حكم أخذ تمويل من البنك لاستكمال عمل مشروع خدمي

سائل يقول: أمتلك خمسة أفدنة مباني، واقترح عليَّ أحد الأشخاص أن أقوم ببناء وحدات سكنية عليها، ولا أملك سيولة مالية كافية، لذا سألجأُ لأحد البنوك لكي يقوم بتمويل بناء تلك الوحدات السكنية بالتقسيط ليتمّ تأجيرها لمحدودي الدخل من أهالي القرية بإيجارٍ رمزيّ كصدقة جارية عني. فما حكم ذلك شرعًا؟ 

المقرر عند علماء المسلمين أنَّ هناك حقًّا في المال سوى الزكاة؛ فمِنه الصدقة المُطْلَقَة، ومنه الصدقة الجارية، ومثلُ هذا المشروع مصرفٌ يندرج غي ذلك، واستثمار الأفدنة الخمسة المذكورة ببناء وحدات سكنية عليها ليتمّ تأجيرها لمحدودي الدخل من أهل القرية بإيجار رمزي وليكون ذلك صدقةً جاريةً عنك هو أمرٌ جائزٌ ومُرَغَّبٌ فيه شرعًا؛ لِما فيه من المساهمة في تحقيق التكافل المجتمعي، والعمل على تنمية المجتمع، ولا يَضُرّ في ذلك كون الاستثمار عن طريق التمويل من البنوك، ولا علاقة لذلك بالربا، بل مثل هذه العقود خير عون على إنجاز المشاريع الإنتاجية والصناعية والخدمية التي تساعد على نهضة الاقتصاد وتنمية المجتمعات.
وَتُنَبِّهُ دار الإفتاء المصرية على ضرورة أنْ يَتِمَّ هذا الأمر وفقَ القوانين واللوائح المنظمة لذلك الشأن.
 

التفاصيل ....


مثلُ هذا المشروع مصرفٌ شرعيٌّ للصدقات الجارية والصدقات العامة والأوقاف أيضًا؛ فقد تقرَّر عند علماء المسلمين أنَّ هناك حقًّا في المال سوى الزكاة؛ فمِنه الصدقة المُطْلَقَة، ومنه الصدقة الجارية؛ وهي: "كُلُّ صدقةٍ يَجري نفعُها وأجرُها ويدوم"؛ كما عرَّفها بذلك القاضي عياض المالكي في "مشارق الأنوار على صحاح الآثار" (1/ 145، ط. المكتبة العتيقة ودار التراث)، وقد حَمَلَهَا جماعةٌ مِن العلماء على الوقف؛ لأنه أوضح ما يتحقَّق فيها.
والوقف: هو رأسُ مَالٍ اجتماعي يُحقِّقُ معنى التكافُل والتنمية المُسْتَدَامَةِ، وهو وسيلةٌ من وسائل الازدهار والرخاء بين أفراد المجتمع؛ لأنَّه عبارة عن "حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة"؛ كما قال الإمام الميرغيناني في "الهداية" (3/ 15، ط. دار إحياء التراث العربي)؛ ولذلك يُعَدُّ الوقف من أبرز وجوه الإنفاق وأنفع أنواع الصدقات.
وقد حثَّت الشريعة على وقف الأموال التي يجري رِيْعُها وتُتَّخَذُ ثَمَرَتُها في أوجه الخير؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه قال: "كان أبو طلحة رضي الله عنه أكثرَ الأنصار بالمدينة مالًا من نخلٍ، وكان أحب أمواله إليه بَيْرَحَاءَ، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب"، قال أنس رضي الله عنه: "فلما أنزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]، قام أبو طلحة رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، إنَّ الله تبارك وتعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرَحَاءُ، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ» فقال أبو طلحة رضي الله عنه: أَفْعَل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه" متفق عليه.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في أرض خيبر التي سأله عنها: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا»، فتصدق بها عمر رضي الله عنه؛ أنَّه لا يُباع ولا يُوهب ولا يُورث، وتصدَّق بها في الفقراء، وفي القُربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على مَن وليها أنْ يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير مُتَمَوِّل. متفق عليه.
وفي رواية: قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «احْبِسِ الْأَصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ» أخرجه الشافعي في "المسند"، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار"، والبيهقي في "السنن".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه".
وقد وسَّع الفقهاءُ في صور استثمار أموال الوقف وتَنَوُّع جهات الخير فيه؛ لأنَّه منْ أعظم ما يعودُ بالنفع على الأفراد والمجتمعات.
ومن ذلك: تأجير الوقف؛ فقد جَوَّز الفقهاء إجارة الوقف بما يُدِرُّ على الوقف ثمرته، وتعود مصلحته على مستحقيه.
قال العلامة الشرنبلالي الحنفي في حاشيته على "درر الحكام" (2/ 138، ط. دار إحياء الكتب العربية): [قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله: إذا لم يَذْكُر الواقف في صك الوقف إجارة الوقف فرأى القَيِّمُ أنْ يؤجرها ويدفعها مُزَارعةً؛ فما كان أدرَّ على الوقف وأنفعَ للفقراء فَعَل] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "روضة الطالبين" (5/ 351، ط. المكتب الإسلامي): [للواقف، ولمَنْ ولَّاه الواقفُ إجارة الوقفِ] اهـ.
وقال العلامة شمس الدين ابن قدامة الحنبلي [ت: 682هـ] في "الشرح الكبير" (6/ 43، ط. دار الكتاب العربي): [(وتجوز إجارة الوقف)؛ لأنَّ منافعه مملوكة للموقوف عليه، فجاز إجارتها كالمستأجر] اهـ.
وَلا بُدَّ أنْ يُتَّبع شَرط الْوَاقِف فِي إِجَارَة الْوَقْف؛ كما قال العلامة الموصلي الحنفي في "الاختيار لتعليل المختار" (3/ 47، ط. الحلبي)؛ وذلك لما تقرّر عند الفقهاء منْ أنَّ "شرطَ الواقفِ كنصِّ الشارع"، وأنَّ "شرط الواقف يجب اتباعه"، فيجب اعتباره وتنفيذه كوجوب العمل بنصّ الشارع:
قال العلَّامة ابن نُجيم الحنفي في "الأشباه والنظائر" (1/ 163، ط. دار الكتب العلمية): [شرط الواقف يجب اتباعه؛ لقولهم: شرط الواقف كنصّ الشارع؛ أي: في وجوب العمل به، وفي المفهوم والدلالة] اهـ.
وقال الإمام تقي الدين السبكي الشافعي في "الفتاوى" (2/ 13، ط. دار المعارف): [والفقهاء يقولون: شروط الواقف كنصوص الشارع، وأنا أقول منْ طريق الأدب: شروط الواقف منْ نصوص الشارع؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ»، وإذا كانت مخالفة النصّ تقتضي نقض الحكم؛ فمخالفة شرط الواقف تقتضي نقض الحكم] اهـ.
ولا يضرُّ ذلك إذا آلت أموال استثمار الوقف عن طريق البنك؛ وذلك لأنَّ العقد الأساسي بين القائمين على مشروع الأوقاف والبنك المُمَوِّل: يُكَيَّف شرعًا على أنَّه تمويل استثماري، وعقود التمويل الاستثمارية بين البنوك والشركات والهيئات العامة منْ جهة والأفراد أو المؤسسات منْ جهة أخرى -والتي يَتَقَرّرْ الصرف فيها بناء على دراسات الجدوى للمشاريع والاستثمارات المختلفة- هي في الحقيقة عقودٌ جديدةٌ تُحَقِّقُ مصالح أطرافها، والذي عليه الفتوى والعمل أنَّه يجوز إحداثُ عقود جديدة منْ غير المسمّاة في الفقه الموروث ما دامت خاليةً من الغرر والضرر، محققةً لمصالح أطرافها، وهو مذهب جماعة من المحققين، من السابقين واللاحقين، وممَّنْ ذهب إلى ذلك: ابنُ تيمية وابنُ القيم الحنبليان؛ فإنَّ الشرع ترك ذلك واسعًا مطلَقًا؛ إذ أوجب الوفاء بالعقود إيجابًا محقَّقًا.
ومثل هذه العقود إنَّما هي في الحقيقة عقود تمويل وليست قروضًا، والتمويلُ غَرَضُه الاستثمار، فلا يُسَمَّى قرضًا شرعًا، وإنْ سَمّاه أصحابُه بذلك؛ فإنْ العبرة بالمُسَمَّيَات لا بالأسماء، والأحكام تُنَاطُ بالحقائق والعلل، ومدار العقود على القصود؛ فالتمويل هو عقد معاوضة لا عقد تبرع، فلا تنطبق عليه أحكام القرض، ولا يدخل تحت قاعدة: "كلُّ قرضٍ جَرَّ نَفعًا فهو ربا"؛ لأنَّ القرض الشرعي عقدُ إرفاقٍ، مَبْنَاهُ على الفضل ومكارم الأخلاق ومحض الخيرية، أما عقود الاستثمار فلم تُبْنَ على الإرفاق؛ فهي قائمةٌ على تبادل المصالح والمنافع بين أطرافها.
والبنوك في إصدارها لمثل هذه التمويلات هي شخصياتٌ اعتبارية وهيئات معنوية؛ لها أحكامها التي تختلف عنْ أحكام الشخصية الطَّبَعِيَّة، وقد اعتبر الفقهاء أربع جهات لتغير الأحكام، من بينها تغيُّر الأحكام على قدر طبيعة الأشخاص؛ فأقروا مثلًا عدم استحقاق زكاة على مال الوقف والمسجد وبيت المال، وجواز استقراض الوقف بالربح عند الحاجة إلى ذلك.
وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فاستثمار الأفدنة الخمسة المذكورة ببناء وحدات سكنية عليها ليتمّ تأجيرها لمحدودي الدخل من أهل القرية بإيجار رمزي وليكون ذلك صدقةً جاريةً عنك هو أمرٌ جائزٌ ومُرَغَّبٌ فيه شرعًا؛ لِما فيه من المساهمة في تحقيق التكافل المجتمعي، والعمل على تنمية المجتمع، ولا يَضُرّ في ذلك كون الاستثمار عن طريق التمويل من البنوك، ولا علاقة لذلك بالربا، بل مثل هذه العقود خير عون على إنجاز المشاريع الإنتاجية والصناعية والخدمية التي تساعد على نهضة الاقتصاد وتنمية المجتمعات.
وَتُنَبِّهُ دار الإفتاء المصرية في ذلك كله على ضرورة أنْ يَتِمَّ بناءُ تلك المشاريع السكنية وَفقَ القوانين واللوائح المنظمة لهذا الشأن.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
 

اقرأ أيضا

حكم أخذ تمويل من البنك لاستكمال عمل مشروع خدمي

سائل يقول: أمتلك خمسة أفدنة مباني، واقترح عليَّ أحد الأشخاص أن أقوم ببناء وحدات سكنية عليها، ولا أملك سيولة مالية كافية، لذا سألجأُ لأحد البنوك لكي يقوم بتمويل بناء تلك الوحدات السكنية بالتقسيط ليتمّ تأجيرها لمحدودي الدخل من أهالي القرية بإيجارٍ رمزيّ كصدقة جارية عني. فما حكم ذلك شرعًا؟ 

المقرر عند علماء المسلمين أنَّ هناك حقًّا في المال سوى الزكاة؛ فمِنه الصدقة المُطْلَقَة، ومنه الصدقة الجارية، ومثلُ هذا المشروع مصرفٌ يندرج غي ذلك، واستثمار الأفدنة الخمسة المذكورة ببناء وحدات سكنية عليها ليتمّ تأجيرها لمحدودي الدخل من أهل القرية بإيجار رمزي وليكون ذلك صدقةً جاريةً عنك هو أمرٌ جائزٌ ومُرَغَّبٌ فيه شرعًا؛ لِما فيه من المساهمة في تحقيق التكافل المجتمعي، والعمل على تنمية المجتمع، ولا يَضُرّ في ذلك كون الاستثمار عن طريق التمويل من البنوك، ولا علاقة لذلك بالربا، بل مثل هذه العقود خير عون على إنجاز المشاريع الإنتاجية والصناعية والخدمية التي تساعد على نهضة الاقتصاد وتنمية المجتمعات.
وَتُنَبِّهُ دار الإفتاء المصرية على ضرورة أنْ يَتِمَّ هذا الأمر وفقَ القوانين واللوائح المنظمة لذلك الشأن.
 

التفاصيل ....


مثلُ هذا المشروع مصرفٌ شرعيٌّ للصدقات الجارية والصدقات العامة والأوقاف أيضًا؛ فقد تقرَّر عند علماء المسلمين أنَّ هناك حقًّا في المال سوى الزكاة؛ فمِنه الصدقة المُطْلَقَة، ومنه الصدقة الجارية؛ وهي: "كُلُّ صدقةٍ يَجري نفعُها وأجرُها ويدوم"؛ كما عرَّفها بذلك القاضي عياض المالكي في "مشارق الأنوار على صحاح الآثار" (1/ 145، ط. المكتبة العتيقة ودار التراث)، وقد حَمَلَهَا جماعةٌ مِن العلماء على الوقف؛ لأنه أوضح ما يتحقَّق فيها.
والوقف: هو رأسُ مَالٍ اجتماعي يُحقِّقُ معنى التكافُل والتنمية المُسْتَدَامَةِ، وهو وسيلةٌ من وسائل الازدهار والرخاء بين أفراد المجتمع؛ لأنَّه عبارة عن "حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة"؛ كما قال الإمام الميرغيناني في "الهداية" (3/ 15، ط. دار إحياء التراث العربي)؛ ولذلك يُعَدُّ الوقف من أبرز وجوه الإنفاق وأنفع أنواع الصدقات.
وقد حثَّت الشريعة على وقف الأموال التي يجري رِيْعُها وتُتَّخَذُ ثَمَرَتُها في أوجه الخير؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه قال: "كان أبو طلحة رضي الله عنه أكثرَ الأنصار بالمدينة مالًا من نخلٍ، وكان أحب أمواله إليه بَيْرَحَاءَ، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب"، قال أنس رضي الله عنه: "فلما أنزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]، قام أبو طلحة رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، إنَّ الله تبارك وتعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرَحَاءُ، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ» فقال أبو طلحة رضي الله عنه: أَفْعَل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه" متفق عليه.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في أرض خيبر التي سأله عنها: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا»، فتصدق بها عمر رضي الله عنه؛ أنَّه لا يُباع ولا يُوهب ولا يُورث، وتصدَّق بها في الفقراء، وفي القُربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على مَن وليها أنْ يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير مُتَمَوِّل. متفق عليه.
وفي رواية: قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «احْبِسِ الْأَصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ» أخرجه الشافعي في "المسند"، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار"، والبيهقي في "السنن".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه".
وقد وسَّع الفقهاءُ في صور استثمار أموال الوقف وتَنَوُّع جهات الخير فيه؛ لأنَّه منْ أعظم ما يعودُ بالنفع على الأفراد والمجتمعات.
ومن ذلك: تأجير الوقف؛ فقد جَوَّز الفقهاء إجارة الوقف بما يُدِرُّ على الوقف ثمرته، وتعود مصلحته على مستحقيه.
قال العلامة الشرنبلالي الحنفي في حاشيته على "درر الحكام" (2/ 138، ط. دار إحياء الكتب العربية): [قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله: إذا لم يَذْكُر الواقف في صك الوقف إجارة الوقف فرأى القَيِّمُ أنْ يؤجرها ويدفعها مُزَارعةً؛ فما كان أدرَّ على الوقف وأنفعَ للفقراء فَعَل] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "روضة الطالبين" (5/ 351، ط. المكتب الإسلامي): [للواقف، ولمَنْ ولَّاه الواقفُ إجارة الوقفِ] اهـ.
وقال العلامة شمس الدين ابن قدامة الحنبلي [ت: 682هـ] في "الشرح الكبير" (6/ 43، ط. دار الكتاب العربي): [(وتجوز إجارة الوقف)؛ لأنَّ منافعه مملوكة للموقوف عليه، فجاز إجارتها كالمستأجر] اهـ.
وَلا بُدَّ أنْ يُتَّبع شَرط الْوَاقِف فِي إِجَارَة الْوَقْف؛ كما قال العلامة الموصلي الحنفي في "الاختيار لتعليل المختار" (3/ 47، ط. الحلبي)؛ وذلك لما تقرّر عند الفقهاء منْ أنَّ "شرطَ الواقفِ كنصِّ الشارع"، وأنَّ "شرط الواقف يجب اتباعه"، فيجب اعتباره وتنفيذه كوجوب العمل بنصّ الشارع:
قال العلَّامة ابن نُجيم الحنفي في "الأشباه والنظائر" (1/ 163، ط. دار الكتب العلمية): [شرط الواقف يجب اتباعه؛ لقولهم: شرط الواقف كنصّ الشارع؛ أي: في وجوب العمل به، وفي المفهوم والدلالة] اهـ.
وقال الإمام تقي الدين السبكي الشافعي في "الفتاوى" (2/ 13، ط. دار المعارف): [والفقهاء يقولون: شروط الواقف كنصوص الشارع، وأنا أقول منْ طريق الأدب: شروط الواقف منْ نصوص الشارع؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ»، وإذا كانت مخالفة النصّ تقتضي نقض الحكم؛ فمخالفة شرط الواقف تقتضي نقض الحكم] اهـ.
ولا يضرُّ ذلك إذا آلت أموال استثمار الوقف عن طريق البنك؛ وذلك لأنَّ العقد الأساسي بين القائمين على مشروع الأوقاف والبنك المُمَوِّل: يُكَيَّف شرعًا على أنَّه تمويل استثماري، وعقود التمويل الاستثمارية بين البنوك والشركات والهيئات العامة منْ جهة والأفراد أو المؤسسات منْ جهة أخرى -والتي يَتَقَرّرْ الصرف فيها بناء على دراسات الجدوى للمشاريع والاستثمارات المختلفة- هي في الحقيقة عقودٌ جديدةٌ تُحَقِّقُ مصالح أطرافها، والذي عليه الفتوى والعمل أنَّه يجوز إحداثُ عقود جديدة منْ غير المسمّاة في الفقه الموروث ما دامت خاليةً من الغرر والضرر، محققةً لمصالح أطرافها، وهو مذهب جماعة من المحققين، من السابقين واللاحقين، وممَّنْ ذهب إلى ذلك: ابنُ تيمية وابنُ القيم الحنبليان؛ فإنَّ الشرع ترك ذلك واسعًا مطلَقًا؛ إذ أوجب الوفاء بالعقود إيجابًا محقَّقًا.
ومثل هذه العقود إنَّما هي في الحقيقة عقود تمويل وليست قروضًا، والتمويلُ غَرَضُه الاستثمار، فلا يُسَمَّى قرضًا شرعًا، وإنْ سَمّاه أصحابُه بذلك؛ فإنْ العبرة بالمُسَمَّيَات لا بالأسماء، والأحكام تُنَاطُ بالحقائق والعلل، ومدار العقود على القصود؛ فالتمويل هو عقد معاوضة لا عقد تبرع، فلا تنطبق عليه أحكام القرض، ولا يدخل تحت قاعدة: "كلُّ قرضٍ جَرَّ نَفعًا فهو ربا"؛ لأنَّ القرض الشرعي عقدُ إرفاقٍ، مَبْنَاهُ على الفضل ومكارم الأخلاق ومحض الخيرية، أما عقود الاستثمار فلم تُبْنَ على الإرفاق؛ فهي قائمةٌ على تبادل المصالح والمنافع بين أطرافها.
والبنوك في إصدارها لمثل هذه التمويلات هي شخصياتٌ اعتبارية وهيئات معنوية؛ لها أحكامها التي تختلف عنْ أحكام الشخصية الطَّبَعِيَّة، وقد اعتبر الفقهاء أربع جهات لتغير الأحكام، من بينها تغيُّر الأحكام على قدر طبيعة الأشخاص؛ فأقروا مثلًا عدم استحقاق زكاة على مال الوقف والمسجد وبيت المال، وجواز استقراض الوقف بالربح عند الحاجة إلى ذلك.
وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فاستثمار الأفدنة الخمسة المذكورة ببناء وحدات سكنية عليها ليتمّ تأجيرها لمحدودي الدخل من أهل القرية بإيجار رمزي وليكون ذلك صدقةً جاريةً عنك هو أمرٌ جائزٌ ومُرَغَّبٌ فيه شرعًا؛ لِما فيه من المساهمة في تحقيق التكافل المجتمعي، والعمل على تنمية المجتمع، ولا يَضُرّ في ذلك كون الاستثمار عن طريق التمويل من البنوك، ولا علاقة لذلك بالربا، بل مثل هذه العقود خير عون على إنجاز المشاريع الإنتاجية والصناعية والخدمية التي تساعد على نهضة الاقتصاد وتنمية المجتمعات.
وَتُنَبِّهُ دار الإفتاء المصرية في ذلك كله على ضرورة أنْ يَتِمَّ بناءُ تلك المشاريع السكنية وَفقَ القوانين واللوائح المنظمة لهذا الشأن.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
 

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;