المبيت بالمزدلفة ووقت رمي الجمرات

السائل يقول: نريد أن نأخذ برأي سيادتكم في بعض الأمور التي تُحدِث الكثير من البلبلة والوسوسة بين السادة الحجاج أثناء تنفيذنا لرحلات الحج والتي نراعي فيها -لكثرةِ الأعداد- التسهيلَ على السادة الحجاج واختيار الأيسر لهم حتى لا يتعرضوا لحوادث الزحام في كثير من الأحيان، وعلى سبيل المثال الأمور الآتي بيانها:
1- المكوث بمزدلفة قدر حطِّ الرحال وصلاة المغرب والعشاء جمع تأخير "ويكفي المرور بها" طبقًا لفقه الإمام مالك.
2- جواز رمي الجمرات بعد "منتصف الليل" وكيفية احتساب منتصف الليل.
3- جواز الجمع بين طوافي الإفاضة والوداع في طواف واحد بِنيَّتين.
فبرجاء التكرم بإبداء رأي معاليكم في الأمور السابق ذكرها وبرامج الحج المرفقة تيسيرًا على الحجاج الذين يبلغ أعدادهم في كثير من الأحيان نحو 5 ملايين حاج.

ما عليه الفتوى في هذه الأزمان التي كثرت فيها أعداد الحجيج هو الأخذ بأن المبيت في المزدلفة سُنَّةٌ، وأنه يكفي لمن أراد تحصيل المبيت فيها أن يمكث فيها بقدر ما يحط الحاجُّ رحله ويجمع المغرب والعشاء.
أما رمي الجمرات: فيجوز شرعًا رميُ الجمرات أيام التشريق بدءًا من منتصف الليل، ويجوز المغادرةُ بعد ذلك لِمَن أراد المغادرةَ في الليلة الثانية أو الثالثة من أيام التشريق، ولَمَّا كان الليل يبدأ من غروب الشمس وينتهي بطلوع الفجر الصادق فإن نصفه يُحسَب بقسمة ما بين هذين الوقتين على اثنين وإضافة الناتج لبداية المغرب.
وكذلك يجوز شرعًا تأخير طواف الإفاضة إلى آخر مكث الحاج بمكة ليُغنِيَ عن طواف الوداع، ولا يضر الحاجَّ أداءُ السعي بعد هذا الطواف.

التفاصيل ....

من المقرر شرعًا أن المشقة تجلب التيسير، ولَمَّا كان الحج من العبادات البدنية التي تشتمل على مشقة كبيرة فقد جعل الشرع مبنى أمره على التخفيف والتيسير، وقد أصَّل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاعدة ذلك، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقف في حجة الوداع بمنًى للناس يسألونه، فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: «اذْبَحْ وَلا حَرَجَ»، فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: «ارْمِ وَلا حَرَجَ»، فما سُئِلَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عن شيء قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إلا قال: «افْعَلْ وَلا حَرَجَ» رواه الشيخان.
ومناسك الحجِّ على قسمين: فمنها أمور أجمع عليها المسلمون لا يجوز الخروج عنها، ومنها مسائل اختلف فيها الأئمة الفقهاء، وهذه المسائل الخلافية ينبغي التخفيف بها على المسلمين؛ إذ من القواعد المقررة في التعامل مع المسائل الخلافية شرعًا أنه "لا يُنكَر المختلفُ فيه وإنما يُنكَر المتفق عليه"، وأنه "يجوز الأخذ بقول أي من المجتهدين في مسائل الخلاف خاصةً إذا كان ذلك موافقًا للمصلحة ومحققًا للتيسير والتخفيف"، وأن "الخروج من الخلاف مستحب حيث أمكن ذلك ولا معارض"، وقد تقرر أن حفظ النفس من مقاصد الشرع الكلية المقدمة على غيرها من المقاصد، وأن الالتزام في الخلافيات بقول بعض المجتهدين -ولو كانوا جمهور الفقهاء- مشروط بأن لا يكون على حساب حفظ النفوس والمُهَج، وإلا فالأخذ بقول المرخصين والميسرين من الفقهاء يصبح واجبًا، ويظهر ذلك جليًّا في الحج ومناسكه؛ درءًا لِمَا يحدث من حالات الإصابات والوفيات الناتجة عن تزاحم الحجاج في أوقات واحدة على مناسك معينة، وليس من الفقه ولا من الحكمة تطبيقُ شيء مستحب أو مختلف فيه على حساب أرواح الناس ومُهَجِهم.
فأما المبيت بمزدلفة:
فقد اختلف فيه العلماء:
فمنهم مَن ذهب إلى أنه ركن، وهو قول الحسن البصري وبعض التابعين وأفراد من الفقهاء.
والصحيح الذي عليه جمهور العلماء أن الوقوف بمزدلفة ليس من أركان الحج، قال الإمام النووي في "المجموع": [قال القاضي أبو الطيب وأصحابنا: وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف] اهـ.
ثم القائلون بأن الحج دونه صحيح تام اختلفوا في وجوبه:
فمنهم مَن ذهب إلى أنه واجب يصح الحج بدونه ويُجبَر تركُه بدم، وهو الأصح عند الشافعية والحنابلة، ويحصل الوقوف بمزدلفة عندهم بلحظة من النصف الثاني من ليلة النحر ولو بالمرور، ووجوب الدم خاصٌّ بِمَن ترك المبيت بلا عذر، أما مَن تركه لعذر فلا شيء عليه، كمَن انتهى إلى عرفات ليلة النحر واشتغل بالوقوف بعرفة عن المبيت بالمزدلفة، وكالمرأة لو خافت طروء الحيض أو النفاس فبادرت إلى مكة بالطواف، وكمَن أفاض من عرفات إلى مكة وطاف للركن ولم يمكنه الدفع إلى المزدلفة بلا مشقة ففاته المبيت، وكالرُّعَاة والسُّقَاةِ فلا دم عليهم لترك المبيت؛ لحديث عَدِيٍّ رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أَرْخَصَ لرِعاء الإبل في البيتوتة خارجِينَ عن منًى"، أخرجه الإمام مالك في "الموطأ" (921)، وأبو داود (1975)، واللفظ لهما، والترمذي (970)، وقال: حسن صحيح، و"أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ"، رواه البخاري (1634، 1745)، ومسلم (3238)، واللفظ لمسلم.
قال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (2/ 225): [ومن المعذورين: مَن له مال يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت، أو يخاف على نفسه، أو كان به مرض يشق معه المبيت، أو له مريض يحتاج إلى تعهده، أو يطلب آبقًا، أو يشتغل بأمر آخر يخاف فوته، ففي هؤلاء وجهان، الصحيح المنصوص يجوز لهم ترك المبيت، ولا شيء عليهم بسببه] اهـ.
وللإمام الشافعي في وجوب الدم على غير المعذور قولان: قولٌ بالوجوب، وقولٌ بالاستحباب، قال الإمام الماوردي الشافعي في "الحاوي" (4/ 178، ط. دار الكتب العلمية): [فإذا ترك المبيت بها أو خرج منها قبل نصف الليل فعليه دمٌ، وفيه قولان؛ أحدهما: واجبٌ، وهو قوله في القديم والجديد. والقول الثاني: استحباب، وهو قوله في "الأم" و"الإملاء"، والحكم في هذا كالحكم في دم الدفع من عرفة قبل غروب الشمس؛ لأن أربعة دماء اختلف قوله فيها: منها هذان، والثالث: دم المبيت ليالِيَ منًى، والرابع: دم طواف الوداع] اهـ.
ويتخرج على قولِ الاستحباب القولُ بسُنيَّةِ المبيت بمزدلفة عند الإمام الشافعي، وهذا القول رجحه جماعة من الشافعية منهم الإمام الرافعي، وهو أيضًا قول للإمام أحمد.
قال إمام الحرمين الشافعي في "نهاية المطلب في دراية المذهب" (4/ 334، ط. دار الكتب العلمية): [وإذا اختلف القول في أن المبيت هل يُجبَرُ بالدم، فيترتب عليه لا محالةَ اختلافُ القول في أنه هل يجب في نفسه، وهل يجب على الناسك تحصيله؛ حتى يُقضَى بأنه يَعصِي بتركه؟] اهـ.
وقال العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي في "تحفة المحتاج" (4/ 113، ط. دار إحياء التراث العربي): [وقيل: سُنَّة، ورجَّحه الرافعي] اهـ.
وقال العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (4/ 25، ط. دار إحياء التراث العربي): [وعنه -أي عن الإمام أحمد-: لا يجب؛ كرعاة وسقاة، قاله في المستوعب وغيره] اهـ.
وقد ذهب بعض الشافعية إلى أن الإفاضة من عرفات إلى مكة مباشرة دون المرور بمزدلفة لطواف الإفاضة جائزة ولا شيء على الحاج فيها:
قال الإمام النووي في "المجموع": [أمَّا مَن انتهى إلى عرفات ليلةَ النحر واشتغل بالوقوف عن المبيت بالمزدلفة فلا شيء عليه باتفاق الأصحاب، وممن نَقَل الاتفاقَ عليه إمامُ الحرمين، ولو أفاض من عرفات إلى مكة وطاف الإفاضة بعد نصف ليلة النحر ففاته المبيت بالمزدلفة بسبب الطواف قال صاحبُ "التقريب" والقفَّالُ: لا شيء عليه؛ لأنه اشتغل بركنٍ، فأشبهَ المشتغِلَ بالوقوف] اهـ. (8/ 153، ط. مطبعة المنيرية).
وقال الشيخ الخطيب الشافعي في "مغني المحتاج": [ومحلُّ القولين -أي في وجوب الدم واستحبابه- حيث لا عذر، أما المعذور.. فلا دم عليه جزمًا، ومن المعذورين من جاء عرفة ليلًا فاشتغل بالوقوف عنه، ومَن أفاض مِن عرفة إلى مكة وطاف الركنَ وفاته] اهـ. (1/ 500، ط. دار الفكر).
وقالت المالكية: يُندَبُ المبيتُ بمزدلفةَ بقدر حط الرحال، سواء حطت بالفعل أم لا، وإن لم ينزل فيها بهذا القدر حتى طلع الفجر بلا عذر وجب عليه دم، أما إن تركه بعذر فلا شيء عليه.
وعند الحنفية: المبيت في مزدلفة ليلة النحر إلى الفجر سنَّة مؤكَّدة لا واجب؛ لأن البيتوتة شرعت للتأهب للوقوف ولم تشرع نسكًا، أما الوقوف بها ساعةً ولو لطيفة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فهو واجب، ونصوا على أنه إن تُرِكَ هذا الواجب لعذر فلا شيء على تاركه.
فَتَحَصَّلَ مما سبق أن هناك قولًا للإمامين الشافعي وأحمد رضي الله عنهما بِسُنِّيَّة المبيت مطلقًا من غير اشتراط حطِّ رحال ولا مرور أصلًا، وأن من الشافعية من جعل إفاضة الحاج من عرفات إلى مكة لطواف الركن عذرًا شرعيًّا في ترك المبيت بمزدلفة، وأن المالكية قائلون بسنية المبيت مع إيجابهم المكثَ فيها بقدر حطِّ الرحال وصلاة العشاءين، وأن الحنفية قائلون بأن المبيت ليس واجبًا، إنما الواجب القيام فيها بعد الفجر إلى طلوع الشمس، وأن الأصح عند الشافعية والحنابلة وجوب المبيت، وأن المُوجِبينَ متفقون على أن ترك الواجب -في ذلك وهو مقدار حطِّ الرحال وصلاة العشاءين عند المالكية، والقيام عند المشعر الحرام بعد الفجر عند الحنفية، وتحصيل المبيت بمزدلفة بالحضور بعد نصف الليل لحظة ولو مرورًا عند الجمهور- يسقط عند وجود الأعذار.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أَرْخَصَ للرعاة في عدم المبيت من أجل رعي أنعامهم، ورخَّص لعمه العباس رضي الله عنه من أجل سقايته، فلا شكَّ أن الزحام الشديد المؤدي إلى الإصابات والوفيات الناجمَ عن كثرة الحجاج عامًا بعد عام مع محدودية أماكن المناسك أَوْلَى في الإعذار من ذلك؛ لأن أعمال السُّقاة والرُّعاة متعلقة بأمورهم الحاجية، أما الزحام فقد يتعارض مع المقاصد الضرورية؛ لأنه يؤدي في كثير من الأحيان إلى الإصابات، بل والوفيات، كما هو مشاهَدٌ معلوم.
والزحام عذر يُرَخِّصُ في ترك الوقوف بمزدلفة بعد الفجر عند الحنفية القائلين بوجوبه؛ قال العلامة الحصكفي في "الدر المختار": [لكن لو تركه بعذر كزحمة بمزدلفة لا شيء عليه] اهـ. (3/ 529، ط، دار عالم الكتب).
قال العلامة ابن عابدين في "حاشيته": [قوله (كزحمة) عبارة "اللباب" إلا إذا كان لعلة أو ضعف أو يكون امرأة تخاف الزحام فلا شيء عليه. اهـ، لكن قال في "البحر": ولم يقيد في "المحيط" خوف الزحام بالمرأة بل أطلقه فشمل الرجل. اهـ، قلت: وهو شامل لخوف الزحمة عند الرمي، فمقتضاه أنه لو دفع ليلًا ليرمي قبل دفع الناس وزحمتهم لا شيء عليه] اهـ.
وليس من شرط الزحام المرخِّص في العذر أن يكون حاصلًا في المزدلفة نفسها؛ بل المقصود هو الوصول إلى ما يمنع تكدس الحجيج عند تدافعهم في النفرة منها بأي وسيلة، وفي هذه الأزمنة التي زادت فيها أعداد الحجيج زيادة هائلة وتضاعفت أضعافًا مضاعفة في أماكن المناسك المحدودة فقد أصبح الزحام متوقَّعًا في كل لحظة، والناظر للمناسك في ساعات الذروة يلمس خطر الموت المحدق بالحجيج من شدة الزحام والتلاحم، والعمل على تلافي ذلك من أهم الواجبات الشرعية المرعية في الحج، فصار وجود هذا الكم الكبير من الحجيج في نفسه مُسقِطًا لوجوب ترك المبيت؛ لأن الشرع يُنزل المظنة منزلة المئنة، ويحتاط للحفاظ على الأنفس والمُهَج ما لا يحتاط لغيرها، فيدخل في الزحام المسقط للوجوب في المكث أو المبيت توقعُ الزحام أو الخوفُ أو الهربُ منه، وهذا يقتضي سقوط الفدية عمن ترك المبيت في ظل وجود هذا الحجيج الكثير عند القائلين بوجوبه.
وبناءً على ذلك: فإن المعتمد في الفتوى في هذه الأزمان التي كثرت فيها أعداد الحجيج كثرة هائلة هو الأخذ بسُنِّيَّة المبيت في مزدلفة، وهو قول الإمام الشافعي في "الأم" و"الإملاء"، وقول للإمام أحمد كما حكاه صاحب "المستوعب" من الحنابلة، بينما يكتفي المالكية بإيجاب المكث فيها بقدر ما يحط الحاجُّ رحله ويجمع المغرب والعشاء، وإنه حتى على رأي الجمهور القائلين بوجوب المبيت فإنهم يسقطونه عند وجود العذر، ومن الأعذار حفظُ النفس من الخطر أو توقعه، فيكون الزحام الشديد الذي عليه الحجُّ في زماننا والذي تحصل فيه الإصاباتُ والوفيات -سواء أكان حاصلًا للحاج في مكانه أم متوقَّعَ الحصول في المكان الذي سيذهب إليه- مرخِّصًا شرعيًّا في ترك المبيت عند الموجبين له.
وأما رمي الجمرات:
فأما رمي جمرة العقبة الكبرى يوم النحر: فإن كثيرًا من العلماء كالشافعية والحنابلة وغيرهم أجازوا رميها بعد نصف ليلة النحر للقادر والعاجز على السواء؛ استدلالًا بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت" رواه أبو داود (1942)، قال ابن حجر في "بلوغ المرام": وإسناده على شرط مسلم.
قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب": [ووُجِّهَت الدلالةُ من الخبر بأنه صلى الله عليه وآله وسلم علَّق الرميَ بما قبل الفجر وهو صالح لجميع الليل، ولا ضابط له، فجُعِلَ النصفُ ضابطًا؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة مما قبله؛ ولأنه وقتُ الدفع من مزدلفة] اهـ. "أسنى المطالب" (1/ 493، ط. دار الكتاب الإسلامي).
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني": [ولِرمي هذه الجمرة وقتان: وقت فضيلة، ووقت إجزاء، فأما وقت الفضيلة فبعد طلوع الشمس... وأما وقت الجواز فأوله نصف الليل من ليلة النحر، وبذلك قال عطاء وابن أبي ليلى وعكرمة بن خالد والشافعي] اهـ. "المغني" (219/3 ط، دار إحياء التراث العربي).
أما رمي الجمرات في أيام التشريق: فللعلماء في بداية وقته ثلاثة أقوال:
القول الأول: قول جمهور العلماء أن رمي كل يوم من أيام التشريق لا يجوز إلا بعد الزوال؛ استدلالًا بفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عند مسلم وغيره واللفظ لمسلم ورواه البخاري معلقًا؛ قال: "رَمَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ".
القول الثاني: أنه يجوز الرمي قبل الزوال يوم النفر، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقول عكرمة، وإسحاق بن راهويه، والمشهور عن أبي حنيفة، ورواية عن أحمد قال بها بعض الحنابلة إلا أنه اشترط ألا ينفر إلا بعد الزوال، وفي رواية عن أبي حنيفة وافقه عليها أبو يوسف رحمهما الله تعالى جواز الرمي قبل الزوال في النفر الأول إن كان قصده التعجل.
والرواية عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أخرجها الحافظ البيهقي في "السنن الكبرى" من طريق عبد الله بن أبي مُلَيْكَةَ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "إذا انتفج النهارُ من يوم النفر الآخر فقد حلَّ الرميُ والصَّدْرُ". (5/ 152). والانتفاج (بالجيم): الارتفاع.
القول الثالث: أنه يجوز للحاج أن يرمي قبل الزوال في سائر أيام التشريق، وهو مذهب جماعات من العلماء سلفًا وخلفًا، منهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم، وطاوس بن كيسان، وعطاء بن أبي رباح في إحدى الروايتين عنه، والإمام أبو جعفر محمد الباقر، والإمام الناصر من الزيدية كما في "البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار"، وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة، وذكر العز ابن جماعة أنه الراجح من مذهب الشافعي، وقال الجمال الإسنوي: إنه المعروف في المذهب، ونقله إمام الحرمين في "نهاية المطلب" (4/ 323، ط. دار المنهاج) بتصرفٍ عن الأئمة، ونقله الروياني في "بحر المذهب" (5/ 217، ط. دار إحياء التراث العربي) بتصرفٍ عن بعض الشافعية بخراسان، واختاره الأئمة: الفوراني والعمراني والرافعي وغيرهم من الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد قال بها جماعة من الحنابلة كأبي الوفاء ابن عقيل وأبي الفرج ابن الجوزي وأبي الحسن ابن الزاغوني وغيرهم، قال ابن مفلح الحنبلي في "الفروع": [وَجَوَّزَهُ ابن الجوزي قبل الزوال، وفي الواضح بطلوع الشمس إلا ثالث يوم، وأطلق أيضًا في منسكه أن له الرمي من أول، وأنه يرمي في الثالث كاليومين قبله، ثم ينفر] اهـ. (6/ 59، ط. مؤسسة الرسالة).
ونقل ابن رجب الحنبلي في "الذيل على طبقات الحنابلة" (1/ 182) عن ابن الزاغوني في "مناسكه" أن رمي الجمار أيام منًى ورمي جمرة العقبة يوم النحر يجوز قبل الزوال وبعده، والأفضل بعده.
فأما الرواية عن ابن عمر رضي الله عنهما فرواها الإمام البخاري في "صحيحه" عن وبرة بن عبد الرحمن قال: سألتُ ابنَ عمر رضي الله عنهما: متى أرمي الجمار؟ قال: "إذا رمى إمَامُكَ فَارْمِه"، فأَعدتُ عليه المسألة، فقال: "كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فإذا زَالت الشَّمسُ رَمَيْنَا"، ولو كان تَحَيُّنُ زوال الشمس واجبًا لَمَا أناط وقتَ الرمي بالإمام، ولكنه لَمَّا رآه واسعًا لم يشأ أن يُضَيِّقَ عليه.
وأما الرواية عن ابن الزبير رضي الله عنهما فأخرجها الفاكهي في "أخبار مكة" (4/ 299) عن عمرو بن دينار قال: ذهبت أرمي الجمار، فسألتُ: هل رمى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؟ فقالوا: لا، ولكن قد رمى أمير المؤمنين؛ يعنون ابنَ الزبير، قال: فانتظرت ابن عمر رضي الله عنهما فلما زالت الشمس خرج فأتى الجمرة الأولى فرماها.
وقد استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
ما رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" واللفظ للبخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُسأل يوم النحر بمنًى، فيقول: «لا حَرَجَ»، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح، فقال: «اذْبَحْ ولا حَرَجَ»، وقال آخر: رميت بعدما أمسيت، فقال: «لا حَرَجَ»، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم ما سُئِل في ذلك اليوم عن شيء قُدِّم أو أُخِّر إلا قال: «افْعَلْ وَلا حَرَجَ»، وهذا يقتضي رفع الحرج في وقت الرمي، وأن مثل هذا التقديم فيه لا يضر، كما لا يضر في غيره من المناسك.
ومنها: ما أخرجه الدارقطني وغيره من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا بِاللَّيْلِ وَأَيَّ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ شَاءُوا".
قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "الكافي": [وكل ذي عذر من مرضٍ أو خوفٍ على نفسه أو ماله كالرعاة في هذا؛ لأنهم في معناهم] اهـ. (1/ 195)، ويأتي هنا ما ذكرناه من كون الزحام في هذا الزمن مرخِّصًا في ترك المبيت بمزدلفة.
كما استدلوا بقياس أيام التشريق على يوم النحر في جواز الرمي قبل الزوال بجامع أنها جميعًا أيامٌ للنحر والرمي في الجملة.
ومن أجل ذلك فقد أجاز الشافعية والحنابلة أن يجمع الحاج الجمار كلها -بما فيها جمرة العقبة يوم النحر- فيرميها جملة واحدة عندما يريد النفر في اليوم الثاني أو الثالث من أيام التشريق، وتقع حينئذٍ أداءً لا قضاءً في أصح الوجهين؛ لأن أيام منًى كلها كالوقت الواحد، وهو ما يُسَمَّى بمسألة "التَّدَارُك"، وهو الظاهر من مذهب الشافعي كما قال الإمام النووي في "المجموع"، وهو المذهب عند الحنابلة كما نص عليه الإمام ابن قدامة في "المغني"، بل إن جماعة من الشافعية أجازوا تقديم يوم على يوم بناءً على ما هو المصحَّح عندهم مِن أن أيام التشريق كلها كالوقت الواحد، والزوال عندهم إنما هو وقت اختيار لا وقت صحة، فجوَّزوا على ذلك تقديمَ رمي يوم النفر في يوم القرِّ، وهذا القول صححه الإمام التقي السبكي، ورجحه العز ابن جماعة، وقال الإمام الإسنوي: إنه المعروف في المذهب.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في "الإملاء" كما نقله الإمام العز ابن جماعة في "هداية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك" (4/ 1341): [وليس يجوز في رمي الجمار إلا واحدٌ من قولين؛ أحدهما: أن يكون رميُها محدودَ الأول، وتكون كل جمرة منها في يومها دون ليلتها، فإذا غربت من يومها أَهْرَقَ دمًا، أو رماها ولا يُهْرِيق دمًا. والثاني: أن يكون حدها الأول معروفًا والآخر آخر أيام التشريق، فلا يفوت منها واحدة فوتًا يجب به على صاحبه دم حتى تنقضي أيام التشريق، وبهذا نقول] اهـ.
قال الإمام العز ابن جماعة الشافعي في المرجع السابق بعد أن نقل كلام الإمام الشافعي السابق (4/ 1342): [ويحصل من مجموع ما ذكره أربعة أقوال في رمي اليومين الأولين؛ أصحها: يرمي إلى آخر أيام التشريق أداءً ولا دم عليه. والثاني: يرمي بعد انقضاء اليوم قضاءً، وعليه دم. والثالث: يرمي قضاءً ولا دم عليه. والرابع: لا يرمي، وعليه دم. وإذا قلنا بالقول الأول: فقال الرافعي في "الشرحين" تبعًا للغزالي في "الوسيط": إن جميع أيام منًى في حكم الوقت الواحد، وكل يوم للقدر المأمور به وقت اختيار كأوقات الاختيار للصلوات، وهذا يقتضي جواز تقديم رمي يوم إلى يوم، وتأخير رمي يوم إلى غده، وبه صرح الفوراني والرافعي في "الشرحين" تفريعًا على هذا القول، ونقل الإمام عن الأئمة تفريعًا عليه: أنه لا يمتنع التقدم] اهـ، ثم قال: [وقال الإمام: إن الوجهَ القطعُ بالمنع، وبه جزم الغزالي في "الوسيط" تفريعًا على الأداء، وظاهر ما قدَّمتُه من نص الشافعي رحمه الله في "الأم" ونصه في "الإملاء" يخالفه ويقتضي الجواز، فهو الذي يترجح من جهة المذهب، والله أعلم] اهـ. (4/ 1343).
وقال إمام الحرمين في "نهاية المطلب في دراية المذهب": [وإن قلنا: إنه يُتَدارَك، فالواقع من الرمي في اليوم الثاني قضاءٌ على الحقيقة، أم أداءٌ تأخَّر عن وقت الاختيار؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: هو أداء، وجملة أيام منًى في حكم الوقت الواحد للرمي، ولكن تَخيَّرَ الشرعُ لكل قدرٍ منها وقتًا، فهو كالأوقات المختارة في الصلوات، وبنى الأئمة على هذا الاختلاف جواز تقديم رمي يومٍ إلى يوم، وقالوا: إن قلنا: رمي اليوم الأول مقضيٌّ في الثاني، فلا يجوز التقديم، وإن قلنا: إنه مؤدًّى وإن أُخِّر، فلا يمتنع التقديم أيضًا] اهـ. (4/ 323، ط. دار المنهاج).
وقال الإمام الفوراني في "الإبانة" كما نقله العمراني في "البيان": [إن قلنا: إنه إذا فاته رمي يوم يقضيه فيما بعده، فهل يجوز له تعجيل رمي يوم النفر إلى يوم القر؟ فيه وجهان بناءً على أنه إذا رمى الفائت في اليوم الأول في اليوم الثاني هل يكون قضاءً أو أداءً؟ فيه وجهان: فإن قلنا: إنه أداء جاز له التعجيل، وكان رمي الأيام الثلاثة كلها عبادةً واحدةً، فيكون كالرمي في أول الوقت، وإن قلنا: إنه قضاءٌ فلا يجوز له التعجيل؛ لأن القضاء يكون بعد الفوات ولم يفته الرمي بعد] اهـ. (4/ 353، ط. دار المنهاج).
وقال الإمام التقي السبكي في "فتاويه": [وأما تقديم يوم إلى يوم يجوِّزه الفوراني على قول الأداء، ونقله الإمام عن الأئمة، وتبعه الغزالي، وقال الروياني: الصحيح أنه لا يجوز، ومال الرافعي إليه، وكلام الشافعي في "الإملاء" و"البويطي"، فليكن هو الصحيح، وأما تقديم يومين فقال الماوردي: إن اليوم الأول ليس وقتًا لجميعها إجماعًا] اهـ. (1/ 286، ط. دار المعارف).
وقال الإمام الإسنوي في "المهمات": [ما نقله الرافعي عن الإمام -أي إمام الحرمين- من جواز التقديم هو المعروف في المذهب، فقد جزم به في "الشرح الصغير" ولم يتوقف فيه كما توقف في "الكبير"، ونقل في "النهاية" أن الأئمة أجازوه، ولم يحكِ فيه خلافًا، وإن كان نقل الرافعي لا يعطيه، ونقله أيضًا كذلك صاحب "التعجيز" في شرحه له، غير أنه نقل عن جده أنه توقف فيه، وجزم به الفوراني في "العمدة"] اهـ. (4/ 391، ط. دار ابن حزم).
والمجوزون للرمي أيام التشريق قبل الزوال لهم أقوال في بدايته:
فمنهم من جعله مِن الفجر كبعض الحنفية.
ومنهم من جعله بعد طلوع الشمس كما هو عند مَن جوَّزه مِن الحنابلة، غير أن الذي يقتضيه المنقول عن السلف المجوِّزين للرمي قبل الزوال من تشبيههم رمي أيام التشريق برمي ليلة النحر هو جواز الرمي بعد منتصف الليل في كل ليلة من ليالي التشريق، تمامًا كالقول في الرمي ليلة النحر.
قال الإمام الماوردي الشافعي في "الحاوي": [وقال طاوس وعكرمة: يجوز أن يرمي قبل الزوال كيوم النحر] اهـ. (4/ 196، ط. دار الفكر)، فكما جاز الرمي بعد انتصاف ليلة النحر فكذلك الحال في الرمي أيام التشريق.
ومما يقوي ذلك ما قرره الشافعية في المعتمد عندهم مِن أن المبيت يتحقق بالحصول لحظة بعد نصف الليل كما سبق في المبيت بمزدلفة، فليكن ذلك أيضًا في المبيت بمنًى.
وإذا رمى الحاج بعد منتصف ليلة النفر فلا يجب عليه انتظارُ الزوال حتى ينفر؛ لأنه قد جمع بذلك بين الرمي الجائز والمبيت المتحقق بالحصول ولو لحظة بعد نصف الليل.
قال إمام الحرمين في "نهاية المطلب": [المبيت الواقع نسكًا لو تركه الناسك هل يلزمه أن يفديه أم لا؟ فيه قولان للشافعي: أحدهما: أنه يلزم، كما يلزم الدم بترك الرمي، والمبيت شعار ظاهر معتبر في الشرع كالرمي، فإذا وجبت الفدية في ترك الرمي فلتجب في ترك المبيت. والقول الثاني: لا يجب الدم، فإن المبيت رَيْثٌ ولُبْثٌ لانتظار شعار الرمي، فليس مقصودًا في نفسه، وهذا المعنى يجري أيضًا في المبيت بمزدلفة، فإن أوقات المناسك المنتظرة يدخل بانتصاف الليل، فشُرِعَ مبيت إلى ذلك الوقت] اهـ.
وأما ما نقله العمراني في "البيان" (4/ 362، ط. دار المنهاج) بتصرفٍ عن الشريف العثماني الشافعي وصححه الطبري شارح "التنبيه" من أن شرط النفر الانتظار إلى ما بعد الزوال وإلا كان النفر فاسدًا ففيه نظرٌ كما حققه الإمام الإسنوي في "المهمات"؛ حيث قال: [وكلام الطبري وصاحب "البيان" مُشْعِرٌ بأنهما لم يقفا في المسألة على نقل، وقد ذكرها -أي إمام الحرمين- في "النهاية" مبسوطة مخالفةً لِمَا ذكراه، ونقل -أي الإمام النووي- في "شرح المهذب" ذلك بجملته مستحسنًا له] اهـ. (4/ 381).
وحينئذٍ فإذا رمى متعجلًا فلا معنى لاشتراط الانتظار إلى الزوال؛ لأن المكث بمنًى والمبيت بها إنما شُرِعَ لانتظار شعار الرمي فهو من متمماته لا أنه مقصودٌ في نفسه.
وقال الإمام الإسنوي في "المهمات": [قد صرحوا بأن المبيت إنما وجب لأجل الرمي، فيكون تابعًا، والتابع لا يوجِب المتبوع] اهـ. (4/ 383).
ومن أجل هذا المعنى كان المبيت بمنًى في أيام التشريق سنةً لا واجبًا عند جماعة من الفقهاء كالسادة الحنفية، وهو قول للإمام الشافعي وقول للإمام أحمد رضي الله عنهما بناءً على أن المبيت ليس مقصودًا في نفسه، بل قد شُرِعَ لمعنًى معقول، وهو الرفق بالحاج؛ بجعله أقرب لمكان الرمي في غده، فهو مشروع لغيره، لا لذاته، وما كان كذلك فالشأن فيه ألا يكون واجبًا.
وبناءً على ذلك: فإنه يجوز شرعًا رميُ الجمرات أيام التشريق بدءًا من نصف الليل والنفر بعده لِمَن أراد النفر في الليلة الثانية أو الثالثة منها، ولَمَّا كان الليل يبدأ من غروب الشمس وينتهي بطلوع الفجر الصادق فإن نصفه يُحسَب بقسمة ما بين هذين الوقتين على اثنين وإضافة الناتج لبداية المغرب، لا بقسمة ما بين العشاء والفجر كما يظن بعضهم.
وأما الجمع بين طوافي الإفاضة والوداع في طواف واحد بِنيَّتيْن:
فالجمهور على أن طواف الوداع واجب، وقال المالكية وداود وابن المنذر وهو قولٌ للشافعي وقول للإمام أحمد رضي الله عنهما: إنه سنَّة؛ لأنه خُفِّفَ عن الحائض.
وقد أجاز المالكية والحنابلة الجمعَ بين طوافي الإفاضة والوداع في طواف واحد بناءً على أن المقصود هو أن يكون آخرُ عهدِ الحاج هو الطوافَ بالبيت الحرام، وهذا حاصل بطواف الإفاضة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أُمِرَ الناسُ أن يكون آخرُ عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفِّفَ عن الحائض". رواه البخاري (1755) واللفظ له، ومسلم (3284).
قال الإمام مالك كما في "المدونة الكبرى": [بلغني أن بعض أصحاب النبي عليه السلام كانوا يأتون مراهقين -أي ضاق بهم وقت الوقوف بعرفة عن إدراك الطواف قبله- فينفذون لحجهم ولا يطوفون ولا يسعون، ثم يقدمون منًى ولا يفيضون من منًى إلى آخر أيام التشريق، فيأتون فينيخون بإبلهم عند باب المسجد ويدخلون فيطوفون بالبيت ويسعون ثم ينصرفون، فيجزئهم طوافهم ذلك؛ لدخولهم مكة، ولإفاضتهم، ولوداعهم البيت] اهـ. "الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي" (2/ 53، ط. دار إحياء الكتب العربية).
وقال سيدي أبو البركات الدردير المالكي في "الشرح الكبير": [(وتَأَدَّى) الوداعُ (بالإفاضة و) بطواف (العمرة) أي سقط طلبه بهما ويحصل له ثواب طواف الوداع إن نواه بهما] اهـ. (2/ 53، ط. دار إحياء الكتب العربية).
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (3/ 237): [فيه روايتان؛ إحداهما: يجزئه عن طواف الوداع؛ لأنه أُمِرَ أن يكون آخر عهدِه بالبيت، وقد فعل، ولأن ما شُرِعَ لتحية المسجد أجزأ عنه الواجب من جنسه، كتحية المسجد بركعتين تجزئ عنهما المكتوبة] اهـ.
وقال العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف": [قوله: (ومَن أخَّر طواف الزيارة فطافه عند الخروج: أجزأ عن طواف الوداع) هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقاله الخرقي في "شرح المختصر"، وصاحب "المغني" في كتاب الصلاة قاله في القواعد. وعنه: لا يجزيه عنه فيطوف له، وأطلقهما في "المغني"] اهـ. (4/ 50، ط. دار إحياء التراث العربي).
وحينئذٍ فلا مانع شرعًا من الأخذ بقول المالكية ومن وافقهم في استحباب طواف الوداع وعدم وجوبه، وكذلك القول بإجزاء طواف الإفاضة عن الوداع عندهم وعند الحنابلة، حتى ولو سعى الحاج بعده؛ لأن السعي لا يقطع التوديع.
قال العلامة الدسوقي المالكي في "حاشيته على الشرح الكبير" للإمام أبي البركات الدردير: [ولا يكون سعيه لها طولًا حيث لم يُقِمْ عندها إقامةً تقطع حكم التوديع] اهـ. (2/ 53).
واستُدِلَّ لذلك بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في "الصحيحين" وغيرهما قالت: خرجنا مُهِلِّينَ بالحج في أشهر الحج... حتى نفرنا مِن مِنًى ونزلنا المحصب، فدعا عبد الرحمن فقال: «اخْرُجْ بِأُخْتِكَ الْحَرَمَ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا أَنْتَظِرْكُمَا هَا هُنَا»، زاد مسلم في روايته: قالت: فخرجنا فأهلَلْتُ، ثم طُفْتُ بالبيت وبالصفا والمروة، فجئنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «فَرَغْتُمَا؟» قلت: نعم، فنادى بالرحيل في أصحابه، فارتحل الناس.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (3/ 612): [ويستفاد من قصة عائشة رضي الله عنها أن السعي إذا وقع بعد طواف الركن -إن قلنا إن طواف الركن يغني عن طواف الوداع إن تخلل السعي بين الطواف والخروج- لا يقطع إجزاء الطواف المذكور عن الركن والوداع معًا] اهـ.
وبناءً على ذلك: فإن تأخير طواف الإفاضة إلى آخر مكث الحاج بمكة ليُغنِيَ عن طواف الوداع جائز شرعًا، ولا يضر ذلك أداءُ السعي بعده.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

المبيت بالمزدلفة ووقت رمي الجمرات

السائل يقول: نريد أن نأخذ برأي سيادتكم في بعض الأمور التي تُحدِث الكثير من البلبلة والوسوسة بين السادة الحجاج أثناء تنفيذنا لرحلات الحج والتي نراعي فيها -لكثرةِ الأعداد- التسهيلَ على السادة الحجاج واختيار الأيسر لهم حتى لا يتعرضوا لحوادث الزحام في كثير من الأحيان، وعلى سبيل المثال الأمور الآتي بيانها:
1- المكوث بمزدلفة قدر حطِّ الرحال وصلاة المغرب والعشاء جمع تأخير "ويكفي المرور بها" طبقًا لفقه الإمام مالك.
2- جواز رمي الجمرات بعد "منتصف الليل" وكيفية احتساب منتصف الليل.
3- جواز الجمع بين طوافي الإفاضة والوداع في طواف واحد بِنيَّتين.
فبرجاء التكرم بإبداء رأي معاليكم في الأمور السابق ذكرها وبرامج الحج المرفقة تيسيرًا على الحجاج الذين يبلغ أعدادهم في كثير من الأحيان نحو 5 ملايين حاج.

ما عليه الفتوى في هذه الأزمان التي كثرت فيها أعداد الحجيج هو الأخذ بأن المبيت في المزدلفة سُنَّةٌ، وأنه يكفي لمن أراد تحصيل المبيت فيها أن يمكث فيها بقدر ما يحط الحاجُّ رحله ويجمع المغرب والعشاء.
أما رمي الجمرات: فيجوز شرعًا رميُ الجمرات أيام التشريق بدءًا من منتصف الليل، ويجوز المغادرةُ بعد ذلك لِمَن أراد المغادرةَ في الليلة الثانية أو الثالثة من أيام التشريق، ولَمَّا كان الليل يبدأ من غروب الشمس وينتهي بطلوع الفجر الصادق فإن نصفه يُحسَب بقسمة ما بين هذين الوقتين على اثنين وإضافة الناتج لبداية المغرب.
وكذلك يجوز شرعًا تأخير طواف الإفاضة إلى آخر مكث الحاج بمكة ليُغنِيَ عن طواف الوداع، ولا يضر الحاجَّ أداءُ السعي بعد هذا الطواف.

التفاصيل ....

من المقرر شرعًا أن المشقة تجلب التيسير، ولَمَّا كان الحج من العبادات البدنية التي تشتمل على مشقة كبيرة فقد جعل الشرع مبنى أمره على التخفيف والتيسير، وقد أصَّل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاعدة ذلك، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقف في حجة الوداع بمنًى للناس يسألونه، فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: «اذْبَحْ وَلا حَرَجَ»، فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: «ارْمِ وَلا حَرَجَ»، فما سُئِلَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عن شيء قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إلا قال: «افْعَلْ وَلا حَرَجَ» رواه الشيخان.
ومناسك الحجِّ على قسمين: فمنها أمور أجمع عليها المسلمون لا يجوز الخروج عنها، ومنها مسائل اختلف فيها الأئمة الفقهاء، وهذه المسائل الخلافية ينبغي التخفيف بها على المسلمين؛ إذ من القواعد المقررة في التعامل مع المسائل الخلافية شرعًا أنه "لا يُنكَر المختلفُ فيه وإنما يُنكَر المتفق عليه"، وأنه "يجوز الأخذ بقول أي من المجتهدين في مسائل الخلاف خاصةً إذا كان ذلك موافقًا للمصلحة ومحققًا للتيسير والتخفيف"، وأن "الخروج من الخلاف مستحب حيث أمكن ذلك ولا معارض"، وقد تقرر أن حفظ النفس من مقاصد الشرع الكلية المقدمة على غيرها من المقاصد، وأن الالتزام في الخلافيات بقول بعض المجتهدين -ولو كانوا جمهور الفقهاء- مشروط بأن لا يكون على حساب حفظ النفوس والمُهَج، وإلا فالأخذ بقول المرخصين والميسرين من الفقهاء يصبح واجبًا، ويظهر ذلك جليًّا في الحج ومناسكه؛ درءًا لِمَا يحدث من حالات الإصابات والوفيات الناتجة عن تزاحم الحجاج في أوقات واحدة على مناسك معينة، وليس من الفقه ولا من الحكمة تطبيقُ شيء مستحب أو مختلف فيه على حساب أرواح الناس ومُهَجِهم.
فأما المبيت بمزدلفة:
فقد اختلف فيه العلماء:
فمنهم مَن ذهب إلى أنه ركن، وهو قول الحسن البصري وبعض التابعين وأفراد من الفقهاء.
والصحيح الذي عليه جمهور العلماء أن الوقوف بمزدلفة ليس من أركان الحج، قال الإمام النووي في "المجموع": [قال القاضي أبو الطيب وأصحابنا: وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف] اهـ.
ثم القائلون بأن الحج دونه صحيح تام اختلفوا في وجوبه:
فمنهم مَن ذهب إلى أنه واجب يصح الحج بدونه ويُجبَر تركُه بدم، وهو الأصح عند الشافعية والحنابلة، ويحصل الوقوف بمزدلفة عندهم بلحظة من النصف الثاني من ليلة النحر ولو بالمرور، ووجوب الدم خاصٌّ بِمَن ترك المبيت بلا عذر، أما مَن تركه لعذر فلا شيء عليه، كمَن انتهى إلى عرفات ليلة النحر واشتغل بالوقوف بعرفة عن المبيت بالمزدلفة، وكالمرأة لو خافت طروء الحيض أو النفاس فبادرت إلى مكة بالطواف، وكمَن أفاض من عرفات إلى مكة وطاف للركن ولم يمكنه الدفع إلى المزدلفة بلا مشقة ففاته المبيت، وكالرُّعَاة والسُّقَاةِ فلا دم عليهم لترك المبيت؛ لحديث عَدِيٍّ رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أَرْخَصَ لرِعاء الإبل في البيتوتة خارجِينَ عن منًى"، أخرجه الإمام مالك في "الموطأ" (921)، وأبو داود (1975)، واللفظ لهما، والترمذي (970)، وقال: حسن صحيح، و"أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ"، رواه البخاري (1634، 1745)، ومسلم (3238)، واللفظ لمسلم.
قال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (2/ 225): [ومن المعذورين: مَن له مال يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت، أو يخاف على نفسه، أو كان به مرض يشق معه المبيت، أو له مريض يحتاج إلى تعهده، أو يطلب آبقًا، أو يشتغل بأمر آخر يخاف فوته، ففي هؤلاء وجهان، الصحيح المنصوص يجوز لهم ترك المبيت، ولا شيء عليهم بسببه] اهـ.
وللإمام الشافعي في وجوب الدم على غير المعذور قولان: قولٌ بالوجوب، وقولٌ بالاستحباب، قال الإمام الماوردي الشافعي في "الحاوي" (4/ 178، ط. دار الكتب العلمية): [فإذا ترك المبيت بها أو خرج منها قبل نصف الليل فعليه دمٌ، وفيه قولان؛ أحدهما: واجبٌ، وهو قوله في القديم والجديد. والقول الثاني: استحباب، وهو قوله في "الأم" و"الإملاء"، والحكم في هذا كالحكم في دم الدفع من عرفة قبل غروب الشمس؛ لأن أربعة دماء اختلف قوله فيها: منها هذان، والثالث: دم المبيت ليالِيَ منًى، والرابع: دم طواف الوداع] اهـ.
ويتخرج على قولِ الاستحباب القولُ بسُنيَّةِ المبيت بمزدلفة عند الإمام الشافعي، وهذا القول رجحه جماعة من الشافعية منهم الإمام الرافعي، وهو أيضًا قول للإمام أحمد.
قال إمام الحرمين الشافعي في "نهاية المطلب في دراية المذهب" (4/ 334، ط. دار الكتب العلمية): [وإذا اختلف القول في أن المبيت هل يُجبَرُ بالدم، فيترتب عليه لا محالةَ اختلافُ القول في أنه هل يجب في نفسه، وهل يجب على الناسك تحصيله؛ حتى يُقضَى بأنه يَعصِي بتركه؟] اهـ.
وقال العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي في "تحفة المحتاج" (4/ 113، ط. دار إحياء التراث العربي): [وقيل: سُنَّة، ورجَّحه الرافعي] اهـ.
وقال العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (4/ 25، ط. دار إحياء التراث العربي): [وعنه -أي عن الإمام أحمد-: لا يجب؛ كرعاة وسقاة، قاله في المستوعب وغيره] اهـ.
وقد ذهب بعض الشافعية إلى أن الإفاضة من عرفات إلى مكة مباشرة دون المرور بمزدلفة لطواف الإفاضة جائزة ولا شيء على الحاج فيها:
قال الإمام النووي في "المجموع": [أمَّا مَن انتهى إلى عرفات ليلةَ النحر واشتغل بالوقوف عن المبيت بالمزدلفة فلا شيء عليه باتفاق الأصحاب، وممن نَقَل الاتفاقَ عليه إمامُ الحرمين، ولو أفاض من عرفات إلى مكة وطاف الإفاضة بعد نصف ليلة النحر ففاته المبيت بالمزدلفة بسبب الطواف قال صاحبُ "التقريب" والقفَّالُ: لا شيء عليه؛ لأنه اشتغل بركنٍ، فأشبهَ المشتغِلَ بالوقوف] اهـ. (8/ 153، ط. مطبعة المنيرية).
وقال الشيخ الخطيب الشافعي في "مغني المحتاج": [ومحلُّ القولين -أي في وجوب الدم واستحبابه- حيث لا عذر، أما المعذور.. فلا دم عليه جزمًا، ومن المعذورين من جاء عرفة ليلًا فاشتغل بالوقوف عنه، ومَن أفاض مِن عرفة إلى مكة وطاف الركنَ وفاته] اهـ. (1/ 500، ط. دار الفكر).
وقالت المالكية: يُندَبُ المبيتُ بمزدلفةَ بقدر حط الرحال، سواء حطت بالفعل أم لا، وإن لم ينزل فيها بهذا القدر حتى طلع الفجر بلا عذر وجب عليه دم، أما إن تركه بعذر فلا شيء عليه.
وعند الحنفية: المبيت في مزدلفة ليلة النحر إلى الفجر سنَّة مؤكَّدة لا واجب؛ لأن البيتوتة شرعت للتأهب للوقوف ولم تشرع نسكًا، أما الوقوف بها ساعةً ولو لطيفة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فهو واجب، ونصوا على أنه إن تُرِكَ هذا الواجب لعذر فلا شيء على تاركه.
فَتَحَصَّلَ مما سبق أن هناك قولًا للإمامين الشافعي وأحمد رضي الله عنهما بِسُنِّيَّة المبيت مطلقًا من غير اشتراط حطِّ رحال ولا مرور أصلًا، وأن من الشافعية من جعل إفاضة الحاج من عرفات إلى مكة لطواف الركن عذرًا شرعيًّا في ترك المبيت بمزدلفة، وأن المالكية قائلون بسنية المبيت مع إيجابهم المكثَ فيها بقدر حطِّ الرحال وصلاة العشاءين، وأن الحنفية قائلون بأن المبيت ليس واجبًا، إنما الواجب القيام فيها بعد الفجر إلى طلوع الشمس، وأن الأصح عند الشافعية والحنابلة وجوب المبيت، وأن المُوجِبينَ متفقون على أن ترك الواجب -في ذلك وهو مقدار حطِّ الرحال وصلاة العشاءين عند المالكية، والقيام عند المشعر الحرام بعد الفجر عند الحنفية، وتحصيل المبيت بمزدلفة بالحضور بعد نصف الليل لحظة ولو مرورًا عند الجمهور- يسقط عند وجود الأعذار.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أَرْخَصَ للرعاة في عدم المبيت من أجل رعي أنعامهم، ورخَّص لعمه العباس رضي الله عنه من أجل سقايته، فلا شكَّ أن الزحام الشديد المؤدي إلى الإصابات والوفيات الناجمَ عن كثرة الحجاج عامًا بعد عام مع محدودية أماكن المناسك أَوْلَى في الإعذار من ذلك؛ لأن أعمال السُّقاة والرُّعاة متعلقة بأمورهم الحاجية، أما الزحام فقد يتعارض مع المقاصد الضرورية؛ لأنه يؤدي في كثير من الأحيان إلى الإصابات، بل والوفيات، كما هو مشاهَدٌ معلوم.
والزحام عذر يُرَخِّصُ في ترك الوقوف بمزدلفة بعد الفجر عند الحنفية القائلين بوجوبه؛ قال العلامة الحصكفي في "الدر المختار": [لكن لو تركه بعذر كزحمة بمزدلفة لا شيء عليه] اهـ. (3/ 529، ط، دار عالم الكتب).
قال العلامة ابن عابدين في "حاشيته": [قوله (كزحمة) عبارة "اللباب" إلا إذا كان لعلة أو ضعف أو يكون امرأة تخاف الزحام فلا شيء عليه. اهـ، لكن قال في "البحر": ولم يقيد في "المحيط" خوف الزحام بالمرأة بل أطلقه فشمل الرجل. اهـ، قلت: وهو شامل لخوف الزحمة عند الرمي، فمقتضاه أنه لو دفع ليلًا ليرمي قبل دفع الناس وزحمتهم لا شيء عليه] اهـ.
وليس من شرط الزحام المرخِّص في العذر أن يكون حاصلًا في المزدلفة نفسها؛ بل المقصود هو الوصول إلى ما يمنع تكدس الحجيج عند تدافعهم في النفرة منها بأي وسيلة، وفي هذه الأزمنة التي زادت فيها أعداد الحجيج زيادة هائلة وتضاعفت أضعافًا مضاعفة في أماكن المناسك المحدودة فقد أصبح الزحام متوقَّعًا في كل لحظة، والناظر للمناسك في ساعات الذروة يلمس خطر الموت المحدق بالحجيج من شدة الزحام والتلاحم، والعمل على تلافي ذلك من أهم الواجبات الشرعية المرعية في الحج، فصار وجود هذا الكم الكبير من الحجيج في نفسه مُسقِطًا لوجوب ترك المبيت؛ لأن الشرع يُنزل المظنة منزلة المئنة، ويحتاط للحفاظ على الأنفس والمُهَج ما لا يحتاط لغيرها، فيدخل في الزحام المسقط للوجوب في المكث أو المبيت توقعُ الزحام أو الخوفُ أو الهربُ منه، وهذا يقتضي سقوط الفدية عمن ترك المبيت في ظل وجود هذا الحجيج الكثير عند القائلين بوجوبه.
وبناءً على ذلك: فإن المعتمد في الفتوى في هذه الأزمان التي كثرت فيها أعداد الحجيج كثرة هائلة هو الأخذ بسُنِّيَّة المبيت في مزدلفة، وهو قول الإمام الشافعي في "الأم" و"الإملاء"، وقول للإمام أحمد كما حكاه صاحب "المستوعب" من الحنابلة، بينما يكتفي المالكية بإيجاب المكث فيها بقدر ما يحط الحاجُّ رحله ويجمع المغرب والعشاء، وإنه حتى على رأي الجمهور القائلين بوجوب المبيت فإنهم يسقطونه عند وجود العذر، ومن الأعذار حفظُ النفس من الخطر أو توقعه، فيكون الزحام الشديد الذي عليه الحجُّ في زماننا والذي تحصل فيه الإصاباتُ والوفيات -سواء أكان حاصلًا للحاج في مكانه أم متوقَّعَ الحصول في المكان الذي سيذهب إليه- مرخِّصًا شرعيًّا في ترك المبيت عند الموجبين له.
وأما رمي الجمرات:
فأما رمي جمرة العقبة الكبرى يوم النحر: فإن كثيرًا من العلماء كالشافعية والحنابلة وغيرهم أجازوا رميها بعد نصف ليلة النحر للقادر والعاجز على السواء؛ استدلالًا بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت" رواه أبو داود (1942)، قال ابن حجر في "بلوغ المرام": وإسناده على شرط مسلم.
قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب": [ووُجِّهَت الدلالةُ من الخبر بأنه صلى الله عليه وآله وسلم علَّق الرميَ بما قبل الفجر وهو صالح لجميع الليل، ولا ضابط له، فجُعِلَ النصفُ ضابطًا؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة مما قبله؛ ولأنه وقتُ الدفع من مزدلفة] اهـ. "أسنى المطالب" (1/ 493، ط. دار الكتاب الإسلامي).
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني": [ولِرمي هذه الجمرة وقتان: وقت فضيلة، ووقت إجزاء، فأما وقت الفضيلة فبعد طلوع الشمس... وأما وقت الجواز فأوله نصف الليل من ليلة النحر، وبذلك قال عطاء وابن أبي ليلى وعكرمة بن خالد والشافعي] اهـ. "المغني" (219/3 ط، دار إحياء التراث العربي).
أما رمي الجمرات في أيام التشريق: فللعلماء في بداية وقته ثلاثة أقوال:
القول الأول: قول جمهور العلماء أن رمي كل يوم من أيام التشريق لا يجوز إلا بعد الزوال؛ استدلالًا بفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عند مسلم وغيره واللفظ لمسلم ورواه البخاري معلقًا؛ قال: "رَمَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ".
القول الثاني: أنه يجوز الرمي قبل الزوال يوم النفر، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقول عكرمة، وإسحاق بن راهويه، والمشهور عن أبي حنيفة، ورواية عن أحمد قال بها بعض الحنابلة إلا أنه اشترط ألا ينفر إلا بعد الزوال، وفي رواية عن أبي حنيفة وافقه عليها أبو يوسف رحمهما الله تعالى جواز الرمي قبل الزوال في النفر الأول إن كان قصده التعجل.
والرواية عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أخرجها الحافظ البيهقي في "السنن الكبرى" من طريق عبد الله بن أبي مُلَيْكَةَ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "إذا انتفج النهارُ من يوم النفر الآخر فقد حلَّ الرميُ والصَّدْرُ". (5/ 152). والانتفاج (بالجيم): الارتفاع.
القول الثالث: أنه يجوز للحاج أن يرمي قبل الزوال في سائر أيام التشريق، وهو مذهب جماعات من العلماء سلفًا وخلفًا، منهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم، وطاوس بن كيسان، وعطاء بن أبي رباح في إحدى الروايتين عنه، والإمام أبو جعفر محمد الباقر، والإمام الناصر من الزيدية كما في "البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار"، وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة، وذكر العز ابن جماعة أنه الراجح من مذهب الشافعي، وقال الجمال الإسنوي: إنه المعروف في المذهب، ونقله إمام الحرمين في "نهاية المطلب" (4/ 323، ط. دار المنهاج) بتصرفٍ عن الأئمة، ونقله الروياني في "بحر المذهب" (5/ 217، ط. دار إحياء التراث العربي) بتصرفٍ عن بعض الشافعية بخراسان، واختاره الأئمة: الفوراني والعمراني والرافعي وغيرهم من الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد قال بها جماعة من الحنابلة كأبي الوفاء ابن عقيل وأبي الفرج ابن الجوزي وأبي الحسن ابن الزاغوني وغيرهم، قال ابن مفلح الحنبلي في "الفروع": [وَجَوَّزَهُ ابن الجوزي قبل الزوال، وفي الواضح بطلوع الشمس إلا ثالث يوم، وأطلق أيضًا في منسكه أن له الرمي من أول، وأنه يرمي في الثالث كاليومين قبله، ثم ينفر] اهـ. (6/ 59، ط. مؤسسة الرسالة).
ونقل ابن رجب الحنبلي في "الذيل على طبقات الحنابلة" (1/ 182) عن ابن الزاغوني في "مناسكه" أن رمي الجمار أيام منًى ورمي جمرة العقبة يوم النحر يجوز قبل الزوال وبعده، والأفضل بعده.
فأما الرواية عن ابن عمر رضي الله عنهما فرواها الإمام البخاري في "صحيحه" عن وبرة بن عبد الرحمن قال: سألتُ ابنَ عمر رضي الله عنهما: متى أرمي الجمار؟ قال: "إذا رمى إمَامُكَ فَارْمِه"، فأَعدتُ عليه المسألة، فقال: "كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فإذا زَالت الشَّمسُ رَمَيْنَا"، ولو كان تَحَيُّنُ زوال الشمس واجبًا لَمَا أناط وقتَ الرمي بالإمام، ولكنه لَمَّا رآه واسعًا لم يشأ أن يُضَيِّقَ عليه.
وأما الرواية عن ابن الزبير رضي الله عنهما فأخرجها الفاكهي في "أخبار مكة" (4/ 299) عن عمرو بن دينار قال: ذهبت أرمي الجمار، فسألتُ: هل رمى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؟ فقالوا: لا، ولكن قد رمى أمير المؤمنين؛ يعنون ابنَ الزبير، قال: فانتظرت ابن عمر رضي الله عنهما فلما زالت الشمس خرج فأتى الجمرة الأولى فرماها.
وقد استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
ما رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" واللفظ للبخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُسأل يوم النحر بمنًى، فيقول: «لا حَرَجَ»، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح، فقال: «اذْبَحْ ولا حَرَجَ»، وقال آخر: رميت بعدما أمسيت، فقال: «لا حَرَجَ»، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم ما سُئِل في ذلك اليوم عن شيء قُدِّم أو أُخِّر إلا قال: «افْعَلْ وَلا حَرَجَ»، وهذا يقتضي رفع الحرج في وقت الرمي، وأن مثل هذا التقديم فيه لا يضر، كما لا يضر في غيره من المناسك.
ومنها: ما أخرجه الدارقطني وغيره من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا بِاللَّيْلِ وَأَيَّ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ شَاءُوا".
قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "الكافي": [وكل ذي عذر من مرضٍ أو خوفٍ على نفسه أو ماله كالرعاة في هذا؛ لأنهم في معناهم] اهـ. (1/ 195)، ويأتي هنا ما ذكرناه من كون الزحام في هذا الزمن مرخِّصًا في ترك المبيت بمزدلفة.
كما استدلوا بقياس أيام التشريق على يوم النحر في جواز الرمي قبل الزوال بجامع أنها جميعًا أيامٌ للنحر والرمي في الجملة.
ومن أجل ذلك فقد أجاز الشافعية والحنابلة أن يجمع الحاج الجمار كلها -بما فيها جمرة العقبة يوم النحر- فيرميها جملة واحدة عندما يريد النفر في اليوم الثاني أو الثالث من أيام التشريق، وتقع حينئذٍ أداءً لا قضاءً في أصح الوجهين؛ لأن أيام منًى كلها كالوقت الواحد، وهو ما يُسَمَّى بمسألة "التَّدَارُك"، وهو الظاهر من مذهب الشافعي كما قال الإمام النووي في "المجموع"، وهو المذهب عند الحنابلة كما نص عليه الإمام ابن قدامة في "المغني"، بل إن جماعة من الشافعية أجازوا تقديم يوم على يوم بناءً على ما هو المصحَّح عندهم مِن أن أيام التشريق كلها كالوقت الواحد، والزوال عندهم إنما هو وقت اختيار لا وقت صحة، فجوَّزوا على ذلك تقديمَ رمي يوم النفر في يوم القرِّ، وهذا القول صححه الإمام التقي السبكي، ورجحه العز ابن جماعة، وقال الإمام الإسنوي: إنه المعروف في المذهب.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في "الإملاء" كما نقله الإمام العز ابن جماعة في "هداية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك" (4/ 1341): [وليس يجوز في رمي الجمار إلا واحدٌ من قولين؛ أحدهما: أن يكون رميُها محدودَ الأول، وتكون كل جمرة منها في يومها دون ليلتها، فإذا غربت من يومها أَهْرَقَ دمًا، أو رماها ولا يُهْرِيق دمًا. والثاني: أن يكون حدها الأول معروفًا والآخر آخر أيام التشريق، فلا يفوت منها واحدة فوتًا يجب به على صاحبه دم حتى تنقضي أيام التشريق، وبهذا نقول] اهـ.
قال الإمام العز ابن جماعة الشافعي في المرجع السابق بعد أن نقل كلام الإمام الشافعي السابق (4/ 1342): [ويحصل من مجموع ما ذكره أربعة أقوال في رمي اليومين الأولين؛ أصحها: يرمي إلى آخر أيام التشريق أداءً ولا دم عليه. والثاني: يرمي بعد انقضاء اليوم قضاءً، وعليه دم. والثالث: يرمي قضاءً ولا دم عليه. والرابع: لا يرمي، وعليه دم. وإذا قلنا بالقول الأول: فقال الرافعي في "الشرحين" تبعًا للغزالي في "الوسيط": إن جميع أيام منًى في حكم الوقت الواحد، وكل يوم للقدر المأمور به وقت اختيار كأوقات الاختيار للصلوات، وهذا يقتضي جواز تقديم رمي يوم إلى يوم، وتأخير رمي يوم إلى غده، وبه صرح الفوراني والرافعي في "الشرحين" تفريعًا على هذا القول، ونقل الإمام عن الأئمة تفريعًا عليه: أنه لا يمتنع التقدم] اهـ، ثم قال: [وقال الإمام: إن الوجهَ القطعُ بالمنع، وبه جزم الغزالي في "الوسيط" تفريعًا على الأداء، وظاهر ما قدَّمتُه من نص الشافعي رحمه الله في "الأم" ونصه في "الإملاء" يخالفه ويقتضي الجواز، فهو الذي يترجح من جهة المذهب، والله أعلم] اهـ. (4/ 1343).
وقال إمام الحرمين في "نهاية المطلب في دراية المذهب": [وإن قلنا: إنه يُتَدارَك، فالواقع من الرمي في اليوم الثاني قضاءٌ على الحقيقة، أم أداءٌ تأخَّر عن وقت الاختيار؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: هو أداء، وجملة أيام منًى في حكم الوقت الواحد للرمي، ولكن تَخيَّرَ الشرعُ لكل قدرٍ منها وقتًا، فهو كالأوقات المختارة في الصلوات، وبنى الأئمة على هذا الاختلاف جواز تقديم رمي يومٍ إلى يوم، وقالوا: إن قلنا: رمي اليوم الأول مقضيٌّ في الثاني، فلا يجوز التقديم، وإن قلنا: إنه مؤدًّى وإن أُخِّر، فلا يمتنع التقديم أيضًا] اهـ. (4/ 323، ط. دار المنهاج).
وقال الإمام الفوراني في "الإبانة" كما نقله العمراني في "البيان": [إن قلنا: إنه إذا فاته رمي يوم يقضيه فيما بعده، فهل يجوز له تعجيل رمي يوم النفر إلى يوم القر؟ فيه وجهان بناءً على أنه إذا رمى الفائت في اليوم الأول في اليوم الثاني هل يكون قضاءً أو أداءً؟ فيه وجهان: فإن قلنا: إنه أداء جاز له التعجيل، وكان رمي الأيام الثلاثة كلها عبادةً واحدةً، فيكون كالرمي في أول الوقت، وإن قلنا: إنه قضاءٌ فلا يجوز له التعجيل؛ لأن القضاء يكون بعد الفوات ولم يفته الرمي بعد] اهـ. (4/ 353، ط. دار المنهاج).
وقال الإمام التقي السبكي في "فتاويه": [وأما تقديم يوم إلى يوم يجوِّزه الفوراني على قول الأداء، ونقله الإمام عن الأئمة، وتبعه الغزالي، وقال الروياني: الصحيح أنه لا يجوز، ومال الرافعي إليه، وكلام الشافعي في "الإملاء" و"البويطي"، فليكن هو الصحيح، وأما تقديم يومين فقال الماوردي: إن اليوم الأول ليس وقتًا لجميعها إجماعًا] اهـ. (1/ 286، ط. دار المعارف).
وقال الإمام الإسنوي في "المهمات": [ما نقله الرافعي عن الإمام -أي إمام الحرمين- من جواز التقديم هو المعروف في المذهب، فقد جزم به في "الشرح الصغير" ولم يتوقف فيه كما توقف في "الكبير"، ونقل في "النهاية" أن الأئمة أجازوه، ولم يحكِ فيه خلافًا، وإن كان نقل الرافعي لا يعطيه، ونقله أيضًا كذلك صاحب "التعجيز" في شرحه له، غير أنه نقل عن جده أنه توقف فيه، وجزم به الفوراني في "العمدة"] اهـ. (4/ 391، ط. دار ابن حزم).
والمجوزون للرمي أيام التشريق قبل الزوال لهم أقوال في بدايته:
فمنهم من جعله مِن الفجر كبعض الحنفية.
ومنهم من جعله بعد طلوع الشمس كما هو عند مَن جوَّزه مِن الحنابلة، غير أن الذي يقتضيه المنقول عن السلف المجوِّزين للرمي قبل الزوال من تشبيههم رمي أيام التشريق برمي ليلة النحر هو جواز الرمي بعد منتصف الليل في كل ليلة من ليالي التشريق، تمامًا كالقول في الرمي ليلة النحر.
قال الإمام الماوردي الشافعي في "الحاوي": [وقال طاوس وعكرمة: يجوز أن يرمي قبل الزوال كيوم النحر] اهـ. (4/ 196، ط. دار الفكر)، فكما جاز الرمي بعد انتصاف ليلة النحر فكذلك الحال في الرمي أيام التشريق.
ومما يقوي ذلك ما قرره الشافعية في المعتمد عندهم مِن أن المبيت يتحقق بالحصول لحظة بعد نصف الليل كما سبق في المبيت بمزدلفة، فليكن ذلك أيضًا في المبيت بمنًى.
وإذا رمى الحاج بعد منتصف ليلة النفر فلا يجب عليه انتظارُ الزوال حتى ينفر؛ لأنه قد جمع بذلك بين الرمي الجائز والمبيت المتحقق بالحصول ولو لحظة بعد نصف الليل.
قال إمام الحرمين في "نهاية المطلب": [المبيت الواقع نسكًا لو تركه الناسك هل يلزمه أن يفديه أم لا؟ فيه قولان للشافعي: أحدهما: أنه يلزم، كما يلزم الدم بترك الرمي، والمبيت شعار ظاهر معتبر في الشرع كالرمي، فإذا وجبت الفدية في ترك الرمي فلتجب في ترك المبيت. والقول الثاني: لا يجب الدم، فإن المبيت رَيْثٌ ولُبْثٌ لانتظار شعار الرمي، فليس مقصودًا في نفسه، وهذا المعنى يجري أيضًا في المبيت بمزدلفة، فإن أوقات المناسك المنتظرة يدخل بانتصاف الليل، فشُرِعَ مبيت إلى ذلك الوقت] اهـ.
وأما ما نقله العمراني في "البيان" (4/ 362، ط. دار المنهاج) بتصرفٍ عن الشريف العثماني الشافعي وصححه الطبري شارح "التنبيه" من أن شرط النفر الانتظار إلى ما بعد الزوال وإلا كان النفر فاسدًا ففيه نظرٌ كما حققه الإمام الإسنوي في "المهمات"؛ حيث قال: [وكلام الطبري وصاحب "البيان" مُشْعِرٌ بأنهما لم يقفا في المسألة على نقل، وقد ذكرها -أي إمام الحرمين- في "النهاية" مبسوطة مخالفةً لِمَا ذكراه، ونقل -أي الإمام النووي- في "شرح المهذب" ذلك بجملته مستحسنًا له] اهـ. (4/ 381).
وحينئذٍ فإذا رمى متعجلًا فلا معنى لاشتراط الانتظار إلى الزوال؛ لأن المكث بمنًى والمبيت بها إنما شُرِعَ لانتظار شعار الرمي فهو من متمماته لا أنه مقصودٌ في نفسه.
وقال الإمام الإسنوي في "المهمات": [قد صرحوا بأن المبيت إنما وجب لأجل الرمي، فيكون تابعًا، والتابع لا يوجِب المتبوع] اهـ. (4/ 383).
ومن أجل هذا المعنى كان المبيت بمنًى في أيام التشريق سنةً لا واجبًا عند جماعة من الفقهاء كالسادة الحنفية، وهو قول للإمام الشافعي وقول للإمام أحمد رضي الله عنهما بناءً على أن المبيت ليس مقصودًا في نفسه، بل قد شُرِعَ لمعنًى معقول، وهو الرفق بالحاج؛ بجعله أقرب لمكان الرمي في غده، فهو مشروع لغيره، لا لذاته، وما كان كذلك فالشأن فيه ألا يكون واجبًا.
وبناءً على ذلك: فإنه يجوز شرعًا رميُ الجمرات أيام التشريق بدءًا من نصف الليل والنفر بعده لِمَن أراد النفر في الليلة الثانية أو الثالثة منها، ولَمَّا كان الليل يبدأ من غروب الشمس وينتهي بطلوع الفجر الصادق فإن نصفه يُحسَب بقسمة ما بين هذين الوقتين على اثنين وإضافة الناتج لبداية المغرب، لا بقسمة ما بين العشاء والفجر كما يظن بعضهم.
وأما الجمع بين طوافي الإفاضة والوداع في طواف واحد بِنيَّتيْن:
فالجمهور على أن طواف الوداع واجب، وقال المالكية وداود وابن المنذر وهو قولٌ للشافعي وقول للإمام أحمد رضي الله عنهما: إنه سنَّة؛ لأنه خُفِّفَ عن الحائض.
وقد أجاز المالكية والحنابلة الجمعَ بين طوافي الإفاضة والوداع في طواف واحد بناءً على أن المقصود هو أن يكون آخرُ عهدِ الحاج هو الطوافَ بالبيت الحرام، وهذا حاصل بطواف الإفاضة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أُمِرَ الناسُ أن يكون آخرُ عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفِّفَ عن الحائض". رواه البخاري (1755) واللفظ له، ومسلم (3284).
قال الإمام مالك كما في "المدونة الكبرى": [بلغني أن بعض أصحاب النبي عليه السلام كانوا يأتون مراهقين -أي ضاق بهم وقت الوقوف بعرفة عن إدراك الطواف قبله- فينفذون لحجهم ولا يطوفون ولا يسعون، ثم يقدمون منًى ولا يفيضون من منًى إلى آخر أيام التشريق، فيأتون فينيخون بإبلهم عند باب المسجد ويدخلون فيطوفون بالبيت ويسعون ثم ينصرفون، فيجزئهم طوافهم ذلك؛ لدخولهم مكة، ولإفاضتهم، ولوداعهم البيت] اهـ. "الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي" (2/ 53، ط. دار إحياء الكتب العربية).
وقال سيدي أبو البركات الدردير المالكي في "الشرح الكبير": [(وتَأَدَّى) الوداعُ (بالإفاضة و) بطواف (العمرة) أي سقط طلبه بهما ويحصل له ثواب طواف الوداع إن نواه بهما] اهـ. (2/ 53، ط. دار إحياء الكتب العربية).
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (3/ 237): [فيه روايتان؛ إحداهما: يجزئه عن طواف الوداع؛ لأنه أُمِرَ أن يكون آخر عهدِه بالبيت، وقد فعل، ولأن ما شُرِعَ لتحية المسجد أجزأ عنه الواجب من جنسه، كتحية المسجد بركعتين تجزئ عنهما المكتوبة] اهـ.
وقال العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف": [قوله: (ومَن أخَّر طواف الزيارة فطافه عند الخروج: أجزأ عن طواف الوداع) هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقاله الخرقي في "شرح المختصر"، وصاحب "المغني" في كتاب الصلاة قاله في القواعد. وعنه: لا يجزيه عنه فيطوف له، وأطلقهما في "المغني"] اهـ. (4/ 50، ط. دار إحياء التراث العربي).
وحينئذٍ فلا مانع شرعًا من الأخذ بقول المالكية ومن وافقهم في استحباب طواف الوداع وعدم وجوبه، وكذلك القول بإجزاء طواف الإفاضة عن الوداع عندهم وعند الحنابلة، حتى ولو سعى الحاج بعده؛ لأن السعي لا يقطع التوديع.
قال العلامة الدسوقي المالكي في "حاشيته على الشرح الكبير" للإمام أبي البركات الدردير: [ولا يكون سعيه لها طولًا حيث لم يُقِمْ عندها إقامةً تقطع حكم التوديع] اهـ. (2/ 53).
واستُدِلَّ لذلك بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في "الصحيحين" وغيرهما قالت: خرجنا مُهِلِّينَ بالحج في أشهر الحج... حتى نفرنا مِن مِنًى ونزلنا المحصب، فدعا عبد الرحمن فقال: «اخْرُجْ بِأُخْتِكَ الْحَرَمَ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا أَنْتَظِرْكُمَا هَا هُنَا»، زاد مسلم في روايته: قالت: فخرجنا فأهلَلْتُ، ثم طُفْتُ بالبيت وبالصفا والمروة، فجئنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «فَرَغْتُمَا؟» قلت: نعم، فنادى بالرحيل في أصحابه، فارتحل الناس.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (3/ 612): [ويستفاد من قصة عائشة رضي الله عنها أن السعي إذا وقع بعد طواف الركن -إن قلنا إن طواف الركن يغني عن طواف الوداع إن تخلل السعي بين الطواف والخروج- لا يقطع إجزاء الطواف المذكور عن الركن والوداع معًا] اهـ.
وبناءً على ذلك: فإن تأخير طواف الإفاضة إلى آخر مكث الحاج بمكة ليُغنِيَ عن طواف الوداع جائز شرعًا، ولا يضر ذلك أداءُ السعي بعده.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;