رمي الجمرات بعد منتصف الليل

ما مدى صحة رمي الجمرات بعد الساعة 12 مساءً؛ استنادًا إلى أن الرمي على مدار اليوم؟

يجوز شرعًا رمي جمرة العقبة وجمرات أيام التشريق بدءًا مِن متنصف الليل، ونصف الليل يُحسَب بقسمة ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر الصادق على اثنين وإضافة الناتج لبداية وقت غروب الشمس، لا بقسمة ما بين وقتَي العشاء والفجر، وإذا رمى الحاجُّ بعد نصف ليلة اليوم الثاني من أيام التشريق جاز له النفر، ولا شيء عليه.

التفاصيل ....

الحج مِن العبادات التي جَعَلَ الشرعُ مَبنَى أمرِها على التخفيف والتيسير، وقد وَرَدَ في السُّنَّة تأصيلُ قاعدةِ ذلك؛ فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وَقَفَ في حجة الوداع بِمِنًى لِلناس يَسألونه، فجاءه رجلٌ فقال: لم أشعُر فحَلَقْتُ قبل أنْ أذبح؟ فقال: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ»، فجاء آخر فقال: لم أشعُر فنَحَرْتُ قبل أن أرمي؟ قال: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، فما سُئِلَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عن شيءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قال: «افْعَلْ وَلا حَرَجَ» متفقٌ عليه.
ومناسك الحج على قِسمين: فمِنها أمورٌ أجمَعَ عليها المسلمون، لا يجوز الخروج عنها، وفيها مسائل اختَلَفَ فيها الأئمةُ الفقهاء، وهذه المسائل الخِلَافية ينبغي التخفيف فيها على المسلمين؛ إذْ مِن القواعد المقررة شرعًا في التعامل مع المسائل الخلافية أنه "لا يُنكَر المختلفُ فيه وإنما يُنكَر المتفق عليه"، وأنه "يجوز الأخذ بقول أيٍّ مِن المجتهدين في مسائل الخلاف ما دام ذلك موافِقًا لِلمصلحة ومُحَقِّقًا للتيسير والتخفيف"، وأنَّ "الخروجَ مِن الخلاف مستحبٌّ حيث أمكَنَ ذلك ولا مُعارِض"، فإذا تقرر أنَّ حِفْظَ النفس مِن مقاصد الشرع الكلية المقدمة على غيرها مِن المقاصد، وأنَّ الالتزام في الخِلَافيات بقول بعض المجتهدين -ولو كانوا جمهور الفقهاء- مشروطٌ بأن لا يكون على حساب حفظ النفوس والمُهَج، وإلَّا فالأخذ بقول المُرَخِّصِين والمُيَسِّرِين مِن الفقهاء يُصبح واجبًا؛ دَرءًا لِمَا يحدث مِن حالات الإصابات والوفيات الناتجة عن تزاحم الحجاج في أوقاتٍ واحدةٍ على مناسك مُعينة، وليس مِن الفقه تطبيقُ شيءٍ مستحبٍّ أو مُختَلَفٍ فيه على حساب أرواح الناس ومُهَجِهِم.
ورمي الجمرات مِن واجبات الحج، وهي نوعان: جمرة العقبة الكبرى، ورمي الجمرات أيام التشريق:
فأما رمي جمرة العقبة الكبرى: فقد أجاز الشافعية والحنابلة وغيرهم رميَها بعد نصف ليلة النحر للقادر والعاجز على السواء؛ استدلالًا بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت" رواه أبو داود، وقال الحافظ ابن حجر في "بلوغ المرام": [وإسناده على شرط مسلم] اهـ.
قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (1/ 493، ط. دار الكتاب الإسلامي): [وَوُجِّهَتْ الدَّلَالَةُ مِنْ الْخَبَرِ بأنه صلى الله عليه وآله وسلم علَّق الرميَ بما قبل الفجر وهو صالحٌ لجميع الليل، ولا ضابط له، فجُعِلَ النصفُ ضابطًا؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة مما قبله؛ ولأنه وقتُ الدفع مِن مزدلفة] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (3/ 219، ط. دار إحياء التراث العربي): [ولرمي هذه الجمرة وقتان: وقت فضيلةٍ، ووقت إجزاءٍ، فأما وقت الفضيلة فبعد طلوع الشمس... وأما وقت الجواز فأوله نصف الليل مِن ليلة النحر، وبذلك قال عطاء وابن أبي ليلى وعكرمة بن خالد والشافعي] اهـ.
وأما رمي الجمرات في أيام التشريق: فللعلماء في بداية وقته ثلاثة أقوال:
القول الأول: قول جمهور العلماء؛ أن رمي كل يومٍ مِن أيام التشريق لا يجوز إلَّا بعد الزوال؛ استدلالًا بفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عند "مسلمٍ" وغيره -ورواه البخاري معلَّقًا- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رمى الجمرة يوم النحر ضحًى، وأمَّا بعد فإذا زالت الشمس.
القول الثاني: أنه يجوز الرمي قبل الزوال يوم النفر؛ وهو مرويٌّ عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقول عكرمة، وإسحاق بن راهويه، والمشهور عن أبي حنيفة، وروايةٌ عن أحمد قال بها بعض الحنابلة إلَّا أنه اشترط ألَّا ينفر إلَّا بعد الزوال، وفي روايةٍ عن أبي حنيفة وافقه عليها أبو يوسف رحمهما الله تعالى جوازُ الرمي قبل الزوال في النفر الأول إن كان قصده التعجل.
القول الثالث: أنه يجوز للحاج أن يرمي قبل الزوال في سائر أيام التشريق، وهو مذهب جماعاتٍ مِن العلماء سلفًا وخلفًا، منهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، رضي الله عنهم، وطاوس بن كيسان، وعطاء بن أبي رباح في إحدى الروايتين عنه، والإمام أبو جعفر محمد الباقر، وهو روايةٌ عن الإمام أبي حنيفة، وذكر التقي السبكي أنه المعروف والراجح مِن مذهب الشافعي، وكذا قال العزُّ بن جماعة، والجمال الإسنوي، وغيرهم، ونقله إمام الحرمين في "نهاية المطلب" (4/ 323، ط. دار المنهاج) عن الأئمة، ونقله الروياني في "بحر المذهب" (5/ 217، ط. دار إحياء التراث العربي) عن بعض الشافعية بخراسان، واختاره حجة الإسلام الغزالي والفوراني والعمراني والرافعي وغيرهم من الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد قال بها جماعة من الحنابلة كأبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج بن الجوزي وأبي الحسن بن الزاغوني وغيرهم؛ قال ابن مفلح الحنبلي في "الفروع" (6/ 59، ط. مؤسسة الرسالة): [وجَوَّزه ابن الجوزي قبل الزوال، وفي "الواضح": بطلوع الشمس إلَّا ثالث يوم، وأطلق أيضًا في منسكه أن له الرمي مِن أول، وأنه يرمي في الثالث كاليومين قبله، ثم ينفر] اهـ. ونقل الحافظ ابن رجب الحنبلي في "الذيل على طبقات الحنابلة" (1/ 408، ط. مكتبة العبيكان) عن ابن الزاغوني في "مناسكه" أن رمي الجمار أيام منًى ورمي جمرة العقبة يوم النحر يجوز قبل الزوال وبعده والأفضل بعده.
وقد استدل أصحاب هذا القول بأدلةٍ منها: ما رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" -واللفظ للبخاري- مِن حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُسأل يوم النحر بمنًى فيقول: «لَا حَرَجَ»، فسأله رجل فقال: حلقتُ قبل أن أذبح؟ فقال: «اذْبَحْ ولَا حَرَجَ»، وقال آخر: رميتُ بعدما أمسيتُ؟ فقال: «لَا حَرَجَ»، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم ما سُئِل في ذلك اليوم عن شيء قُدِّم أو أُخِّر إلا قال: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ».
وهذا يقتضي رفع الحرج في وقت الرمي، وأن التقديم فيه لا يضر، كما لا يضر في غيره مِن المناسك.
ومنها: ما أخرجه الدار قطني وغيره مِن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم «رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا بِاللَّيْلِ وَأَيَّ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ شَاءُوا».
قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "الكافي" (1/ 528-529، ط. دار الكتب العلمية): [وكل ذي عذرٍ مِن مرضٍ أو خوفٍ على نفسه أو ماله كالرعاة في هذا؛ لأنهم في معناهم] اهـ. ويأتي هنا ما ذكرناه من كون الزحام في هذا الزمن مرخِّصًا في ترك المبيت بمزدلفة.
ومِن أجل ذلك فقد أجاز الشافعية والحنابلة أن يجمع الحاج الجمار كلها -بما فيها جمرة العقبة يوم النحر- فيرميها جملةً واحدةً عندما يريد النفر في اليوم الثاني أو الثالث مِن أيام التشريق، وتقع حينئذٍ أداءً لا قضاءً في أصح الوجهين؛ لأن أيام منًى كلها كالوقت الواحد، وهو الظاهر مِن مذهب الشافعي كما قال الإمام النووي في "المجموع"، وهو المذهب عند الحنابلة كما نص عليه الإمام ابن قدامة في "المغني".
والمُجَوِّزون للرمي أيام التشريق قبل الزوال لهم أقوال في بدايته:
فمِنهم مَن قَيَّده بأنه بعد الفجر؛ كبعض الحنفية، ومِنهم مَن جعله بعد طلوع الشمس؛ كما هو عند الحنابلة، أما الشافعية فإن المُصَحَّح عندهم أن أيام التشريق كلها كالوقت الواحد؛ فيجوز فيها التأخير، وأما التقديم ففيه خلافٌ بين المتأخرين منهم والمتقدمين، والزوال عندهم إنما هو وقت اختيارٍ لا وقت صحة.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في "الإملاء" -كما نَقَلَهُ الإمامُ العِزُّ بن جماعة في "هداية السالك" (4/ 1341، تحقيق: د. الخزيم)-: [وليس يجوز في رمي الجمار إلَّا واحدٌ مِن قولين:
أحدهما: أن يكون رميها محدود الأول، وتكون كل جمرةٍ منها في يومها دون ليلتها، فإذا غربت مِن يومها أهرق دمًا، أو رماها ولا يهريق دمًا.
والثاني: أن يكون حدها الأول معروفًا والآخر آخر أيام التشريق، فلا يفوت منها واحدة فوتًا يجب به على صاحبه دمٌ حتى تنقضي أيام التشريق، وبهذا نقول] اهـ.
قال الإمام العز بن جماعة الشافعي (4/ 1342): [ويحصل مِن مجموع ما ذكره أربعة أقوال في رمي اليومين الأولين:
أصحها: يرمي إلى آخر أيام التشريق أداءً ولا دم عليه.
والثاني: يرمي بعد انقضاء اليوم قضاءً، وعليه دم.
والثالث: يرمي قضاءً ولا دم عليه.
والرابع: لا يرمي وعليه دمٌ.
وإذا قلنا بالقول الأول: فقال الرافعي في "الشرحين" تبعًا للغزالي في "الوسيط": إن جميع أيام منًى في حكم الوقت الواحد، وكل يوم للقدر المأمور به وقت اختيار؛ كأوقات الاختيار للصلوات، وهذا يقتضي جواز تقديم رمي يوم إلى يوم، وتأخير رمي يوم إلى غده، وبه صرح الفوراني والرافعي في "الشرحين" تفريعًا على هذا القول، ونقل الإمام عن الأئمة تفريعًا عليه: أنه لا يمتنع التقدم] اهـ.
ثم قال (4/ 1343): [وقال الإمام: إن الوجهَ القطعُ بالمنع، وبه جزم الغزالي في "الوسيط" تفريعًا على الأداء. وظاهر ما قدَّمتُه من نص الشافعي رحمه الله في "الأم" ونصه في "الإملاء" يخالفه ويقتضي الجواز؛ فهو الذي يترجح مِن جهة المذهب، والله أعلم] اهـ.
وقال إمام الحرمين في "نهاية المطلب في دراية المذهب" (4/ 323، ط. دار المنهاج): [وإن قلنا إنه يتدارك، فالواقع مِن الرمي في اليوم الثاني قضاء على الحقيقة، أم أداء تأخر عن وقت الاختيار؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم مَن قال: هو أداء، وجملة أيام منًى في حكم الوقت الواحد للرمي، ولكن تخير الشرع لكل قدرٍ منها وقتًا، فهو كالأوقات المختارة في الصلوات.
وبنى الأئمة على هذا الاختلاف جواز تقديم رمي يومٍ إلى يوم، وقالوا: إن قلنا: رمي اليوم الأول مقضيٌّ في الثاني، فلا يجوز التقديم، وإن قلنا: إنه مؤدًّى وإن أُخِّر، فلا يمتنع التقديم أيضًا] اهـ.
وقال الإمام الفوراني في "الإبانة" -كما نقله العمراني في "البيان" (4/ 353، ط. دار المنهاج): [إن قلنا: إنه إذا فاته رمي يومٍ يقضيه ففيما بعده، فهل يجوز له تعجيل رمي يوم النفر إلى يوم القر؟ فيه وجهان؛ بناءً على أنه إذا رمى الفائت في اليوم الأول في اليوم الثاني هل يكون قضاءً أو أداءً؟ فيه وجهان: فإن قلنا: إنه أداءٌ جاز له التعجيل، وكان رمي الأيام الثلاثة كلها عبادةً واحدةً، فيكون كالرمي في أول الوقت. وإن قلنا: إنه قضاءٌ فلا يجوز له التعجيل؛ لأن القضاء يكون بعد الفوات ولم يَفُتْه الرمي بعد] اهـ.
وقال العمراني في "البيان" (4/ 352، ط. دار المنهاج): [الأصح المشهور: أن الأيام الثلاثة كاليوم الواحد، ولا يفوت رمي يومٍ منها إلَّا بخروج الأيام الثلاثة] اهـ.
وقال الإمام التاج السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" (10/ 243، ط. هجر) في ذكر ما صححه والده الإمام المجتهد التقي السبكي شيخ الشافعية في زمنه من حيث المذهب: [وأنه يجوز في اليوم الثاني الرَّمْي قبل الزَّوَال وفي الليل، سواء قُلنا قضاءً أم أداءً] اهـ.
وقال الإمام الإسنوي في "المهمات" (4/ 391، ط. دار ابن حزم): [ما نقله الرافعي عن الإمام (أي إمام الحرمين) من جواز التقديم هو المعروف في المذهب؛ فقد جزم به في "الشرح الصغير" ولم يتوقف فيه كما توقف في "الكبير"، ونقل في "النهاية" أن الأئمة أجازوه، ولم يحكِ فيه خلافًا، وإن كان نقل الرافعي لا يعطيه، ونقله أيضًا كذلك صاحب "التعجيز" في شرحه له، غير أنه نقل عن جده أنه توقف فيه، وجزم به الفوراني في "العمد"] اهـ.
وهذا يقتضي جواز الرمي بعد نصف الليل والنفر بعد الرمي، تمامًا كالقول في الرمي ليلة النحر، وهذا هو مقتضى النقل عن السلف في قياس الرمي أيام التشريق على الرمي ليلة النحر، قال الإمام الماوردي الشافعي في "الحاوي" (4/ 194، ط. دار الفكر): [وقال طَاوُسٌ وَعِكْرِمَةُ: يجوز أن يَرْمِيَ قبْلَ الزَّوَالِ؛ كيوم النحر] اهـ. فكما جاز الرمي بعد انتصاف ليلة النحر فكذلك الحال في الرمي أيام التشريق، فإذا رمى الحاج بعد منتصف ليلة النفر فلا يشترط انتظار النفر إلى الزوال؛ لأنه قد جمع بذلك بين الرمي الجائز والمبيت الذي يتحقق بالحصول لحظةً بعد نصف الليل كما سبق في الرمي ليلة النحر.
وقال إمام الحرمين في "نهاية المطلب" (4/ 334): [المبيت الواقع نسكًا لو تركه الناسك هل يلزمه أن يفديه أم لا؟ فيه قولان للشافعي؛ أحدهما: أنه يلزم، كما يلزم الدم بترك الرمي، والمبيت شعار ظاهر معتبر في الشرع كالرمي، فإذا وجبت الفدية في ترك الرمي فلتجب في ترك المبيت.
والقول الثاني: لا يجب الدم؛ فإن المبيت رَيْثٌ، ولُبْثٌ لانتظار شعار الرمي، فليس مقصودًا في نفسه، وهذا المعنى يجري أيضًا في المبيت بمزدلفة؛ فإن أوقات المناسك المنتظرة يدخل بانتصاف الليل، فشُرِعَ مبيت إلى ذلك الوقت] اهـ.
وأما ما نقله الإمام العمراني في "البيان" (4/ 362، ط. دار المنهاج) عن الشريف العثماني الشافعي وصححه الطبري شارح "التنبيه" مِن أن شرط النفر الانتظار إلى ما بعد الزوال وإلَّا كان النفر فاسدًا: ففيه نظر كما حققه الإمام الإسنوي في "المهمات" (4/ 381)؛ حيث قال: [وكلام الطبري وصاحب "البيان" مُشْعِرٌ بأنهما لم يقفا في المسألة على نقل، وقد ذكرها -أي إمام الحرمين- في "النهاية" مبسوطةً مخالفةً لِمَا ذكراه، ونقل -أي الإمام النووي- في "شرح المهذب" ذلك بجملته مستحسنًا له] اهـ.
وحينئذٍ فإذا رمى متعجلًا فلا معنى لاشتراط الانتظار إلى الزوال؛ لأن المكث بمنًى والمبيت بها إنما شُرِعَ لانتظار شعار الرمي لا أنه مقصودٌ في نفسه.
قال إمام الحرمين في "النهاية" (4/ 332): [ومِن تمام البيان في حكم النفر أن الناسك إذا لم ينفر في النفر الأول حتى غربت الشمس تَقَيَّدَ ولا نَفْرَ، فلْيَبِتْ وليلتزم الرمي في النفر الثاني ولا يتوقف تَقَيُّدُه لأجل الرمي على طلوع فجر ذلك اليوم، وهذا متفقٌ عليه] اهـ.
وقال الإمام الإسنوي في "المهمات" (4/ 383): [قد صرحوا بأن المبيت إنما وجب لأجل الرمي؛ فيكون تابعًا، والتابع لا يوجِب المتبوع] اهـ.
وبِناءً على ذلك: فإنه يجوز شرعًا رمي جمرة العقبة وجمرات أيام التشريق بدءًا مِن منتصف الليل، فإذا رمى الحاج بعد نصف ليلة اليوم الثاني من أيام التشريق جاز له النفر حينئذٍ، ونصف الليل يُحسَب بقسمة ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر الصادق على اثنين وإضافة الناتج لبداية وقت غروب الشمس، لا بقسمة ما بين وقتَيِ العشاء والفجر.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

رمي الجمرات بعد منتصف الليل

ما مدى صحة رمي الجمرات بعد الساعة 12 مساءً؛ استنادًا إلى أن الرمي على مدار اليوم؟

يجوز شرعًا رمي جمرة العقبة وجمرات أيام التشريق بدءًا مِن متنصف الليل، ونصف الليل يُحسَب بقسمة ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر الصادق على اثنين وإضافة الناتج لبداية وقت غروب الشمس، لا بقسمة ما بين وقتَي العشاء والفجر، وإذا رمى الحاجُّ بعد نصف ليلة اليوم الثاني من أيام التشريق جاز له النفر، ولا شيء عليه.

التفاصيل ....

الحج مِن العبادات التي جَعَلَ الشرعُ مَبنَى أمرِها على التخفيف والتيسير، وقد وَرَدَ في السُّنَّة تأصيلُ قاعدةِ ذلك؛ فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وَقَفَ في حجة الوداع بِمِنًى لِلناس يَسألونه، فجاءه رجلٌ فقال: لم أشعُر فحَلَقْتُ قبل أنْ أذبح؟ فقال: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ»، فجاء آخر فقال: لم أشعُر فنَحَرْتُ قبل أن أرمي؟ قال: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، فما سُئِلَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عن شيءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قال: «افْعَلْ وَلا حَرَجَ» متفقٌ عليه.
ومناسك الحج على قِسمين: فمِنها أمورٌ أجمَعَ عليها المسلمون، لا يجوز الخروج عنها، وفيها مسائل اختَلَفَ فيها الأئمةُ الفقهاء، وهذه المسائل الخِلَافية ينبغي التخفيف فيها على المسلمين؛ إذْ مِن القواعد المقررة شرعًا في التعامل مع المسائل الخلافية أنه "لا يُنكَر المختلفُ فيه وإنما يُنكَر المتفق عليه"، وأنه "يجوز الأخذ بقول أيٍّ مِن المجتهدين في مسائل الخلاف ما دام ذلك موافِقًا لِلمصلحة ومُحَقِّقًا للتيسير والتخفيف"، وأنَّ "الخروجَ مِن الخلاف مستحبٌّ حيث أمكَنَ ذلك ولا مُعارِض"، فإذا تقرر أنَّ حِفْظَ النفس مِن مقاصد الشرع الكلية المقدمة على غيرها مِن المقاصد، وأنَّ الالتزام في الخِلَافيات بقول بعض المجتهدين -ولو كانوا جمهور الفقهاء- مشروطٌ بأن لا يكون على حساب حفظ النفوس والمُهَج، وإلَّا فالأخذ بقول المُرَخِّصِين والمُيَسِّرِين مِن الفقهاء يُصبح واجبًا؛ دَرءًا لِمَا يحدث مِن حالات الإصابات والوفيات الناتجة عن تزاحم الحجاج في أوقاتٍ واحدةٍ على مناسك مُعينة، وليس مِن الفقه تطبيقُ شيءٍ مستحبٍّ أو مُختَلَفٍ فيه على حساب أرواح الناس ومُهَجِهِم.
ورمي الجمرات مِن واجبات الحج، وهي نوعان: جمرة العقبة الكبرى، ورمي الجمرات أيام التشريق:
فأما رمي جمرة العقبة الكبرى: فقد أجاز الشافعية والحنابلة وغيرهم رميَها بعد نصف ليلة النحر للقادر والعاجز على السواء؛ استدلالًا بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت" رواه أبو داود، وقال الحافظ ابن حجر في "بلوغ المرام": [وإسناده على شرط مسلم] اهـ.
قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (1/ 493، ط. دار الكتاب الإسلامي): [وَوُجِّهَتْ الدَّلَالَةُ مِنْ الْخَبَرِ بأنه صلى الله عليه وآله وسلم علَّق الرميَ بما قبل الفجر وهو صالحٌ لجميع الليل، ولا ضابط له، فجُعِلَ النصفُ ضابطًا؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة مما قبله؛ ولأنه وقتُ الدفع مِن مزدلفة] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (3/ 219، ط. دار إحياء التراث العربي): [ولرمي هذه الجمرة وقتان: وقت فضيلةٍ، ووقت إجزاءٍ، فأما وقت الفضيلة فبعد طلوع الشمس... وأما وقت الجواز فأوله نصف الليل مِن ليلة النحر، وبذلك قال عطاء وابن أبي ليلى وعكرمة بن خالد والشافعي] اهـ.
وأما رمي الجمرات في أيام التشريق: فللعلماء في بداية وقته ثلاثة أقوال:
القول الأول: قول جمهور العلماء؛ أن رمي كل يومٍ مِن أيام التشريق لا يجوز إلَّا بعد الزوال؛ استدلالًا بفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عند "مسلمٍ" وغيره -ورواه البخاري معلَّقًا- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رمى الجمرة يوم النحر ضحًى، وأمَّا بعد فإذا زالت الشمس.
القول الثاني: أنه يجوز الرمي قبل الزوال يوم النفر؛ وهو مرويٌّ عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقول عكرمة، وإسحاق بن راهويه، والمشهور عن أبي حنيفة، وروايةٌ عن أحمد قال بها بعض الحنابلة إلَّا أنه اشترط ألَّا ينفر إلَّا بعد الزوال، وفي روايةٍ عن أبي حنيفة وافقه عليها أبو يوسف رحمهما الله تعالى جوازُ الرمي قبل الزوال في النفر الأول إن كان قصده التعجل.
القول الثالث: أنه يجوز للحاج أن يرمي قبل الزوال في سائر أيام التشريق، وهو مذهب جماعاتٍ مِن العلماء سلفًا وخلفًا، منهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، رضي الله عنهم، وطاوس بن كيسان، وعطاء بن أبي رباح في إحدى الروايتين عنه، والإمام أبو جعفر محمد الباقر، وهو روايةٌ عن الإمام أبي حنيفة، وذكر التقي السبكي أنه المعروف والراجح مِن مذهب الشافعي، وكذا قال العزُّ بن جماعة، والجمال الإسنوي، وغيرهم، ونقله إمام الحرمين في "نهاية المطلب" (4/ 323، ط. دار المنهاج) عن الأئمة، ونقله الروياني في "بحر المذهب" (5/ 217، ط. دار إحياء التراث العربي) عن بعض الشافعية بخراسان، واختاره حجة الإسلام الغزالي والفوراني والعمراني والرافعي وغيرهم من الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد قال بها جماعة من الحنابلة كأبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج بن الجوزي وأبي الحسن بن الزاغوني وغيرهم؛ قال ابن مفلح الحنبلي في "الفروع" (6/ 59، ط. مؤسسة الرسالة): [وجَوَّزه ابن الجوزي قبل الزوال، وفي "الواضح": بطلوع الشمس إلَّا ثالث يوم، وأطلق أيضًا في منسكه أن له الرمي مِن أول، وأنه يرمي في الثالث كاليومين قبله، ثم ينفر] اهـ. ونقل الحافظ ابن رجب الحنبلي في "الذيل على طبقات الحنابلة" (1/ 408، ط. مكتبة العبيكان) عن ابن الزاغوني في "مناسكه" أن رمي الجمار أيام منًى ورمي جمرة العقبة يوم النحر يجوز قبل الزوال وبعده والأفضل بعده.
وقد استدل أصحاب هذا القول بأدلةٍ منها: ما رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" -واللفظ للبخاري- مِن حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُسأل يوم النحر بمنًى فيقول: «لَا حَرَجَ»، فسأله رجل فقال: حلقتُ قبل أن أذبح؟ فقال: «اذْبَحْ ولَا حَرَجَ»، وقال آخر: رميتُ بعدما أمسيتُ؟ فقال: «لَا حَرَجَ»، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم ما سُئِل في ذلك اليوم عن شيء قُدِّم أو أُخِّر إلا قال: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ».
وهذا يقتضي رفع الحرج في وقت الرمي، وأن التقديم فيه لا يضر، كما لا يضر في غيره مِن المناسك.
ومنها: ما أخرجه الدار قطني وغيره مِن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم «رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا بِاللَّيْلِ وَأَيَّ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ شَاءُوا».
قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "الكافي" (1/ 528-529، ط. دار الكتب العلمية): [وكل ذي عذرٍ مِن مرضٍ أو خوفٍ على نفسه أو ماله كالرعاة في هذا؛ لأنهم في معناهم] اهـ. ويأتي هنا ما ذكرناه من كون الزحام في هذا الزمن مرخِّصًا في ترك المبيت بمزدلفة.
ومِن أجل ذلك فقد أجاز الشافعية والحنابلة أن يجمع الحاج الجمار كلها -بما فيها جمرة العقبة يوم النحر- فيرميها جملةً واحدةً عندما يريد النفر في اليوم الثاني أو الثالث مِن أيام التشريق، وتقع حينئذٍ أداءً لا قضاءً في أصح الوجهين؛ لأن أيام منًى كلها كالوقت الواحد، وهو الظاهر مِن مذهب الشافعي كما قال الإمام النووي في "المجموع"، وهو المذهب عند الحنابلة كما نص عليه الإمام ابن قدامة في "المغني".
والمُجَوِّزون للرمي أيام التشريق قبل الزوال لهم أقوال في بدايته:
فمِنهم مَن قَيَّده بأنه بعد الفجر؛ كبعض الحنفية، ومِنهم مَن جعله بعد طلوع الشمس؛ كما هو عند الحنابلة، أما الشافعية فإن المُصَحَّح عندهم أن أيام التشريق كلها كالوقت الواحد؛ فيجوز فيها التأخير، وأما التقديم ففيه خلافٌ بين المتأخرين منهم والمتقدمين، والزوال عندهم إنما هو وقت اختيارٍ لا وقت صحة.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في "الإملاء" -كما نَقَلَهُ الإمامُ العِزُّ بن جماعة في "هداية السالك" (4/ 1341، تحقيق: د. الخزيم)-: [وليس يجوز في رمي الجمار إلَّا واحدٌ مِن قولين:
أحدهما: أن يكون رميها محدود الأول، وتكون كل جمرةٍ منها في يومها دون ليلتها، فإذا غربت مِن يومها أهرق دمًا، أو رماها ولا يهريق دمًا.
والثاني: أن يكون حدها الأول معروفًا والآخر آخر أيام التشريق، فلا يفوت منها واحدة فوتًا يجب به على صاحبه دمٌ حتى تنقضي أيام التشريق، وبهذا نقول] اهـ.
قال الإمام العز بن جماعة الشافعي (4/ 1342): [ويحصل مِن مجموع ما ذكره أربعة أقوال في رمي اليومين الأولين:
أصحها: يرمي إلى آخر أيام التشريق أداءً ولا دم عليه.
والثاني: يرمي بعد انقضاء اليوم قضاءً، وعليه دم.
والثالث: يرمي قضاءً ولا دم عليه.
والرابع: لا يرمي وعليه دمٌ.
وإذا قلنا بالقول الأول: فقال الرافعي في "الشرحين" تبعًا للغزالي في "الوسيط": إن جميع أيام منًى في حكم الوقت الواحد، وكل يوم للقدر المأمور به وقت اختيار؛ كأوقات الاختيار للصلوات، وهذا يقتضي جواز تقديم رمي يوم إلى يوم، وتأخير رمي يوم إلى غده، وبه صرح الفوراني والرافعي في "الشرحين" تفريعًا على هذا القول، ونقل الإمام عن الأئمة تفريعًا عليه: أنه لا يمتنع التقدم] اهـ.
ثم قال (4/ 1343): [وقال الإمام: إن الوجهَ القطعُ بالمنع، وبه جزم الغزالي في "الوسيط" تفريعًا على الأداء. وظاهر ما قدَّمتُه من نص الشافعي رحمه الله في "الأم" ونصه في "الإملاء" يخالفه ويقتضي الجواز؛ فهو الذي يترجح مِن جهة المذهب، والله أعلم] اهـ.
وقال إمام الحرمين في "نهاية المطلب في دراية المذهب" (4/ 323، ط. دار المنهاج): [وإن قلنا إنه يتدارك، فالواقع مِن الرمي في اليوم الثاني قضاء على الحقيقة، أم أداء تأخر عن وقت الاختيار؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم مَن قال: هو أداء، وجملة أيام منًى في حكم الوقت الواحد للرمي، ولكن تخير الشرع لكل قدرٍ منها وقتًا، فهو كالأوقات المختارة في الصلوات.
وبنى الأئمة على هذا الاختلاف جواز تقديم رمي يومٍ إلى يوم، وقالوا: إن قلنا: رمي اليوم الأول مقضيٌّ في الثاني، فلا يجوز التقديم، وإن قلنا: إنه مؤدًّى وإن أُخِّر، فلا يمتنع التقديم أيضًا] اهـ.
وقال الإمام الفوراني في "الإبانة" -كما نقله العمراني في "البيان" (4/ 353، ط. دار المنهاج): [إن قلنا: إنه إذا فاته رمي يومٍ يقضيه ففيما بعده، فهل يجوز له تعجيل رمي يوم النفر إلى يوم القر؟ فيه وجهان؛ بناءً على أنه إذا رمى الفائت في اليوم الأول في اليوم الثاني هل يكون قضاءً أو أداءً؟ فيه وجهان: فإن قلنا: إنه أداءٌ جاز له التعجيل، وكان رمي الأيام الثلاثة كلها عبادةً واحدةً، فيكون كالرمي في أول الوقت. وإن قلنا: إنه قضاءٌ فلا يجوز له التعجيل؛ لأن القضاء يكون بعد الفوات ولم يَفُتْه الرمي بعد] اهـ.
وقال العمراني في "البيان" (4/ 352، ط. دار المنهاج): [الأصح المشهور: أن الأيام الثلاثة كاليوم الواحد، ولا يفوت رمي يومٍ منها إلَّا بخروج الأيام الثلاثة] اهـ.
وقال الإمام التاج السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" (10/ 243، ط. هجر) في ذكر ما صححه والده الإمام المجتهد التقي السبكي شيخ الشافعية في زمنه من حيث المذهب: [وأنه يجوز في اليوم الثاني الرَّمْي قبل الزَّوَال وفي الليل، سواء قُلنا قضاءً أم أداءً] اهـ.
وقال الإمام الإسنوي في "المهمات" (4/ 391، ط. دار ابن حزم): [ما نقله الرافعي عن الإمام (أي إمام الحرمين) من جواز التقديم هو المعروف في المذهب؛ فقد جزم به في "الشرح الصغير" ولم يتوقف فيه كما توقف في "الكبير"، ونقل في "النهاية" أن الأئمة أجازوه، ولم يحكِ فيه خلافًا، وإن كان نقل الرافعي لا يعطيه، ونقله أيضًا كذلك صاحب "التعجيز" في شرحه له، غير أنه نقل عن جده أنه توقف فيه، وجزم به الفوراني في "العمد"] اهـ.
وهذا يقتضي جواز الرمي بعد نصف الليل والنفر بعد الرمي، تمامًا كالقول في الرمي ليلة النحر، وهذا هو مقتضى النقل عن السلف في قياس الرمي أيام التشريق على الرمي ليلة النحر، قال الإمام الماوردي الشافعي في "الحاوي" (4/ 194، ط. دار الفكر): [وقال طَاوُسٌ وَعِكْرِمَةُ: يجوز أن يَرْمِيَ قبْلَ الزَّوَالِ؛ كيوم النحر] اهـ. فكما جاز الرمي بعد انتصاف ليلة النحر فكذلك الحال في الرمي أيام التشريق، فإذا رمى الحاج بعد منتصف ليلة النفر فلا يشترط انتظار النفر إلى الزوال؛ لأنه قد جمع بذلك بين الرمي الجائز والمبيت الذي يتحقق بالحصول لحظةً بعد نصف الليل كما سبق في الرمي ليلة النحر.
وقال إمام الحرمين في "نهاية المطلب" (4/ 334): [المبيت الواقع نسكًا لو تركه الناسك هل يلزمه أن يفديه أم لا؟ فيه قولان للشافعي؛ أحدهما: أنه يلزم، كما يلزم الدم بترك الرمي، والمبيت شعار ظاهر معتبر في الشرع كالرمي، فإذا وجبت الفدية في ترك الرمي فلتجب في ترك المبيت.
والقول الثاني: لا يجب الدم؛ فإن المبيت رَيْثٌ، ولُبْثٌ لانتظار شعار الرمي، فليس مقصودًا في نفسه، وهذا المعنى يجري أيضًا في المبيت بمزدلفة؛ فإن أوقات المناسك المنتظرة يدخل بانتصاف الليل، فشُرِعَ مبيت إلى ذلك الوقت] اهـ.
وأما ما نقله الإمام العمراني في "البيان" (4/ 362، ط. دار المنهاج) عن الشريف العثماني الشافعي وصححه الطبري شارح "التنبيه" مِن أن شرط النفر الانتظار إلى ما بعد الزوال وإلَّا كان النفر فاسدًا: ففيه نظر كما حققه الإمام الإسنوي في "المهمات" (4/ 381)؛ حيث قال: [وكلام الطبري وصاحب "البيان" مُشْعِرٌ بأنهما لم يقفا في المسألة على نقل، وقد ذكرها -أي إمام الحرمين- في "النهاية" مبسوطةً مخالفةً لِمَا ذكراه، ونقل -أي الإمام النووي- في "شرح المهذب" ذلك بجملته مستحسنًا له] اهـ.
وحينئذٍ فإذا رمى متعجلًا فلا معنى لاشتراط الانتظار إلى الزوال؛ لأن المكث بمنًى والمبيت بها إنما شُرِعَ لانتظار شعار الرمي لا أنه مقصودٌ في نفسه.
قال إمام الحرمين في "النهاية" (4/ 332): [ومِن تمام البيان في حكم النفر أن الناسك إذا لم ينفر في النفر الأول حتى غربت الشمس تَقَيَّدَ ولا نَفْرَ، فلْيَبِتْ وليلتزم الرمي في النفر الثاني ولا يتوقف تَقَيُّدُه لأجل الرمي على طلوع فجر ذلك اليوم، وهذا متفقٌ عليه] اهـ.
وقال الإمام الإسنوي في "المهمات" (4/ 383): [قد صرحوا بأن المبيت إنما وجب لأجل الرمي؛ فيكون تابعًا، والتابع لا يوجِب المتبوع] اهـ.
وبِناءً على ذلك: فإنه يجوز شرعًا رمي جمرة العقبة وجمرات أيام التشريق بدءًا مِن منتصف الليل، فإذا رمى الحاج بعد نصف ليلة اليوم الثاني من أيام التشريق جاز له النفر حينئذٍ، ونصف الليل يُحسَب بقسمة ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر الصادق على اثنين وإضافة الناتج لبداية وقت غروب الشمس، لا بقسمة ما بين وقتَيِ العشاء والفجر.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;