03 سبتمبر 2026 م

خلال الجلسة العلمية الرابعة لمؤتمر الإفتاء الحادي عشر.. نقاشات حول الانتقال من معالجة الأزمات الأسرية إلى الوقاية منها وتعزيز الإصلاح والتماسك الأسري

خلال الجلسة العلمية الرابعة لمؤتمر الإفتاء الحادي عشر.. نقاشات حول الانتقال من معالجة الأزمات الأسرية إلى الوقاية منها وتعزيز الإصلاح والتماسك الأسري

واصلت الجلسة العلمية الرابعة، المقامة على هامش فعاليات المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، تقديم نقاشات موسعة حول تطوير الدور المؤسسي للفتوى في التعامل مع قضايا الأسرة، والانتقال من الاستجابة للنزاعات بعد وقوعها إلى الوقاية منها والإسهام في معالجتها، في ضوء ما تشهده الأسرة المعاصرة من تحولات اجتماعية ونفسية واقتصادية ورقمية، وذلك من خلال مجموعة من الأبحاث التي تناولت الاستقرار الأسري، والإفتاء الوقائي، والتكامل بين الفتوى والإرشاد والوساطة الأسرية، ودور المؤسسات الإفتائية في دعم الاستقرار والتماسك الأسري.

وفي إطار ذلك، قدم الأستاذ الدكتور فهمي أحمد عبد الرحمن القزاز، رئيس الأكاديمية الموصلية لتدريس العلوم الشرعية وأستاذ الحديث وعلومه في كلية الإمام الأعظم الجامعة، بحثًا بعنوان: «مقام الأسرة من مقصد التبليغ.. دراسة حديثية تأصيلية في أثر الاستقرار الأسري في أداء الرسالة في ضوء حادثتي الإيلاء والإفك، ودلالة قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾».

وتناول البحث مسألة موقع الاستقرار الأسري من مقصد التبليغ وحفظ الدين، انطلاقًا من أن الشأن الأسري في بيت النبوة لم يجرِ مجرى الشؤون الخاصة، بل تولى الوحي بيانَه؛ مستشهدًا بحادثة الإفك، التي مكث فيها النبي صلى الله عليه وسلم شهرًا لا يوحى إليه في شأن أهله، وحادثة الإيلاء، التي اعتزل فيها نساءه تسعًا وعشرين ليلة حتى نزل القرآن بالحكم.

وعقد الدكتور فهمي القزاز مقارنة بين صورتين من النصرة الإلهية؛ نصرة في مقام القتال جاءت بمدد معدود مسمى بالألف والثلاثة آلاف والخمسة آلاف، ونصرة في مقام البيت جاءت مطلقة لا عدد فيها، في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾. واعتمد البحث على الاستقراء والتحليل في جمع النصوص وتخريجها والنظر المقاصدي في استخراج الدلالة، مع ضبط الاستنباط بمسلك دلالة الأولى؛ صونًا له من الخلط بين خصوصية بيت النبوة وما تشترك فيه الأمة، وخلص البحث إلى أن صيانة الأسرة شرط حافظ لمقصد التبليغ، وليست مصلحة خاصة بأصحابها، وأن التفريق بين الزوجين ذروة كيد الشيطان.

ومن جانبه، قدم الأستاذ الدكتور محمد مصطفى أحمد شعيب، مدير إدارة البحوث والدراسات بمجمع الفقه الإسلامي الدولي، وعضو هيئة التدريس المتعاون بجامعة المدينة العالمية، بحثًا بعنوان: «الإفتاء الوقائي ودوره في تعزيز التماسك الأسري.. دراسة تأصيلية تطبيقية»، تناول خلاله دور الإفتاء الوقائي في تعزيز التماسك الأسري في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم المعاصر، وما أفرزته من تحديات فكرية وثقافية واجتماعية واقتصادية ورقمية انعكست على بنية الأسرة ووظائفها واستقرارها، إلى جانب مواجهة النوازل الأسرية الناشئة عن هذه التحولات، من خلال رؤية شرعية تجمع بين التأصيل الشرعي وفقه الواقع واستشراف المستقبل.

وتناول البحث مفهوم الإفتاء الوقائي وخصائصه وأُسسه الشرعية والمقاصدية، وأبرز التحولات المعاصرة المؤثرة في الأسرة، ودور هذا النهج في الوقاية من آثارها، من خلال بناء الوعي الأسري، ومعالجة النوازل، وتعزيز الهوية، إلى جانب بيان آفاق تطوير العمل الإفتائي المؤسسي، واقتراح نموذج إجرائي لتفعيله يقوم على رصد المتغيرات وتحليلها وتأصيلها، وبناء البرامج الوقائية، وتقويم أثرها وتطويرها بصورة مستمرة.

واعتمد الدكتور محمد شعيب في بحثه على عدد من المناهج، أبرزها المنهج التأصيلي والتحليلي والاستقرائي، وخلص إلى أن الإفتاء الوقائي يمثل مدخلًا شرعيًا فاعلًا لتعزيز التماسك الأسري، وأن نجاحه يرتبط بالانتقال من معالجة الوقائع بعد حدوثها إلى الوقاية الاستباقية منها، من خلال التكامل بين التأصيل الشرعي وفقه الواقع والعمل الإفتائي المؤسسي.

وأوصى في نهاية عرضه بضرورة تطوير الخطاب الإفتائي الموجَّه للأسرة، وتعزيز التعاون بين مؤسسات الإفتاء والجامعات ومراكز البحوث والجهات المعنية بشؤون الأسرة، والإفادة من الدراسات الميدانية والوسائل الرقمية في بناء برامج وقائية تسهم في حماية الأسرة وتعزيز استقرارها وتماسكها.

وفي سياق بحثي آخر، قدم الدكتور الشيخ سليم علوان، أمين عام دار الفتوى في أستراليا، بحثًا بعنوان: «تحولات الدور المؤسسي من الفتوى إلى الإرشاد الأسري.. مركز الإرشاد الزواجي بدار الإفتاء المصرية نموذجًا للتكامل في معالجة الأزمات الأسرية في ظل التحولات المجتمعية المعاصرة»، ضمن أعمال الجلسة، عرضه بالنيابة عنه الدكتور محمد رضوي بن محمد إبراهيم، رئيس جمعية علماء سريلانكا، موضحًا أن القرآن الكريم لم يقتصر على بيان الأحكام، وإنما أرشد إلى كيفية التعامل وبناء الأمل عند وقوع الأزمات، مشيرًا إلى أنه في حال الشقاق بين الزوجين، قدم القرآن مشاهد متنوعة من الأحكام التي تنظم كيفية التعامل بين الزوجين، كما أشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم نموذجًا وقدوة في مراعاة المشاعر وفهم النفوس في العلاقات الأسرية.

وقد تناول البحث تطور دور الفتوى في التعامل مع قضايا الأسرة المعاصرة، في ضوء ما شهدته الأسرة من تعقّد في بنيتها الاجتماعية والنفسية، وما تعرضت له من أزمات متجددة، كالطلاق والنزاع الزوجي وتفكك الروابط الأسرية، مؤكدًا على أهمية ربط الفتوى الشرعية بمنظومة السياسات الأسرية العامة، وفتح باب تطوير آليات التكامل بين الإرشاد النفسي والاجتماعي والفتوى الشرعية، بما تحتاج إليه المجتمعات المسلمة المعاصرة في مواجهة تصاعد الأزمات الأسرية والطلاق.

من جانبها، قدمت الدكتورة نورا عبد الفضيل عبد اللطيف، عضو وحدة لم الشمل بمركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية ورئيس قسم فتاوى النساء، بحثًا بعنوان: «وحدة لَمِّ الشمل بالأزهر الشريف وتجارب الإصلاح الزواجي.. دراسة تحليلية تقويمية»، تناولت خلاله أهمية الأسرة بوصفها النواة الأساسية التي يقوم عليها بناء المجتمع، وما تتركه النزاعات الزوجية من آثار تتجاوز العلاقة بين الزوجين إلى الأبناء والروابط الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي والنفسي، وما قد تؤول إليه هذه النزاعات، إذا أسيء التعامل معها، من تفكك أو طلاق أو استمرار الحياة الزوجية في بيئة يسودها الصراع والإيذاء المتبادل.

وأوضحت أن النزاعات الزوجية المعاصرة ازدادت تعقيدًا بفعل التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والرقمية، مع تداخل عدد من العوامل، من بينها الضغوط الاقتصادية، وتدخل الأهل، واختلاف المرجعيات القيمية، وضعف مهارات التواصل، والاستخدام غير الرشيد للتكنولوجيا، وانتهاك الخصوصية، والمشكلات النفسية والسلوكية، فضلًا عن التصورات غير الواقعية للزواج التي تسهم المنصات الرقمية في تشكيلها، وهو ما يعزز الحاجة إلى نماذج مؤسسية تجمع بين فهم الحكم الشرعي وتشخيص الواقع والوساطة بين أطراف النزاع، والاستعانة بالخبرات النفسية والاجتماعية والقانونية عند الحاجة.

وتناولت الدكتورة نورا أهمية تطوير الفتوى المؤسسية في القضايا الأسرية، بحيث لا يقتصر دورها على الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بوقوع الطلاق أو حقوق أطراف العلاقة الزوجية أو أحكام بعض التصرفات، وإنما تتسع –في حدود الاختصاص– لتشمل الوقاية من النزاع، وتصحيح المفاهيم، وتوجيه الزوجين، والإسهام في الإصلاح، والتمييز بين الحالات القابلة للوساطة والحالات التي تستدعي تدخلًا نفسيًّا أو قانونيًّا أو حمائيًّا متخصصًا، مع التأكيد على أن هذا التوسع لا يعني حلول المؤسسة الدينية محل القضاء أو العلاج النفسي أو جهات الحماية الاجتماعية، وإنما بناء تكامل مؤسسي يضع كل حالة في مسارها المناسب.

كما تناولت تجربة وحدة «لَمِّ الشمل» بمركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بوصفها نموذجًا مؤسسيًّا يجمع بين الوظائف الإفتائية والتثقيفية والمجتمعية، مشيرة إلى أن الوحدة جاءت ضمن الركيزة المجتمعية للمركز، التي تستهدف التفاعل المباشر مع الجمهور والإسهام في معالجة المشكلات الأسرية، إلى جانب برامج التوعية الأسرية وغيرها من الوحدات المتخصصة.

وركزت الدكتورة نورا عبد اللطيف على وحدة «لَمِّ الشمل» باعتبارها حالة بحثية تعكس انتقال المؤسسة الإفتائية من الاكتفاء باستقبال السؤال وإصدار الجواب إلى محاولة التدخل في النزاع قبل استفحاله، والاقتراب من أطرافه، وفهم أبعاده، والسعي إلى إعادة بناء التواصل بينهم، بما يجعلها نموذجًا مناسبًا لدراسة مفهوم «الإصلاح الزواجي المؤسسي»، والعلاقة بين الفتوى والإرشاد والوساطة الأسرية، وحدود كل منها، ومدى إمكان التكامل بينها داخل مؤسسة دينية ذات مرجعية مجتمعية واسعة.

واستهدفت الدراسة تحليل التجربة من الداخل، من خلال الكشف عن فلسفتها وبنيتها وآليات استقبال الحالات وتشخيصها، ونمط تدخل القائمين عليها، وحدود التكامل بين الخبرة الشرعية والخبرات الإنسانية، ومؤشرات النجاح والتعثر، وآليات المتابعة بعد الصلح، إلى جانب تقويم التجربة وفق معايير مهنية ومؤسسية محددة، وصولًا إلى اقتراح نموذج قابل للتطوير والإفادة منه في المؤسسات الدينية والمجتمعية المعنية بالإصلاح الأسري.

وفي ختام الجلسة، عقب الأستاذ الدكتور إدريس الفاسي المهدي، نائب رئيس جامعة القرويين بالمغرب، على أعمال الجلسة، مؤكدًا أن الفتوى لا تكون أمرًا عاديًا، وأن المفتي لا يكون مستعارًا، وإنما «ينبت كما تنبت الأشجار في أرضها»، مشيرًا إلى أن  التكنولوجيا لا ينبغي أن تكون معارة ولا مستعارة، وإنما إما أن تنسج المؤسسة تكنولوجيا خاصة بها، أو تتحمل ما تأتي به هذه التكنولوجيا بما تحمله من عولمة للقيم.

وأوضح أن الحديث عن الجرائم الإلكترونية شيء، والفتاوى المتعلقة بالشؤون والقضايا التي تحدث نتيجة سوء الاستخدام شيء آخر، مؤكدًا أن هذه الأمور لا ينبغي أن تواجه بالفتوى وحدها، وإنما ينبغي التفكير في البحث في الخوارزميات، وتمكين مؤسسات الفتوى من إعداد خوارزميات خاصة لمواجهة ما لا يليق من تلك التقنيات.

كما لفت إلى أهمية البحث في كيفية التعامل مع الأخبار المغلوطة الواردة عبر الإنترنت، مستشهدًا بالحديث الشريف: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ»، مشددًا على ضرورة القيام بحملات معاكسة، والعمل على إنتاج خوارزميات تواجه هذه الأمور، بما يمكّن مؤسسات الفتوى من التعامل مع التحديات التي تفرضها التقنيات الحديثة بصورة أكثر فاعلية.

يُذكر أن المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية، المنعقد بالقاهرة تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، يأتي هذا العام تحت عنوان: «التحديات الأُسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، بمشاركة كبار العلماء والسياسيين والمفتين وممثلي المؤسسات الدينية والفكرية من مختلف دول العالم. ويناقش المؤتمر آليات التحول من «فقه معالجة الأزمات» إلى «فقه الوقاية والاستباق»، بهدف صيانة الكيان الأسري في مواجهة المتغيرات المتسارعة، وتأثيرات الذكاء الاصطناعي، والانفتاح الرقمي، وذلك عبر بناء رؤية إفتائية ومجتمعية متكاملة تتضافر فيها العلوم الشرعية مع العلوم الاجتماعية والنفسية والتكنولوجية لحماية الهُوية وتعزيز الاستقرار المجتمعي.

يتقدم فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، بخالص التعازي وصادق المواساة إلى فضيلة الشيخ عمر الديب، وكيل الأزهر الأسبق، عضو مجمع البحوث الإسلامية، في وفاة شقيقه، سائلًا المولى سبحانه وتعالى أن يتغمده بواسع رحمته وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.


يتقدم فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، بخالص التهنئة إلى فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، «حفظه الله ورعاه»، وإلى الشعب المصري العظيم، وإلى أبناء الأمتين العربية والإسلامية، بمناسبة حلول ذكرى مولد سيد الخلق محمد ﷺ، سائلًا المولى عز وجل أن يعيد هذه المناسبة المباركة على مصرنا الغالية وأمتنا الإسلامية بالخير والأمن والاستقرار.


دار الإفتاء تتبنى رؤية متكاملة لتأهيل المقبلين على الزواج تجمع بين الأبعاد الشرعية والنفسية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية-الحوار والتغافل وحفظ الأسرار والرحمة المتبادلة من أهم ركائز استقرار الحياة الزوجية-الاستخدام الرشيد لوسائل التواصل الاجتماعي وتجنب التهديد بالطلاق أو الخلع من أهم عوامل حماية الأسرة من التفكك


-ترشيد الاستهلاك وتنمية مصادر الدخل يحققان الاستقرار الأسري ويحدان من الخلافات- الاستثمار الآمن والتربية على القناعة وحسن إدارة المال ضمانة لمستقبل الأسرة


أكَّد معالي الدكتور محمد أبو الخير شكري، وزير الأوقاف السوري، أن الأسرة في التصور الإسلامي ليست مجرد رابطة اجتماعية أو إطار قانوني ينظم علاقة مجموعة من الأفراد، وإنما هي موطن السكينة، ومؤسسة بناء الإنسان، والحاضنة الأولى للقيم والأخلاق والهوية، وقد لخص القرآن الكريم هذه المعاني في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 03 سبتمبر 2026 م
الفجر
5 :3
الشروق
6 :33
الظهر
12 : 54
العصر
4:28
المغرب
7 : 15
العشاء
8 :35