حكم من وصل إلى مزدلفة بعد شروق الشمس

 وفقني الله تعالى لأداء فريضة الحج هذا العام، ولكنني خرجت من عرفة بعد المغرب، وبسبب شدة الزحام، لم أستطع الوصول إلى مزدلفة إلا بعد شروق الشمس؛ فما الحكم؟

 الزحام الشديد الذي عليه الحجُّ في زماننا مرخِّصٌ شرعيٌّ في ترك المبيت بالمزدلفة؛ فلا شيء عليك في وصولك إلى المزدلفة بعد طلوع شمس يوم النحر.

التفاصيل ....

المزدلفة موضع بمكَّة بين مِنى وعرفات، ولها ثلاثة أسماء: مزدلفة، وجمع، والمشعر الحرام، وسُمِّيت بهذا الاسم لاقتراب الناس فيها من منى بعد الإفاضة من عرفات، وقيل: لاجتماع الناس فيها، وقيل: لاجتماع سيدنا آدم والسيدة حواء عليهما السلام لمَّا هبطا اجتمعا بها؛ قال العلامة الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق" (2/ 29، ط. المطبعة الكبرى الأميرية): [وسميت مزدلفة لاجتماع الناس فيها، والازدلاف الاجتماع.. وقيل: لاجتماع آدم وحواء عليهما السلام فيها، وقيل: لاقتراب الناس فيها من منى، والازدلاف الاقتراب.. وسميت جَمعًا لاجتماع الناس فيها، وقيل: للجمع فيها بين صلاتين] اهـ.
وقال الشيخ الخرشي المالكي في "شرحه لمختصر خليل" (2/ 332، ط. دار الفكر): [سميت مزدلفة من الازدلاف وهو التقرب.. وأيضًا جمع لاجتماع آدم وحواء فيها، وقيل: لاجتماع الناس فيها] اهـ.
وقال الإمام الماوردي الشافعي في "الحاوي الكبير" (4/ 175، ط. دار الكتب العلمية): [وفي تسميتها مزدلفة قولان: أحدهما: إنهم يقربون فيها من منى والازدلاف التقريب.. والثاني: إن الناس يجتمعون بها، والاجتماع الازدلاف.. ولذلك قيل لمزدلفة جمع فإذا نزل بمزدلفة جمع بين المغرب والعشاء] اهـ.
وقال العلامة البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (2/ 496، ط. دار الكتب العلمية): [سميت بذلك من الزلف وهو التقرب.. وتسمى أيضًا: جمعًا لاجتماع الناس] اهـ.
وقد اختلف العلماء في حكم المبيت بالمزدلفة: فمنهم من ذهب إلى أنه ركن، وإليه ذهب الحسن البصري وبعض التابعين وبعض الفقهاء.
والصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنَّ الوقوف بمزدلفة واجب ليس مِن أركان الحج؛ قال الإمام النووي في "المجموع" (8/ 150، ط. دار الفكر): [قد ذكرنا أن المشهور مِن مذهبنا أنه ليس بركنٍ، فلو تركه صَحَّ حجُّه؛ قال القاضي أبو الطيب وأصحابنا: وبهذا قال جماهير العلماء مِن السلف والخلف] اهـ.
وقال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (2/ 425، ط. دار الكتب المصرية): [وأما المبيت بالمزدلفة فليس ركنا في الحج عند الجمهور] اهـ.
ثم إن القائلين بأن الحج دونه صحيح تام اختلفوا في وجوبه: فمنهم من ذهب إلى أنه واجب؛ يصح الحج بدونه ويُجبَر تركُه بدم، وهو الأصح عند الشافعية والحنابلة، ويحصل الوقوف بمزدلفة عندهم بلحظةٍ من النصف الثاني من ليلة النحر ولو بالمرور، ووجوب الدم خاصٌّ بمن ترك المبيت بلا عذر، أما من تركه لعذر فلا شيء عليه؛ كمن انتهى إلى عرفات ليلة النحر واشتغل بالوقوف بعرفة عن المبيت بالمزدلفة، وكالمرأة لو خافت طروء الحيض أو النفاس فبادرت إلى مكة بالطواف، وكمن أفاض من عرفات إلى مكة وطاف للركن ولم يمكنه الدفع إلى المزدلفة بلا مشقة ففاته المبيت، وكالرُّعَاة والسُّقَاةِ فلا دم عليهم لترك المبيت؛ للحديث الذي أخرجه الإمام مالك في "الموطأ"، وأبو داود في "سننه" عن أبي البَدَّاحِ بن عاصم بن عدي عن أبيه: "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أَرْخَصَ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ خَارِجِينَ عَنْ مِنًى؛ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ، وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ لِيَوْمَيْنِ. ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ"، و"لأن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له" متفق عليه.
قال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (8/ 248، ط. دار الفكر): [ومن المعذورين من له مال يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت أو يخاف على نفسه أو كان به مرض يشق معه المبيت أو له مريض يحتاج إلى تعهده أو يطلب آبقًا أو يشتغل بأمر آخر يخاف فوته ففي هؤلاء وجهان (الصحيح) المنصوص يجوز لهم ترك المبيت ولا شيء عليهم بسببه] اهـ.
وقد ذهب فقهاء الحنفية: إلى أن المبيت في مزدلفة ليلة النحر إلى الفجر سنة مؤكدة لا واجب؛ لأن البيتوتة شُرِعت للتأهب للوقوف ولم تُشرع نسكًا، أما الوقوف بها ساعةً ولو لطيفة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فهو واجب، ونصُّوا على أنه إن تُرِكَ هذا الواجب لعذر فلا شيء على تاركه.
قال العلامة ابن عابدين في "رد المحتار" (2/ 511، ط. دار الفكر): [(قوله ثم وقف) هذا الوقوف واجب عندنا لا سنة، والبيتوتة بمزدلفة سنة مؤكدة إلى الفجر لا واجبة خلافًا للشافعي فيهما،كما في "اللباب" وشرحه (قوله: ووقته إلخ) أي وقت جوازه. قال في "اللباب": وأول وقته طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، وآخره طلوع الشمس منه، فمن وقف بها قبل طلوع الفجر أو بعد طلوع الشمس لا يعتد به، وقدر الواجب منه ساعة ولو لطيفة، وقدر السنة امتداد الوقوف إلى الإسفار جدًا] اهـ.
وقال ابن نجيم الحنفي في "البحر الرائق" (2/ 368، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(قوله: ثم قِفْ مكبِّرًا مهلِّلًا ملبِّيًا مصليًا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم داعيًا ربك بحاجتك، وقِفْ على جبل قزح إن أمكنك، وإلا فبقربٍ منه) بيان للسنة فلو وقف قبل الصلاة أجزأه، ووقته من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقدمنا أنه واجب، وصرح في "الهداية" بسقوطه للعذر بأن يكون به ضعف أو علة أو كانت امرأة تخاف الزحام لا شيء عليه، وسيأتي في الجنايات أن هذا لا يخص هذا الواجب بل كل واجب إذا تركه للعذر لا شيء عليه، ولم يقيد في المحيط خوف الزحام بالمرأة، بل أطلقه فشمل الرجل لو مر قبل الوقت لخوفه لا شيء عليه، ولو مر بها من غير أن يقف جاز كالوقوف بعرفة ولو مر في جزء من أجزاء المزدلفة جاز كذا في المعراج، واختلف في جبل قزح فقيل: هو المشعر الحرام، وقيل: المشعر جميع المزدلفة، ولم يذكر البيتوتة بمزدلفة وهي سنة لا شيء عليه لو تركها، كما لو وقف بعدما أفاض الإمام قبل الشمس؛ لأن البيتوتة شرعت للتأهب للوقوف، ولم تُشرع نُسكًا] اهـ.
وقال فقهاء المالكية: يُندَبُ المبيتُ بمزدلفة بقدر "حط الرحال"، سواء حُطت بالفعل أم لا، وإن لم ينزل فيها بهذا القدر حتى طلع الفجر بلا عذر وجب عليه دم، أما إن تركه بعذر فلا شيء عليه. وكذلك من جاء مزدلفة بعد طلوع الشمس.
قال الشيخ الخرشي المالكي في "شرح مختصر خليل" (2/ 332، ط. دار الفكر): [يستحب المبيت بالمزدلفة، فإن تركه فلا شيء عليه، وأما النزول بها فهو واجب إن تركه لزمه الدم، وإليه أشار بقوله: (وإن لم ينزل فالدم) قال المؤلف في منسكه: والظاهر لا يكفي في النزول إناخة البعير، بل لا بد من حط الرحال قال ح: وهذا ظاهر إذا لم يحصل لُبث، أما إن حصل، ولو لم تُحط الرحال أي: بالفعل، فالظاهر أنه كافٍ كما يفعله كثير من أهل مكة وغيرهم فينزلون ويصلون ويتعشون ويلقطون الجمار وينامون ساعة وشقادفهم على الدواب، نعم لا يجوز ذلك لما فيه من تعذيب الحيوان انتهى.
ومن ترك النزول من غير عذر حتى طلع الفجر لزمه الدم ومن تركه لعذر فلا شيء عليه، ولو جاء بعد الشمس عند ابن القاسم فيهما كما هو حاصل كلام سند، فقوله: وبياته بها أي: القدر الزائد على الواجب مستحب؛ لأن النزول بقدر ما تحط الرحال واجب، سواء حطت بالفعل أم لا] اهـ.
وقال الخطاب المالكي في "مواهب الجليل في شرح مختصر خليل" (3/ 120، ط. دار الفكر): [فإن أتى هذا المزدلفة، وقد طلعت الشمس قال مالك: يمر إلى منى، ولا وقوف له، وهو قول الجميع، ولا دم عليه؛ لأنه معذور، كما في ترك الوقوف] اهـ.
وللإمام الشافعي في وجوب الدم على غير المعذور قولان: قولٌ بالوجوب، وقولٌ بالاستحباب؛ قال الإمام الماوردي الشافعي في "الحاوي" (4/ 178، ط. دار الكتب العلمية): [فإذا ثبت هذا وترك المبيت بها أو خرج منها قبل نصف الليل فعليه دم وفيه قولان: أحدهما: واجب وهو قوله في القديم والجديد.
والقول الثاني: استحباب وهو قوله في (الأم) و(الإملاء) والحكم في هذا كالحكم في دم الدفع عن عرفة قبل غروب الشمس؛ لأن أربعة دماء اختلف قوله فيها منها هذان. والثالث: دم المبيت ليالي منى. والرابع: دم طواف الوداع] اهـ.
ويتخرج على قولِ الاستحباب القولُ بِسُنِّيَّة المبيت بمزدلفة عند الإمام الشافعي، وهذا رجحه جماعة من الشافعية منهم الإمام الرافعي، وهو أيضًا قول للإمام أحمد.
قال إمام الحرمين في "نهاية المطلب في دراية المذهب" (4/ 334، ط. دار المنهاج): [وإذا اختلف القول في أن المبيت هل يجبر بالدم، فيترتب عليه لا محالةَ اختلاف القول في أنه هل يجب في نفسه، وهل يجب على الناسك تحصيله، حتى يُقضَى بأن يعصي بتركه؟] اهـ.
وقال العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي في "تحفة المحتاج" (4/ 113، ط. دار إحياء التراث العربي): [وقيل سنة، ورجحه الرافعيي] اهـ.
وقال العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (4/ 25، ط. إحياء التراث العربي): [وعنه -أي: عن الإمام أحمد-: لا يجب، كرعاة وسقاة، قاله في المستوعب وغيره] اهـ.
وقد ذهب بعض الشافعية إلى أن الإفاضة من عرفات إلى مكة مباشرة دون المرور بمزدلفة لطواف الإفاضة جائزة ولا شيء على الحاج فيها؛ قال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (8/ 136، ط. دار الفكر): [(أما) من انتهى إلى عرفات ليلة النحر واشتغل بالوقوف عن المبيت بالمزدلفة فلا شيء عليه باتفاق الأصحاب وممن نقل الاتفاق عليه إمام الحرمين ولو أفاض من عرفات إلى مكة وطاف الإفاضة بعد نصف ليلة النحر ففاته المبيت بالمزدلفة بسبب الطواف قال صاحب "التقريب" والقفال: لا شيء عليه لأنه اشتغل بركن فأشبه المشتغل بالوقوف] اهـ.
وقال الشيخ الخطيب في "مغني المحتاج" (2/ 265، ط. دار الفكر): [ومحل القولين -أي في وجوب الدم واستحبابه- حيث لا عذر، أما المعذور بما سيأتي في مبيت منى فلا دم عليه جزمًا ومن المعذورين. من جاء عرفة ليلًا فاشتغل بالوقوف عنه، ومن أفاض من عرفة إلى مكة وطاف للركن وفاته] اهـ.
ويحصل الوقوف عند القائلين بالوجوب بلحظة من النصف الثاني من ليلة النحر ولو بالمرور، ووجوب الدم خاص بمن ترك المبيت بلا عذر، أما من تركه لعذر فلا شيء عليه؛ قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "الغرر البهية في شرح البهجة الوردية" (2/ 324، ط. المطبعة الميمنية): [وجوبه على غير المعذور بخلاف المعذور كالرعاء وأهل سقاية العباس، وكمن انتهى إلى عرفة ليلة النحر أو أفاض منها إلى مكة للطواف ولم يمكنه العود إلى مزدلفة ليلًا، كما أجاب به القفال وغيره، أو له مال يخاف تلفه بالمبيت أو مريض يحتاج إلى تعهده أو أمر يخاف فوته ولو أحدثت سقاية للحاج قال في "التهذيب" لأهلها ترك المبيت.. قال النووي: ويحصل المبيت بمزدلفة بحضورها لحظة في النصف الثاني كالوقوف بعرفة نص عليه في "الأم" وبه قطع جمهور العراقيين وأكثر الخراسانيين] اهـ.
وقال العلامة شهاب الدين الرملي الشافعي في "نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج" (3/ 301، ط. دار الفكر): [ولو بادرت المرأة إلى مكة لطواف الركن خوفا من طُروِّ حيضها أو نفاسها لم يلزمها دم أيضا كما قاله ابن الملقن وهو متجه] اهـ.
وقال ابن قدامة المقدسي الحنبلي في "المغني" (3/ 377، ط. مكتبة القاهرة): [ومن بات بمزدلفة، لم يجز له الدفع قبل نصف الليل، فإن دفع بعده، فلا شيء عليه.. فمن دفع من جمع قبل نصف الليل، ولم يعد في الليل، فعليه دم، وإن عاد فيه، فلا دم عليه، كالذي دفع من عرفة نهارًا. ومن لم يوافق مزدلفة إلا في النصف الأخير من الليل، فلا شيء عليه؛ لأنه لم يدرك جزءًا من النصف الأول، فلم يتعلق به حكمه، كمن أدرك الليل بعرفات دون النهار] اهـ.
فيتبين مما سبق: أن هناك قولًا للإمامين الشافعي وأحمد رضي الله عنهما بسُنِّيَّة المبيت مطلقًا من غير اشتراط حَطِّ رحالٍ ولا مرورٍ أصلًا، وأنَّ من الشافعية من جعل إفاضة الحاج من عرفات إلى مكة لطواف الركن عذرًا شرعيًّا في ترك المبيت بمزدلفة، وأن المالكية قائلون بسُنِّيَّة المبيت مع إيجابهم الـمُكثَ فيها بقدر حَطِّ الرحال وصلاة العشاءين، وأن الحنفية قائلون بأن المبيت ليس واجبًا إنما الواجب القيام فيها بعد الفجر إلى طلوع الشمس، وأن الأصح عند الشافعية والحنابلة وجوب المبيت، وأن الموجِبينَ متفقون على أن ترك الواجب في ذلك وهو مقدار حَطِّ الرحال وصلاة العشاءين عند المالكية، والقيام عند المشعر الحرام بعد الفجر عند الحنفية، وتحصيل المبيت بمزدلفة بالحضور بعد نصف الليل لحظةً ولو مرورًا عند الجمهور يسقط عند وجود الأعذار.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد رخَّص للرعاة عدم المبيت بمزدلفة من أجل رعي أنعامهم، ورخص لعمه العباس رضي الله عنه من أجل سقايته، فلا شك أن الزحام الشديد المؤدي إلى الإصابات والوفيات الناجم عن كثرة الحجاج عامًا بعد عام مع محدودية أماكن المناسك أَوْلَى في الإعذار من ذلك؛ لأن أعمال السُّقاة والرُّعاة متعلقة بأمورهم الحاجِيَّة؛ أما الزحام فقد يتعارض مع المقاصد الضرورية؛ لأنه يؤدي في كثير من الأحيان إلى الإصابات، بل والوفيات، كما هو مشاهَدٌ معلوم.
والزحام عذر يرخص في ترك الوقوف بمزدلفة بعد الفجر عند الحنفية؛ قال العلامة الحصكفي في "الدر المختار" (2/ 511، ط. دار الفكر): [لكن لو تركه بعذر كزحمة بمزدلفة لا شيء عليه] اهـ.
وقال العلامة ابن عابدين في حاشيته عليه "المرجع السابق نفسه": [(قوله: كزحمة) عبارة اللباب إلا إذا كان لعلة أو ضعف، أو يكون امرأة تخاف الزحام فلا شيء عليه. اهـ، لكن قال في "البحر": ولم يقيد في المحيط خوف الزحام بالمرأة بل أطلقه فشمل الرجل. اهـ. قلت: وهو شامل لخوف الزحمة عند الرمي، فمقتضاه أنه لو دفع ليلًا ليرمي قبل دفع الناس وزحمتهم لا شيء عليه] اهـ.
وليس من شرط الزحام المرخِّص في العذر أن يكون حاصلًا في المزدلفة نفسها، بل المقصود هو الوصول إلى ما يمنع تكدس الحجيج عند تدافعهم في النفرة منها بأي وسيلة، وفي هذه الأزمنة التي زادت فيها أعداد الحجيج زيادة هائلة، وتضاعفت أضعافًا مضاعفة في أماكن المناسك المحدودة فقد أصبح الزحام متوقَّعًا في كل لحظة، والناظر للمناسك في ساعات الذروة يلتمس خطر الموت من شدة الزحام والتلاحم، والعمل على ما يقي ذلك من أهم الواجبات الشرعية المرعية في الحج، فصار وجود هذا الكم الكبير من الحجيج في نفسه مسقطًا لوجوب ترك المبيت؛ لأن الشرع يُنَزِّل المظِنَّة منزلة المئنَّة، ويحتاط للحفاظ على الأنفس والمهج ما لا يحتاط لغيرها، فيدخل في الزحام المسقط للوجوب في المكث أو المبيت؛ توقع الزحام أو الخوف أو الهروب منه، وهذا يقتضي سقوط الفدية عمن ترك المبيت في وجود هذه الأعداد الكثيرة عند القائلين بوجوبه.
قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار على الدر المختار" (2/ 511، ط. دار الفكر): [كل واجب إذا تركه بعذر لا شيء عليه] اهـ.
وبناءً على ذلك: فإن المعتمد في الفتوى في هذه الأزمان التي كثرت فيها أعداد الحجيج كثرة هائلة هو الأخذ بقول الإمامين الشافعي وأحمد وهو سُنِّيَّة المبيت في مزدلفة، بينما يكتفي المالكية بإيجاب المكث فيها بقدر ما يحطُّ الحاج رحله ويجمع المغرب والعشاء، كما أن الجمهور القائلين بوجوب المبيت يسقطونه عند وجود العذر، ومن الأعذار حفظ النفس من الخطر أو توقعه، فيكون الزحام الشديد الذي عليه الحجُّ في زماننا والذي تحصل فيه الإصابات والوفيات -سواء أكان حاصلًا للحاج في مكانه أم متوقَّعَ الحصولِ في المكان الذي سيذهب إليه- مرخِّصًا شرعيًّا في ترك المبيت عند الموجبين له، وفي واقعة السؤال يصدق هذا الحكم على من جاء إلى مزدلفة بعد طلوع الشمس فلا شيء عليه.
والله سبحانه وتعالى أعلم. 

اقرأ أيضا

حكم من وصل إلى مزدلفة بعد شروق الشمس

 وفقني الله تعالى لأداء فريضة الحج هذا العام، ولكنني خرجت من عرفة بعد المغرب، وبسبب شدة الزحام، لم أستطع الوصول إلى مزدلفة إلا بعد شروق الشمس؛ فما الحكم؟

 الزحام الشديد الذي عليه الحجُّ في زماننا مرخِّصٌ شرعيٌّ في ترك المبيت بالمزدلفة؛ فلا شيء عليك في وصولك إلى المزدلفة بعد طلوع شمس يوم النحر.

التفاصيل ....

المزدلفة موضع بمكَّة بين مِنى وعرفات، ولها ثلاثة أسماء: مزدلفة، وجمع، والمشعر الحرام، وسُمِّيت بهذا الاسم لاقتراب الناس فيها من منى بعد الإفاضة من عرفات، وقيل: لاجتماع الناس فيها، وقيل: لاجتماع سيدنا آدم والسيدة حواء عليهما السلام لمَّا هبطا اجتمعا بها؛ قال العلامة الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق" (2/ 29، ط. المطبعة الكبرى الأميرية): [وسميت مزدلفة لاجتماع الناس فيها، والازدلاف الاجتماع.. وقيل: لاجتماع آدم وحواء عليهما السلام فيها، وقيل: لاقتراب الناس فيها من منى، والازدلاف الاقتراب.. وسميت جَمعًا لاجتماع الناس فيها، وقيل: للجمع فيها بين صلاتين] اهـ.
وقال الشيخ الخرشي المالكي في "شرحه لمختصر خليل" (2/ 332، ط. دار الفكر): [سميت مزدلفة من الازدلاف وهو التقرب.. وأيضًا جمع لاجتماع آدم وحواء فيها، وقيل: لاجتماع الناس فيها] اهـ.
وقال الإمام الماوردي الشافعي في "الحاوي الكبير" (4/ 175، ط. دار الكتب العلمية): [وفي تسميتها مزدلفة قولان: أحدهما: إنهم يقربون فيها من منى والازدلاف التقريب.. والثاني: إن الناس يجتمعون بها، والاجتماع الازدلاف.. ولذلك قيل لمزدلفة جمع فإذا نزل بمزدلفة جمع بين المغرب والعشاء] اهـ.
وقال العلامة البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (2/ 496، ط. دار الكتب العلمية): [سميت بذلك من الزلف وهو التقرب.. وتسمى أيضًا: جمعًا لاجتماع الناس] اهـ.
وقد اختلف العلماء في حكم المبيت بالمزدلفة: فمنهم من ذهب إلى أنه ركن، وإليه ذهب الحسن البصري وبعض التابعين وبعض الفقهاء.
والصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنَّ الوقوف بمزدلفة واجب ليس مِن أركان الحج؛ قال الإمام النووي في "المجموع" (8/ 150، ط. دار الفكر): [قد ذكرنا أن المشهور مِن مذهبنا أنه ليس بركنٍ، فلو تركه صَحَّ حجُّه؛ قال القاضي أبو الطيب وأصحابنا: وبهذا قال جماهير العلماء مِن السلف والخلف] اهـ.
وقال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (2/ 425، ط. دار الكتب المصرية): [وأما المبيت بالمزدلفة فليس ركنا في الحج عند الجمهور] اهـ.
ثم إن القائلين بأن الحج دونه صحيح تام اختلفوا في وجوبه: فمنهم من ذهب إلى أنه واجب؛ يصح الحج بدونه ويُجبَر تركُه بدم، وهو الأصح عند الشافعية والحنابلة، ويحصل الوقوف بمزدلفة عندهم بلحظةٍ من النصف الثاني من ليلة النحر ولو بالمرور، ووجوب الدم خاصٌّ بمن ترك المبيت بلا عذر، أما من تركه لعذر فلا شيء عليه؛ كمن انتهى إلى عرفات ليلة النحر واشتغل بالوقوف بعرفة عن المبيت بالمزدلفة، وكالمرأة لو خافت طروء الحيض أو النفاس فبادرت إلى مكة بالطواف، وكمن أفاض من عرفات إلى مكة وطاف للركن ولم يمكنه الدفع إلى المزدلفة بلا مشقة ففاته المبيت، وكالرُّعَاة والسُّقَاةِ فلا دم عليهم لترك المبيت؛ للحديث الذي أخرجه الإمام مالك في "الموطأ"، وأبو داود في "سننه" عن أبي البَدَّاحِ بن عاصم بن عدي عن أبيه: "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أَرْخَصَ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ خَارِجِينَ عَنْ مِنًى؛ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ، وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ لِيَوْمَيْنِ. ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ"، و"لأن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له" متفق عليه.
قال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (8/ 248، ط. دار الفكر): [ومن المعذورين من له مال يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت أو يخاف على نفسه أو كان به مرض يشق معه المبيت أو له مريض يحتاج إلى تعهده أو يطلب آبقًا أو يشتغل بأمر آخر يخاف فوته ففي هؤلاء وجهان (الصحيح) المنصوص يجوز لهم ترك المبيت ولا شيء عليهم بسببه] اهـ.
وقد ذهب فقهاء الحنفية: إلى أن المبيت في مزدلفة ليلة النحر إلى الفجر سنة مؤكدة لا واجب؛ لأن البيتوتة شُرِعت للتأهب للوقوف ولم تُشرع نسكًا، أما الوقوف بها ساعةً ولو لطيفة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فهو واجب، ونصُّوا على أنه إن تُرِكَ هذا الواجب لعذر فلا شيء على تاركه.
قال العلامة ابن عابدين في "رد المحتار" (2/ 511، ط. دار الفكر): [(قوله ثم وقف) هذا الوقوف واجب عندنا لا سنة، والبيتوتة بمزدلفة سنة مؤكدة إلى الفجر لا واجبة خلافًا للشافعي فيهما،كما في "اللباب" وشرحه (قوله: ووقته إلخ) أي وقت جوازه. قال في "اللباب": وأول وقته طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، وآخره طلوع الشمس منه، فمن وقف بها قبل طلوع الفجر أو بعد طلوع الشمس لا يعتد به، وقدر الواجب منه ساعة ولو لطيفة، وقدر السنة امتداد الوقوف إلى الإسفار جدًا] اهـ.
وقال ابن نجيم الحنفي في "البحر الرائق" (2/ 368، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(قوله: ثم قِفْ مكبِّرًا مهلِّلًا ملبِّيًا مصليًا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم داعيًا ربك بحاجتك، وقِفْ على جبل قزح إن أمكنك، وإلا فبقربٍ منه) بيان للسنة فلو وقف قبل الصلاة أجزأه، ووقته من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقدمنا أنه واجب، وصرح في "الهداية" بسقوطه للعذر بأن يكون به ضعف أو علة أو كانت امرأة تخاف الزحام لا شيء عليه، وسيأتي في الجنايات أن هذا لا يخص هذا الواجب بل كل واجب إذا تركه للعذر لا شيء عليه، ولم يقيد في المحيط خوف الزحام بالمرأة، بل أطلقه فشمل الرجل لو مر قبل الوقت لخوفه لا شيء عليه، ولو مر بها من غير أن يقف جاز كالوقوف بعرفة ولو مر في جزء من أجزاء المزدلفة جاز كذا في المعراج، واختلف في جبل قزح فقيل: هو المشعر الحرام، وقيل: المشعر جميع المزدلفة، ولم يذكر البيتوتة بمزدلفة وهي سنة لا شيء عليه لو تركها، كما لو وقف بعدما أفاض الإمام قبل الشمس؛ لأن البيتوتة شرعت للتأهب للوقوف، ولم تُشرع نُسكًا] اهـ.
وقال فقهاء المالكية: يُندَبُ المبيتُ بمزدلفة بقدر "حط الرحال"، سواء حُطت بالفعل أم لا، وإن لم ينزل فيها بهذا القدر حتى طلع الفجر بلا عذر وجب عليه دم، أما إن تركه بعذر فلا شيء عليه. وكذلك من جاء مزدلفة بعد طلوع الشمس.
قال الشيخ الخرشي المالكي في "شرح مختصر خليل" (2/ 332، ط. دار الفكر): [يستحب المبيت بالمزدلفة، فإن تركه فلا شيء عليه، وأما النزول بها فهو واجب إن تركه لزمه الدم، وإليه أشار بقوله: (وإن لم ينزل فالدم) قال المؤلف في منسكه: والظاهر لا يكفي في النزول إناخة البعير، بل لا بد من حط الرحال قال ح: وهذا ظاهر إذا لم يحصل لُبث، أما إن حصل، ولو لم تُحط الرحال أي: بالفعل، فالظاهر أنه كافٍ كما يفعله كثير من أهل مكة وغيرهم فينزلون ويصلون ويتعشون ويلقطون الجمار وينامون ساعة وشقادفهم على الدواب، نعم لا يجوز ذلك لما فيه من تعذيب الحيوان انتهى.
ومن ترك النزول من غير عذر حتى طلع الفجر لزمه الدم ومن تركه لعذر فلا شيء عليه، ولو جاء بعد الشمس عند ابن القاسم فيهما كما هو حاصل كلام سند، فقوله: وبياته بها أي: القدر الزائد على الواجب مستحب؛ لأن النزول بقدر ما تحط الرحال واجب، سواء حطت بالفعل أم لا] اهـ.
وقال الخطاب المالكي في "مواهب الجليل في شرح مختصر خليل" (3/ 120، ط. دار الفكر): [فإن أتى هذا المزدلفة، وقد طلعت الشمس قال مالك: يمر إلى منى، ولا وقوف له، وهو قول الجميع، ولا دم عليه؛ لأنه معذور، كما في ترك الوقوف] اهـ.
وللإمام الشافعي في وجوب الدم على غير المعذور قولان: قولٌ بالوجوب، وقولٌ بالاستحباب؛ قال الإمام الماوردي الشافعي في "الحاوي" (4/ 178، ط. دار الكتب العلمية): [فإذا ثبت هذا وترك المبيت بها أو خرج منها قبل نصف الليل فعليه دم وفيه قولان: أحدهما: واجب وهو قوله في القديم والجديد.
والقول الثاني: استحباب وهو قوله في (الأم) و(الإملاء) والحكم في هذا كالحكم في دم الدفع عن عرفة قبل غروب الشمس؛ لأن أربعة دماء اختلف قوله فيها منها هذان. والثالث: دم المبيت ليالي منى. والرابع: دم طواف الوداع] اهـ.
ويتخرج على قولِ الاستحباب القولُ بِسُنِّيَّة المبيت بمزدلفة عند الإمام الشافعي، وهذا رجحه جماعة من الشافعية منهم الإمام الرافعي، وهو أيضًا قول للإمام أحمد.
قال إمام الحرمين في "نهاية المطلب في دراية المذهب" (4/ 334، ط. دار المنهاج): [وإذا اختلف القول في أن المبيت هل يجبر بالدم، فيترتب عليه لا محالةَ اختلاف القول في أنه هل يجب في نفسه، وهل يجب على الناسك تحصيله، حتى يُقضَى بأن يعصي بتركه؟] اهـ.
وقال العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي في "تحفة المحتاج" (4/ 113، ط. دار إحياء التراث العربي): [وقيل سنة، ورجحه الرافعيي] اهـ.
وقال العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (4/ 25، ط. إحياء التراث العربي): [وعنه -أي: عن الإمام أحمد-: لا يجب، كرعاة وسقاة، قاله في المستوعب وغيره] اهـ.
وقد ذهب بعض الشافعية إلى أن الإفاضة من عرفات إلى مكة مباشرة دون المرور بمزدلفة لطواف الإفاضة جائزة ولا شيء على الحاج فيها؛ قال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (8/ 136، ط. دار الفكر): [(أما) من انتهى إلى عرفات ليلة النحر واشتغل بالوقوف عن المبيت بالمزدلفة فلا شيء عليه باتفاق الأصحاب وممن نقل الاتفاق عليه إمام الحرمين ولو أفاض من عرفات إلى مكة وطاف الإفاضة بعد نصف ليلة النحر ففاته المبيت بالمزدلفة بسبب الطواف قال صاحب "التقريب" والقفال: لا شيء عليه لأنه اشتغل بركن فأشبه المشتغل بالوقوف] اهـ.
وقال الشيخ الخطيب في "مغني المحتاج" (2/ 265، ط. دار الفكر): [ومحل القولين -أي في وجوب الدم واستحبابه- حيث لا عذر، أما المعذور بما سيأتي في مبيت منى فلا دم عليه جزمًا ومن المعذورين. من جاء عرفة ليلًا فاشتغل بالوقوف عنه، ومن أفاض من عرفة إلى مكة وطاف للركن وفاته] اهـ.
ويحصل الوقوف عند القائلين بالوجوب بلحظة من النصف الثاني من ليلة النحر ولو بالمرور، ووجوب الدم خاص بمن ترك المبيت بلا عذر، أما من تركه لعذر فلا شيء عليه؛ قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "الغرر البهية في شرح البهجة الوردية" (2/ 324، ط. المطبعة الميمنية): [وجوبه على غير المعذور بخلاف المعذور كالرعاء وأهل سقاية العباس، وكمن انتهى إلى عرفة ليلة النحر أو أفاض منها إلى مكة للطواف ولم يمكنه العود إلى مزدلفة ليلًا، كما أجاب به القفال وغيره، أو له مال يخاف تلفه بالمبيت أو مريض يحتاج إلى تعهده أو أمر يخاف فوته ولو أحدثت سقاية للحاج قال في "التهذيب" لأهلها ترك المبيت.. قال النووي: ويحصل المبيت بمزدلفة بحضورها لحظة في النصف الثاني كالوقوف بعرفة نص عليه في "الأم" وبه قطع جمهور العراقيين وأكثر الخراسانيين] اهـ.
وقال العلامة شهاب الدين الرملي الشافعي في "نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج" (3/ 301، ط. دار الفكر): [ولو بادرت المرأة إلى مكة لطواف الركن خوفا من طُروِّ حيضها أو نفاسها لم يلزمها دم أيضا كما قاله ابن الملقن وهو متجه] اهـ.
وقال ابن قدامة المقدسي الحنبلي في "المغني" (3/ 377، ط. مكتبة القاهرة): [ومن بات بمزدلفة، لم يجز له الدفع قبل نصف الليل، فإن دفع بعده، فلا شيء عليه.. فمن دفع من جمع قبل نصف الليل، ولم يعد في الليل، فعليه دم، وإن عاد فيه، فلا دم عليه، كالذي دفع من عرفة نهارًا. ومن لم يوافق مزدلفة إلا في النصف الأخير من الليل، فلا شيء عليه؛ لأنه لم يدرك جزءًا من النصف الأول، فلم يتعلق به حكمه، كمن أدرك الليل بعرفات دون النهار] اهـ.
فيتبين مما سبق: أن هناك قولًا للإمامين الشافعي وأحمد رضي الله عنهما بسُنِّيَّة المبيت مطلقًا من غير اشتراط حَطِّ رحالٍ ولا مرورٍ أصلًا، وأنَّ من الشافعية من جعل إفاضة الحاج من عرفات إلى مكة لطواف الركن عذرًا شرعيًّا في ترك المبيت بمزدلفة، وأن المالكية قائلون بسُنِّيَّة المبيت مع إيجابهم الـمُكثَ فيها بقدر حَطِّ الرحال وصلاة العشاءين، وأن الحنفية قائلون بأن المبيت ليس واجبًا إنما الواجب القيام فيها بعد الفجر إلى طلوع الشمس، وأن الأصح عند الشافعية والحنابلة وجوب المبيت، وأن الموجِبينَ متفقون على أن ترك الواجب في ذلك وهو مقدار حَطِّ الرحال وصلاة العشاءين عند المالكية، والقيام عند المشعر الحرام بعد الفجر عند الحنفية، وتحصيل المبيت بمزدلفة بالحضور بعد نصف الليل لحظةً ولو مرورًا عند الجمهور يسقط عند وجود الأعذار.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد رخَّص للرعاة عدم المبيت بمزدلفة من أجل رعي أنعامهم، ورخص لعمه العباس رضي الله عنه من أجل سقايته، فلا شك أن الزحام الشديد المؤدي إلى الإصابات والوفيات الناجم عن كثرة الحجاج عامًا بعد عام مع محدودية أماكن المناسك أَوْلَى في الإعذار من ذلك؛ لأن أعمال السُّقاة والرُّعاة متعلقة بأمورهم الحاجِيَّة؛ أما الزحام فقد يتعارض مع المقاصد الضرورية؛ لأنه يؤدي في كثير من الأحيان إلى الإصابات، بل والوفيات، كما هو مشاهَدٌ معلوم.
والزحام عذر يرخص في ترك الوقوف بمزدلفة بعد الفجر عند الحنفية؛ قال العلامة الحصكفي في "الدر المختار" (2/ 511، ط. دار الفكر): [لكن لو تركه بعذر كزحمة بمزدلفة لا شيء عليه] اهـ.
وقال العلامة ابن عابدين في حاشيته عليه "المرجع السابق نفسه": [(قوله: كزحمة) عبارة اللباب إلا إذا كان لعلة أو ضعف، أو يكون امرأة تخاف الزحام فلا شيء عليه. اهـ، لكن قال في "البحر": ولم يقيد في المحيط خوف الزحام بالمرأة بل أطلقه فشمل الرجل. اهـ. قلت: وهو شامل لخوف الزحمة عند الرمي، فمقتضاه أنه لو دفع ليلًا ليرمي قبل دفع الناس وزحمتهم لا شيء عليه] اهـ.
وليس من شرط الزحام المرخِّص في العذر أن يكون حاصلًا في المزدلفة نفسها، بل المقصود هو الوصول إلى ما يمنع تكدس الحجيج عند تدافعهم في النفرة منها بأي وسيلة، وفي هذه الأزمنة التي زادت فيها أعداد الحجيج زيادة هائلة، وتضاعفت أضعافًا مضاعفة في أماكن المناسك المحدودة فقد أصبح الزحام متوقَّعًا في كل لحظة، والناظر للمناسك في ساعات الذروة يلتمس خطر الموت من شدة الزحام والتلاحم، والعمل على ما يقي ذلك من أهم الواجبات الشرعية المرعية في الحج، فصار وجود هذا الكم الكبير من الحجيج في نفسه مسقطًا لوجوب ترك المبيت؛ لأن الشرع يُنَزِّل المظِنَّة منزلة المئنَّة، ويحتاط للحفاظ على الأنفس والمهج ما لا يحتاط لغيرها، فيدخل في الزحام المسقط للوجوب في المكث أو المبيت؛ توقع الزحام أو الخوف أو الهروب منه، وهذا يقتضي سقوط الفدية عمن ترك المبيت في وجود هذه الأعداد الكثيرة عند القائلين بوجوبه.
قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار على الدر المختار" (2/ 511، ط. دار الفكر): [كل واجب إذا تركه بعذر لا شيء عليه] اهـ.
وبناءً على ذلك: فإن المعتمد في الفتوى في هذه الأزمان التي كثرت فيها أعداد الحجيج كثرة هائلة هو الأخذ بقول الإمامين الشافعي وأحمد وهو سُنِّيَّة المبيت في مزدلفة، بينما يكتفي المالكية بإيجاب المكث فيها بقدر ما يحطُّ الحاج رحله ويجمع المغرب والعشاء، كما أن الجمهور القائلين بوجوب المبيت يسقطونه عند وجود العذر، ومن الأعذار حفظ النفس من الخطر أو توقعه، فيكون الزحام الشديد الذي عليه الحجُّ في زماننا والذي تحصل فيه الإصابات والوفيات -سواء أكان حاصلًا للحاج في مكانه أم متوقَّعَ الحصولِ في المكان الذي سيذهب إليه- مرخِّصًا شرعيًّا في ترك المبيت عند الموجبين له، وفي واقعة السؤال يصدق هذا الحكم على من جاء إلى مزدلفة بعد طلوع الشمس فلا شيء عليه.
والله سبحانه وتعالى أعلم. 

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;