الجمع بين طوافي الإفاضة والوداع في طواف واحد

ما رأي سيادتكم في مسألة جواز الجمع بين طوافَي الإفاضة والوداع في طواف واحد بنيتين؟ حيث إن هذا من الأمور التي تُحدِث الكثير من البلبلة والوسوسة بين السادة الحجاج أثناء تنفيذ رحلات الحج، التي نراعي فيها -لكثرةِ الأعداد- التسهيلَ على السادة الحجاج واختيار الأيسر لهم حتى لا يتعرضوا لحوادث الزحام.

يجوز شرعًا تأخير طواف الإفاضة إلى آخر مكث الحاج بمكة ليُغنِيَ عن طواف الوداع؛ فالمقصود من الوداع أن يكون آخرُ عهدِ الحاج هو الطوافَ بالبيت الحرام، وهذا حاصل بطواف الإفاضة، ولا يضر الحاجَّ أداءُ السعي بعد هذا الطواف؛ لأن السعي لا يقطع التوديع.

التفاصيل ....

من المقرر شرعًا أن المشقة تجلب التيسير، ولَمَّا كان الحج من العبادات البدنية التي تشتمل على مشقة كبيرة فقد جعل الشرع مبنى أمره على التخفيف والتيسير، وقد أصَّل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاعدة ذلك، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقف في حجة الوداع بمِنًى للناس يسألونه، فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: «اذْبَحْ وَلا حَرَجَ»، فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: «ارْمِ وَلا حَرَجَ»، فما سُئِلَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عن شيء قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إلا قال: «افْعَلْ وَلا حَرَجَ» متفق عليه.
ومناسك الحج على قسمين: فمنها أمور أجمع عليها المسلمون لا يجوز الخروج عنها، ومنها مسائل اختلف فيها الأئمة الفقهاء، وهذه المسائل الخلافية ينبغي التخفيف بها على المسلمين؛ إذ من القواعد المقررة في التعامل مع المسائل الخلافية شرعًا أنه لا يُنكَر المختلفُ فيه وإنما يُنكَر المتفق عليه، وأنه يجوز الأخذ بقول أي من المجتهدين في مسائل الخلاف خاصةً إذا كان ذلك موافقًا للمصلحة ومحققًا للتيسير والتخفيف، وأن الخروج من الخلاف مستحب حيث أمكن ذلك ولا معارض، وقد تقرر أن حفظ النفس من مقاصد الشرع الكلية المقدمة على غيرها من المقاصد، وأن الالتزام في الخلافيات بقول بعض المجتهدين -ولو كانوا جمهور الفقهاء- مشروط بأن لا يكون على حساب حفظ النفوس والمُهَج، وإلا فالأخذ بقول المرخصين والميسرين من الفقهاء يصبح واجبًا، ويظهر ذلك جليًّا في الحج ومناسكه؛ درءًا لِمَا يحدث من حالات الإصابات والوفيات الناتجة عن تزاحم الحجاج في أوقات واحدة على مناسك معينة، وليس من الفقه ولا من الحكمة تطبيقُ شيء مستحب أو مختلف فيه على حساب أرواح الناس ومُهَجِهم.
وأما الجمع بين طوافي الإفاضة والوداع في طواف واحد بنيتين:
فالجمهور على أن طواف الوداع واجب، وقال المالكية وداود وابن المنذر وهو قولٌ للشافعي وقول للإمام أحمد رضي الله عنهما: إنه سنة؛ لأنه خُفِّفَ عن الحائض.
وقد أجاز المالكية والحنابلة الجمعَ بين طوافي الإفاضة والوداع في طواف واحد؛ بناءً على أن المقصود هو أن يكون آخرُ عهدِ الحاج هو الطوافَ بالبيت الحرام، وهذا حاصل بطواف الإفاضة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أُمِرَ الناسُ أن يكون آخرُ عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفِّفَ عن الحائض" متفق عليه.
قال الإمام مالك -كما في "المدونة الكبرى"-: [بلغني أن بعض أصحاب النبي عليه السلام كانوا يأتون مراهقين -أي ضاق بهم وقت الوقوف بعرفة عن إدراك الطواف قبله- فينفذون لحجهم ولا يطوفون ولا يسعون، ثم يقدمون منًى ولا يفيضون من منًى إلى آخر أيام التشريق، فيأتون فينيخون بإبلهم عند باب المسجد ويدخلون فيطوفون بالبيت ويسعون ثم ينصرفون، فيجزئهم طوافهم ذلك لدخولهم مكة ولإفاضتهم ولوداعهم البيت] اهـ.
وقال سيدي أبو البركات الدردير المالكي في "الشرح الكبير": [(وتَأَدَّى) الوداعُ (بالإفاضة و) بطواف (العمرة) أي سقط طلبه بهما ويحصل له ثواب طواف الوداع إن نواه بهما] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني": [فيه روايتان؛ إحداهما: يجزئه عن طواف الوداع؛ لأنه أُمِرَ أن يكون آخر عهدِه بالبيت, وقد فعل، ولأن ما شُرِعَ لتحية المسجد أجزأ عنه الواجب من جنسه, كتحية المسجد بركعتين تجزئ عنهما المكتوبة] اهـ.
وقال العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف": [قوله (ومَن أخَّر طواف الزيارة فطافه عند الخروج؛ أجزأ عن طواف الوداع) هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقاله الخرقي في "شرح المختصر", وصاحب "المغني" في كتاب الصلاة قاله في القواعد. وعنه: لا يجزيه عنه فيطوف له، وأطلقهما في "المغني"] اهـ.
وحينئذٍ فلا مانع شرعًا من الأخذ بقول المالكية ومن وافقهم في استحباب طواف الوداع وعدم وجوبه، وكذلك القول بإجزاء طواف الإفاضة عن الوداع عندهم وعند الحنابلة، حتى ولو سعى الحاج بعده؛ لأن السعي لا يقطع التوديع.
قال العلامة الدسوقي المالكي في حاشيته على "الشرح الكبير" للإمام أبي البركات الدردير: [ولا يكون سعيه لها طولًا حيث لم يُقِمْ عندها إقامةً تقطع حكم التوديع] اهـ.
واستُدِلَّ لذلك بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الصحيحين وغيرهما قالت: خرجنا مُهِلِّينَ بالحج في أشهر الحج... حتى نفرنا مِن مِنًى ونزلنا المحصب، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عبدَ الرحمن أخي فقال: «اخْرُجْ بِأُخْتِكَ الْحَرَمَ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا أَنْتَظِرْكُمَا هَا هُنَا»، زاد مسلم في روايته: قالت: فخرجنا فأهلَلْتُ، ثم طُفْتُ بالبيت وبالصفا والمروة، فجئنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «فَرَغْتُمَا؟» قلت: نعم، فنادى بالرحيل في أصحابه، فارتحل الناس.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري": [ويستفاد من قصة عائشة أن السعي إذا وقع بعد طواف الركن -إن قلنا إن طواف الركن يغني عن طواف الوداع- أن تخلُّل السعي بين الطواف والخروج لا يقطع إجزاء الطواف المذكور عن الركن والوداع معًا] اهـ.
وبناءً على ذلك: فإن تأخير طواف الإفاضة إلى آخر مكث الحاج بمكة ليُغنِيَ عن طواف الوداع جائزٌ شرعًا، ولا يضر ذلك أداءُ السعي بعده.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

الجمع بين طوافي الإفاضة والوداع في طواف واحد

ما رأي سيادتكم في مسألة جواز الجمع بين طوافَي الإفاضة والوداع في طواف واحد بنيتين؟ حيث إن هذا من الأمور التي تُحدِث الكثير من البلبلة والوسوسة بين السادة الحجاج أثناء تنفيذ رحلات الحج، التي نراعي فيها -لكثرةِ الأعداد- التسهيلَ على السادة الحجاج واختيار الأيسر لهم حتى لا يتعرضوا لحوادث الزحام.

يجوز شرعًا تأخير طواف الإفاضة إلى آخر مكث الحاج بمكة ليُغنِيَ عن طواف الوداع؛ فالمقصود من الوداع أن يكون آخرُ عهدِ الحاج هو الطوافَ بالبيت الحرام، وهذا حاصل بطواف الإفاضة، ولا يضر الحاجَّ أداءُ السعي بعد هذا الطواف؛ لأن السعي لا يقطع التوديع.

التفاصيل ....

من المقرر شرعًا أن المشقة تجلب التيسير، ولَمَّا كان الحج من العبادات البدنية التي تشتمل على مشقة كبيرة فقد جعل الشرع مبنى أمره على التخفيف والتيسير، وقد أصَّل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاعدة ذلك، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقف في حجة الوداع بمِنًى للناس يسألونه، فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: «اذْبَحْ وَلا حَرَجَ»، فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: «ارْمِ وَلا حَرَجَ»، فما سُئِلَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عن شيء قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إلا قال: «افْعَلْ وَلا حَرَجَ» متفق عليه.
ومناسك الحج على قسمين: فمنها أمور أجمع عليها المسلمون لا يجوز الخروج عنها، ومنها مسائل اختلف فيها الأئمة الفقهاء، وهذه المسائل الخلافية ينبغي التخفيف بها على المسلمين؛ إذ من القواعد المقررة في التعامل مع المسائل الخلافية شرعًا أنه لا يُنكَر المختلفُ فيه وإنما يُنكَر المتفق عليه، وأنه يجوز الأخذ بقول أي من المجتهدين في مسائل الخلاف خاصةً إذا كان ذلك موافقًا للمصلحة ومحققًا للتيسير والتخفيف، وأن الخروج من الخلاف مستحب حيث أمكن ذلك ولا معارض، وقد تقرر أن حفظ النفس من مقاصد الشرع الكلية المقدمة على غيرها من المقاصد، وأن الالتزام في الخلافيات بقول بعض المجتهدين -ولو كانوا جمهور الفقهاء- مشروط بأن لا يكون على حساب حفظ النفوس والمُهَج، وإلا فالأخذ بقول المرخصين والميسرين من الفقهاء يصبح واجبًا، ويظهر ذلك جليًّا في الحج ومناسكه؛ درءًا لِمَا يحدث من حالات الإصابات والوفيات الناتجة عن تزاحم الحجاج في أوقات واحدة على مناسك معينة، وليس من الفقه ولا من الحكمة تطبيقُ شيء مستحب أو مختلف فيه على حساب أرواح الناس ومُهَجِهم.
وأما الجمع بين طوافي الإفاضة والوداع في طواف واحد بنيتين:
فالجمهور على أن طواف الوداع واجب، وقال المالكية وداود وابن المنذر وهو قولٌ للشافعي وقول للإمام أحمد رضي الله عنهما: إنه سنة؛ لأنه خُفِّفَ عن الحائض.
وقد أجاز المالكية والحنابلة الجمعَ بين طوافي الإفاضة والوداع في طواف واحد؛ بناءً على أن المقصود هو أن يكون آخرُ عهدِ الحاج هو الطوافَ بالبيت الحرام، وهذا حاصل بطواف الإفاضة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أُمِرَ الناسُ أن يكون آخرُ عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفِّفَ عن الحائض" متفق عليه.
قال الإمام مالك -كما في "المدونة الكبرى"-: [بلغني أن بعض أصحاب النبي عليه السلام كانوا يأتون مراهقين -أي ضاق بهم وقت الوقوف بعرفة عن إدراك الطواف قبله- فينفذون لحجهم ولا يطوفون ولا يسعون، ثم يقدمون منًى ولا يفيضون من منًى إلى آخر أيام التشريق، فيأتون فينيخون بإبلهم عند باب المسجد ويدخلون فيطوفون بالبيت ويسعون ثم ينصرفون، فيجزئهم طوافهم ذلك لدخولهم مكة ولإفاضتهم ولوداعهم البيت] اهـ.
وقال سيدي أبو البركات الدردير المالكي في "الشرح الكبير": [(وتَأَدَّى) الوداعُ (بالإفاضة و) بطواف (العمرة) أي سقط طلبه بهما ويحصل له ثواب طواف الوداع إن نواه بهما] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني": [فيه روايتان؛ إحداهما: يجزئه عن طواف الوداع؛ لأنه أُمِرَ أن يكون آخر عهدِه بالبيت, وقد فعل، ولأن ما شُرِعَ لتحية المسجد أجزأ عنه الواجب من جنسه, كتحية المسجد بركعتين تجزئ عنهما المكتوبة] اهـ.
وقال العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف": [قوله (ومَن أخَّر طواف الزيارة فطافه عند الخروج؛ أجزأ عن طواف الوداع) هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقاله الخرقي في "شرح المختصر", وصاحب "المغني" في كتاب الصلاة قاله في القواعد. وعنه: لا يجزيه عنه فيطوف له، وأطلقهما في "المغني"] اهـ.
وحينئذٍ فلا مانع شرعًا من الأخذ بقول المالكية ومن وافقهم في استحباب طواف الوداع وعدم وجوبه، وكذلك القول بإجزاء طواف الإفاضة عن الوداع عندهم وعند الحنابلة، حتى ولو سعى الحاج بعده؛ لأن السعي لا يقطع التوديع.
قال العلامة الدسوقي المالكي في حاشيته على "الشرح الكبير" للإمام أبي البركات الدردير: [ولا يكون سعيه لها طولًا حيث لم يُقِمْ عندها إقامةً تقطع حكم التوديع] اهـ.
واستُدِلَّ لذلك بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الصحيحين وغيرهما قالت: خرجنا مُهِلِّينَ بالحج في أشهر الحج... حتى نفرنا مِن مِنًى ونزلنا المحصب، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عبدَ الرحمن أخي فقال: «اخْرُجْ بِأُخْتِكَ الْحَرَمَ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا أَنْتَظِرْكُمَا هَا هُنَا»، زاد مسلم في روايته: قالت: فخرجنا فأهلَلْتُ، ثم طُفْتُ بالبيت وبالصفا والمروة، فجئنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «فَرَغْتُمَا؟» قلت: نعم، فنادى بالرحيل في أصحابه، فارتحل الناس.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري": [ويستفاد من قصة عائشة أن السعي إذا وقع بعد طواف الركن -إن قلنا إن طواف الركن يغني عن طواف الوداع- أن تخلُّل السعي بين الطواف والخروج لا يقطع إجزاء الطواف المذكور عن الركن والوداع معًا] اهـ.
وبناءً على ذلك: فإن تأخير طواف الإفاضة إلى آخر مكث الحاج بمكة ليُغنِيَ عن طواف الوداع جائزٌ شرعًا، ولا يضر ذلك أداءُ السعي بعده.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;