمع البحوث الإسلامية، معالجة فقهية لمكانة العقل في البناء التشريعي والإنساني، منطلقًا من أن الله تعالى ميّز الإنسان بالعقل وجعله أساسًا للتكليف والمسؤولية واستحقاق الحقوق والالتزام بالواجبات، حيث تتكامل منظومة المقاصد الشرعية في حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، مع أهمية النظر إلى المال بوصفه وسيلة لحفظ غيره من المقاصد في بعض السياقات المعاصرة، وبذلك يصبح الاعتداء على العقل أو تعطيله اعتداءً على أصل من أصول الأهلية الإنسانية، خاصة أن العقل هو مناط المسؤولية والتمييز والقدرة على إدراك الأوامر والنواهي وتحمل نتائج الأفعال، وأن فقدانه أو إفساده ينعكس بصورة مباشرة على أهلية الإنسان وتصرفاته وحقوقه وواجباته. كما استعرض دلالات التكريم الإلهي للعقل وارتباطه ببناء الإنسان واستخلافه في الأرض وقدرته على الإعمار وتحمل الأمانة.

وبيَّن الأستاذ بكلية الشريعة والقانون أن الإدمان يمثل اعتداءً مركبًا على منظومة المقاصد، إذ لا يقتصر أثر المخدرات على إفساد العقل، وإنما قد يقود الإنسان إلى التفريط في ماله وعرضه ونفسه وكرامته من أجل الحصول على المادة المخدرة، فضلًا عما يترتب عليها من جرائم واتجار وتعاطٍ واستغلال وإفساد للمجتمع، موضحًا أن الشريعة جاءت لتكون حاكمة لكل زمان ومكان، بما يقتضي استيعاب المستجدات والنظر في آثارها الواقعية، وأن تطور صور الجريمة وخطورة المخدرات وما يترتب عليها من أضرار واسعة يقتضي فهم طبيعة العقوبات التعزيرية وإمكان تطورها بحسب حجم الضرر والمصلحة العامة، مشيرًا إلى أن مواجهة المخدرات أصبحت أكثر تعقيدًا من كثير من صور الجريمة التقليدية لما تمثله من استهداف مباشر للعقل وما ينتج عنها من تعطيل لمنظومة المسؤولية وإهدار لمقاصد الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

وفي المحور المتعلق بالتعافي، تناول الأستاذ الدكتور عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء، في محاضرته بعنوان «التعافي من الإدمان.. رؤية شرعية»، قضية الإدمان في ضوء التجربة التشريعية الإسلامية في التعامل مع بعض العادات المتجذرة في المجتمع، مستحضرًا نموذج الخمر وكيف تعامل الإسلام معها بصورة تراعي واقع المجتمع واستعداد أفراده للتغيير، حيث بدأ التشريع ببيان ما فيها من إثم ومضار ومنافع، ثم جاء النهي عن الصلاة حال السكر، وصولًا إلى التحريم الكامل، وهو ما كشف عن أهمية بناء الوعي وإعادة تشكيل القناعات قبل الانتقال إلى مرحلة المواجهة النهائية، خاصة أن المجتمع في صدر الإسلام كان قد اعتاد الخمر وجعلها جزءًا من مظاهر الكرم والمجالس، حتى تبدلت النظرة إليها تدريجيًّا وأصبح أفراد المجتمع أنفسهم أكثر استعدادًا للتخلص منها، فكان الامتثال النهائي سريعًا وقاطعًا عندما نزل التحريم، بما يقدم نموذجًا مهمًّا في فهم طبيعة التغيير السلوكي والاجتماعي.

وفي سياق متصل، دعا الأمين العام لهيئة كبار العلماء إلى الإفادة من هذا المنهج في التعامل مع الإدمان، من خلال مساعدة المدمن على التخلص التدريجي والمنظم من آثار المخدرات تحت إشراف متخصصين، مع ضرورة توافر الإرادة القوية والرغبة الحقيقية في العلاج، مؤكدًا أن دور الفتوى لا يقتصر على بيان الحكم الشرعي، وإنما يشمل أيضًا مواجهة الشبهات والمفاهيم المغلوطة التي تحاول التفريق بين أنواع المخدرات أو تغيير حكمها بتغيير أسمائها ومصادر تصنيعها، فالعبرة في التحريم بما تحدثه هذه المواد من إفساد للعقل والبدن والنفس، وأن المواد المصنعة كيميائيًّا لا تقل خطرًا عن الخمر التي كانت معروفة قديمًا، بل قد تكون أشد فتكًا وأعظم ضررًا، وهو ما يستدعي خطابًا شرعيًّا واعيًا يواجه التحايل على الأحكام من خلال الأسماء والمصطلحات ويضع معيار الضرر والإفساد في مقدمة النظر الشرعي.

وعلى صعيد الإعلام ودوره في تشكيل الوعي، قدم الدكتور إبراهيم نجم، الأمين العام لدور وهيئات الإفتاء في العالم والمستشار العام لفضيلة المفتي، محاضرته بعنوان «التناول الإعلامي لقضايا الإدمان بين الواقع والمأمول»، مستعرضًا جملة من القضايا الفكرية والواقعية المرتبطة بوظيفة الإعلام ورسالته، وما يضطلع به علماء الدين في التعامل مع الظواهر الاجتماعية المعقدة، موضحًا أن التحولات الفكرية التي أعقبت عصر التنوير أوجدت مفاهيم جديدة في دراسة الظواهر الإنسانية، وأن التعامل مع قضية الإدمان يحتاج إلى تجاوز المعالجة الجزئية نحو رؤية شاملة تستفيد من علوم الاجتماع والنفس والإعلام وغيرها، مع إدراك أن الرسالة الإعلامية بما تتضمنه من كتابات وبرامج وأعمال درامية ينبغي أن تستحضر مسؤوليتها تجاه الإنسان والمجتمع، وأن تسهم في تنمية الوعي والتزكية وتحقيق المقاصد والقيم، بدلًا من إعادة إنتاج صور نمطية تجعل العنف أو البلطجة أو التعري الأخلاقي أو بعض السلوكيات المنحرفة نماذج قابلة للتقليد، أو تقدم تعاطي المخدرات في سياقات تبريرية أو جاذبة.

وقد عرض المستشار العام لفضيلة المفتي ملامح التحول الذي أصاب البيئة الإعلامية في ظل منطق السوق، حيث أصبحت اعتبارات الربح والخسارة حاضرة في صناعة المحتوى، بما يفرض ضرورة إعادة التفكير في مفهوم الموضوعية والمسؤولية الإعلامية، مع تطوير أدوات علماء الدين للتعامل مع واقع سريع التغير تتداخل فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والدراسات المستقبلية وتتعقد فيه احتياجات الإنسان، داعيًا إلى انفتاح عالم الدين على العلوم الأخرى والاستفادة منها في تقديم الاستشارات في مختلف مناحي الحياة، بما يعرف في بعض السياقات بظاهرة «تشابلنسي»، وما يرتبط بها من دعم روحي ومشورة واستماع ونصح وتوجيه وإحالة إلى المتخصصين ومتابعة الحالات وفق بروتوكولات واضحة، مشددًا على أهمية إعداد أدلة إرشادية تتكامل فيها العلوم لمعالجة القضايا الواقعية، وإيجاد بروتوكولات علمية معتمدة تمكن رجل الدين من أداء دوره بصورة أكثر فاعلية، مع استحضار نماذج لرموز دينية نجحت في الجمع بين العقيدة والعبادة والأخلاق والإصلاح الاجتماعي والقيام بدور بناء في مواجهة الأوبئة المجتمعية ومنها المخدرات.

وفي البُعد الأسري والتربوي، ركز فضيلة الشيخ عويضة عثمان، مدير الإدارة العامة للإرشاد الزواجي بدار الإفتاء المصرية، في محاضرته بعنوان «دور الأسرة في الوقاية والعلاج من الإدمان»، على أن مواجهة هذه الآفة تبدأ من بناء الإنسان قبل معالجة نتائج الانحراف، موجهًا حديثه إلى أمناء الفتوى والباحثين الشرعيين بضرورة النظر إلى العمل الإفتائي باعتباره رسالة تتطلب الإخلاص والتجرد وحسن استقبال المستفتي، وترك الهموم الشخصية جانبًا والتفرغ لفهم مشكلة السائل بعيدًا عن الهوى أو إسقاط تجارب مشابهة على حالته، مع أهمية الابتسامة وحسن الاستماع وإشعار صاحب المشكلة بالأمان حتى يستطيع التعبير عما بداخله، والتعامل مع معاناته بإشفاق ورحمة، لأن جودة التعامل مع المستفتي قد تكون مدخلًا أساسيًّا لفهم المشكلة والوصول إلى التوجيه المناسب، خاصة في القضايا التي تمس الأسرة والشباب ولا سيما قضية الإدمان وما يرتبط بها من أبعاد نفسية واجتماعية ودينية.

كما استند مدير الإدارة العامة للإرشاد الزواجي إلى أهمية بناء الإنسان بوصفه جوهر الرسالة الإصلاحية، مستحضرًا نماذج من التراث الإسلامي تؤكد قيمة العلماء وأصحاب الرسالات في صناعة المجتمع، ومشيرًا إلى أن استهداف عقول الشباب كان ولا يزال من أخطر أدوات إضعاف المجتمعات، وأن المخدرات لا تدمر الجسد وحده، وإنما تمتد آثارها إلى الجهاز العصبي وخلايا المخ والقدرات المرتبطة بالتفكير والتعلم والكتابة وسائر العمليات العقلية، الأمر الذي يجعل حماية العقل مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة التي تحتاج إلى الحوار والاحتواء والتربية الحكيمة وعدم الاستجابة لكل رغبات الأبناء بصورة تربي على التعلق بالمطالب المادية، مع الانتباه إلى تأثير الهواتف والمضامين الرقمية في تشكيل عقولهم وسلوكياتهم، مؤكدًا أن الكلمة الطيبة والتشجيع والدعم النفسي يمكن أن تستخرج أفضل ما في الإنسان وترفع همته، وأن صاحب الرسالة الحقيقية لا يبحث عن أثر مؤقت، وإنما يعمل على بناء إنسان قادر على مقاومة الانحراف وصناعة مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.

واختتمت الندوة بالتأكيد على أن مواجهة الإدمان والمخدرات لم تعد قضية علاجية أو أمنية منفردة، وإنما أصبحت مسؤولية متكاملة تتشارك فيها الفتوى والإعلام والأسرة والمؤسسات التعليمية والطبية والمجتمعية، بما يستلزم الانتقال من ردود الأفعال إلى بناء منظومة وقائية وإرشادية متكاملة تستند إلى العلم والشرع والخبرة المتخصصة، وتحمي العقل والكرامة والأسرة وتدعم مسارات العلاج والتعافي، وتمنح علماء الدين أدوات أكثر قدرة على فهم الواقع والتعامل مع تعقيداته، بما يعزز رسالتهم في بناء الإنسان وصيانة المجتمع ومواجهة الظواهر التي تهدد استقراره ومستقبله.

يأسف فضيلة الأستاذ الدكتور، نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، لمحاولة استهداف أشرف بقاع الأرض، مكة المكرمة، مؤكدًا أن تعريض البلد الحرام للخطر يبعث على بالغ الأسى؛ لما اختص الله به مكة من حرمة وتعظيم، ولما لها من مكانة راسخة في عقيدة المسلمين ووجدانهم، فهي قبلتهم ومهوى أفئدتهم، والبلد الذي جعله الله حرمًا آمنًا.


بمزيدٍ من الرضا بقضاء الله، ينعى فضيلةُ الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، العالم الجليل الأستاذَ الدكتور عبد الفتاح إدريس، أستاذَ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، الذي انتقل إلى جوار ربٍّ كريمٍ بعد رحلةٍ حافلةٍ بالعطاء العلمي، أفنى خلالها عمره في خدمة الفقه الإسلامي، والبحث في قضاياه، وتعليم أجيالٍ من طلاب العلم، وإثراء المكتبة الفقهية بجهدٍ علمي رصين.


- الطفل المعاصر يعيش بين الأسرة والمدرسة والفضاء الرقمي.. ولم تعد الأسرة المصدر الوحيد لتشكيل شخصيته-مطلوب بناء فقه أخلاقي ورقمي للأسرة يضبط استخدام التكنولوجيا ويحمي الخصوصية-الهُوية لا تُحمى بالمنع وحده وإنما ببناء الإيمان والوعي والثقة والقدرة على التفكير-المفتي المعاصر يجب أن يعرف النص والواقع ويجمع بين قوة الدليل ورحمة التوجيه-ندعو إلى تعاون إفتائي عالمي وإلى تبادل الخبرات بين المؤسسات العربية والإفريقية في قضايا الأسرة


-الشرع لا يصادم العلم الصحيح والعلم الصحيح لا يتناقض مع معطيات الوحي-الفتوى في قضايا الفلك والمواقيت والرؤية والحساب لا تُبنى على الانطباع أو معلومة عابرة-مفتي المملكة الأردنية الهاشمية في افتتاح الدورة:-يجب احترام النصوص الشرعية والمنهج العلمي وفتح الحوار بين الفقهاء والمتخصصين في الفلك-مستشار وزير الأوقاف بسلطنة عُمَان:-اختلاف طرق استطلاع الأهلة لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لتفرقة المسلمين-الأمين العام المساعد للدعوة بمجمع البحوث الإسلامية:-التطور في الرصد والحساب والبرمجة يفرض بناء جسور علمية ومؤسسية بين المتخصصين في الفلك والعلوم الشرعيةرئيس المعهد القومي للبحوث الفلكية:-تعزيز التعاون بين المؤسسات العلمية والجهات الدينية يدعم التكامل في مجال الفلك الشرعي


أكد سماحة الشيخ عبد اللطيف دريان، مفتي الجمهورية اللبنانية، أن الأسرة تبدأ ببناء عقد يقوم على القواعد التي أرساها التشريع، باعتبارها لَبِنة جديدة في بناء مجتمع يفترض أن يقوم على أسس صحيحة وسليمة، مشيرًا إلى أن صلاح الأسرة واستقرارها يمثلان أساسًا مهمًّا في صلاح المجتمع وتماسكه.


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 08 أكتوبر 2026 م
الفجر
5 :26
الشروق
6 :52
الظهر
12 : 42
العصر
4:2
المغرب
6 : 32
العشاء
7 :49