لبس النقاب للمرأة المحرمة

 ما حكم لبس المرأة النقاب وهي مُحرِمَة؟

تغطية المرأة المحرمة وجهها بنقابٍ أو غيره من محظورات الإحرام، وإنما يباح لها أن تستتر بإسدالِ شيءٍ متجافٍ -أي بعيد- لا يمس الوجه، فإن مس وجهها فرفعته مباشرة فلا شيء عليها، وإن تعمَّدت تغطية وجهها لسبب أو لغير سبب أو نزل عليه ما يغطيه ولم تسارع في إزالته تجب عليها الفدية بإجماع الفقهاء، والفدية في هذه الحالة على التخيير؛ بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة. 

التفاصيل ....

 النقاب: هو غطاء يوضع على وجه المرأة به فتحتان لعينيها بقدر ما تنظر منه؛ قال الإمام الشوكاني في "نيل الأوطار" (9/ 173، ط. دار ابن الجوزي): [والانتقاب لبس غطاء للوجه فيه نقبان على العينين تنظر المرأة منهما، وقال في "الفتح": النقاب: الخمار الذي يُشدُّ على الأنف أو تحت الـمحاجرِ] اهــ.
والإحرام: مصدر أحرم الرجل يحرم إحرامًا، إذا أهَلَّ بالحج أو العمرة لدخوله في عمل حَرُمَ عليه به فعل ما كان حلالًا؛ لأن "حرم" في اللغة بمعنى المنع والتشديد. قال ابن فارس في "مقاييس اللغة" (2/ 45، ط. دار الفكر): [(حرم) الحاء والراء والميم أصل واحد، وهو المنع والتشديد. فالحرام ضد الحلال] اهـ.
وقال ابن منظور في "لسان العرب" (12/ 123، ط. دار صادر): [الْمُحَرَّم هو الحَرَم. وتقول: أَحْرَمَ الرجلُ، فهو مُحْرِمٌ وحَرَامٌ، ورجلٌ حَرَامٌ: أي مُحْرِم.. وأحْرَمَ بالحج والعمرة لأنه يحْرُمُ عليه ما كان له حلالًا من قبلُ، كالصيد والنساء. وأحْرَمَ الرجل: إذا دخل في الإحرام بالإهلال] اهـ.
والمراد بالإحرام عند جمهور الفقهاء نيَّة الدخول في الحج أو العمرة، ويتحقق عند الحنفيَّة وبعض المالكية بالإضافة للنية اقترانها بالتلبية.
قال المُلا خسرو الحنفي في "درر الحكام شرح غرر الأحكام" (1/ 219، ط. دار إحياء الكتب العربية): [حقيقة الإحرام الدخول في الحرمة، والمراد الدخول في حرمات مخصوصة؛ أي التزامها، والتزامها شرط الحج شرعًا، غير أنه لا يتحقق ثبوته شرعًا إلا بالنية مع الذكر] اهـ.
وقال الشيخ زروق المالكي في "شرحه على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني" (1/ 527، ط. دار الكتب العلمية): [والإحرام صفة حُكْمِية توجب لموصوفها حرمة مقدمات الوطء مطلقًا، وإلقاء التَّفَث والطِّيب، ولُبْس الذكورِ المخيطَ، والصيد لغير ضرورة. قال: وينعقد بالنية مع ابتداء توجه الماشي واستواء الراكب على راحلته، وشرط ابن حبيب تلبيته كتكبيرة الإحرام] اهـ.
وقال الشيخ سليمان الجمل الشافعي في "فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب" (2/ 407، ط. دار الفكر): [الإحرام وهو نية الدخول في النسك، وهو كما يطلق شرعًا على هذه النية يطلق أيضًا على الدخول في حج أو عمرة أو فيهما] اهـ.
وقال الشيخ البهوتي الحنبلي في "الروض المربع شرح زاد المستقنع" (ص: 285، ط. دار المؤيد): [(الإحرام) الذي هو نية الدخول في النسك لحديث: «إنما الأعمال بالنيَّات»] اهـ.
وللإحرام عدَّة محظوراتٍ يجب على المُحْرِم اجتنابُ فعلها، منها: ألا تلبس المرأة المحرمة النقاب أو غيره مما يغطي الوجه مدة إحرامها؛ لحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما روى البخاري في "صحيحه" عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «وَلَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ».
قال الحافظ العراقي في "طرح التثريب في شرح التقريب" (5/ 46، ط. دار إحياء التراث العربي): [دل النهي عن الانتقاب على تحريم ستر الوجه بما يلاقيه ويمسه دون ما إذا كان متجافيًا عنه، وهذا قول الأئمة الأربعة وبه قال الجمهور] اهــ.
فلا يجوز للمحرمة تغطية وجهها مطلقًا بلبس نقاب أو ما شابهه، ولها إن أرادت الستر عن أعين الناس أو بسبب الحر أو البرد أن تسدل على وجهها شيئًا كخمار رأسها وتجافيه عنه؛ لأنها بمجافاته عن وجهها يصير كما لو جلست تحت شيء تستظل به.
قال الإمام السرخسي الحنفي في "المبسوط" (4/ 128، ط. دار المعرفة): [أما المحرمة تغطي كل شيء منها إلا وجهها.. ولا بأس بأن تسدل الخمار على وجهها من فوق رأسها على وجه لا يصيب وجهها، وقد بيَّنَّا ذلك عن عائشة رضي الله عنها؛ لأن تغطية الوجه إنما يحصل بما يُمَاسُّ وجهها دون ما لا يُمَاسُّه فيكون هذا في معنى دخولها تحت سقف] اهــ.
وقال الإمام الخراشي المالكي في "شرح مختصر خليل" (2/ 345، ط. دار الفكر للطباعة): [يحرم على المرأة أن تستر وجهها في إحرامها كما يحرم عليها أن تستر يديها؛ لخبر: «إحرام المرأة في وجهها وكفيها» معناه: تكشفهما، إلا أن تريد بذلك الستر عن أعين الناس؛ فإنه يجوز لها أن تستره بأن تسدل على وجهها رداء ولا تربطه ولا تغرزه بإبرة] اهــ.
وقال العلامة البجيرمي الشافعي في "تحفة الحبيب على شرح الخطيب" (2/ 451-452، ط. دار الفكر): [(ويحرم على المحرم) بحج أو عمرة أو بهما أمور كثيرة المذكور منها هنا (عشرة أشياء).. (و) الثالث ستر بعض (الوجه والكفين من المرأة) ولو أمة كما في "المجموع" بما يعد ساترًا إلا لحاجة فيجوز مع الفدية، وعلى الحرة أن تستر منه ما لا يتأتى ستر جميع رأسها إلا به احتياطًا للرأس إذ لا يمكن استيعاب ستره إلا بستر قدر يسير مما يلي الوجه، والمحافظة على ستره بكماله لكونه عورة أولى من المحافظة على كشف ذلك القدر من الوجه، ويؤخذ من التعليل أن الأَمَةَ لا تستر ذلك لأن رأسها ليس بعورة، وإذا أرادت المرأة ستر وجهها عن الناس أرخت عليه ما يستره بنحو ثوب مُتَجَافٍ عنه بنحو خشبة بحيث لا يقع على البشرة وسواء فعلته لحاجة كحر وبرد أم لا] اهــ.
وقال الشيخ ابن قدامة في "المغني" (3/ 301، ط. مكتبة القاهرة): [(والمرأة إحرامها في وجهها، فإن احتاجت سدلت على وجهها) وجملة ذلك أن المرأة يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها، كما يحرم على الرجل تغطية رأسه. لا نعلم في هذا خلافًا، إلا ما روي عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة. ويحتمل أنها كانت تغطيه بالسدل عند الحاجة فلا يكون اختلافًا] اهــ.
وإذا قامت المرأة بتغطية وجهها بنقاب أو غيره حال إحرامها فإن عليها فدية على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
جاء في "المحيط البرهاني في الفقه النعماني" (2/ 448، ط. دار الكتب العلمية): [ولا يغطي المحرم رأسه ولا وجهه، والمحرمة لا تغطي وجهها، وإن فعل ذلك إن كان يومًا إلى الليل فعليه دم، وإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة، وكذلك لو غطى ربع رأسه فصاعدًا يومًا فعليه دم، وإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة] اهــ.
وقال الإمام الخراشي في "شرح مختصر خليل" (2/ 345، ط. دار الفكر): [فإن فعلت المرأة شيئًا مما حرم عليها بأن لبست القفازين، أو سترت وجهها أو بعضه لغير ستر أو لستر وغرزت أو ربطت أو سترته لحر أو برد لزمتها الفدية إن طال] اهـــ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب" (1/ 506، ط. دار الكتاب الإسلامي): [أما الوجه فلا تستره.. (ولها أن تسدل) أي ترخي على وجهها (ثوبًا متجافيًا) عنه بخشبة أو نحوها سواء أفعلته لحاجة كحر وبرد وفتنة أم لا، كما يجوز للرجل ستر رأسه بمظلة ونحوها، (وإن أصابه) كأن وقعت الخشبة فأصاب الثوب وجهها (بلا اختيار منها فرفعته فورًا فلا فدية، وإلا) بأن اختارت ذلك أو لم ترفعه فورًا (وجبت) مع الإثم] اهــ.
وقال الشيخ ابن قدامة في (3/ 301): [ذكر القاضي أن الثوب يكون متجافيًا عن وجهها، بحيث لا يصيب البشرة، فإن أصابها ثم زال أو أزالته بسرعة فلا شيء عليها، كما لو أطارت الريح الثوب عن عورة المصلي، ثم عاد بسرعة، لا تبطل الصلاة. وإن لم ترفعه مع القدرة؛ افتدت؛ لأنها استدامت الستر] اهــ.
وفدية تغطية الوجه عند جمهور الفقهاء غير الحنفية على التخيير بين: صيام ثلاثة أيام أو التصدق على ستة مساكين أو ذبح شاة؛ لقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196].
قال القاضي عبد الوهاب المالكي في "المعونة على مذهب عالم المدينة" (532، ط. المكتبة التجارية): [والفدية.. ثلاثة أنواع: إطعام ستة مساكين مُدَّيْن لكل مسكين، أو صيام ثلاثة أيام، أو ذبح شاة وهي على التخيير دون الترتيب] اهــ.
وقال الإمام الشيرازي الشافعي في "المهذب" في فقه الإمام الشافعي (1/ 392، ط. دار الكتب العلمية): [باب ما يجب بمحظورات الإحرام من الكفارة وغيرها.. فكفارته أن يذبح شاة، أو يُطعم ستة مساكين ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع أو يصوم ثلاثة أيام وهو مُخيَّر بين الثلاثة] اهــ.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي الحنبلي في "الكافي" في فقه الإمام أحمد (1/ 497، ط. دار الكتب العلمية): [باب الفدية.. عليه ذبح شاة، أو إطعام ثلاثة آصع لستة مساكين؛ لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام] اهــ.
أما فقهاء الحنفية فقد جعلوا فدية تغطية المرأة وجهها حال الإحرام دمًا إذا استمرت تغطية الوجه يومًا أو ليلة، وفي أقل من ذلك عليها صدقة.
قال الإمام ابن عابدين الحنفي في "حاشيته على الدر المختار" (2/ 488، ط. دار الفكر): [لكن في تغطية كل الوجه أو الرأس يومًا أو ليلة دم والربع منهما كالكل، وفي الأقل من يوم أو من الربع صدقة كما في "اللباب"، وأطلقه فشمل المرأة لما في "البحر" عن غاية البيان من أنها لا تغطي وجهها إجماعًا. أي: وإنما تستر وجهها عن الأجانب بإسدال شيء متجافٍ لا يمس الوجه] اهــ.
وبناءً على ذلك: فإن تغطية وجه المرأة بنقاب أو غيره من محظورات الإحرام التي يجب على المرأة عدم فعلها ما دامت مٌحرِمة، ولها إن أرادت ستر وجهها أن تسدل عليه ما يجافي البشرة، فإن سقط الغطاء على وجهها فرفعته مباشرة فلا شيء عليها، وإن تعمدت تغطية وجهها لسبب أو لغير سبب أو نزل عليه ما يغطيه ولم تسارع في إزالته تجب عليها الفدية إجماعًا، وتكون الفدية على التَّخيير بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة على ما ذهب إليه الجمهور.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

لبس النقاب للمرأة المحرمة

 ما حكم لبس المرأة النقاب وهي مُحرِمَة؟

تغطية المرأة المحرمة وجهها بنقابٍ أو غيره من محظورات الإحرام، وإنما يباح لها أن تستتر بإسدالِ شيءٍ متجافٍ -أي بعيد- لا يمس الوجه، فإن مس وجهها فرفعته مباشرة فلا شيء عليها، وإن تعمَّدت تغطية وجهها لسبب أو لغير سبب أو نزل عليه ما يغطيه ولم تسارع في إزالته تجب عليها الفدية بإجماع الفقهاء، والفدية في هذه الحالة على التخيير؛ بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة. 

التفاصيل ....

 النقاب: هو غطاء يوضع على وجه المرأة به فتحتان لعينيها بقدر ما تنظر منه؛ قال الإمام الشوكاني في "نيل الأوطار" (9/ 173، ط. دار ابن الجوزي): [والانتقاب لبس غطاء للوجه فيه نقبان على العينين تنظر المرأة منهما، وقال في "الفتح": النقاب: الخمار الذي يُشدُّ على الأنف أو تحت الـمحاجرِ] اهــ.
والإحرام: مصدر أحرم الرجل يحرم إحرامًا، إذا أهَلَّ بالحج أو العمرة لدخوله في عمل حَرُمَ عليه به فعل ما كان حلالًا؛ لأن "حرم" في اللغة بمعنى المنع والتشديد. قال ابن فارس في "مقاييس اللغة" (2/ 45، ط. دار الفكر): [(حرم) الحاء والراء والميم أصل واحد، وهو المنع والتشديد. فالحرام ضد الحلال] اهـ.
وقال ابن منظور في "لسان العرب" (12/ 123، ط. دار صادر): [الْمُحَرَّم هو الحَرَم. وتقول: أَحْرَمَ الرجلُ، فهو مُحْرِمٌ وحَرَامٌ، ورجلٌ حَرَامٌ: أي مُحْرِم.. وأحْرَمَ بالحج والعمرة لأنه يحْرُمُ عليه ما كان له حلالًا من قبلُ، كالصيد والنساء. وأحْرَمَ الرجل: إذا دخل في الإحرام بالإهلال] اهـ.
والمراد بالإحرام عند جمهور الفقهاء نيَّة الدخول في الحج أو العمرة، ويتحقق عند الحنفيَّة وبعض المالكية بالإضافة للنية اقترانها بالتلبية.
قال المُلا خسرو الحنفي في "درر الحكام شرح غرر الأحكام" (1/ 219، ط. دار إحياء الكتب العربية): [حقيقة الإحرام الدخول في الحرمة، والمراد الدخول في حرمات مخصوصة؛ أي التزامها، والتزامها شرط الحج شرعًا، غير أنه لا يتحقق ثبوته شرعًا إلا بالنية مع الذكر] اهـ.
وقال الشيخ زروق المالكي في "شرحه على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني" (1/ 527، ط. دار الكتب العلمية): [والإحرام صفة حُكْمِية توجب لموصوفها حرمة مقدمات الوطء مطلقًا، وإلقاء التَّفَث والطِّيب، ولُبْس الذكورِ المخيطَ، والصيد لغير ضرورة. قال: وينعقد بالنية مع ابتداء توجه الماشي واستواء الراكب على راحلته، وشرط ابن حبيب تلبيته كتكبيرة الإحرام] اهـ.
وقال الشيخ سليمان الجمل الشافعي في "فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب" (2/ 407، ط. دار الفكر): [الإحرام وهو نية الدخول في النسك، وهو كما يطلق شرعًا على هذه النية يطلق أيضًا على الدخول في حج أو عمرة أو فيهما] اهـ.
وقال الشيخ البهوتي الحنبلي في "الروض المربع شرح زاد المستقنع" (ص: 285، ط. دار المؤيد): [(الإحرام) الذي هو نية الدخول في النسك لحديث: «إنما الأعمال بالنيَّات»] اهـ.
وللإحرام عدَّة محظوراتٍ يجب على المُحْرِم اجتنابُ فعلها، منها: ألا تلبس المرأة المحرمة النقاب أو غيره مما يغطي الوجه مدة إحرامها؛ لحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما روى البخاري في "صحيحه" عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «وَلَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ».
قال الحافظ العراقي في "طرح التثريب في شرح التقريب" (5/ 46، ط. دار إحياء التراث العربي): [دل النهي عن الانتقاب على تحريم ستر الوجه بما يلاقيه ويمسه دون ما إذا كان متجافيًا عنه، وهذا قول الأئمة الأربعة وبه قال الجمهور] اهــ.
فلا يجوز للمحرمة تغطية وجهها مطلقًا بلبس نقاب أو ما شابهه، ولها إن أرادت الستر عن أعين الناس أو بسبب الحر أو البرد أن تسدل على وجهها شيئًا كخمار رأسها وتجافيه عنه؛ لأنها بمجافاته عن وجهها يصير كما لو جلست تحت شيء تستظل به.
قال الإمام السرخسي الحنفي في "المبسوط" (4/ 128، ط. دار المعرفة): [أما المحرمة تغطي كل شيء منها إلا وجهها.. ولا بأس بأن تسدل الخمار على وجهها من فوق رأسها على وجه لا يصيب وجهها، وقد بيَّنَّا ذلك عن عائشة رضي الله عنها؛ لأن تغطية الوجه إنما يحصل بما يُمَاسُّ وجهها دون ما لا يُمَاسُّه فيكون هذا في معنى دخولها تحت سقف] اهــ.
وقال الإمام الخراشي المالكي في "شرح مختصر خليل" (2/ 345، ط. دار الفكر للطباعة): [يحرم على المرأة أن تستر وجهها في إحرامها كما يحرم عليها أن تستر يديها؛ لخبر: «إحرام المرأة في وجهها وكفيها» معناه: تكشفهما، إلا أن تريد بذلك الستر عن أعين الناس؛ فإنه يجوز لها أن تستره بأن تسدل على وجهها رداء ولا تربطه ولا تغرزه بإبرة] اهــ.
وقال العلامة البجيرمي الشافعي في "تحفة الحبيب على شرح الخطيب" (2/ 451-452، ط. دار الفكر): [(ويحرم على المحرم) بحج أو عمرة أو بهما أمور كثيرة المذكور منها هنا (عشرة أشياء).. (و) الثالث ستر بعض (الوجه والكفين من المرأة) ولو أمة كما في "المجموع" بما يعد ساترًا إلا لحاجة فيجوز مع الفدية، وعلى الحرة أن تستر منه ما لا يتأتى ستر جميع رأسها إلا به احتياطًا للرأس إذ لا يمكن استيعاب ستره إلا بستر قدر يسير مما يلي الوجه، والمحافظة على ستره بكماله لكونه عورة أولى من المحافظة على كشف ذلك القدر من الوجه، ويؤخذ من التعليل أن الأَمَةَ لا تستر ذلك لأن رأسها ليس بعورة، وإذا أرادت المرأة ستر وجهها عن الناس أرخت عليه ما يستره بنحو ثوب مُتَجَافٍ عنه بنحو خشبة بحيث لا يقع على البشرة وسواء فعلته لحاجة كحر وبرد أم لا] اهــ.
وقال الشيخ ابن قدامة في "المغني" (3/ 301، ط. مكتبة القاهرة): [(والمرأة إحرامها في وجهها، فإن احتاجت سدلت على وجهها) وجملة ذلك أن المرأة يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها، كما يحرم على الرجل تغطية رأسه. لا نعلم في هذا خلافًا، إلا ما روي عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة. ويحتمل أنها كانت تغطيه بالسدل عند الحاجة فلا يكون اختلافًا] اهــ.
وإذا قامت المرأة بتغطية وجهها بنقاب أو غيره حال إحرامها فإن عليها فدية على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
جاء في "المحيط البرهاني في الفقه النعماني" (2/ 448، ط. دار الكتب العلمية): [ولا يغطي المحرم رأسه ولا وجهه، والمحرمة لا تغطي وجهها، وإن فعل ذلك إن كان يومًا إلى الليل فعليه دم، وإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة، وكذلك لو غطى ربع رأسه فصاعدًا يومًا فعليه دم، وإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة] اهــ.
وقال الإمام الخراشي في "شرح مختصر خليل" (2/ 345، ط. دار الفكر): [فإن فعلت المرأة شيئًا مما حرم عليها بأن لبست القفازين، أو سترت وجهها أو بعضه لغير ستر أو لستر وغرزت أو ربطت أو سترته لحر أو برد لزمتها الفدية إن طال] اهـــ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب" (1/ 506، ط. دار الكتاب الإسلامي): [أما الوجه فلا تستره.. (ولها أن تسدل) أي ترخي على وجهها (ثوبًا متجافيًا) عنه بخشبة أو نحوها سواء أفعلته لحاجة كحر وبرد وفتنة أم لا، كما يجوز للرجل ستر رأسه بمظلة ونحوها، (وإن أصابه) كأن وقعت الخشبة فأصاب الثوب وجهها (بلا اختيار منها فرفعته فورًا فلا فدية، وإلا) بأن اختارت ذلك أو لم ترفعه فورًا (وجبت) مع الإثم] اهــ.
وقال الشيخ ابن قدامة في (3/ 301): [ذكر القاضي أن الثوب يكون متجافيًا عن وجهها، بحيث لا يصيب البشرة، فإن أصابها ثم زال أو أزالته بسرعة فلا شيء عليها، كما لو أطارت الريح الثوب عن عورة المصلي، ثم عاد بسرعة، لا تبطل الصلاة. وإن لم ترفعه مع القدرة؛ افتدت؛ لأنها استدامت الستر] اهــ.
وفدية تغطية الوجه عند جمهور الفقهاء غير الحنفية على التخيير بين: صيام ثلاثة أيام أو التصدق على ستة مساكين أو ذبح شاة؛ لقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196].
قال القاضي عبد الوهاب المالكي في "المعونة على مذهب عالم المدينة" (532، ط. المكتبة التجارية): [والفدية.. ثلاثة أنواع: إطعام ستة مساكين مُدَّيْن لكل مسكين، أو صيام ثلاثة أيام، أو ذبح شاة وهي على التخيير دون الترتيب] اهــ.
وقال الإمام الشيرازي الشافعي في "المهذب" في فقه الإمام الشافعي (1/ 392، ط. دار الكتب العلمية): [باب ما يجب بمحظورات الإحرام من الكفارة وغيرها.. فكفارته أن يذبح شاة، أو يُطعم ستة مساكين ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع أو يصوم ثلاثة أيام وهو مُخيَّر بين الثلاثة] اهــ.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي الحنبلي في "الكافي" في فقه الإمام أحمد (1/ 497، ط. دار الكتب العلمية): [باب الفدية.. عليه ذبح شاة، أو إطعام ثلاثة آصع لستة مساكين؛ لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام] اهــ.
أما فقهاء الحنفية فقد جعلوا فدية تغطية المرأة وجهها حال الإحرام دمًا إذا استمرت تغطية الوجه يومًا أو ليلة، وفي أقل من ذلك عليها صدقة.
قال الإمام ابن عابدين الحنفي في "حاشيته على الدر المختار" (2/ 488، ط. دار الفكر): [لكن في تغطية كل الوجه أو الرأس يومًا أو ليلة دم والربع منهما كالكل، وفي الأقل من يوم أو من الربع صدقة كما في "اللباب"، وأطلقه فشمل المرأة لما في "البحر" عن غاية البيان من أنها لا تغطي وجهها إجماعًا. أي: وإنما تستر وجهها عن الأجانب بإسدال شيء متجافٍ لا يمس الوجه] اهــ.
وبناءً على ذلك: فإن تغطية وجه المرأة بنقاب أو غيره من محظورات الإحرام التي يجب على المرأة عدم فعلها ما دامت مٌحرِمة، ولها إن أرادت ستر وجهها أن تسدل عليه ما يجافي البشرة، فإن سقط الغطاء على وجهها فرفعته مباشرة فلا شيء عليها، وإن تعمدت تغطية وجهها لسبب أو لغير سبب أو نزل عليه ما يغطيه ولم تسارع في إزالته تجب عليها الفدية إجماعًا، وتكون الفدية على التَّخيير بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة على ما ذهب إليه الجمهور.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;