حكم صلاة المأموم منفردًا خلف الإمام أو خلف الصف

تاريخ الفتوى: 02 مارس 2025 م
رقم الفتوى: 8580
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: الصلاة
حكم صلاة المأموم منفردًا خلف الإمام أو خلف الصف

ما حكم الصلاة منفردًا خلف الصف؟ أو خلف الإمام للمنفرد؟ فإني كنتُ في العمل، ووجدتُ أحدَ الزملاء يصلي الظهر، فأردتُ الصلاةَ معه لإدراك فضل الصلاة في الجماعة، ولكنَّ المكان ضيِّق، فلم يناسب وقوفي إلى جواره في الصلاة، فوقفتُ خلفه، فهل ما فعلته صحيحٌ شرعًا وتنعقد به صلاة الجماعة؟ وما الحكم إذا كان خلفه صفٌّ ولم أجد فيه مكانًا، فوقفتُ خلف الصف؟

السُّنة للمأموم الواحد أن يقف عن يمين الإمام، فإن خالف ذلك فوقف خلفه من غير عذرٍ صحت صلاته مع الكراهة، وتنتفي هذه الكراهة في حال العذر، وكذلك الأمر في الصلاة منفردًا خلف الصف، أنها تصح مع الكراهة عند عدم العذر، فإن وُجد العذر فإن الكراهة حينئذٍ تنتفي، وللمأموم إذا لم يجد مكانًا في الصف أن يجذب واحدًا من الصف المكتمل إن غلب على ظنه أنه سيطيعه في ذلك من غير فتنة، وإلا لم يفعل، ويبتدئُ الصف من خلف الإمام، ويكون الإمام متوسطًا الصف، ويقف المأموم المنفرد خلف الصف محاذيًا ليمين الإمام، فإذا حضر آخَر وقف في جهة يساره، بحيث يكونان خلف من يلي الإمام، ومِن ثَمَّ فتصح صلاةُ السائل منفردًا خلف زميله في العمل بلا كراهة ما دام لا يستطيع الصلاة عن يمينه لضيق المكان، وكذا إذا لم يجد مكانًا في الصف، فإنه تصح صلاتُه خلف الصف وَحدَه، ولا إثم عليه في ذلك.

المحتويات:

 

فضل صلاة الجماعة

صلاةُ الجماعة مَظهرٌ مِن مظاهر لَمِّ شمل المؤمنين، وتوحيد كلمتهم، وإظهار حقيقةِ أنهم يدٌ واحدةٌ، مُعتَصِمُون بحبل الله المتين، محققون الأمر الإلهي في قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].

ومِن فضائل صلاة الجماعة: أنَّها عاصمةٌ مِن الشيطان وحزبه، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ» أخرجه الأئمة: أبو داود، والنسائي، والحاكم.

ولِمَا لصلاة الجماعة من أهمية في حياة المسلم، حثَّ عليها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، ورغَّب فيها، ورتَّب على إقامتها خيرًا كثيرًا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» متفقٌ عليه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

ما تنعقد به صلاة الجماعة

أقلُّ ما تنعقد به الجماعة: اثنان -واحدٌ سِوَى الإمام-، وذلك بإجماع المسلمين، كما في "شرح الإمام النَّوَوِي على صحيح الإمام مسلم" (5/ 175، ط. دار إحياء التراث العربي)، و"المغني" للإمام موفَّق الدين بن قُدَامَة (2/ 131، ط. مكتبة القاهرة).

مكان وقوف المأموم الواحد مع الإمام

قد أجمع العلماء على أنَّ السُّنة في حق المأموم الواحد أن يقفَ عن يمين الإمام، سواء أكان المأمومُ رجلًا أم صبيًّا؛ لِمَا روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ» أخرجه الشيخان.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: «جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِه» أخرجه الإمام مسلم.

قال الإمام ابن عبد البَر في "الاستذكار" (2/ 105، ط. دار الكتب العلمية): [سُنَّة مَسنُونة مُجتَمَعٌ عليها في الإمام إذا قام معه واحدٌ: أنه لا يقوم إلا عن يمينه] اهـ.

وقال الإمام النَّوَوِي في "المجموع" (4/ 294، ط. دار الفكر): [السُّنَّة عندنا أن يقف المأموم الواحد عن يمين الإمام كما ذكرنا، وبهذا قال العلماء كافة] اهـ.

حكم وقوف المأموم الواحد خلف الإمام في صلاة الجماعة

ترك المأمومِ الواحدِ الوقوفَ عن يمين الإمام بالوقوف خلفه -كما هي الحال في السؤال- مما اختلف الفقهاء في حكمه، فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد إلى صحة الصلاة وإجزائها، مع تفصيلٍ بينهم في كراهة ذلك من عدمه، حيث ذهب إلى الكراهة كلٌّ من الشافعية، والحنفية في رواية، ورواية عن الإمام أحمد، وقال المالكية: هو خلاف الأَوْلَى.

ودليل ذلك: ما جاء من فِعل سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حيث قام في الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن معهما غيرُهما، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإعادة الصلاة، بل دعا له.

فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام إلى سِقَاءٍ، فتوضأ، وشرب قائمًا، قلتُ: والله لأفعَلَنَّ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقمتُ وتوضأتُ، وشربتُ قائمًا، ثم صَفَفْتُ خلفه، فأشار إليَّ لِأُوَازِيَ به أقوم عن يمينه، فأَبَيْتُ، فلما قضى صلاتَه قال: «مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَكُونَ وَازَيْتَ بِي؟» قلتُ: يا رسول الله، أنت أَجَلُّ في عيني وأَعَزُّ مِن أن أُوَازِيَ بك، فقال: «اللَّهُمَّ آتِهِ الْحِكْمَةَ» رواه الإمام أبو نعيم في "الحلية".

كما أن المواضِعَ التي حددتها سُنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة المأموم خلف الإمام -سواء في ذلك المأموم الواحد، أو مجموعة مِن الرجال، أو رجل وامرأة، أو رجل وصبي- كلُّها مواقف لبعض المأمومين، فلا تبطل الصلاة بالانتقال إليها، كما في "الأم" للإمام الشافعي (1/ 196، ط. دار المعرفة)، و"المجموع" للإمام النَّوَوِي (4/ 296)، و"البناية" للإمام بدر الدين العَيْنِي (2/ 340، ط. دار الكتب العلمية).

قال الإمام فخر الدين الزَّيْلَعِي الحنفي في "تبيين الحقائق" (1/ 136، ط. المطبعة الكبرى الأميرية) في بيان موقف المأموم من الإمام: [ويكره أن يقف عن يساره؛ لما روينا، ولا يكره أن يقف خلفه في رواية، ويكره في أخرى، ومنشأ الخلاف قولُ محمد: إن صلى خلفه جازت، وكذا إن وقف عن يساره، وهو مُسيء، فمنهم مَن صرف قوله: وهو مسيءٌ إلى الأخير، ومنهم مَن صرفه إلى الفعلَين، وهو الصحيح] اهـ.

وقال الإمام جلال الدين السَّعْدِي المالكي في "عقد الجواهر الثمينة" (1/ 144، ط. دار الغرب الإسلامي): [وليس ترتيب الموقف بشرط في صحة الصلاة، لكن الأَوْلَى أن يقف الواحدُ عن يمين الإمام، فإن قام أمامَه، أو خلفَه، أو عن يساره، لم تبطل صلاتُه] اهـ.

وقال الإمام النَّوَوِي الشافعي في "المجموع" (4/ 291): [السُّنة أن يقف المأموم الواحد عن يمين الإمام، رجلًا كان أو صبيًّا... فإن خالف ووقف عن يساره أو خلفه استحب له أن يتحول إلى يمينه... فإن استمر على اليسار أو خلفه كُره وصحت صلاتُه عندنا بالاتفاق] اهـ.

وقال الإمام علاء الدين المَرْدَاوِي الحنبلي في "الإنصاف" (2/ 282، ط. دار إحياء التراث العربي) في بيان حكم صلاة الواحد خلف الإمام: [وعنه: تصح، اختاره أبو محمد التميمي، قال في "الفروع": وهو أظهر، قال في "المبهج"، و"الفائق": وقال الشريف: تصح مع الكراهة] اهـ.

بينما ذهب الحنابلة في قولٍ هو المختار عندهم إلى أن صلاة المأموم منفردًا خلف الإمام أو عن يساره لا تصح، سواء كان ذلك لعذرٍ أو لغير عذر؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أدار عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم حين وَقَفَا عن يساره، وجاء في رواية عند الإمام أحمد لحديث جابر رضي الله عنه قوله: «فَجِئْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ عَنْ يَسَارِهِ، فَنَهَانِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ»، والنهي يفيد الفساد، كما أن صلاة المأموم الواحد خلف الإمام كصلاة المنفرد خلف الصف، وقد أمر النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم الرجلَ الذي كان يصلي خلف الصف وَحدَه أن يعيد الصلاة، فعن علي بن شَيْبَان رضي الله عنه أنه صلى خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فانصرف ورَجَلٌ فَرْدٌ خلف الصف، فوقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى انصرف الرجل، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اسْتَقْبِلْ صَلَاتَكَ، فَلَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» أخرجه الإمامان: أحمد واللفظ له، وابن ماجه. وفي رواية: «أَعِدْ صَلَاتَكَ، لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» أخرجها الإمام البيهقي في "السنن الكبرى".

قال الإمام موفَّق الدين بن قُدَامَة في "الكافي" (1/ 300، ط. دار الكتب العلمية): [وإن وقف الواحد خلف الصف، أو خلف الإمام أو عن يساره لم تصح صلاته] اهـ.

وقال الإمام علاء الدين المَرْدَاوِي في "الإنصاف" (2/ 282): [قوله: (فإن وقف عن يساره لم تصح) يعني: إذا لم يكن عن يمينه أحد، فإن كان عن يمينه أحد صحت، كما جزم به المصنف هنا، فإن لم يكن عن يمينه أحد، فالصحيح من المذهب أن صلاته لا تصح إذا صلى ركعة منفردًا] اهـ.

وقال الإمام أبو السعادات البُهُوتِي في "دقائق أولي النهى" (1/ 280، ط. عالم الكتب): [(وإن بطلت صلاةُ أحدِ اثنين صَفَّا)، بأن لم يكن معهما غيرهما، (تقدَّم الآخَرُ) الذي لم تبطل صلاته (إلى يمينه) أي: الإمام (أو) إلى (صف) حذرًا من أن يكون فذًّا، إن أمكنه (أو جاء) مأمومٌ (آخَر) فوقف يصلي معه، صحت صلاتهما (وإلا) بأن لم يمكنه التقدم، ولم يأت مَن يقف معه (نَوَى المفارَقَةَ) للعذر، وأَتَمَّهَا منفردًا، وإلا بَطلت] اهـ.

حكم صلاة المأموم منفردًا خلف الصف

إذا كان هناك صفٌّ خلف الإمام، ولم يجد المصلي موضعًا فيه، فصلى خلفه: فمذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية هو صحة الصلاة بغير كراهةٍ إذا تَعذَّر عليه الدخول في الصف، أمَّا إذا انفرد خلف الصف مع تَمكُّنه من الدخول فيه فإن صلاته تصح مع الكراهة؛ لما جاء عن أبي بَكْرَة رضي الله عنه: أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو راكِع، فركع قبل أن يَصِلَ إلى الصف، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ» أخرجه الإمام البخاري. ووجه الدلالة من الحديث: أن أبا بَكْرَة رضي الله عنه أَحْرَمَ بالصلاة خلف الصف، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإعادة، وعدم الأمر بالإعادة يدل على الصحة وعدم الفساد.

قال الإمام برهان الدين بن مَازَه الحنفي في "المحيط البرهاني" (1/ 381-382، ط. دار الكتب العلمية): [يكره للمقتدي أن يقوم خلف الصفوف وحده إذا وجد فُرجة في الصفوف، وإن لم يجد فُرجةً في الصفوف: روى محمدُ بن شجاع والحسنُ بن زياد عن أبي حنيفة أنه لا يكره] اهـ.

وقال الإمام علاء الدين الكَاسَانِي الحنفي في "بدائع الصنائع" (1/ 218، ط. دار الكتب العلمية): [الصلاة منفردًا خلف الصف إنما تكره إذا وَجد فُرجة في الصف، فأما إذا لم يجد فلا تكره؛ لأن الحال حال العذر] اهـ.

وقال الإمام أبو البَرَكَات الدَّرْدِير المالكي في "الشرح الكبير" (1/ 334، ط. دار الفكر، مع "حاشية الإمام الدُّسُوقِي"): [(و) جاز (صلاةُ منفردٍ خلف صف) إن تَعسَّر عليه الدخول فيه، وإلَّا كُرِه] اهـ.

وقال الإمام النَّوَوِي الشافعي في "المجموع" (4/ 297): [لو صلى منفردًا خلف الصف مع تمكنه من الصف، كُرِهَ، وصحت صلاتُه] اهـ. ومن المقرر عند الشافعية أنَّ "الكراهة تنتفي بأدنى سبب"، كما قال الإمام الرَّشِيدِي في "حاشيته على نهاية المحتاج" (3/ 38، ط. دار الفكر، مع "نهاية المحتاج").

بينما ذهب الحنابلة إلى أَنَّ المنفرد خلف الصف إذا صَلَّى ركعةً كاملةً على هذه الحالة لم تصح صلاتُه، وإذا كبَّر المأموم دون الصف والإمام راكع، فإن أدركه قبل الرفع من الركوع صحت صلاته؛ لأنه أدرك في الصف ما يُدْرِكُ به الركعة، أمَّا إذا رفع الإمام من الركوع والمأموم منفردٌ خلف الصف لغير عذرٍ فإنه لا تصح صلاة المأموم؛ لأنه لم يدرك في الصف ما يُدرك به ركعة، أشبَهَ مَن صلى ركعةً منفردًا، فإن كان ذلك لعذرٍ فتصح الصلاة إن وصل إلى الصف أو جاء من يقف معه بعد الرفع من الركوع وقبل سجود الإمام، وإلا فلا تصح.

قال الإمام موفَّق الدين بن قُدَامَة في "المغني" (2/ 155): [(ومَن صلَّى خلف الصف وَحْدَهُ، أو قام بجنب الإمام عن يساره، أعاد الصلاة) وجملته: أَنَّ مَن صلى وَحْدَهُ ركعةً كاملةً لم تصح صلاتُه] اهـ.

وقال الإمام أبو السعادات البُهُوتِي في "كشاف القناع" (1/ 490-491، ط. عالم الكتب): [(فإن صلى فذًّا ركعة، ولو امرأة خلف امرأة) لم تصح... لأنه خالف الموقف، أشبه ما لو وقف قُدَّام الإمام، ولا فرق بين العالِم والعامِد وضدهما... (فإن كبَّر) فذًّا (ثم دخل في الصف طَمَعًا في إدراك الركعة، أو وقف معه آخَر قبل الركوع، فلا بأس) بذلك؛ لأنه يسير.

(وإن ركع فذًّا، ثم دخل في الصف أو وقف معه) مأموم (آخَر قبل رفع الإمام) من الركوع (صحَّت) صلاته؛ لأنه أدرك في الصف ما يُدرَك به الركعة.

(وكذا إن رفع الإمام) من الركوع فذًّا (ولم يسجد) حتى دخل الصف، أو جاء آخَر فوقف معه، صحَّت صلاته... (ولا) تصح صلاته (إن سجد) إمامُه قبل دخوله في الصف، ومجيء آخَر يقف معه؛ لانفراده في معظم الركعة.

(وإن فعله) أي: ركع ورفع فذًّا، ثم دخل الصف، أو وقف معه آخَر (لغير عذر، بألَّا يخاف فوت الركعة، لم يصح) لأن الرخصة وَرَدَت في المعذور، فلا يلحق به غيرُه] اهـ.
والمختار للفتوى هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من صحة صلاة المأموم منفردًا خلف الإمام أو خلف الصف مع الكراهة؛ لما ثبت في السُّنة المشرفة من صحة الشروع في الصلاة مع كون المأموم خلف الإمام، كما في حديث عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم.

على أن هذه الكراهة مقصورة على ما إذا لم يكن هناك عذرٌ يمنع من وقوف المأموم المنفرد في الموقف المسنون له، فإذا وجد العذر الذي يحول بين المأموم وبين الموقف المسنون له، صحت صلاته بلا كراهة، كما في "بدائع الصنائع" للإمام علاء الدين الكَاسَانِي (1/ 218)، إذ من المقرر شرعًا أن "الكراهة تنتفي بأدنى سبب"، كما قال الإمام الرَّشِيدِي في "حاشيته على نهاية المحتاج" (3/ 38).

وأمَّا ما أخرجه الإمام البيهقي من قول سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم للرجل الذي خلف الصف: «أَعِدْ صَلَاتَكَ، لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ»، فنفي الصلاة فيه محمولٌ على نفي كمالها لا نفي صحتها، كما هي الحال في الحديث الذي أخرجه الأئمة: الدارقطني، والبيهقي، والحاكم، من قول سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا ِفي الْمَسْجِدِ»، إذ النفي فيه محمولٌ على نفي الكمال أيضًا لا نفي الصحة، كما في "المبسوط" لشمس الأئمة السَّرَخْسِي (1/ 192-193، ط. دار المعرفة)، و"بدائع الصنائع" للإمام علاء الدين الكَاسَانِي (1/ 146، ط. دار الكتب العلمية)، كما أنَّ الأمر الوارد فيه بإعادة الصلاة سببه احتمال أنه كان بين المأموم والإمام ما يمنع الاقتداء، كما ذكر شمس الأئمة السَّرَخْسِي في "المبسوط" (1/ 193)،  أو محمولٌ على الاستحباب لارتكابه مكروهًا، كما في "شرح سنن الإمام ابن ماجه" للإمام الحافظ السُّيُوطِي (ص: 71، ط. قديمي كتب خانة).

ما ينبغي فعله على مَن أراد الدخول في صلاة الجماعة، ولم يجد مكانًا في الصف

 مَن أراد الدخول في صلاة الجماعة، ولم يجد فُرجة ولا سَعَة في الصف فللفقهاء فيما يكون عليه القيام به مذاهبُ:

1- فمذهب الحنفية: أن من لم يجد في الصف فُرجة، قيل: يقوم وَحدَه، ويُعذر حينئذٍ، وقيل: يجذب واحدًا من الصف إلى نفسه فيقف إلى جَنبه، والأصح -وهو المروي عن الإمام محمد بن الحسن الشَّيْبَانِي، أحد صاحبَي الإمام أبي حنيفة-: أنه ينتظر إلى الركوع، فإن جاء رجلٌ صلى معه، وإلا جذب إليه رجلًا من الصف المكتمل، أو دخل في الصف، والقيامُ وَحدَه أَوْلَى إن غلب على ظنه أنه قد يُفسد صلاةَ غيره إذا جَرَّه للوقوف معه، واستَحسَن الإمامُ ابن عَابِدِين التوفيقَ بين الأقوال المذكورة بتفويض الأمر لرأي المبتلى بهذا الموقف، فإن رأى في الصف مَن لا يتأذى لكونه دَيِّنًا لَيِّنًا لا يتضجَّر منه أو صديقًا له زاحَمَه فوقف إلى جنبه، أو عالِمًا جذبه، وإلا انفرد. ينظر: "رد المحتار" للإمام ابن عَابِدِين (1/ 647، ط. دار الفكر).

والمراد بكونه عالمًا أي: بالحكم الشرعي في هذه المسألة، والمقصود من اشتراط كونه كذلك هو أن يكون عارفًا أن جذب أحد من الصف المتقدم مما ورد به الشرع، وما ينبغي عليه فعله بما لا تفسد به صلاتُه، فلا يعمل عملًا كثيرًا يترتب عليه فسادُ الصلاة، أو أن ينتظر بُرهة من الزمن قبل أن يستجيب للجاذب ويتأخر معه؛ خروجًا مِن خلاف مَن قال: إن الاستجابةَ له امتثالٌ لأمرِ غيرِ اللهِ تعالى في الصلاة، فتفسد به الصلاة. ينظر: "حاشية الإمام الطَّحْطَاوِي على مراقي الفلاح" (ص: 307، ط. دار الكتب العلمية).

2- ومذهب المالكية: يقف المتأخر منفردًا خلف الصف إذا لم يجد فُرجة فيه، ولا يجذب أحدًا يصلي إلى جواره في الصف المتأخر؛ لئلا يَحرِمَ غيرَه فضيلةَ الصف السابق، بل إنه إن جذب أحدًا فإن على المجذوب ألَّا يطيعه في ذلك، بل يبقى مكانَه. ينظر: "التاج والإكليل" للإمام أبي عبد الله المَوَّاق المالكي (2/ 446، ط. دار الكتب العلمية).

3- ومذهب الشافعية: أنه إذا وجد الداخلُ في الصف فُرجة أو سَعة دَخَلَها، وله أن يَخرِقَ الصف المتأخر إذا لم يكن فيه فُرجة وكانت في صف قَبلَه؛ لتقصير القائمين في ذلك الصف بترك تلك الفُرجة، فإن لم يجد فُرجة ولا سَعة ففيه قولان: أحدهما: يقف منفردًا خلف الصف، ولا يجذب أحدًا؛ حتى لا يَحرِمَ غيره من فضيلة الصف السابق، والقول الثاني -وهو الصحيح-: أنَّه يُستحب للمأموم -ليحصُل له فضيلة صفٍّ، وخروجًا من الخلاف- أن يجذب إليه شخصًا من الصف المكتمل ليصطف معه، ولا يفعل ذلك إلا بعد إحرامه بالصلاة. ينظر: "المجموع" للإمام النَّوَوِي (4/ 297-298).

4- ومذهب الحنابلة: أنه يقف عن يمين الإمام إن أمكنه ذلك؛ لأنه موقف الواحد، فإن لم يمكنه ذلك فله أن يُنَبِّه رجلًا من الصف ليقف معه، ويُكره تنبيهه بجذبه، واستقبحه الإمامان: أحمد، وإسحاق؛ لما فيه من التصرف بغير إذنه، وقيل: يجوز له جذب مأمومٍ من غير كراهةٍ؛ للحاجة، فإذا جذبه فامتنع عن الخروج معه إلى الصف المؤخر لم يكن له أن يُكرهَه على ذلك أو يُلِحَّ في طلبه، ويصلي حينئذٍ منفردًا وَحدَه، أو ينتظر جماعةً أخرى يصلي معهم. ينظر: "المبدع في شرح المقنع" للإمام بُرهَانِ الدين بن مُفْلِح (2/ 95-96، ط. دار الكتب العلمية).

والمختار أنَّه إذا دخل فردٌ المسجدَ ليصلي مع الجماعة، ولم يجد مكانًا في الصف، فإن له أن يُنَبِّه واحدًا من المصلين في الصف المكتمل إذا غلب على ظنه أنه سيستجيب له، ثم يجذبه بلُطفٍ كي يتأخر ويَصطَف معه في الصف المؤخَّر؛ لما جاء عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ رضي الله عنه أنه قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا صَلَّى خَلْفَ الصُّفُوفِ وَحْدَهُ فَقَالَ: «أَيُّهَا الْمُصَلِّي وَحْدَهُ، أَلَا وَصَلْتَ إِلَى الصَّفِّ، أَوْ جَرَرْتَ إِلَيْكَ رَجُلًا فَقَامَ مَعَكَ» أخرجه الإمام البيهقي في "السنن الكبرى". فإن غلب على ظنه أنَّ أحدًا من المصلين لا يستجيب له، أو نَبَّهَ أحدَهم فلَمْ يستجب له، صلى بمفرده في الصف، ولا إثم عليه في ذلك ولا حرج.

موضع ابتداء الصف خلف الإمام

يبتدئ الوقوف من خلف الإمام، حتى يكون الإمام متوسطًا الصف؛ لما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «وَسِّطُوا الْإِمَامَ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ» أخرجه الإمامان: أبو داود، والبيهقي في "السنن الكبرى".

والمقصود من التوسُّط: أن يكون الإمام في الوسط متقدمًا على المأمومين، لا أن يقوم مساويًا لهم في وسطهم؛ لأن وظيفة الإمام التقدمُ على المأمومين، حتى يكون هناك من يقف على يمين الإمام، وكذلك من يقف عن يساره، فينال كلُّ أحد عن يمينه وشماله حظَّه، من نحو سَمَاعٍ وقُرْبٍ، كما أن الكعبة وسط الأرض لينال كلٌّ منها حظَّه من البَرَكَة. ينظر: "شرح سنن الإمام أبي داود" للإمام بدر الدين العَيْنِي (3/ 235- 236، ط. مكتبة الرشد)، و"فيض القدير" للإمام زين الدين المُنَاوِي (6/ 362، ط. المكتبة التجارية الكبرى).

ويكون توسط الإمام بأن يقف المأموم خلف الصف محاذيًا ليمين الإمام، فإذا حضر آخَر وقف في جهة يساره، بحيث يكونان خلف من يلي الإمام. ينظر: "حاشية الإمام الشَّرْوَانِي على تحفة المحتاج" (2/ 308، ط. المكتبة التجارية الكبرى).

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فالسُّنة للمأموم الواحد أن يقف عن يمين الإمام، فإن خالف ذلك فوقف خلفه من غير عذرٍ صحت صلاته مع الكراهة، وتنتفي هذه الكراهة في حال العذر، وكذلك الأمر في الصلاة منفردًا خلف الصف، أنها تصح مع الكراهة عند عدم العذر، فإن وُجد العذر فإن الكراهة حينئذٍ تنتفي، وللمأموم إذا لم يجد مكانًا في الصف أن يجذب واحدًا من الصف المكتمل إن غلب على ظنه أنه سيطيعه في ذلك من غير فتنة، وإلا لم يفعل، ويبتدئُ الصف من خلف الإمام، ويكون الإمام متوسطًا الصف، ويقف المأموم المنفرد خلف الصف محاذيًا ليمين الإمام، فإذا حضر آخَر وقف في جهة يساره، بحيث يكونان خلف من يلي الإمام، ومِن ثَمَّ فتصح صلاةُ السائل منفردًا خلف زميله في العمل بلا كراهة ما دام لا يستطيع الصلاة عن يمينه لضيق المكان، وكذا إذا لم يجد مكانًا في الصف، فإنه تصح صلاتُه خلف الصف وَحدَه، ولا إثم عليه في ذلك.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

هل يحصل ثواب الجماعة بصلاة الرجل في البيت بزوجته جماعة؟ فرجلٌ اعتاد أن يصلي الصلوات المفروضة في المسجد مع الجماعة، لكنه في بعض الأوقات يكون مرهقًا فيصلي في البيت هو وزوجته جماعةً، فهل يعد بذلك محققًا صلاةَ الجماعة هو وزوجته، مُحصِّلَين فضلَها؟


ماذا يقول الإنسان في سجود الشكر لله تعالى وفي سجود السهو؟


ما حكم التقدم على الإمام بسبب ضيق المكان؟ فعندنا مسجد في القرية نصلي فيه الجمعة، ولكن هذا المسجد لا يتسع لمجموع المصلين؛ نظرًا لأنه يقع على الطريق العام، ولا يوجد مكان بجوار المسجد إلا من ناحية القبلة، أي أمام المسجد، وهو مكان يتوضأ المصلون فيه ويتسع لأكثر من خمسين مصلٍّ، مع العلم أن باب المسجد يقع في ناحية القبلة. فهل صلاة مَن يقف أمام الإمام في هذه الحالة صحيحة؟


ما حكم إهداء ثواب الأعمال الصالحة للأحياء والأموات؟ وهل ذلك يجوز شرعًا؟


هل من السُنة أن يصلي المسلم قبل المغرب ركعتين بعد الأذان وقبل الفريضة؟


ما حكم التكبير في العيدين بالصيغة المتبعة المعروفة والمتضمنة على الصلاة على النبي وآله وأصحابه وأزواجه وذريته؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 04 أبريل 2025 م
الفجر
4 :12
الشروق
5 :41
الظهر
11 : 58
العصر
3:30
المغرب
6 : 16
العشاء
7 :35