اعتمر عن نفسه وحج عن غيره

رجلٌ اعتمر في أَشْهُر الحج ولم يخرج مِن الحرم، ثم أَحْرَم بالحج نيابةً عن ميت، هل هذا تَمَتُّع؟ وهل يجب عليه هدْيُ تَمَتُّع؟ ومَن الذي يجب عليه الهدي في هذه الصورة؟

إذا اعتمر الحاج في أشهر الحج عن نفسه وتَحَلَّل من عمرته، ثم أحرم بالحج من مكة عن ميتٍ، ولم يكن الحاجُّ من أهل مكة: فإنه يكون مُتَمتِّعًا، ويجب عليه دم التمتع؛ فإن كان متطوعًا وأَذِن له المستنيبُ في التمتع كان دم التمتع على المستنيب، وأَمَّا إذا لم يُؤذَن له في التمتع فيجب على المتطوع في هذه الحالة دم التمتع وحده، وإن كان مُسْتَأجَرًا فدَم التَّمَتُّع يكون مناصفة بينه وبين الـمُسْتَأجِر، شريطة الإذن من الـمُسْتَأجِر، فإذا لم يُؤذَن له فدم التمتع يكون عليه ولا يتَحَمَّل الـمُسْتَأجِر شيئًا منه.

التفاصيل ....

التَّمَتُّع عند الفقهاء: أن يعتمر مَنْ ليس من أهل مكة، ويُحِلُّ مِن عمرته في أشهر الحج -وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة- ثُمَّ يحج من عامه ولم يرجع إلى بلده، أو بلد مثل بلده بين الحج والعمرة، فمن حصل له ذلك فهو متمتع. وسُمِّي تَمَتُّعًا؛ لِأَنَّهُ يسْتَمْتع بالمحظورات إِذا تَحَلَّل عَن الْعمرَة إِلَى أَن يحرم بِالْحَجِّ.
ينظر: "البناية شرح الهداية" للإمام بدر الدين العيني (3/ 130، ط. دار الكتب العلمية)، و"الفواكه الدواني" للإمام النفراوي (1/ 434، ط. دار الفكر)، و"حاشية القليوبي على شرح المحلي" (2/ 128، ط. دار الفكر)، و"المغني" للعلامة ابن قدامة (3/ 468، ط. مكتبة القاهرة).
فهذا هو القَدْر المشترك بين الفقهاء للوصف الفقهي للفظ "التَّمَتُّع"؛ لكن الفقهاء اختلفوا في تفاصيل ذلك:
فيرى السادة الحنفية، والسادة الشافعية، والسادة الحنابلة على المعتمد: أنَّه لا يشترط وقوع النسكين -أي: العمرة والحج- في السَّفْرة الواحدة عن شخصٍ واحد حتى يوصف الشخص بالمتمتع، بل يصح أن تقع العمرة عن شخصٍ، والحج عن شخصٍ آخر.
يقول شيخ الإسلام الكمال بن الهمام في "فتح القدير" (3/ 152، ط. دار الفكر): [(وكذلك إن أمره واحد بأن يحج عنه، والآخر بأن يعتمر عنه وأذنا له بالقران) فالدم عليه لما قلنا] اهـ.
وقال العلامة المرغيناني في "الهداية شرح بداية المبتدي" (1/ 178، ط. دار إحياء التراث العربي): [ثم ظاهر المذهب أن الحج يقع عن المحجوج عنه، وبذلك تشهد الأخبار الواردة في هذا الباب؛ كحديث الخثعمية، فإنه عليه الصلاة والسلام قال لها: «حُجِّي عَنْ أَبِيكِ واعتمري»] اهـ.
وقال العلامة الشمس الرملي في "نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج" (3/ 327، ط. دار الفكر): [لا يشترط لوجوب الدم نيةُ التمتع ولا وقوع النسكين عن شخص واحد ولا بقاؤه حيًّا] اهـ.
وقال العلامة البهوتي في "كشاف القناع عن متن الإقناع" (2/ 413، ط. دار الفكر): [(ولا يعتبر وقوع النسكين عن واحد، فلو اعتمر لنفسه وحج عن غيره أو عكسه) بأن اعتمر عن غيره وحج عن نفسه (أو فعل ذلك عن اثنين) بأن حج عن أحدهما واعتمر عن الآخر (كان عليه دم المتعة) لظاهر الآية وهو على النائب إن لم يأذنا له في ذلك إن لم يرجع إلى الميقات فيحرم منه؛ لأنه سبب مخالفته وإن أذنا فعليهما، وإن أذن أحدهما وحده فعليه النصف والباقي على النائب على ما ذكره في الشرح فيما إذا استنابه اثنان في النسكين فقرن بينهما لهما، أو استنابه واحد في أحد النسكين فقرن له ولنفسه] اهـ.
أما السادة المالكية فاختَلَف النَّقْل عن المتأخرين منهم في هذه المسألة:
فيرى بعضهم كرأي الجمهور السابق ذكره، وفي ذلك يقول الشيخ عليش المالكي في "منح الجليل" (2/ 240، ط. دار الفكر) أثناء حديثه عن شروط دم التمتع: [(وفي شرط كونهما) أي: الحج والعمرة (عن) شخص (واحد) فلو كان الحج عن شخص والعمرة عن آخر فلا دم، وعدمه (تَردُّد) من المتأخرين في النَّقْل عن المتقدمين؛ فنقل الشيخ، والصقلي، واللخمي: عدم اشتراط ذلك] اهـ.
ويرى البعض منهم أنَّه يشترط لوصف التمتع وقوع الحج والعمرة من شخص واحد، وهذا ما نقله العلامة ابن الحاجب؛ وقد حكاه الشيخ عليش عنه فقال في آخر النقل السابق: [وقال ابن الحاجب: الأشهر اشتراطه] اهـ.
هذا وقد أجمع الفقهاء على أنه يجب على المتَمَتِّع دمُ نُسُكٍ إذا لم يكُنْ مِن حاضِرِي المسجِدِ الحرامِ؛ قال العلامة ابن المنذر في "الإشراف على مذاهب العلماء" (3/ 296، ط. مكتبة مكة الثقافية): [أجمع أهل العلم على أن من أهلَّ بعمرة في أشهر الحج من الآفاق من الميقات، وقدم مكة ففرغ منها، وأقام بها فحج من عامه أنه متمتع، وعليه الهدي إن وجد، وإلا فالصيام] اهـ.
والهدي الواجب في ذلك: شاة أو بقرة أو بعير أو سُبع البقرة أو البعير عند جمهور الفقهاء، فمَنْ لم يجِدْ فلْيَصُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ في الحَجِّ وسبعةً إذا رَجَعَ، ويقوم المتمتع بذبح هدي لجمعه بين نسكين في سفرة واحدة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: 196].
ولما ورد عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ» رواه مسلم.
وعَنْ أَبِي جَمْرَةَ نَصْرِ بْنِ عمرَانَ الضُّبَعِيِّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ الْمُتْعَةِ، فَأَمَرَنِي بِهَا وَسَأَلْتُهُ عَنِ الْهَدْيِ فَقَالَ: فِيهَا جَزُورٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ. قَالَ: وَكَأَنَّ نَاسًا كَرِهُوهَا فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ إِنْسَانًا يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ. فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: "اللهُ أَكْبَرُ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ صلى الله عليه وآله وسلم" رواه مسلم.
لكن اختلف الفقهاء فيمَن يَلْزَمه الهدي في هذه الصورة؛ هل يجب على الحاج أو على مَن ينوب عنه؟
فيرى الحنفية: أنه يجب هدي التمتع في هذه الحالة على الحاجِّ لا على المحجوج عنه، وعلة ذلك: أَنَّ الحاج جامعٌ بين النسكين، ولا يحتاج إلى نفقةٍ أخرى لأداء النسك الثاني.
قال شمس الأئمة السرخسي في "المبسوط" (4/ 156، ط. دار الفكر): [(قال): وكل دم يلزم المجهز يعني الحاج عن الغير فهو عليه في ماله؛ لأنه إن كان دم نسك فإقامة المناسك عليه، وإن كان دم كفارة فالجناية وجدت منه] اهـ.
وقال العلامة ابن الهمام في "فتح القدير" (3/ 152): [قال: (فإن أمره غيره أن يقرن عنه فالدم على من أحرم)؛ لأنَّه وجب شكرًا لما وفقه الله تعالى من الجمع بين النسكين، والمأمور هو المختص بهذه النعمة لأن حقيقة الفعل منه، وهذه المسألة تشهد بصحة المروي عن محمد -رحمه الله- أن الحج يقع عن المأمور. (وكذلك إن أمره واحد بأن يحج عنه والآخر بأن يعتمر عنه وأذنا له بالقران) فالدم عليه لما قلنا] اهـ.
ويرى الشافعية والحنابلة: أنَّ المحرم عن غيره بالحج إما أن يكون متطوعًا، وإما أن يكون مستأجَرًا، فإن كان متطوعًا، وطلب منه الحج مفردًا فاعتمر عن نفسه أولًا، ثم أحرم بالحج في أشهر الحج عن غيره، فإن كان أَذِن له المستنيبُ في التمتع كان دم التمتع على المستنيب له، وأما إذا لم يؤذن له في التمتع فيجب على المتطوع في هذه الحالة دم التمتع.
ويرى الشافعية أيضًا: أنه إذا كان المحرم مستأجَرًا بأن أخذ نفقة الحج من المعضوب -الذي يمنعه المرض من السفر للحج- أو من أولياء الميت، وأذنوا له في التمتع فدم التمتع يكون مناصفة بينه وبينهم، وإذا لم يؤذن له فالدم يكون على المستأجَر.
يقول الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" (7/ 175، ط. دار الفكر) في شروط وجوب التمتع: [(الشرط الخامس) مختلف فيه، وهو أنه هل يشترط وقوع النسكين عن شخص واحد؟ فيه وجهان مشهوران. قال الخضري: يشترط، وقال الجمهور: لا يشترط. وهو المذهب. قال أصحابنا: ويتصور فوات هذا الشرط في صور (إحداها) أن يستأجره شخص لحج وآخر لعمرة. (الثانية) أن يكون أجيرًا في عمرة فيفرغ منها ثم يحل لنفسه. (الثالثة) أن يكون أجيرًا لحج فيعتمر لنفسه ثم يحج للمستأجر. (فإن قلنا) بقول الجمهور قال أصحابنا: وجب نصف دم التمتع على من يقع له الحج، ونصفه على من تقع له العمرة. قال الرافعي: وليس هذا الإطلاق على ظاهره بل هو محمول على تفصيلٍ ذكره البغوي. (أما) في الصورة الأولى فقال: إن أذن المستأجر في التمتع فالدم عليهما نصفان وإلا فعلى الأجير، وعلى قياسه أنه إن أذن أحدهما فقط فالنصف على الآذن والنصف على الأجير. (وأما) في الصورتين الأخريين فقال: إن أذن له المستأجر في التمتع فالدم عليهما نصفان، وإلا فالجميع على الأجير] اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة في "المغني" (3/ 226): [فأما النائب غير المستأجر، فما لزمه من الدماء بفعل محظور، فعليه في ماله؛ لأنه لم يؤذن له في الجناية، فكان موجبًا عليه، كما لو لم يكن نائبًا، ودم المتعة والقران -إن أذن له في ذلك- على المستنيب؛ لأنه أذن في سببهما، وإن لم يؤذن له، فعليه؛ لأنه كجنايته] اهـ.
وبناءً على ما سبق وفي واقعة السؤال: فإنَّ مَن اعتمر في أشهر الحج بالعمرة لنفسه وتَحَلَّل منها، ثم أحرم بالحج من مكة عن ميتٍ، ولم يكن الحاجُّ من أهل مكة فإنه يكون مُتَمتِّعًا، ويجب عليه دم التمتع، فإن كان متطوعًا وأَذِن له المستنيبُ في التمتع كان دم التمتع على المستنيب، وأَمَّا إذا لم يُؤذَن له في التمتع فيجب على المتطوع في هذه الحالة دم التمتع وحده، وإن كان المحرم مُسْتَأجَرًا فدَم التَّمَتُّع يكون مناصفة بينه وبين الـمُسْتَأجِر، شريطة الإذن من الـمُسْتَأجِر، فإذا لم يُؤذَن له فدم التمتع يكون على الحاج فقط، ولا يتَحَمَّل الـمُسْتَأجِر شيئًا منه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

اعتمر عن نفسه وحج عن غيره

رجلٌ اعتمر في أَشْهُر الحج ولم يخرج مِن الحرم، ثم أَحْرَم بالحج نيابةً عن ميت، هل هذا تَمَتُّع؟ وهل يجب عليه هدْيُ تَمَتُّع؟ ومَن الذي يجب عليه الهدي في هذه الصورة؟

إذا اعتمر الحاج في أشهر الحج عن نفسه وتَحَلَّل من عمرته، ثم أحرم بالحج من مكة عن ميتٍ، ولم يكن الحاجُّ من أهل مكة: فإنه يكون مُتَمتِّعًا، ويجب عليه دم التمتع؛ فإن كان متطوعًا وأَذِن له المستنيبُ في التمتع كان دم التمتع على المستنيب، وأَمَّا إذا لم يُؤذَن له في التمتع فيجب على المتطوع في هذه الحالة دم التمتع وحده، وإن كان مُسْتَأجَرًا فدَم التَّمَتُّع يكون مناصفة بينه وبين الـمُسْتَأجِر، شريطة الإذن من الـمُسْتَأجِر، فإذا لم يُؤذَن له فدم التمتع يكون عليه ولا يتَحَمَّل الـمُسْتَأجِر شيئًا منه.

التفاصيل ....

التَّمَتُّع عند الفقهاء: أن يعتمر مَنْ ليس من أهل مكة، ويُحِلُّ مِن عمرته في أشهر الحج -وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة- ثُمَّ يحج من عامه ولم يرجع إلى بلده، أو بلد مثل بلده بين الحج والعمرة، فمن حصل له ذلك فهو متمتع. وسُمِّي تَمَتُّعًا؛ لِأَنَّهُ يسْتَمْتع بالمحظورات إِذا تَحَلَّل عَن الْعمرَة إِلَى أَن يحرم بِالْحَجِّ.
ينظر: "البناية شرح الهداية" للإمام بدر الدين العيني (3/ 130، ط. دار الكتب العلمية)، و"الفواكه الدواني" للإمام النفراوي (1/ 434، ط. دار الفكر)، و"حاشية القليوبي على شرح المحلي" (2/ 128، ط. دار الفكر)، و"المغني" للعلامة ابن قدامة (3/ 468، ط. مكتبة القاهرة).
فهذا هو القَدْر المشترك بين الفقهاء للوصف الفقهي للفظ "التَّمَتُّع"؛ لكن الفقهاء اختلفوا في تفاصيل ذلك:
فيرى السادة الحنفية، والسادة الشافعية، والسادة الحنابلة على المعتمد: أنَّه لا يشترط وقوع النسكين -أي: العمرة والحج- في السَّفْرة الواحدة عن شخصٍ واحد حتى يوصف الشخص بالمتمتع، بل يصح أن تقع العمرة عن شخصٍ، والحج عن شخصٍ آخر.
يقول شيخ الإسلام الكمال بن الهمام في "فتح القدير" (3/ 152، ط. دار الفكر): [(وكذلك إن أمره واحد بأن يحج عنه، والآخر بأن يعتمر عنه وأذنا له بالقران) فالدم عليه لما قلنا] اهـ.
وقال العلامة المرغيناني في "الهداية شرح بداية المبتدي" (1/ 178، ط. دار إحياء التراث العربي): [ثم ظاهر المذهب أن الحج يقع عن المحجوج عنه، وبذلك تشهد الأخبار الواردة في هذا الباب؛ كحديث الخثعمية، فإنه عليه الصلاة والسلام قال لها: «حُجِّي عَنْ أَبِيكِ واعتمري»] اهـ.
وقال العلامة الشمس الرملي في "نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج" (3/ 327، ط. دار الفكر): [لا يشترط لوجوب الدم نيةُ التمتع ولا وقوع النسكين عن شخص واحد ولا بقاؤه حيًّا] اهـ.
وقال العلامة البهوتي في "كشاف القناع عن متن الإقناع" (2/ 413، ط. دار الفكر): [(ولا يعتبر وقوع النسكين عن واحد، فلو اعتمر لنفسه وحج عن غيره أو عكسه) بأن اعتمر عن غيره وحج عن نفسه (أو فعل ذلك عن اثنين) بأن حج عن أحدهما واعتمر عن الآخر (كان عليه دم المتعة) لظاهر الآية وهو على النائب إن لم يأذنا له في ذلك إن لم يرجع إلى الميقات فيحرم منه؛ لأنه سبب مخالفته وإن أذنا فعليهما، وإن أذن أحدهما وحده فعليه النصف والباقي على النائب على ما ذكره في الشرح فيما إذا استنابه اثنان في النسكين فقرن بينهما لهما، أو استنابه واحد في أحد النسكين فقرن له ولنفسه] اهـ.
أما السادة المالكية فاختَلَف النَّقْل عن المتأخرين منهم في هذه المسألة:
فيرى بعضهم كرأي الجمهور السابق ذكره، وفي ذلك يقول الشيخ عليش المالكي في "منح الجليل" (2/ 240، ط. دار الفكر) أثناء حديثه عن شروط دم التمتع: [(وفي شرط كونهما) أي: الحج والعمرة (عن) شخص (واحد) فلو كان الحج عن شخص والعمرة عن آخر فلا دم، وعدمه (تَردُّد) من المتأخرين في النَّقْل عن المتقدمين؛ فنقل الشيخ، والصقلي، واللخمي: عدم اشتراط ذلك] اهـ.
ويرى البعض منهم أنَّه يشترط لوصف التمتع وقوع الحج والعمرة من شخص واحد، وهذا ما نقله العلامة ابن الحاجب؛ وقد حكاه الشيخ عليش عنه فقال في آخر النقل السابق: [وقال ابن الحاجب: الأشهر اشتراطه] اهـ.
هذا وقد أجمع الفقهاء على أنه يجب على المتَمَتِّع دمُ نُسُكٍ إذا لم يكُنْ مِن حاضِرِي المسجِدِ الحرامِ؛ قال العلامة ابن المنذر في "الإشراف على مذاهب العلماء" (3/ 296، ط. مكتبة مكة الثقافية): [أجمع أهل العلم على أن من أهلَّ بعمرة في أشهر الحج من الآفاق من الميقات، وقدم مكة ففرغ منها، وأقام بها فحج من عامه أنه متمتع، وعليه الهدي إن وجد، وإلا فالصيام] اهـ.
والهدي الواجب في ذلك: شاة أو بقرة أو بعير أو سُبع البقرة أو البعير عند جمهور الفقهاء، فمَنْ لم يجِدْ فلْيَصُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ في الحَجِّ وسبعةً إذا رَجَعَ، ويقوم المتمتع بذبح هدي لجمعه بين نسكين في سفرة واحدة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: 196].
ولما ورد عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ» رواه مسلم.
وعَنْ أَبِي جَمْرَةَ نَصْرِ بْنِ عمرَانَ الضُّبَعِيِّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ الْمُتْعَةِ، فَأَمَرَنِي بِهَا وَسَأَلْتُهُ عَنِ الْهَدْيِ فَقَالَ: فِيهَا جَزُورٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ. قَالَ: وَكَأَنَّ نَاسًا كَرِهُوهَا فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ إِنْسَانًا يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ. فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: "اللهُ أَكْبَرُ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ صلى الله عليه وآله وسلم" رواه مسلم.
لكن اختلف الفقهاء فيمَن يَلْزَمه الهدي في هذه الصورة؛ هل يجب على الحاج أو على مَن ينوب عنه؟
فيرى الحنفية: أنه يجب هدي التمتع في هذه الحالة على الحاجِّ لا على المحجوج عنه، وعلة ذلك: أَنَّ الحاج جامعٌ بين النسكين، ولا يحتاج إلى نفقةٍ أخرى لأداء النسك الثاني.
قال شمس الأئمة السرخسي في "المبسوط" (4/ 156، ط. دار الفكر): [(قال): وكل دم يلزم المجهز يعني الحاج عن الغير فهو عليه في ماله؛ لأنه إن كان دم نسك فإقامة المناسك عليه، وإن كان دم كفارة فالجناية وجدت منه] اهـ.
وقال العلامة ابن الهمام في "فتح القدير" (3/ 152): [قال: (فإن أمره غيره أن يقرن عنه فالدم على من أحرم)؛ لأنَّه وجب شكرًا لما وفقه الله تعالى من الجمع بين النسكين، والمأمور هو المختص بهذه النعمة لأن حقيقة الفعل منه، وهذه المسألة تشهد بصحة المروي عن محمد -رحمه الله- أن الحج يقع عن المأمور. (وكذلك إن أمره واحد بأن يحج عنه والآخر بأن يعتمر عنه وأذنا له بالقران) فالدم عليه لما قلنا] اهـ.
ويرى الشافعية والحنابلة: أنَّ المحرم عن غيره بالحج إما أن يكون متطوعًا، وإما أن يكون مستأجَرًا، فإن كان متطوعًا، وطلب منه الحج مفردًا فاعتمر عن نفسه أولًا، ثم أحرم بالحج في أشهر الحج عن غيره، فإن كان أَذِن له المستنيبُ في التمتع كان دم التمتع على المستنيب له، وأما إذا لم يؤذن له في التمتع فيجب على المتطوع في هذه الحالة دم التمتع.
ويرى الشافعية أيضًا: أنه إذا كان المحرم مستأجَرًا بأن أخذ نفقة الحج من المعضوب -الذي يمنعه المرض من السفر للحج- أو من أولياء الميت، وأذنوا له في التمتع فدم التمتع يكون مناصفة بينه وبينهم، وإذا لم يؤذن له فالدم يكون على المستأجَر.
يقول الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" (7/ 175، ط. دار الفكر) في شروط وجوب التمتع: [(الشرط الخامس) مختلف فيه، وهو أنه هل يشترط وقوع النسكين عن شخص واحد؟ فيه وجهان مشهوران. قال الخضري: يشترط، وقال الجمهور: لا يشترط. وهو المذهب. قال أصحابنا: ويتصور فوات هذا الشرط في صور (إحداها) أن يستأجره شخص لحج وآخر لعمرة. (الثانية) أن يكون أجيرًا في عمرة فيفرغ منها ثم يحل لنفسه. (الثالثة) أن يكون أجيرًا لحج فيعتمر لنفسه ثم يحج للمستأجر. (فإن قلنا) بقول الجمهور قال أصحابنا: وجب نصف دم التمتع على من يقع له الحج، ونصفه على من تقع له العمرة. قال الرافعي: وليس هذا الإطلاق على ظاهره بل هو محمول على تفصيلٍ ذكره البغوي. (أما) في الصورة الأولى فقال: إن أذن المستأجر في التمتع فالدم عليهما نصفان وإلا فعلى الأجير، وعلى قياسه أنه إن أذن أحدهما فقط فالنصف على الآذن والنصف على الأجير. (وأما) في الصورتين الأخريين فقال: إن أذن له المستأجر في التمتع فالدم عليهما نصفان، وإلا فالجميع على الأجير] اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة في "المغني" (3/ 226): [فأما النائب غير المستأجر، فما لزمه من الدماء بفعل محظور، فعليه في ماله؛ لأنه لم يؤذن له في الجناية، فكان موجبًا عليه، كما لو لم يكن نائبًا، ودم المتعة والقران -إن أذن له في ذلك- على المستنيب؛ لأنه أذن في سببهما، وإن لم يؤذن له، فعليه؛ لأنه كجنايته] اهـ.
وبناءً على ما سبق وفي واقعة السؤال: فإنَّ مَن اعتمر في أشهر الحج بالعمرة لنفسه وتَحَلَّل منها، ثم أحرم بالحج من مكة عن ميتٍ، ولم يكن الحاجُّ من أهل مكة فإنه يكون مُتَمتِّعًا، ويجب عليه دم التمتع، فإن كان متطوعًا وأَذِن له المستنيبُ في التمتع كان دم التمتع على المستنيب، وأَمَّا إذا لم يُؤذَن له في التمتع فيجب على المتطوع في هذه الحالة دم التمتع وحده، وإن كان المحرم مُسْتَأجَرًا فدَم التَّمَتُّع يكون مناصفة بينه وبين الـمُسْتَأجِر، شريطة الإذن من الـمُسْتَأجِر، فإذا لم يُؤذَن له فدم التمتع يكون على الحاج فقط، ولا يتَحَمَّل الـمُسْتَأجِر شيئًا منه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;