حكم أكل الأخطبوط البحري

ما حكم أكل الأخطبوط من حيوانات البحر؟ 

أكل الأخطبوط البحري جائز شرعًا على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء ما لم يكن في أكله ضرر بصحة الإنسان؛ كأن يكون سامًّا أو محمَّلًا بالأمراض أو غير ذلك، مما يُعْلَمُ بالرجوع إلى أهل التخصص في هذا الأمر. 

التفاصيل ....

امتن الله تعالى على عباده بأن أحل لهم طيبات ما في البر والبحر من الأطعمة؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 172]، فالأصل في الأطعمة والأشربة الحل ما لم يرد دليل بتحريمها؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 145].
وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن السَّمْنِ، وَالْجُبْنِ، وَالْفِرَاءِ، قال: «الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ، فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ» أخرجه الترمذي وابن ماجه والبيهقي في "السنن"، والطبراني في "المعجم الكبير" وصححه الحاكم في "المستدرك".
قال العلامة نجم الدين الطوفي الحنبلي في "شرح مختصر الروضة" (1/ 399، ط. الرسالة): [الأصل في الأطعمة ونحوها الحلّ، ليس ذلك بناء على تحسين العقل وتقبيحه؛ بل الحجة في ذلك الكتاب والسنة والاستدلال.
أما الكتاب: فقوله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ﴾، إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: 12-13] ، ونظائرها من الآيات.
وجه الاستدلال: أنه سبحانه وتعالى أخبرهم في معرض الامتنان عليهم، وتذكيرهم النعمة أنه خلق لهم ما في الأرض وسخره لهم، واللام للاختصاص أو الملك إذا صادفت قابلًا له، والخلق قابلون للملك، وهو في الحقيقة تخصيص من الله سبحانه وتعالى لهم بانتفاعهم به، إذ لا مالك على الحقيقة إلا الله سبحانه وتعالى، فاقتضى ذلك أنهم متى اجتمعوا وما خلق وسخر لهم في الوجود، ملكوه، وإذا ملكوه جاز انتفاعهم؛ إذ فائدة الملك جواز الانتفاع] اهـ.
فالضابط في حرمة الأطعمة ورود النص بتحريمها؛ كالخنزير والميتة وما ذبح لغير الله، أو كونها مما يُستخبث أو يُستقذر أو يضر بمن يتناوله؛ للقاعدة العامة "لا ضرر ولا ضرار"، فما لم يرد نصٌّ بتحريمها مع كونها خالية من الاستقذار أو النجاسة والضرر جاز أكلها.
قال الإمام الجويني في "نهاية المطلب" (18/ 209، ط. دار المنهاج): [ولا يخفى على المنصف أن الحشرات والقاذورات ليست من الطيبات التي أحلها الله، وتخيّرها لمطاعم عباده تكريمًا لهم] اهـ.
وقال العلامة الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (9/ 135، ط. الدار التونسية): [فالطيب: ما لا ضر فيه، ولا وخامة، ولا قذارة، والخبيث: ما أضر، أو كان وخيم العاقبة، أو كان مستقذرًا لا يقبله العقلاء؛ كالنجاسة، وهذا ملاك المباح والمحرم من المآكل، فلا تدخل العادات إلا في اختيار أهلها ما شاءوا من المباح، فقد كانت قريش لا تأكل الضب، وقد وضع على مائدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكره أن يأكل منه، وقال: «مَا هُوَ بِحَرَامٍ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ طَعَامِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ»، ولهذا فالوجه: أن كل ما لا ضُرَّ فيه ولا فساد ولا قذارة فهو مباح] اهـ.
والأخطبوط من الحيوانات البحرية الرخوية؛ من فصيلة الرأسقدمية، وهو أحد أنواع اللافقاريات التي لا تعيش إلا في المياه، وتتغذى على اللحوم والأسماك، له ثمانية أذرع ورأس كبير وعينان ضخمتان.
جاء في "معجم متن اللغة" (2/ 297، ط. دار مكتبة الحياة): [الأخطبوط: "دخيلة يونانية معرب اكتوبوس Octopous ومعناها ذو الثماني أرجل": حيوان بحري هلامي له ثمانية جراميز في رأسه فيها محاجم يلتصق بها بتفريغ الهواء] اهـ.
وجاء في "المعجم الوسيط" (1/ 9، ط. دار الدعوة): [(الأخطبوط): حيوان بحري أسطواني الشكل له ثماني أرجل رأسية يضرب به المثل في شدة التشبث بما يمسكه] اهـ.
والأصل في كل ما خرج من البحر من الأطعمة هو الحل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [ المائدة: 96].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» أخرجه الإمام مالك في "الموطأ"، وعنه الإمام الشافعي في "الأم" والإمام أحمد في "المسند"، وأصحاب السنن الأربعة، وصححه البخاري والترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
وكلُّ ما كان من جنس السمك لغةً وعرفًا فهو حلالٌ بلا خلاف في ذلك، ونقَلَ الإجماعَ على إباحة السمك بكلِّ أنواعه كذلك غيرُ واحد من العلماء:
قال الإمام ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص: 148، ط. دار الكتب العلمية): [واتفقوا أن السمك المتصيد من البحر، والأنهار، والبرك، والعيون إذا صيد حيًّا، وذبح، وتولى ذلك منه مسلم بالغ عاقل ليس سكران: أن أكله حلال] اهـ.
وقال الإمام النووي في "شرح مسلم" (13/ 86، ط. دار إحياء التراث العربي): [وقد أجمع المسلمون على إباحة السمك] اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (9/ 619، ط. دار المعرفة): [لا خلاف بين العلماء في حِلِّ السمك على اختلاف أنواعه] اهـ.
واختلفوا فيما يخرج من البحر من الدواب من غير الأسماك:
فعند الحنفية: أنه يكره كراهة تحريمية أكل ما سوى السمك من دواب البحر؛ لأن ما سوى السمك خبيث والخبائث محرمة؛ قال القاضي أبو يوسف الحنفي في "اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى" (ص: 137، ط. لجنة إحياء المعارف النعمانية): [وإذا أصاب الرجل من صيد البحر شيئًا سوى السمك، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: "لا خير في شيء من صيد البحر سوى السمك"، وبه نأخذ] اهـ.
وقال العلامة الميرغيناني الحنفي في "الهداية" (4/ 353، ط. دار إحياء التراث العربي): [قال: "ولا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك"] اهـ.
قال العلامة داماد أفندي الشهير بشيخي زادة الحنفي في "مجمع الأنهر" (2/ 514، ط. إحياء التراث العربي): [(وَلَا يُؤْكَلُ مِنْ حَيَوَانِ الْمَاءِ) وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ مَثْوَاهُ وَعَيْشُهُ فِي الْمَاءِ عِنْدَنَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (إلَّا السَّمَكُ بِأَنْوَاعِهِ) غَيْرَ الطَّافِي.. وَمَا سِوَى السَّمَكِ خَبِيثٌ] اهـ.
وعند المالكية: أنه يباح أكل كل ما يخرج من البحر، سواء كان طافيًا أم غير طافٍ؛ جاء في "المدونة" للإمام مالك (1/ 452، ط. دار الكتب العلمية): [قال: وقال مالك: يؤكل كل ما في البحر الطافي، وغير الطافي من صيد البحر كله ويصيده المحرم] اهـ.
وعند الشافعية: ذهبوا إلى التفرقة في حيوان البحر؛ بين ما لا حياة له إذا خرج من الماء، وما له حياة خارج الماء (البرمائي).
فأما ما لا حياة له خارج الماء، وهو كالسمك بأنواعه: فأكله حلال مطلقًا بلا خلاف.
وأما ما له حياة خارج المياه: فعلى ثلاثة أقوال: الحل، والحرمة، والتفرقة بين ما له نظير حلال في البر فيحل، وما لا فلا؛ قال الإمام النووي الشافعي في "المجموع شرح المهذب" (9/ 31، ط. دار الفكر): [فقال أصحابنا: الحيوان الذي لا يهلكه الماء ضربان: (أحدهما) ما يعيش في الماء وإذا خرج منه كان عيشه عيش المذبوح، كالسمك بأنواعه؛ فهو حلال ولا حاجة إلى ذبحه بلا خلاف؛ بل يحلّ مطلقًا سواء مات بسببٍ ظاهرٍ كضغطة أو صدمة حجر، أو انحسار ماء، أو ضرب من الصياد، أو غيره، أو مات حتف أنفه، سواء طفا على وجه الماء أم لا، وكله حلال بلا خلاف عندنا.
وأما ما ليس على صورة السموك المشهورة، ففيه ثلاثة أوجه مشهورة: ذكرها المصنف في "التنبيه"، وقال القاضي أبو الطيب وغيره: فيه ثلاثة أقوال:
أصحها: عند الأصحاب يحلُّ الجميع، وهو المنصوص للشافعي في "الأم" و"مختصر المزني" واختلاف العراقيين؛ لأن الصحيح أن اسم السمك يقع على جميعها، وقد قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾، قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: "صيده: ما صيد، وطعامه: ما قذف"؛ ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ».
والوجه الثاني: يحرم، وهو مذهب أبي حنيفة.
الثالث: ما يؤكل نظيره في البر كالبقر والشاة وغيرهما: فحلال، وما لا يؤكل كخنزير الماء وكلبه فحرام؛ فعلى هذا ما لا نظير له حلال] اهـ.
وعند الحنابلة: أنه يباح أكل كل حيوان البحر إلا الضفدع؛ لكونه من المستخبثات، والتمساح؛ لكونه ذا ناب على أحد القولين، وكل ما له نظير محرم في البر كالخنزير؛ قال الإمام ابن قدامة في "الكافي في فقه الإمام أحمد" (1/ 558، ط. دار الكتب العلمية):
[حيوان البحر يبــاح جميعه؛ لقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: 96]، إلا الضفدع؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن قتلها؛ ولأنها مستخبثة.
وكره أحمد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ التمساح؛ لأنه ذو ناب، فيحتمل أنه محرم؛ لأنه سبع، ويحتمل أنه مباح للآية. وقال ابن حامد: يحرم الكوسج؛ لأنه ذو ناب، وقال أبو علي النجاد: لا يؤكل من البحري ما يحرم نظيره في البر، ككلب الماء وخنزيره وإنسانه، والأول أولى] اهـ.
وقال في "الشرح الكبير" (11/ 87، ط. دار الكتاب العربي): [(وجميع حيوان البحر مباح؛ لقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾، إلا الضفدع والحية والتمساح، وقال ابن حامد: إلا الكوسج) كل صيد البحر مباح إلا الضفدع، وهذا قول الشافعي] اهـ.
وقال الإمام أبو البركات مجد الدين ابن تيمية الحراني الحنبلي في "المحرر في الفقه" (2/ 189، ط. مكتبة المعارف): [ويباح حيوان البحر كله إلا الضفدع، وفي التمساح روايتان] اهـ.
ومقتضى ذلك أن جمهور الفقهاء على حل أكل حيوان البحر، واستثنى بعض الشافعية من الحلّ: ما كان له نظير محرم في البر، واستثنى الحنابلة ما كان مستخبثًا؛ كالضفدع، ولهم في ذي الناب -كالتمساح- روايتان.
والحاصل أن الأخطبوط خارج مما قد استثناه الفقهاء مما يباح أكله من حيوان البحر، فهو مباح الأكل، ما لم يكن في أكله ما يتضرَّر به الإنسان في صحته؛ كأن يكون سامًّا أو محمَّلًا بالأمراض أو غير ذلك، مما يُعْلَمُ بالرجوع إلى أهل الاختصاص؛ لما قد تقرَّرَ في القواعد الفقهية أنه "لا ضَررَ ولا ضِرارَ".
وبناء على ذلك: فإنه يباح شرعًا أكل الأخطبوط البحري؛ أخذًا بقول جمهور العلمـاء، ما لم يكن في أكله ضرر؛ وفقًا لما يقرره المختصون.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
 

اقرأ أيضا

حكم أكل الأخطبوط البحري

ما حكم أكل الأخطبوط من حيوانات البحر؟ 

أكل الأخطبوط البحري جائز شرعًا على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء ما لم يكن في أكله ضرر بصحة الإنسان؛ كأن يكون سامًّا أو محمَّلًا بالأمراض أو غير ذلك، مما يُعْلَمُ بالرجوع إلى أهل التخصص في هذا الأمر. 

التفاصيل ....

امتن الله تعالى على عباده بأن أحل لهم طيبات ما في البر والبحر من الأطعمة؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 172]، فالأصل في الأطعمة والأشربة الحل ما لم يرد دليل بتحريمها؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 145].
وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن السَّمْنِ، وَالْجُبْنِ، وَالْفِرَاءِ، قال: «الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ، فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ» أخرجه الترمذي وابن ماجه والبيهقي في "السنن"، والطبراني في "المعجم الكبير" وصححه الحاكم في "المستدرك".
قال العلامة نجم الدين الطوفي الحنبلي في "شرح مختصر الروضة" (1/ 399، ط. الرسالة): [الأصل في الأطعمة ونحوها الحلّ، ليس ذلك بناء على تحسين العقل وتقبيحه؛ بل الحجة في ذلك الكتاب والسنة والاستدلال.
أما الكتاب: فقوله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ﴾، إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: 12-13] ، ونظائرها من الآيات.
وجه الاستدلال: أنه سبحانه وتعالى أخبرهم في معرض الامتنان عليهم، وتذكيرهم النعمة أنه خلق لهم ما في الأرض وسخره لهم، واللام للاختصاص أو الملك إذا صادفت قابلًا له، والخلق قابلون للملك، وهو في الحقيقة تخصيص من الله سبحانه وتعالى لهم بانتفاعهم به، إذ لا مالك على الحقيقة إلا الله سبحانه وتعالى، فاقتضى ذلك أنهم متى اجتمعوا وما خلق وسخر لهم في الوجود، ملكوه، وإذا ملكوه جاز انتفاعهم؛ إذ فائدة الملك جواز الانتفاع] اهـ.
فالضابط في حرمة الأطعمة ورود النص بتحريمها؛ كالخنزير والميتة وما ذبح لغير الله، أو كونها مما يُستخبث أو يُستقذر أو يضر بمن يتناوله؛ للقاعدة العامة "لا ضرر ولا ضرار"، فما لم يرد نصٌّ بتحريمها مع كونها خالية من الاستقذار أو النجاسة والضرر جاز أكلها.
قال الإمام الجويني في "نهاية المطلب" (18/ 209، ط. دار المنهاج): [ولا يخفى على المنصف أن الحشرات والقاذورات ليست من الطيبات التي أحلها الله، وتخيّرها لمطاعم عباده تكريمًا لهم] اهـ.
وقال العلامة الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (9/ 135، ط. الدار التونسية): [فالطيب: ما لا ضر فيه، ولا وخامة، ولا قذارة، والخبيث: ما أضر، أو كان وخيم العاقبة، أو كان مستقذرًا لا يقبله العقلاء؛ كالنجاسة، وهذا ملاك المباح والمحرم من المآكل، فلا تدخل العادات إلا في اختيار أهلها ما شاءوا من المباح، فقد كانت قريش لا تأكل الضب، وقد وضع على مائدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكره أن يأكل منه، وقال: «مَا هُوَ بِحَرَامٍ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ طَعَامِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ»، ولهذا فالوجه: أن كل ما لا ضُرَّ فيه ولا فساد ولا قذارة فهو مباح] اهـ.
والأخطبوط من الحيوانات البحرية الرخوية؛ من فصيلة الرأسقدمية، وهو أحد أنواع اللافقاريات التي لا تعيش إلا في المياه، وتتغذى على اللحوم والأسماك، له ثمانية أذرع ورأس كبير وعينان ضخمتان.
جاء في "معجم متن اللغة" (2/ 297، ط. دار مكتبة الحياة): [الأخطبوط: "دخيلة يونانية معرب اكتوبوس Octopous ومعناها ذو الثماني أرجل": حيوان بحري هلامي له ثمانية جراميز في رأسه فيها محاجم يلتصق بها بتفريغ الهواء] اهـ.
وجاء في "المعجم الوسيط" (1/ 9، ط. دار الدعوة): [(الأخطبوط): حيوان بحري أسطواني الشكل له ثماني أرجل رأسية يضرب به المثل في شدة التشبث بما يمسكه] اهـ.
والأصل في كل ما خرج من البحر من الأطعمة هو الحل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [ المائدة: 96].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» أخرجه الإمام مالك في "الموطأ"، وعنه الإمام الشافعي في "الأم" والإمام أحمد في "المسند"، وأصحاب السنن الأربعة، وصححه البخاري والترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
وكلُّ ما كان من جنس السمك لغةً وعرفًا فهو حلالٌ بلا خلاف في ذلك، ونقَلَ الإجماعَ على إباحة السمك بكلِّ أنواعه كذلك غيرُ واحد من العلماء:
قال الإمام ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص: 148، ط. دار الكتب العلمية): [واتفقوا أن السمك المتصيد من البحر، والأنهار، والبرك، والعيون إذا صيد حيًّا، وذبح، وتولى ذلك منه مسلم بالغ عاقل ليس سكران: أن أكله حلال] اهـ.
وقال الإمام النووي في "شرح مسلم" (13/ 86، ط. دار إحياء التراث العربي): [وقد أجمع المسلمون على إباحة السمك] اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (9/ 619، ط. دار المعرفة): [لا خلاف بين العلماء في حِلِّ السمك على اختلاف أنواعه] اهـ.
واختلفوا فيما يخرج من البحر من الدواب من غير الأسماك:
فعند الحنفية: أنه يكره كراهة تحريمية أكل ما سوى السمك من دواب البحر؛ لأن ما سوى السمك خبيث والخبائث محرمة؛ قال القاضي أبو يوسف الحنفي في "اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى" (ص: 137، ط. لجنة إحياء المعارف النعمانية): [وإذا أصاب الرجل من صيد البحر شيئًا سوى السمك، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: "لا خير في شيء من صيد البحر سوى السمك"، وبه نأخذ] اهـ.
وقال العلامة الميرغيناني الحنفي في "الهداية" (4/ 353، ط. دار إحياء التراث العربي): [قال: "ولا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك"] اهـ.
قال العلامة داماد أفندي الشهير بشيخي زادة الحنفي في "مجمع الأنهر" (2/ 514، ط. إحياء التراث العربي): [(وَلَا يُؤْكَلُ مِنْ حَيَوَانِ الْمَاءِ) وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ مَثْوَاهُ وَعَيْشُهُ فِي الْمَاءِ عِنْدَنَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (إلَّا السَّمَكُ بِأَنْوَاعِهِ) غَيْرَ الطَّافِي.. وَمَا سِوَى السَّمَكِ خَبِيثٌ] اهـ.
وعند المالكية: أنه يباح أكل كل ما يخرج من البحر، سواء كان طافيًا أم غير طافٍ؛ جاء في "المدونة" للإمام مالك (1/ 452، ط. دار الكتب العلمية): [قال: وقال مالك: يؤكل كل ما في البحر الطافي، وغير الطافي من صيد البحر كله ويصيده المحرم] اهـ.
وعند الشافعية: ذهبوا إلى التفرقة في حيوان البحر؛ بين ما لا حياة له إذا خرج من الماء، وما له حياة خارج الماء (البرمائي).
فأما ما لا حياة له خارج الماء، وهو كالسمك بأنواعه: فأكله حلال مطلقًا بلا خلاف.
وأما ما له حياة خارج المياه: فعلى ثلاثة أقوال: الحل، والحرمة، والتفرقة بين ما له نظير حلال في البر فيحل، وما لا فلا؛ قال الإمام النووي الشافعي في "المجموع شرح المهذب" (9/ 31، ط. دار الفكر): [فقال أصحابنا: الحيوان الذي لا يهلكه الماء ضربان: (أحدهما) ما يعيش في الماء وإذا خرج منه كان عيشه عيش المذبوح، كالسمك بأنواعه؛ فهو حلال ولا حاجة إلى ذبحه بلا خلاف؛ بل يحلّ مطلقًا سواء مات بسببٍ ظاهرٍ كضغطة أو صدمة حجر، أو انحسار ماء، أو ضرب من الصياد، أو غيره، أو مات حتف أنفه، سواء طفا على وجه الماء أم لا، وكله حلال بلا خلاف عندنا.
وأما ما ليس على صورة السموك المشهورة، ففيه ثلاثة أوجه مشهورة: ذكرها المصنف في "التنبيه"، وقال القاضي أبو الطيب وغيره: فيه ثلاثة أقوال:
أصحها: عند الأصحاب يحلُّ الجميع، وهو المنصوص للشافعي في "الأم" و"مختصر المزني" واختلاف العراقيين؛ لأن الصحيح أن اسم السمك يقع على جميعها، وقد قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾، قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: "صيده: ما صيد، وطعامه: ما قذف"؛ ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ».
والوجه الثاني: يحرم، وهو مذهب أبي حنيفة.
الثالث: ما يؤكل نظيره في البر كالبقر والشاة وغيرهما: فحلال، وما لا يؤكل كخنزير الماء وكلبه فحرام؛ فعلى هذا ما لا نظير له حلال] اهـ.
وعند الحنابلة: أنه يباح أكل كل حيوان البحر إلا الضفدع؛ لكونه من المستخبثات، والتمساح؛ لكونه ذا ناب على أحد القولين، وكل ما له نظير محرم في البر كالخنزير؛ قال الإمام ابن قدامة في "الكافي في فقه الإمام أحمد" (1/ 558، ط. دار الكتب العلمية):
[حيوان البحر يبــاح جميعه؛ لقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: 96]، إلا الضفدع؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن قتلها؛ ولأنها مستخبثة.
وكره أحمد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ التمساح؛ لأنه ذو ناب، فيحتمل أنه محرم؛ لأنه سبع، ويحتمل أنه مباح للآية. وقال ابن حامد: يحرم الكوسج؛ لأنه ذو ناب، وقال أبو علي النجاد: لا يؤكل من البحري ما يحرم نظيره في البر، ككلب الماء وخنزيره وإنسانه، والأول أولى] اهـ.
وقال في "الشرح الكبير" (11/ 87، ط. دار الكتاب العربي): [(وجميع حيوان البحر مباح؛ لقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾، إلا الضفدع والحية والتمساح، وقال ابن حامد: إلا الكوسج) كل صيد البحر مباح إلا الضفدع، وهذا قول الشافعي] اهـ.
وقال الإمام أبو البركات مجد الدين ابن تيمية الحراني الحنبلي في "المحرر في الفقه" (2/ 189، ط. مكتبة المعارف): [ويباح حيوان البحر كله إلا الضفدع، وفي التمساح روايتان] اهـ.
ومقتضى ذلك أن جمهور الفقهاء على حل أكل حيوان البحر، واستثنى بعض الشافعية من الحلّ: ما كان له نظير محرم في البر، واستثنى الحنابلة ما كان مستخبثًا؛ كالضفدع، ولهم في ذي الناب -كالتمساح- روايتان.
والحاصل أن الأخطبوط خارج مما قد استثناه الفقهاء مما يباح أكله من حيوان البحر، فهو مباح الأكل، ما لم يكن في أكله ما يتضرَّر به الإنسان في صحته؛ كأن يكون سامًّا أو محمَّلًا بالأمراض أو غير ذلك، مما يُعْلَمُ بالرجوع إلى أهل الاختصاص؛ لما قد تقرَّرَ في القواعد الفقهية أنه "لا ضَررَ ولا ضِرارَ".
وبناء على ذلك: فإنه يباح شرعًا أكل الأخطبوط البحري؛ أخذًا بقول جمهور العلمـاء، ما لم يكن في أكله ضرر؛ وفقًا لما يقرره المختصون.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
 

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;