ترك المبيت بمِنى لأهل الأعذار، والتوكيل في رمي الجمار

ما حكم ترك المبيت بمِنًى للضَعَفة والمرضى والنساء من الحجاج؟ وما حكم توكيل هؤلاء لغيرهم في الرمي عنهم؟

يجوز للضعفاء والمرضى والنساء تركُ المبيت بمنًى، كما يجوز لهم أيضًا التوكيل في رمي الجمرات، ولا حرج عليهم في ذلك، ولا يلزمهم بذلك جبرانٌ بدم ولا غيره.

التفاصيل ....

المحافظة على النفس من المقاصد المهمة للشريعة كما هو معلوم، وإذا تعارضت المصالح والمفاسد فإن من المقرر في قواعد الفقه أن درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح، وإذا كان هناك تعارض بين المصالح وُفِّق بينها، وإلا قدم أعلاها على حساب أدناها.
ونفس المؤمن تتوق دائمًا إلى أداء فريضة الحج، إلا أن الله قد جعل ذلك لمن استطاع إليه سبيلًا، كما جعل الإحصار عذرًا في ترك تكملة أداء الناسك.
والمحافظة على أرواح الحجيج واجب شرعي، فعلى الجميع أن يعملوا على المحافظة عليها؛ لعظم حرمتها، وعن ابن عباس قال: لَمَّا نَظَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الكعبة قال: «مَرْحَبًا بِكَ مِنْ بَيْتٍ، مَا أَعْظَمَكَ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكَ، وَلَلمُؤْمِنُ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ حُرْمَةً مِنْكَ» رواه البيهقي في "شعب الإيمان".
وفي هذه الأيام تزداد الحاجة إلى التيسير على الناس في فتاوى الحج وأحكامه؛ فإن من الحكمة مراعاة أحوال الناس في أدائهم لمناسكهم الحج بحيث نجنب الحجيج ما قد يصيبهم من أمراض وأوبئة، حتى يعودوا إلى أهلهم سالمين غانمين إن شاء الله تعالى، خاصة في الأماكن التي يكثر فيها التجمع، والتي جعل الله فيها سعة لعباده.
والمبيت بمنًى لياليَ التشريق مختلف فيه بين العلماء:
فالجمهور من الشافعية الحنابلة والمالكية على أنه واجب.
والحنفية على أنه سنة، ووافقهم في ذلك بعض أقوال في المذاهب الأربعة -وإن كانت غير معتمدة عندهم-.
قال الفقيه داماد الحنفي في "مجمع الأنهر": (1/ 282، ط. دار إحياء التراث العربي): [يكره أن لا يبيت بمنًى ليالي منًى، ولو بات في غيره من غير عذر لا شيء عليه عندنا] اهـ.
وقال العلامة الميرغناني الحنفي في "الهداية" (2/ 501-502 -مع "الهداية" للبابرتي-، ط. دار الفكر): [ويُكرَه أن لا يَبِيتَ بمنًى لياليَ الرمي؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام بات بمنًى، وعمر رضي الله عنه كان يُؤَدِّبُ على ترك المُقام بها، ولو بات في غيرها متعمدًا لا يلزمه شيء عندنا خلافًا للشافعي رحمه الله؛ لأنه وجب ليسهل عليه الرمي في أيامه فلم يكن مِن أفعال الحج، فتركه لا يوجب الجابر] اهـ.
والقول بسنية المبيت في منًى قول للإمام الشافعي، قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "المهذب" (8/ 222 -مع "المجموع"-، ط. المنيرية) في تعليله: [لأنه مبيت؛ فلم يجب؛ كالمبيت ليلةَ عرفة] اهـ.
ونقل العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (4/ 60، ط. دار إحياء التراث العربي) قولًا عن الإمام أحمد أيضًا أنه سنة.
ويدل على القول بالسُّنِّيَّة ما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن العباس رضي الله عنه استأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليبيت بمكة ليالي منًى من أجل سقايته فأذن له، ولو كان المبيت واجبًا لما رُخِّص في تركه لأجل السقاية، فعلم أنه سُنَّة. راجع "فتح القدير" للمحقق الكمال ابن الهُمَام (2/ 501، 502، ط. دار الفكر).
ومما يقوي القول بالسنية أيضًا أن يقال: إن المبيت ليس مقصودًا في نفسه، بل قد شُرِعَ لمعنًى معقول، وهو الرفق بالحاج؛ بجعله أقرب لمكان الرمي في غده، فهو مشروع لغيره، لا لذاته، وما كان كذلك فالشأن فيه ألَّا يكون واجبًا.
وإذا أضفنا إلى ما سبق اعتبار ما يَعتَرِي الحجيجَ مِن تعبٍ شديدٍ وضيق مكانٍ وخَوف مرضٍ، كان القول بسنية المبيت بمنًى وعدم وجوبه هو المختار للفتوى.
وإذا قلنا بالسُّنيَّةِ لا الوجوب فمَن ترك مبيت الأيام الثلاثة جميعًا فمِن العلماء مَن قال: إنه يسن له أن يجبره بدم ولا يجب، ومن ترك مبيت ليلة واحدة جبرها بالتصدق بمُدٍّ من طعام، وهذا هو ما يستتبع القول الآخر للإمام الشافعي بسنية المبيت بمنًى.
قال الإمام النووي في "المجموع" (8/ 223): [فإن قلنا: المبيت واجب كان الدم واجبًا، وإن قلنا سنة فسنة] اهـ.
وقال الحنفية والإمام أحمد في رواية: إنه لا يلزم من ترك المبيت بمنًى شيء.
وقال الإمام أحمد: [لا شيء عليه، وقد أساء] اهـ. "المغني" لابن قدامة (3/ 232).
وحتى على قول الجمهور أن المبيت بمنًى واجب فإنهم يرخصون لِمَن كان ذا عذر شرعي بترك المبيت ولا إثم عليه حينئذٍ ولا كراهة ولا يلزمه شيء أيضًا، ولا شك أن الخوف من المرض من جملة الأعذار الشرعية المرعية.
قال الإمام النووي في "منسكه" (ص399-402 -مع "حاشية العلامة الهيتمي"-، ط. دار الحديث ببيروت): [أما من ترك مبيت مزدلفة أو منًى لعذر فلا شيء عليه، والعذر أقسام: ... الثالث: مَن له عذر بسبب آخر؛ كمن ... يخاف على نفسه أو مال معه ... فالصحيح أنه يجوز لهم ترك المبيت، ولهم أن ينفروا بعد الغروب ولا شيء عليهم] اهـ بتصرف.
وقال الشيخ الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (2/ 266، ط. دار الكتب العلمية): [ويُعذَر في ترك المبيت وعدم لزوم الدم خائفٌ على نفس أو مال أو فوت أمر يطلبه؛ كآبق أو ضياع مريض بترك تعهده؛ لأنه ذو عذر فأشبه الرعاء وأهل السقاية، وله أن ينفر بعد الغروب كما يؤخذ من التشبيه بأهل السقاية] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (5/ 257): [وأهل الأعذار من غير الرعاء كالمرضى، ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم؛ كالرعاء في ترك البيتوتة؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخص لهؤلاء تنبيهًا على غيرهم، أو نقول: نص عليه لمعنًى وُجد في غيرهم، فوجب إلحاقه بهم] اهـ.
وقد وردت الرخصة من الشارع لأهل الرعاء والسقاية في ترك المبيت في منًى؛ فروى الإمام مالك في "موطئه" عن عاصِمِ بنِ عَدِيٍّ رضي الله عنه: "أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَرخَصَ لرِعاءِ الإبِلِ في البَيتُوتةِ خارِجِينَ عن مِنًى يَرمُون يومَ النَّحرِ ثُم يَرمُون الغَدَ ومِن بعدِ الغَدِ ليَومَين ثُم يَرمُون يومَ النَّفرِ".
وروى الشيخان عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: "اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيتَ بمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِن أَجْلِ سِقايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ".
ولا ينبغي الوقوف على النص الوارد هنا، بل ينبغي اعتبار مراد الشارع منه، وإلا كان جمودًا محضًا، قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (3/ 579، ط. دار المعرفة): [وهل يختص الإذن بالسقاية وبالعباس أو بغير ذلك من الأوصاف المعتبرة في هذا الحكم، فقيل: يختص الحكم بالعباس، وهو جمود، وقيل: يدخل معه آله، وقيل: قومه، وهم بنو هاشم، وقيل: كل من احتاج إلى السقاية فله ذلك، ثم قيل أيضًا: يختص الحكم بسقاية العباس حتى لو عملت سقاية لغيره لم يرخص لصاحبها في المبيت لأجلها، ومنهم مَن عَمَّمه، وهو الصحيح في الموضعين، والعلة في ذلك إعداد الماء للشاربين. وهل يختص ذلك بالماء أو يلتحق به ما في معناه من الأكل وغيره؟ محل احتمال، وجزم الشافعية بإلحاق من له مال يخاف ضياعه أو أمر يخاف فوته أو مريض يتعاهده بأهل السقاية] اهـ.
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في "التمهيد" (17/ 263، ط. وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب): [وروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا كان للرجل متاع بمكة فخشي عليه الضيعة إن بات بمنًى فلا بأس أن يبيت عنده بمكة، وهذه الرواية أشبه؛ لأنه خائف مضطر فرخص له] اهـ.
ومعلوم أن الالتزام بالمبيت وإلزام الحاج به مع أعمال الحج الأخرى يزيد من إجهاده وضعفه، ويجعل الجسم في أضعف حالاته، فإذا انضم إلى ذلك ما نزل بالناس في هذه الأيام على المستوى العالمي من انتشار للأوبئة والأمراض الفتاكة التي يسهل انتقالها عبر التجمعات البشرية المزدحمة فإن جسم الإنسان يكون أكثر عرضة لالتقاط الأمراض والعدوى بها، ولا شك أن أشد الناس تضررًا بذلك وضعفًا على احتماله هم النساء والأطفال والمرضى والضعفاء، فناسب أن يأخذ هؤلاء حكم مَن رُخِّص لهم، خاصة أن المبيت ليس من أركان الحج عند جميع المذاهب المتبعة.
أما النيابة في رمي الجمار للضعفة والمرضى والنساء فهي جائزة، ودليل ذلك: أنه تجوز الاستنابة في الحج، فالاستنابة في الرمي جائزة من باب أولى؛ لأن الحج رمي وزيادة.
وهي رخصة لأهل الأعذار من المرضى ونحوهم ممن توجد فيه العلة، ولذا فقد ذكر كثير من الفقهاء أمورًا غير التي ورد بها النص إلحاقًا بهذه الفروع على الأصل؛ كمن خاف على نفسه أو ماله، أو كان يتعاهد مريضًا أو ما ينبغي تهيئته للحجيج، وكذا من خاف على ماله أو نفسه كما تقدم.
قال الإمام النووي في "المجموع" (8/ 219، 220): [قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله: العاجز عن الرمي بنفسه؛ لمرض أو حبس ونحوهما يستنيب مَن يرمي عنه] اهـ.
وقال: [إذا كان الرجل مريضًا أو محبوسًا أو له عذر، جاز أن يستنيب من يرمي عنه] اهـ.
ولذلك كله فإنه يجوز للضعفاء والمرضى والنساء تركُ المبيت بمنًى، كما يجوز لهم أيضًا التوكيل في رمي الجمرات، ولا حرج عليهم ولا يلزمهم بذلك جبران.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

ترك المبيت بمِنى لأهل الأعذار، والتوكيل في رمي الجمار

ما حكم ترك المبيت بمِنًى للضَعَفة والمرضى والنساء من الحجاج؟ وما حكم توكيل هؤلاء لغيرهم في الرمي عنهم؟

يجوز للضعفاء والمرضى والنساء تركُ المبيت بمنًى، كما يجوز لهم أيضًا التوكيل في رمي الجمرات، ولا حرج عليهم في ذلك، ولا يلزمهم بذلك جبرانٌ بدم ولا غيره.

التفاصيل ....

المحافظة على النفس من المقاصد المهمة للشريعة كما هو معلوم، وإذا تعارضت المصالح والمفاسد فإن من المقرر في قواعد الفقه أن درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح، وإذا كان هناك تعارض بين المصالح وُفِّق بينها، وإلا قدم أعلاها على حساب أدناها.
ونفس المؤمن تتوق دائمًا إلى أداء فريضة الحج، إلا أن الله قد جعل ذلك لمن استطاع إليه سبيلًا، كما جعل الإحصار عذرًا في ترك تكملة أداء الناسك.
والمحافظة على أرواح الحجيج واجب شرعي، فعلى الجميع أن يعملوا على المحافظة عليها؛ لعظم حرمتها، وعن ابن عباس قال: لَمَّا نَظَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الكعبة قال: «مَرْحَبًا بِكَ مِنْ بَيْتٍ، مَا أَعْظَمَكَ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكَ، وَلَلمُؤْمِنُ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ حُرْمَةً مِنْكَ» رواه البيهقي في "شعب الإيمان".
وفي هذه الأيام تزداد الحاجة إلى التيسير على الناس في فتاوى الحج وأحكامه؛ فإن من الحكمة مراعاة أحوال الناس في أدائهم لمناسكهم الحج بحيث نجنب الحجيج ما قد يصيبهم من أمراض وأوبئة، حتى يعودوا إلى أهلهم سالمين غانمين إن شاء الله تعالى، خاصة في الأماكن التي يكثر فيها التجمع، والتي جعل الله فيها سعة لعباده.
والمبيت بمنًى لياليَ التشريق مختلف فيه بين العلماء:
فالجمهور من الشافعية الحنابلة والمالكية على أنه واجب.
والحنفية على أنه سنة، ووافقهم في ذلك بعض أقوال في المذاهب الأربعة -وإن كانت غير معتمدة عندهم-.
قال الفقيه داماد الحنفي في "مجمع الأنهر": (1/ 282، ط. دار إحياء التراث العربي): [يكره أن لا يبيت بمنًى ليالي منًى، ولو بات في غيره من غير عذر لا شيء عليه عندنا] اهـ.
وقال العلامة الميرغناني الحنفي في "الهداية" (2/ 501-502 -مع "الهداية" للبابرتي-، ط. دار الفكر): [ويُكرَه أن لا يَبِيتَ بمنًى لياليَ الرمي؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام بات بمنًى، وعمر رضي الله عنه كان يُؤَدِّبُ على ترك المُقام بها، ولو بات في غيرها متعمدًا لا يلزمه شيء عندنا خلافًا للشافعي رحمه الله؛ لأنه وجب ليسهل عليه الرمي في أيامه فلم يكن مِن أفعال الحج، فتركه لا يوجب الجابر] اهـ.
والقول بسنية المبيت في منًى قول للإمام الشافعي، قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "المهذب" (8/ 222 -مع "المجموع"-، ط. المنيرية) في تعليله: [لأنه مبيت؛ فلم يجب؛ كالمبيت ليلةَ عرفة] اهـ.
ونقل العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (4/ 60، ط. دار إحياء التراث العربي) قولًا عن الإمام أحمد أيضًا أنه سنة.
ويدل على القول بالسُّنِّيَّة ما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن العباس رضي الله عنه استأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليبيت بمكة ليالي منًى من أجل سقايته فأذن له، ولو كان المبيت واجبًا لما رُخِّص في تركه لأجل السقاية، فعلم أنه سُنَّة. راجع "فتح القدير" للمحقق الكمال ابن الهُمَام (2/ 501، 502، ط. دار الفكر).
ومما يقوي القول بالسنية أيضًا أن يقال: إن المبيت ليس مقصودًا في نفسه، بل قد شُرِعَ لمعنًى معقول، وهو الرفق بالحاج؛ بجعله أقرب لمكان الرمي في غده، فهو مشروع لغيره، لا لذاته، وما كان كذلك فالشأن فيه ألَّا يكون واجبًا.
وإذا أضفنا إلى ما سبق اعتبار ما يَعتَرِي الحجيجَ مِن تعبٍ شديدٍ وضيق مكانٍ وخَوف مرضٍ، كان القول بسنية المبيت بمنًى وعدم وجوبه هو المختار للفتوى.
وإذا قلنا بالسُّنيَّةِ لا الوجوب فمَن ترك مبيت الأيام الثلاثة جميعًا فمِن العلماء مَن قال: إنه يسن له أن يجبره بدم ولا يجب، ومن ترك مبيت ليلة واحدة جبرها بالتصدق بمُدٍّ من طعام، وهذا هو ما يستتبع القول الآخر للإمام الشافعي بسنية المبيت بمنًى.
قال الإمام النووي في "المجموع" (8/ 223): [فإن قلنا: المبيت واجب كان الدم واجبًا، وإن قلنا سنة فسنة] اهـ.
وقال الحنفية والإمام أحمد في رواية: إنه لا يلزم من ترك المبيت بمنًى شيء.
وقال الإمام أحمد: [لا شيء عليه، وقد أساء] اهـ. "المغني" لابن قدامة (3/ 232).
وحتى على قول الجمهور أن المبيت بمنًى واجب فإنهم يرخصون لِمَن كان ذا عذر شرعي بترك المبيت ولا إثم عليه حينئذٍ ولا كراهة ولا يلزمه شيء أيضًا، ولا شك أن الخوف من المرض من جملة الأعذار الشرعية المرعية.
قال الإمام النووي في "منسكه" (ص399-402 -مع "حاشية العلامة الهيتمي"-، ط. دار الحديث ببيروت): [أما من ترك مبيت مزدلفة أو منًى لعذر فلا شيء عليه، والعذر أقسام: ... الثالث: مَن له عذر بسبب آخر؛ كمن ... يخاف على نفسه أو مال معه ... فالصحيح أنه يجوز لهم ترك المبيت، ولهم أن ينفروا بعد الغروب ولا شيء عليهم] اهـ بتصرف.
وقال الشيخ الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (2/ 266، ط. دار الكتب العلمية): [ويُعذَر في ترك المبيت وعدم لزوم الدم خائفٌ على نفس أو مال أو فوت أمر يطلبه؛ كآبق أو ضياع مريض بترك تعهده؛ لأنه ذو عذر فأشبه الرعاء وأهل السقاية، وله أن ينفر بعد الغروب كما يؤخذ من التشبيه بأهل السقاية] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (5/ 257): [وأهل الأعذار من غير الرعاء كالمرضى، ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم؛ كالرعاء في ترك البيتوتة؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخص لهؤلاء تنبيهًا على غيرهم، أو نقول: نص عليه لمعنًى وُجد في غيرهم، فوجب إلحاقه بهم] اهـ.
وقد وردت الرخصة من الشارع لأهل الرعاء والسقاية في ترك المبيت في منًى؛ فروى الإمام مالك في "موطئه" عن عاصِمِ بنِ عَدِيٍّ رضي الله عنه: "أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَرخَصَ لرِعاءِ الإبِلِ في البَيتُوتةِ خارِجِينَ عن مِنًى يَرمُون يومَ النَّحرِ ثُم يَرمُون الغَدَ ومِن بعدِ الغَدِ ليَومَين ثُم يَرمُون يومَ النَّفرِ".
وروى الشيخان عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: "اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيتَ بمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِن أَجْلِ سِقايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ".
ولا ينبغي الوقوف على النص الوارد هنا، بل ينبغي اعتبار مراد الشارع منه، وإلا كان جمودًا محضًا، قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (3/ 579، ط. دار المعرفة): [وهل يختص الإذن بالسقاية وبالعباس أو بغير ذلك من الأوصاف المعتبرة في هذا الحكم، فقيل: يختص الحكم بالعباس، وهو جمود، وقيل: يدخل معه آله، وقيل: قومه، وهم بنو هاشم، وقيل: كل من احتاج إلى السقاية فله ذلك، ثم قيل أيضًا: يختص الحكم بسقاية العباس حتى لو عملت سقاية لغيره لم يرخص لصاحبها في المبيت لأجلها، ومنهم مَن عَمَّمه، وهو الصحيح في الموضعين، والعلة في ذلك إعداد الماء للشاربين. وهل يختص ذلك بالماء أو يلتحق به ما في معناه من الأكل وغيره؟ محل احتمال، وجزم الشافعية بإلحاق من له مال يخاف ضياعه أو أمر يخاف فوته أو مريض يتعاهده بأهل السقاية] اهـ.
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في "التمهيد" (17/ 263، ط. وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب): [وروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا كان للرجل متاع بمكة فخشي عليه الضيعة إن بات بمنًى فلا بأس أن يبيت عنده بمكة، وهذه الرواية أشبه؛ لأنه خائف مضطر فرخص له] اهـ.
ومعلوم أن الالتزام بالمبيت وإلزام الحاج به مع أعمال الحج الأخرى يزيد من إجهاده وضعفه، ويجعل الجسم في أضعف حالاته، فإذا انضم إلى ذلك ما نزل بالناس في هذه الأيام على المستوى العالمي من انتشار للأوبئة والأمراض الفتاكة التي يسهل انتقالها عبر التجمعات البشرية المزدحمة فإن جسم الإنسان يكون أكثر عرضة لالتقاط الأمراض والعدوى بها، ولا شك أن أشد الناس تضررًا بذلك وضعفًا على احتماله هم النساء والأطفال والمرضى والضعفاء، فناسب أن يأخذ هؤلاء حكم مَن رُخِّص لهم، خاصة أن المبيت ليس من أركان الحج عند جميع المذاهب المتبعة.
أما النيابة في رمي الجمار للضعفة والمرضى والنساء فهي جائزة، ودليل ذلك: أنه تجوز الاستنابة في الحج، فالاستنابة في الرمي جائزة من باب أولى؛ لأن الحج رمي وزيادة.
وهي رخصة لأهل الأعذار من المرضى ونحوهم ممن توجد فيه العلة، ولذا فقد ذكر كثير من الفقهاء أمورًا غير التي ورد بها النص إلحاقًا بهذه الفروع على الأصل؛ كمن خاف على نفسه أو ماله، أو كان يتعاهد مريضًا أو ما ينبغي تهيئته للحجيج، وكذا من خاف على ماله أو نفسه كما تقدم.
قال الإمام النووي في "المجموع" (8/ 219، 220): [قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله: العاجز عن الرمي بنفسه؛ لمرض أو حبس ونحوهما يستنيب مَن يرمي عنه] اهـ.
وقال: [إذا كان الرجل مريضًا أو محبوسًا أو له عذر، جاز أن يستنيب من يرمي عنه] اهـ.
ولذلك كله فإنه يجوز للضعفاء والمرضى والنساء تركُ المبيت بمنًى، كما يجوز لهم أيضًا التوكيل في رمي الجمرات، ولا حرج عليهم ولا يلزمهم بذلك جبران.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;