تكرار العمرة وموضع الإحرام لكل عمرة

سائل يقول: سأقوم بالسفر إلى السعودية؛ لأداء عُمرةٍ عن أبي ثم أمي ثم زوجتي، بالإحرام كُلَّ مَرَّةٍ مِن التنعيم. فاختلفت الآراء بين الرفض وبين التأييد، برجاء الإفادة عمَّا يُتَّبَعُ لِتَكُونَ العُمرةُ مقبولةً إن شاء الله.

تكرار العمرة والموالاة بينها جائزٌ شرعًا، وهذا ما عليه جمهور العلماء سلفًا وخلفًا، بل إن الإكثار منها مُستحبٌّ مُطلَقًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» متفقٌ عليه، ومعلومٌ أن الإكثار من مُكَفِّرَات الذُّنُوب مطلوبٌ شرعًا مُطلَقًا، ولأن العُمرةَ عبادةٌ غيرُ مؤقتةٍ فلا تَتَعَيَّن في السَّنة بوقتٍ ويجوز تكرارها. والإحرام عند تكرار العمرة في السفرة الواحدة يكون بالخروج من الحرم إلى أدنى الحِلِّ أو إلى التنعيم والإحرام بالعمرة من هناك.

التفاصيل ....

يجوز تكرارُ العُمرةِ أكثر مِن مَرةٍ مُطلَقًا، بل الإكثار منها مُستحبٌّ مُطلَقًا، وهو مذهب جماهير علماء المسلمين سلفًا وخلفًا، وهو قول الحنفية والشافعية، وقول جماعةٍ مِن المالكية؛ كالإمام مطرف وابن المواز، وقول إسحاق بن راهويه ورواية عن الإمام أحمد، ومِمَّن حكاه عن الجمهور: الماورديُّ والسرخسيُّ والعبدريُّ والنوويُّ، وحكاه الإمام أبو بكر بنُ المنذر عن عليِّ بن أبي طالب وابنِ عُمر وابنِ عباس وأنس وعائشة وعطاء وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، ويدخل في ذلك المُتَمَتِّعُ بعد التحَلُّل مِن عُمرته الأولى التي نوى بها التَّمَتُّعَ بالعُمرة إلى الحج وقبل إحرامه بالحج، ومَن فَعل ذلك فقد أتى بأمرٍ مُستحبٍّ مُثابٍ عليه شرعًا؛ حتى عدَّ الإمامُ الشافعي رضي الله عنه وغيرُه المَنعَ مِن أداء العمرة أكثر مِن مرةٍ في السنة أمرًا مخالفًا لِسُنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
والدليل على جواز التكرار قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ فلم يُفرق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أن تكونا في سَنةٍ أو سنتين، والمُطلَق يُؤْخَذُ على إطلاقه ما لم يأتِ ما يقيده.
كما أن الإكثارَ من مُكَفِّرَات الذُّنُوب مطلوبٌ شرعًا مُطلَقًا، ويؤيِّدُ ذلك الحديثُ الصحيح الذي أخرجه الترمذيُّ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلاَّ الجَنَّةُ»، فالتكرار والمُوَالاة يَدخُلان في عموم الأمر بالمُتابعة بين الحج والعُمرة كما هو ظاهر.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (3/ 598، ط. دار المعرفة): [وفي حديث الباب دلالةٌ على استحباب الاستكثار مِن الاعتِمَار، خِلافًا لقول مَن قال: يُكرَه أن يَعتَمِر في السَّنة أكثر مِن مَرةٍ كالمالكية، ولِمَن قال: مَرةً في الشهر مِن غيرهم، واستدل لهم بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعلها إلَّا مِن سَنةٍ إلى سَنةٍ وأفعاله على الوجوب أو الندب، وتعقب بأن المندوب لم يَنحصر في أفعاله؛ فقد كان يَترك الشيءَ وهو يَستَحِب فِعلَه لِرَفع المَشَقَّة عن أمته، وقد ندب إلى ذلك بلفظه؛ فثبت الاستحبابُ مِن غير تقييد، واتفقوا على جوازها في جميع الأيام لِمَن لم يكن مُتَلَبِّسًا بأعمال الحج إلَّا ما نُقِل عن الحنفية أنه يُكرَه في يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، ونَقل الأثرمُ عن أحمد: إذا اعتَمَر فلا بُدَّ أن يَحلِقَ أو يُقَصِّرَ فلا يعتمر بعد ذلك إلى عشرة أيام ليُمكِنَ حَلقُ الرأس فيها، قال ابنُ قدامة: هذا يَدُلُّ على كراهة الاعتِمَار عنده في دُونِ عشرة أيام] اهـ.
ولِأنَّ العُمرةَ عبادةٌ غيرُ مؤقتةٍ لا تَتَعَيَّن في السَّنة بوقتٍ، فوَجَب أن تكون مِن جِنسِ ما يُفعل على التوالي والتكرار، كالصوم والصلاة.
ولِأنَّ العُمرةَ إنما سُمِّيَت عُمرةً؛ لأنها تُفعل في جميع العُمر على قول جماعةٍ مِن أهل اللغة.
ويُستَدَلُّ كذلك على جوازها في جميع السَّنة وأنها لا تُكرَه في شيءٍ منها –كما في "المجموع" (7/ 149)- [بأنَّ الأصلَ عَدَمُ الكراهة حتى يَثبُتَ النهيُ الشرعيُّ ولم يثبت هذا الخبر؛ ولأنه يجوز القِران في يوم عرفة بلا كراهةٍ فلا يُكرَه إفرادُ العُمرة فيه كما في جميع السَّنة؛ ولأنَّ كُلَّ وقتٍ لا يُكرَه فيه استِدَامَةُ العُمرة لا يُكرَه فيه إنشاؤها كباقي السَّنة...، وأما القولُ بأنها أيامَ الحج فكُرِهَت في سائرِ السَّنةِ العُمرةُ فدعوى باطِلَةٌ لا شُبهة لها] اهـ.
ثم قال الإمام النووي في "المجموع" (7/ 149-150): [واحتَج الشافعيُّ والأصحابُ وابنُ المنذر وخلائق بما ثبت في الحديث الصحيح: "أن عائشة رضي الله عنها أحرمَت بعُمرةٍ عامَ حجةِ الوداعِ فحاضَت فأمَرَها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أن تُحرِم بحجٍّ ففَعَلَت وصارَت قارِنَةً ووَقَفَت المواقف، فلَمَّا طَهُرَت طافَت وسَعَت، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «قد حَلَلْتِ مِن حجِّكِ وعُمرَتِكِ»، فطَلَبَت مِن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن يُعمِرَها عُمرةُ أخرى، فأذن لها فاعتَمَرَت مِن التنعيم عُمرةً أخرى" رواه البخاريُّ ومسلمٌ مُطَوَّلًا ونَقَلْتُه مُختَصَرًا. قال الشافعي: وكانت عُمرَتُها في ذي الحجة ثُمَّ أعمَرَها العُمرةَ الأخرى في ذي الحجة فكان لها عُمْرَتان في ذي الحجة، وعن عائشة أيضًا أنها اعتَمَرَت في سَنةٍ مرتين؛ أي: بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي روايةٍ ثلاث عُمَر، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه اعتَمَرَ أعوامًا في عهد ابن الزبير رضي الله عنه مرتين في كُلِّ عامٍ. ذكر هذه الآثارَ كلها الشافعيُّ ثم البيهقيُّ بأسانيدهما] اهـ.
وهذا مذهب الحنفية: حيث نصوا على استِحبابِ تكرارِ العُمرة، وأنه لا يُكرَه الإكثارُ منها، وأنها جائزةٌ في جميع السَّنة إلَّا في خمسة أيام هي: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، فيجوز عندهم تكرارُ العُمرةِ للمُتَمَتِّعِ وغيره فيما عدا هذه الأيام الخمسة، قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (2/ 585، ط. دار الفكر): [تكرارُ العُمرة في سَنةٍ واحدةٍ جائزٌ بخلاف الحج؛ أفاده صاحب "الهندية"]، وقال أيضًا (2/ 472): [لا يُكرَه الإكثارُ منها خلافًا لِمالك، بل يُستحب على ما عليه الجمهور] اهـ.
وفي كتاب "الهداية" مِن كتب السادة الحنفية رحمهم الله تعالى (1/ 178، ط. دار احياء التراث العربي) وشروحه؛ ككتاب "العناية شرح الهداية" (3/ 136-139، ط. دار الفكر)، و"البناية شرح الهداية" (4/ 460، ط. دار الكتب العلمية)، و"فتح القدير" (3/ 137، ط. دار الفكر) أنَّ: [(العُمرة لا تَفُوت)؛ لأنها غير مؤقتة (وهي جائزةٌ في جميع السَّنة)، حتى لو أهَلَّ بعُمرةٍ في أشهر الحج فقَدِمَ مكةَ يوم النحر يَقضي عُمرتَه، ولا دَمَ عليه، والحاصلُ أنَّ جميعَ السَّنةِ وَقْتُهَا، ويَدل على جوازها في أشهر الحج بلا كراهةٍ ما روى البخاريُّ في "صحيحه" بإسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "أنَّهُ اعتَمَرَ في ذِي القعْدَة أَرْبَع عُمَر إلَّا التي اعتَمَرَ مَعَ حجَّتِه" (إلَّا خمسة أيام يُكرَه فيها فِعلُها، وهي: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق؛ لما رُوي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تَكرَهُ العُمرةَ في هذه الأيام الخمسة، وأخرج البيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت: العُمرة في السَّنةِ كلها إلَّا أربعة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، ويومان بعد ذلك؛ وروى سعيد بن منصور عن ابن عباس رضي الله عنهما: خمسة أيام: عرفة، يوم النحر، وثلاثة أيام التشريق، اعتَمِرْ قَبلَها وبَعدَها ما شئت، ولأن هذه الأيام أيام الحج فكانت مُتعينة له، وعن أبي يوسف رحمه الله أنها لا تُكرَه في يوم عرفة قبل الزوال؛ لأن دخولَ وقتِ رُكنِ الحجِّ بعد الزوال لا قَبلَه، والأظهر مِن المذهب ما ذَكَرناه) يعني: كراهةَ العُمرةِ يوم عرفة قبل الزوال وبعده (ولكن مع هذا لو أدَّاها في هذه الأيام صَحَّ ويبقى مُحرِمًا بها فيها) بالعُمرةِ إن لم يُؤَدِّها في هذه الأيام؛ كبِناء الصلاة بعد دخول الوقت المكروه (لأن الكراهة لغيرها) أي لغير عين العُمرة، أراد أنَّ الكراهة لِمعنًى في غيرها لا في نفْسِها (وهو تعظيم أمر الحج وتخليص وقته له) ومِن تعظيم أمره أن يجعل له الوقت خاصةً لا يكون فيه غيره، فإذا كانت الكراهة لمعنًى في غيرها (فيَصِحُّ الشُّروعُ فيها)] اهـ.
وعند الشافعية: يجوز الإحرام بها في كل وقت مِن السَّنة، ولا يُكرَه في وقتٍ مِن الأوقات، وسواء أشهُر الحج وغيرها في جوازها فيها مِن غير كراهة، ولا يُكرَه عُمرَتان وثلاثٌ وأكثرُ في السَّنة الواحدة، ولا في اليوم الواحد، بل يُستَحَب الإكثار، ولا تمتنع العُمرةُ عندهم إلَّا للمُحرِم بالحجِّ، حتى ولو تَحَلَّلَ مِن الحج التَّحَلُّلَين وأقام بمنى لِلرمي والمبيت فلا يَنعقد إحرامُه بالعُمرة؛ لأنه عاجزٌ عن التشاغُلِ بها؛ لوجوب مُلازَمةِ إتمام الحج بالرمي والمبيت، وإذا نَفَرَ النَّفْرَ الأولَ وهو بعد الرمي في اليوم الثاني مِن أيام التشريق فأَحرم بعُمرةٍ فيما بقي مِن أيام التشريق ليلًا أو نهارًا فعُمرَتُه صحيحةٌ عندهم.
وبِناءً عليه: فيجوز للمُتَمَتِّعِ عند الشافعية تكرارُ العُمرة فيما عدا وقت الإحرام بالحج وحتى النَّفْر الأول بعد الرمي في ثاني أيام التشريق.
قال الإمام الشافعي -كما في "مختصر المزني" مع "الأم" (8/ 159، ط. دار المعرفة)-: [ووقت العمرة متى شاء، ومن قال: لا يعتمر إلا مرة في السنة، خالفَ سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه أعمر عائشة رضي الله عنها في شهر واحد من سنة واحدة مرتين، وخالف فعل عائشة رضي الله عنها نفسِها وعليٍّ وابنِ عمر وأنسٍ رحمهم الله] اهـ.
وقال الإمام العمراني الشافعي في "البيان" (4/ 63-64، ط. دار المنهاج): [ويجوز أن يَعتمر في السَّنة مرتين، وثلاثًا، وأكثر، ويُستحب الإكثارُ منها، وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: لا يجوز في السَّنة إلَّا عُمرةٌ واحدة. وبه قال النخعي، وابن سيرين] اهـ.
وقال الإمام النووي في "المجموع" (7/ 147-150، ط. دار الفكر): [قال الشافعي والأصحاب: جميع السَّنة وقتٌ لِلعُمرة؛ فيجوز الإحرامُ بها في كل وقتٍ مِن السَّنة، ولا يُكرَه في وقتٍ مِن الأوقات، وسواء أشهُر الحجِّ وغيرها في جوازها فيها مِن غير كراهة، ولا يُكرَه عُمْرَتان وثلاثٌ وأكثرُ في السَّنة الواحدة، ولا في اليوم الواحد، بل يُستحب الإكثارُ منها بلا خلافٍ عندنا.. ثم قال: فرعٌ في مذاهبهم في تكرار العُمرة في السَّنة: مَذهبُنا أنه لا يُكرَه ذلك، بل يُستحب، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء مِن السَّلَف والخَلَف ومِمَّن حكاه عن الجمهور الماورديُّ والسرخسيُّ والعبدريُّ، وحكاه ابنُ المنذر عن عليِّ بن أبي طالب وابنِ عمر وابنِ عباس وأنس وعائشة وعطاء وغيرهم رضي الله عنهم. وقال الحسنُ البصري وابنُ سيرين ومالك: تُكرَه العُمرةُ في السَّنة أكثر مِن مَرةٍ؛ لأنها عبادةٌ تَشتَمِل على الطواف والسعي فلا تُفعَل في السَّنة إلَّا مَرةً كالحج.. والجواب عن احتجاج مالكٍ بالقياس على الحج فهو أنَّ الحجَّ مؤقَّتٌ لا يُتَصَوَّرُ تكرارُه في السَّنة، والعُمرةُ غيرُ مؤقَّتةٍ فتُصُوِّرَ تكرارُها؛ كالصلاة] اهـ.
وذهب المالكية إلى أنَّ وقتَ العُمرة جميعُ السَّنة إلا أيام مِنًى، مع نَصِّهِم على كراهة تكرار العُمرة، وأنه لو أحرم بثانيةٍ انعقد إحرامُه، بل نَقل بعضُهم الإجماعَ على انعِقاده؛ قال الإمام ابن الحاجب المالكي في "جامع الأمهات" (ص: 187، ط. اليمامة): [أما العُمرة ففي جميع السَّنة إلَّا في أيام مِنًى لِمَن حَجَّ، ولا يَنعقدُ إلَّا أن يُتِمَّ رَميَه ويحلَّ بالإفاضة فينعقد، وفي كراهة تكرار العُمرة في السَّنة الواحدة قولان] اهـ. ووضَّح القولين العلامةُ الحطاب في "مواهب الجليل في شرح مختصر خليل" (2/ 467-468، ط. دار الفكر) فقال: [قولان: المشهور الكراهة، وهو مذهب "المدونة"، والشاذ لمطرف إجازة تكرارها، ونحوه لابن المواز؛ لأنه قال: أرجو أن لا يَكون بالعُمرةِ مرتين في سَنةٍ بأسٌ، وقد اعتَمَرَت عائشةُ رضي الله عنها مرتين في عامٍ واحد، وفَعَلَه ابنُ عمر رضي الله عنهما وابنُ المنكدر، وكَرِهَت عائشةُ رضي الله عنها عُمرَتَين في شهرٍ، وكَرِهَه القاسمُ بنُ محمد.. وعلى المشهور مِن أنه يُكرَه تكرارها في السنة الواحدة فلو أحرم بثانيةٍ انعقد إحرامُه إجماعًا، وقال في "المدونة": والعُمرة في السَّنة إنما هي مرةٌ واحدةٌ، ولو اعتمر بعدها لَزِمَتْهُ؛ كانت الأولى في أشهُر الحج أم لا، أراد الحج مِن عامِه ذلك أم لا. انتهى] اهـ.
وجواز تكرار العمرة هو روايةٌ عن الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، ففي "مسائل الإمام إسحاق بن منصور الكوسج" لهما (5/ 2271، ط. الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة): [قلت: يَعتَمِرُ الرجلُ في الشهر كما شاء؟ قال (يعني: الإمام أحمد): ما أَمْكَنَه، ليس لها وقتٌ كوقت الحج. قال إسحاقٌ (يعني ابن راهويه): كما قال، إلا أنه يَعتَمِر في كل شهرٍ أفضل؛ لكي يَجمع الاختلاف، ويكون أمكن للحَلق] اهـ، فاتفق الإمامان أحمد وابن راهويه -في هذه الرواية– على جواز العُمرة ما يشاء المُعتَمِر، ولا مانع مِن تكرارها، ولا شَكَّ أنه مُقَيَّدٌ بالوقت الذي يَمتنع فيه الإحرامُ بها لِلِانشِغال بأعمال الحج.
وخالَفَ الحنابلةُ؛ فأجازوا تكرار العُمرة ثم كرهوا الموالاة بينها، مع نَقلهم جواز التكرار عن كثير مِن الصحابة والتابعين، وتَجويزُ التكرارِ مع كراهيةِ الموالاة مع ما فيه من الإشكال فهو لا دليل عليه، ولم يرد عن أحد من السَّلَف مَنعُ الموالاة، قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في كتابه "المغني" (3/ 220-221، ط. مكتبة القاهرة): [ولا بأس أن يَعتمر في السَّنة مِرارًا. رُوي ذلك عن عليٍّ، وابنِ عُمر، وابنِ عباس، وأنسٍ، وعائشة، وعطاءٍ، وطاوس، وعكرمة، والشافعي. وكَرِهَ العُمرةَ في السَّنةِ مرتين: الحسنُ، وابنُ سيرين، ومالكٌ. وقال النخعي: ما كانوا يَعتمرون في السَّنة إلَّا مَرة. ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يَفعله. ولنا أنَّ عائشةَ اعتَمَرَت في شهرٍ مرتين بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: عُمرةً مع قِرَانِها، وعُمرةً بعد حجِّها؛ ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا». متفق عليه، وقال عليٌّ رضي الله عنه: "في كل شهر مَرة". وكان أنسٌ رضي الله عنه إذا حَمَّمَ رأسه خرج فاعتَمَر. رواهما الشافعي في "مسنده". وقال عكرمة: يَعتمر إذا أمكن الموسى مِن شعره. وقال عطاءٌ: إن شاء اعتَمَر في كُلِّ شهرٍ مرتين. فأما الإكثارُ مِن الاعتِمَار، والموالاة بينهما، فلا يُستحب في ظاهر قول السَّلَف الذي حكيناه. وكذلك قال أحمد: إذا اعتَمَر فلا بُدَّ مِن أن يَحلِق أو يُقَصِّر، وفي عشرة أيامٍ يُمكِن حَلقُ الرأس. فظاهِرُ هذا أنه لا يُستحب أن يعتمر في أقل مِن عشرة أيام. وقال في رواية الأثرم: إن شاء اعتَمَر في كُلِّ شهر. وقال بعضُ أصحابنا: يُستحب الإكثارُ مِن الاعتِمَار. وأقوالُ السَّلَف وأحوالُهم تَدُلُّ على ما قُلناه، ولأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابَه لم يُنقل عنهم الموالاةُ بينهما، وإنما نُقِلَ عنهم إنكارُ ذلك، والحَقُّ في اتِّبَاعِهم. قال طاوس: الذين يَعتمرون مِن التنعيم، ما أدري يُؤجَرون عليها أو يُعَذَّبُون؟ قيل له: فَلِمَ يُعَذَّبُون؟ قال: لأنه يَدَعُ الطوافَ بالبيت، ويَخرجُ إلى أربعة أميال ويَجِيءُ، وإلى أن يَجِيءَ مِن أربعة أميال قد طاف مِائَتَي طواف، وكُلَّما طاف بالبيت كان أفضلَ مِن أن يَمشي في غير شيء] اهـ.
ودعوى عَدَمِ نَقلِ الموالاة لا تَصلُح دليلًا لِلمَنع؛ لأنها لا تَعني أكثرَ مِن عَدَمِ الدليل، وعَدَمُ الدليلِ ليس بِدَليلٍ في المسألةِ لا نَفيًا ولا إثباتًا، وعَدَم النقل ليس نَقلًا لِلعَدَم؛ فلا يَلزَمُ مِن عَدَمِ النقل عَدَمُ الوُقُوع، وعَدَمُ الدليل في مسألةٍ مُبْقٍ لها على البراءة الأصلية، والتحريم حُكمٌ زائدٌ ناقِلٌ عن البراءة الأصلية يَحتاج إلى دليلٍ بخُصوصه، فكيف مع عموم الأدلة على الجواز -بل والاستِحباب- على ما تَقدَّم ذِكرُه، فالقول ببدعية العمرة بعد العمرة تكرارًا أو موالاةً -فضلًا عن منعها وتحريمها- مَسالك لا يَرتَضِيها التحقيقُ العِلمِيُّ الصحيح، فإنه مَتَى جازَ التكرارُ مُطلَقًا اقتَضَى ذلك جواز الإكثارِ والموالاة مُطلَقًا، ويَحتاج الفرقُ بينهما إلى دليلٍ ولا يُوجَد.
كما أن المندوب لم يَنحَصِر في أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يَترُكُ الشَّيءَ وهو يَستَحِبُّ فِعلَه لِرَفعِ المَشَقَّةِ عن أُمَّتِه، وقد نَدَبَ إلى ذلك بِلَفظِه في الأحاديث المُتقدِّمة.
وأما ادِّعاءُ نقل الإنكار عن بعض السلف فليس بصحيح، وما نُقِلَ عن طاوس مقابَلٌ بما عليه جماهير علماء المسلمين سلفًا وخلفًا مِن القول بالمشروعية والاستحباب.
على أن قول مَن كَرِهَ تكرار العمرة أو موالاتها مُنْصَبٌّ على الأفضلية والأولوية لا على الجواز، كما أنه ينبغي حَملُهُ على أهل مكة لا على مَن يأتيها مِن أقاصي البلدان.
وتكرار العمرة يكون بالخروج من الحرم والذهاب إلى أدنى الحل للإحرام منه؛ كالتنعيم مثلًا.
وبِناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنه يَجوزُ -بل يُستَحَبُّ- لِلمسلم أن يَعتَمِرَ ويُكَرِّرَ العُمرةَ ويُوَالِي بينها، وهذا هو مَذهَبُ جماهيرِ العلماء سَلَفًا وخَلَفًا، وذلك بأن يخرج في كل مرة إلى أدنى الحل فيحرم منه بالعمرة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

تكرار العمرة وموضع الإحرام لكل عمرة

سائل يقول: سأقوم بالسفر إلى السعودية؛ لأداء عُمرةٍ عن أبي ثم أمي ثم زوجتي، بالإحرام كُلَّ مَرَّةٍ مِن التنعيم. فاختلفت الآراء بين الرفض وبين التأييد، برجاء الإفادة عمَّا يُتَّبَعُ لِتَكُونَ العُمرةُ مقبولةً إن شاء الله.

تكرار العمرة والموالاة بينها جائزٌ شرعًا، وهذا ما عليه جمهور العلماء سلفًا وخلفًا، بل إن الإكثار منها مُستحبٌّ مُطلَقًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» متفقٌ عليه، ومعلومٌ أن الإكثار من مُكَفِّرَات الذُّنُوب مطلوبٌ شرعًا مُطلَقًا، ولأن العُمرةَ عبادةٌ غيرُ مؤقتةٍ فلا تَتَعَيَّن في السَّنة بوقتٍ ويجوز تكرارها. والإحرام عند تكرار العمرة في السفرة الواحدة يكون بالخروج من الحرم إلى أدنى الحِلِّ أو إلى التنعيم والإحرام بالعمرة من هناك.

التفاصيل ....

يجوز تكرارُ العُمرةِ أكثر مِن مَرةٍ مُطلَقًا، بل الإكثار منها مُستحبٌّ مُطلَقًا، وهو مذهب جماهير علماء المسلمين سلفًا وخلفًا، وهو قول الحنفية والشافعية، وقول جماعةٍ مِن المالكية؛ كالإمام مطرف وابن المواز، وقول إسحاق بن راهويه ورواية عن الإمام أحمد، ومِمَّن حكاه عن الجمهور: الماورديُّ والسرخسيُّ والعبدريُّ والنوويُّ، وحكاه الإمام أبو بكر بنُ المنذر عن عليِّ بن أبي طالب وابنِ عُمر وابنِ عباس وأنس وعائشة وعطاء وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، ويدخل في ذلك المُتَمَتِّعُ بعد التحَلُّل مِن عُمرته الأولى التي نوى بها التَّمَتُّعَ بالعُمرة إلى الحج وقبل إحرامه بالحج، ومَن فَعل ذلك فقد أتى بأمرٍ مُستحبٍّ مُثابٍ عليه شرعًا؛ حتى عدَّ الإمامُ الشافعي رضي الله عنه وغيرُه المَنعَ مِن أداء العمرة أكثر مِن مرةٍ في السنة أمرًا مخالفًا لِسُنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
والدليل على جواز التكرار قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ فلم يُفرق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أن تكونا في سَنةٍ أو سنتين، والمُطلَق يُؤْخَذُ على إطلاقه ما لم يأتِ ما يقيده.
كما أن الإكثارَ من مُكَفِّرَات الذُّنُوب مطلوبٌ شرعًا مُطلَقًا، ويؤيِّدُ ذلك الحديثُ الصحيح الذي أخرجه الترمذيُّ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلاَّ الجَنَّةُ»، فالتكرار والمُوَالاة يَدخُلان في عموم الأمر بالمُتابعة بين الحج والعُمرة كما هو ظاهر.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (3/ 598، ط. دار المعرفة): [وفي حديث الباب دلالةٌ على استحباب الاستكثار مِن الاعتِمَار، خِلافًا لقول مَن قال: يُكرَه أن يَعتَمِر في السَّنة أكثر مِن مَرةٍ كالمالكية، ولِمَن قال: مَرةً في الشهر مِن غيرهم، واستدل لهم بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعلها إلَّا مِن سَنةٍ إلى سَنةٍ وأفعاله على الوجوب أو الندب، وتعقب بأن المندوب لم يَنحصر في أفعاله؛ فقد كان يَترك الشيءَ وهو يَستَحِب فِعلَه لِرَفع المَشَقَّة عن أمته، وقد ندب إلى ذلك بلفظه؛ فثبت الاستحبابُ مِن غير تقييد، واتفقوا على جوازها في جميع الأيام لِمَن لم يكن مُتَلَبِّسًا بأعمال الحج إلَّا ما نُقِل عن الحنفية أنه يُكرَه في يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، ونَقل الأثرمُ عن أحمد: إذا اعتَمَر فلا بُدَّ أن يَحلِقَ أو يُقَصِّرَ فلا يعتمر بعد ذلك إلى عشرة أيام ليُمكِنَ حَلقُ الرأس فيها، قال ابنُ قدامة: هذا يَدُلُّ على كراهة الاعتِمَار عنده في دُونِ عشرة أيام] اهـ.
ولِأنَّ العُمرةَ عبادةٌ غيرُ مؤقتةٍ لا تَتَعَيَّن في السَّنة بوقتٍ، فوَجَب أن تكون مِن جِنسِ ما يُفعل على التوالي والتكرار، كالصوم والصلاة.
ولِأنَّ العُمرةَ إنما سُمِّيَت عُمرةً؛ لأنها تُفعل في جميع العُمر على قول جماعةٍ مِن أهل اللغة.
ويُستَدَلُّ كذلك على جوازها في جميع السَّنة وأنها لا تُكرَه في شيءٍ منها –كما في "المجموع" (7/ 149)- [بأنَّ الأصلَ عَدَمُ الكراهة حتى يَثبُتَ النهيُ الشرعيُّ ولم يثبت هذا الخبر؛ ولأنه يجوز القِران في يوم عرفة بلا كراهةٍ فلا يُكرَه إفرادُ العُمرة فيه كما في جميع السَّنة؛ ولأنَّ كُلَّ وقتٍ لا يُكرَه فيه استِدَامَةُ العُمرة لا يُكرَه فيه إنشاؤها كباقي السَّنة...، وأما القولُ بأنها أيامَ الحج فكُرِهَت في سائرِ السَّنةِ العُمرةُ فدعوى باطِلَةٌ لا شُبهة لها] اهـ.
ثم قال الإمام النووي في "المجموع" (7/ 149-150): [واحتَج الشافعيُّ والأصحابُ وابنُ المنذر وخلائق بما ثبت في الحديث الصحيح: "أن عائشة رضي الله عنها أحرمَت بعُمرةٍ عامَ حجةِ الوداعِ فحاضَت فأمَرَها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أن تُحرِم بحجٍّ ففَعَلَت وصارَت قارِنَةً ووَقَفَت المواقف، فلَمَّا طَهُرَت طافَت وسَعَت، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «قد حَلَلْتِ مِن حجِّكِ وعُمرَتِكِ»، فطَلَبَت مِن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن يُعمِرَها عُمرةُ أخرى، فأذن لها فاعتَمَرَت مِن التنعيم عُمرةً أخرى" رواه البخاريُّ ومسلمٌ مُطَوَّلًا ونَقَلْتُه مُختَصَرًا. قال الشافعي: وكانت عُمرَتُها في ذي الحجة ثُمَّ أعمَرَها العُمرةَ الأخرى في ذي الحجة فكان لها عُمْرَتان في ذي الحجة، وعن عائشة أيضًا أنها اعتَمَرَت في سَنةٍ مرتين؛ أي: بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي روايةٍ ثلاث عُمَر، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه اعتَمَرَ أعوامًا في عهد ابن الزبير رضي الله عنه مرتين في كُلِّ عامٍ. ذكر هذه الآثارَ كلها الشافعيُّ ثم البيهقيُّ بأسانيدهما] اهـ.
وهذا مذهب الحنفية: حيث نصوا على استِحبابِ تكرارِ العُمرة، وأنه لا يُكرَه الإكثارُ منها، وأنها جائزةٌ في جميع السَّنة إلَّا في خمسة أيام هي: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، فيجوز عندهم تكرارُ العُمرةِ للمُتَمَتِّعِ وغيره فيما عدا هذه الأيام الخمسة، قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (2/ 585، ط. دار الفكر): [تكرارُ العُمرة في سَنةٍ واحدةٍ جائزٌ بخلاف الحج؛ أفاده صاحب "الهندية"]، وقال أيضًا (2/ 472): [لا يُكرَه الإكثارُ منها خلافًا لِمالك، بل يُستحب على ما عليه الجمهور] اهـ.
وفي كتاب "الهداية" مِن كتب السادة الحنفية رحمهم الله تعالى (1/ 178، ط. دار احياء التراث العربي) وشروحه؛ ككتاب "العناية شرح الهداية" (3/ 136-139، ط. دار الفكر)، و"البناية شرح الهداية" (4/ 460، ط. دار الكتب العلمية)، و"فتح القدير" (3/ 137، ط. دار الفكر) أنَّ: [(العُمرة لا تَفُوت)؛ لأنها غير مؤقتة (وهي جائزةٌ في جميع السَّنة)، حتى لو أهَلَّ بعُمرةٍ في أشهر الحج فقَدِمَ مكةَ يوم النحر يَقضي عُمرتَه، ولا دَمَ عليه، والحاصلُ أنَّ جميعَ السَّنةِ وَقْتُهَا، ويَدل على جوازها في أشهر الحج بلا كراهةٍ ما روى البخاريُّ في "صحيحه" بإسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "أنَّهُ اعتَمَرَ في ذِي القعْدَة أَرْبَع عُمَر إلَّا التي اعتَمَرَ مَعَ حجَّتِه" (إلَّا خمسة أيام يُكرَه فيها فِعلُها، وهي: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق؛ لما رُوي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تَكرَهُ العُمرةَ في هذه الأيام الخمسة، وأخرج البيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت: العُمرة في السَّنةِ كلها إلَّا أربعة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، ويومان بعد ذلك؛ وروى سعيد بن منصور عن ابن عباس رضي الله عنهما: خمسة أيام: عرفة، يوم النحر، وثلاثة أيام التشريق، اعتَمِرْ قَبلَها وبَعدَها ما شئت، ولأن هذه الأيام أيام الحج فكانت مُتعينة له، وعن أبي يوسف رحمه الله أنها لا تُكرَه في يوم عرفة قبل الزوال؛ لأن دخولَ وقتِ رُكنِ الحجِّ بعد الزوال لا قَبلَه، والأظهر مِن المذهب ما ذَكَرناه) يعني: كراهةَ العُمرةِ يوم عرفة قبل الزوال وبعده (ولكن مع هذا لو أدَّاها في هذه الأيام صَحَّ ويبقى مُحرِمًا بها فيها) بالعُمرةِ إن لم يُؤَدِّها في هذه الأيام؛ كبِناء الصلاة بعد دخول الوقت المكروه (لأن الكراهة لغيرها) أي لغير عين العُمرة، أراد أنَّ الكراهة لِمعنًى في غيرها لا في نفْسِها (وهو تعظيم أمر الحج وتخليص وقته له) ومِن تعظيم أمره أن يجعل له الوقت خاصةً لا يكون فيه غيره، فإذا كانت الكراهة لمعنًى في غيرها (فيَصِحُّ الشُّروعُ فيها)] اهـ.
وعند الشافعية: يجوز الإحرام بها في كل وقت مِن السَّنة، ولا يُكرَه في وقتٍ مِن الأوقات، وسواء أشهُر الحج وغيرها في جوازها فيها مِن غير كراهة، ولا يُكرَه عُمرَتان وثلاثٌ وأكثرُ في السَّنة الواحدة، ولا في اليوم الواحد، بل يُستَحَب الإكثار، ولا تمتنع العُمرةُ عندهم إلَّا للمُحرِم بالحجِّ، حتى ولو تَحَلَّلَ مِن الحج التَّحَلُّلَين وأقام بمنى لِلرمي والمبيت فلا يَنعقد إحرامُه بالعُمرة؛ لأنه عاجزٌ عن التشاغُلِ بها؛ لوجوب مُلازَمةِ إتمام الحج بالرمي والمبيت، وإذا نَفَرَ النَّفْرَ الأولَ وهو بعد الرمي في اليوم الثاني مِن أيام التشريق فأَحرم بعُمرةٍ فيما بقي مِن أيام التشريق ليلًا أو نهارًا فعُمرَتُه صحيحةٌ عندهم.
وبِناءً عليه: فيجوز للمُتَمَتِّعِ عند الشافعية تكرارُ العُمرة فيما عدا وقت الإحرام بالحج وحتى النَّفْر الأول بعد الرمي في ثاني أيام التشريق.
قال الإمام الشافعي -كما في "مختصر المزني" مع "الأم" (8/ 159، ط. دار المعرفة)-: [ووقت العمرة متى شاء، ومن قال: لا يعتمر إلا مرة في السنة، خالفَ سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه أعمر عائشة رضي الله عنها في شهر واحد من سنة واحدة مرتين، وخالف فعل عائشة رضي الله عنها نفسِها وعليٍّ وابنِ عمر وأنسٍ رحمهم الله] اهـ.
وقال الإمام العمراني الشافعي في "البيان" (4/ 63-64، ط. دار المنهاج): [ويجوز أن يَعتمر في السَّنة مرتين، وثلاثًا، وأكثر، ويُستحب الإكثارُ منها، وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: لا يجوز في السَّنة إلَّا عُمرةٌ واحدة. وبه قال النخعي، وابن سيرين] اهـ.
وقال الإمام النووي في "المجموع" (7/ 147-150، ط. دار الفكر): [قال الشافعي والأصحاب: جميع السَّنة وقتٌ لِلعُمرة؛ فيجوز الإحرامُ بها في كل وقتٍ مِن السَّنة، ولا يُكرَه في وقتٍ مِن الأوقات، وسواء أشهُر الحجِّ وغيرها في جوازها فيها مِن غير كراهة، ولا يُكرَه عُمْرَتان وثلاثٌ وأكثرُ في السَّنة الواحدة، ولا في اليوم الواحد، بل يُستحب الإكثارُ منها بلا خلافٍ عندنا.. ثم قال: فرعٌ في مذاهبهم في تكرار العُمرة في السَّنة: مَذهبُنا أنه لا يُكرَه ذلك، بل يُستحب، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء مِن السَّلَف والخَلَف ومِمَّن حكاه عن الجمهور الماورديُّ والسرخسيُّ والعبدريُّ، وحكاه ابنُ المنذر عن عليِّ بن أبي طالب وابنِ عمر وابنِ عباس وأنس وعائشة وعطاء وغيرهم رضي الله عنهم. وقال الحسنُ البصري وابنُ سيرين ومالك: تُكرَه العُمرةُ في السَّنة أكثر مِن مَرةٍ؛ لأنها عبادةٌ تَشتَمِل على الطواف والسعي فلا تُفعَل في السَّنة إلَّا مَرةً كالحج.. والجواب عن احتجاج مالكٍ بالقياس على الحج فهو أنَّ الحجَّ مؤقَّتٌ لا يُتَصَوَّرُ تكرارُه في السَّنة، والعُمرةُ غيرُ مؤقَّتةٍ فتُصُوِّرَ تكرارُها؛ كالصلاة] اهـ.
وذهب المالكية إلى أنَّ وقتَ العُمرة جميعُ السَّنة إلا أيام مِنًى، مع نَصِّهِم على كراهة تكرار العُمرة، وأنه لو أحرم بثانيةٍ انعقد إحرامُه، بل نَقل بعضُهم الإجماعَ على انعِقاده؛ قال الإمام ابن الحاجب المالكي في "جامع الأمهات" (ص: 187، ط. اليمامة): [أما العُمرة ففي جميع السَّنة إلَّا في أيام مِنًى لِمَن حَجَّ، ولا يَنعقدُ إلَّا أن يُتِمَّ رَميَه ويحلَّ بالإفاضة فينعقد، وفي كراهة تكرار العُمرة في السَّنة الواحدة قولان] اهـ. ووضَّح القولين العلامةُ الحطاب في "مواهب الجليل في شرح مختصر خليل" (2/ 467-468، ط. دار الفكر) فقال: [قولان: المشهور الكراهة، وهو مذهب "المدونة"، والشاذ لمطرف إجازة تكرارها، ونحوه لابن المواز؛ لأنه قال: أرجو أن لا يَكون بالعُمرةِ مرتين في سَنةٍ بأسٌ، وقد اعتَمَرَت عائشةُ رضي الله عنها مرتين في عامٍ واحد، وفَعَلَه ابنُ عمر رضي الله عنهما وابنُ المنكدر، وكَرِهَت عائشةُ رضي الله عنها عُمرَتَين في شهرٍ، وكَرِهَه القاسمُ بنُ محمد.. وعلى المشهور مِن أنه يُكرَه تكرارها في السنة الواحدة فلو أحرم بثانيةٍ انعقد إحرامُه إجماعًا، وقال في "المدونة": والعُمرة في السَّنة إنما هي مرةٌ واحدةٌ، ولو اعتمر بعدها لَزِمَتْهُ؛ كانت الأولى في أشهُر الحج أم لا، أراد الحج مِن عامِه ذلك أم لا. انتهى] اهـ.
وجواز تكرار العمرة هو روايةٌ عن الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، ففي "مسائل الإمام إسحاق بن منصور الكوسج" لهما (5/ 2271، ط. الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة): [قلت: يَعتَمِرُ الرجلُ في الشهر كما شاء؟ قال (يعني: الإمام أحمد): ما أَمْكَنَه، ليس لها وقتٌ كوقت الحج. قال إسحاقٌ (يعني ابن راهويه): كما قال، إلا أنه يَعتَمِر في كل شهرٍ أفضل؛ لكي يَجمع الاختلاف، ويكون أمكن للحَلق] اهـ، فاتفق الإمامان أحمد وابن راهويه -في هذه الرواية– على جواز العُمرة ما يشاء المُعتَمِر، ولا مانع مِن تكرارها، ولا شَكَّ أنه مُقَيَّدٌ بالوقت الذي يَمتنع فيه الإحرامُ بها لِلِانشِغال بأعمال الحج.
وخالَفَ الحنابلةُ؛ فأجازوا تكرار العُمرة ثم كرهوا الموالاة بينها، مع نَقلهم جواز التكرار عن كثير مِن الصحابة والتابعين، وتَجويزُ التكرارِ مع كراهيةِ الموالاة مع ما فيه من الإشكال فهو لا دليل عليه، ولم يرد عن أحد من السَّلَف مَنعُ الموالاة، قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في كتابه "المغني" (3/ 220-221، ط. مكتبة القاهرة): [ولا بأس أن يَعتمر في السَّنة مِرارًا. رُوي ذلك عن عليٍّ، وابنِ عُمر، وابنِ عباس، وأنسٍ، وعائشة، وعطاءٍ، وطاوس، وعكرمة، والشافعي. وكَرِهَ العُمرةَ في السَّنةِ مرتين: الحسنُ، وابنُ سيرين، ومالكٌ. وقال النخعي: ما كانوا يَعتمرون في السَّنة إلَّا مَرة. ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يَفعله. ولنا أنَّ عائشةَ اعتَمَرَت في شهرٍ مرتين بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: عُمرةً مع قِرَانِها، وعُمرةً بعد حجِّها؛ ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا». متفق عليه، وقال عليٌّ رضي الله عنه: "في كل شهر مَرة". وكان أنسٌ رضي الله عنه إذا حَمَّمَ رأسه خرج فاعتَمَر. رواهما الشافعي في "مسنده". وقال عكرمة: يَعتمر إذا أمكن الموسى مِن شعره. وقال عطاءٌ: إن شاء اعتَمَر في كُلِّ شهرٍ مرتين. فأما الإكثارُ مِن الاعتِمَار، والموالاة بينهما، فلا يُستحب في ظاهر قول السَّلَف الذي حكيناه. وكذلك قال أحمد: إذا اعتَمَر فلا بُدَّ مِن أن يَحلِق أو يُقَصِّر، وفي عشرة أيامٍ يُمكِن حَلقُ الرأس. فظاهِرُ هذا أنه لا يُستحب أن يعتمر في أقل مِن عشرة أيام. وقال في رواية الأثرم: إن شاء اعتَمَر في كُلِّ شهر. وقال بعضُ أصحابنا: يُستحب الإكثارُ مِن الاعتِمَار. وأقوالُ السَّلَف وأحوالُهم تَدُلُّ على ما قُلناه، ولأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابَه لم يُنقل عنهم الموالاةُ بينهما، وإنما نُقِلَ عنهم إنكارُ ذلك، والحَقُّ في اتِّبَاعِهم. قال طاوس: الذين يَعتمرون مِن التنعيم، ما أدري يُؤجَرون عليها أو يُعَذَّبُون؟ قيل له: فَلِمَ يُعَذَّبُون؟ قال: لأنه يَدَعُ الطوافَ بالبيت، ويَخرجُ إلى أربعة أميال ويَجِيءُ، وإلى أن يَجِيءَ مِن أربعة أميال قد طاف مِائَتَي طواف، وكُلَّما طاف بالبيت كان أفضلَ مِن أن يَمشي في غير شيء] اهـ.
ودعوى عَدَمِ نَقلِ الموالاة لا تَصلُح دليلًا لِلمَنع؛ لأنها لا تَعني أكثرَ مِن عَدَمِ الدليل، وعَدَمُ الدليلِ ليس بِدَليلٍ في المسألةِ لا نَفيًا ولا إثباتًا، وعَدَم النقل ليس نَقلًا لِلعَدَم؛ فلا يَلزَمُ مِن عَدَمِ النقل عَدَمُ الوُقُوع، وعَدَمُ الدليل في مسألةٍ مُبْقٍ لها على البراءة الأصلية، والتحريم حُكمٌ زائدٌ ناقِلٌ عن البراءة الأصلية يَحتاج إلى دليلٍ بخُصوصه، فكيف مع عموم الأدلة على الجواز -بل والاستِحباب- على ما تَقدَّم ذِكرُه، فالقول ببدعية العمرة بعد العمرة تكرارًا أو موالاةً -فضلًا عن منعها وتحريمها- مَسالك لا يَرتَضِيها التحقيقُ العِلمِيُّ الصحيح، فإنه مَتَى جازَ التكرارُ مُطلَقًا اقتَضَى ذلك جواز الإكثارِ والموالاة مُطلَقًا، ويَحتاج الفرقُ بينهما إلى دليلٍ ولا يُوجَد.
كما أن المندوب لم يَنحَصِر في أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يَترُكُ الشَّيءَ وهو يَستَحِبُّ فِعلَه لِرَفعِ المَشَقَّةِ عن أُمَّتِه، وقد نَدَبَ إلى ذلك بِلَفظِه في الأحاديث المُتقدِّمة.
وأما ادِّعاءُ نقل الإنكار عن بعض السلف فليس بصحيح، وما نُقِلَ عن طاوس مقابَلٌ بما عليه جماهير علماء المسلمين سلفًا وخلفًا مِن القول بالمشروعية والاستحباب.
على أن قول مَن كَرِهَ تكرار العمرة أو موالاتها مُنْصَبٌّ على الأفضلية والأولوية لا على الجواز، كما أنه ينبغي حَملُهُ على أهل مكة لا على مَن يأتيها مِن أقاصي البلدان.
وتكرار العمرة يكون بالخروج من الحرم والذهاب إلى أدنى الحل للإحرام منه؛ كالتنعيم مثلًا.
وبِناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنه يَجوزُ -بل يُستَحَبُّ- لِلمسلم أن يَعتَمِرَ ويُكَرِّرَ العُمرةَ ويُوَالِي بينها، وهذا هو مَذهَبُ جماهيرِ العلماء سَلَفًا وخَلَفًا، وذلك بأن يخرج في كل مرة إلى أدنى الحل فيحرم منه بالعمرة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;