تعارض نفقة الحج مع نفقة تزويج الابن

أمتلك مبلغًا من المال أستطيع به أداء فريضة الحج، ولا يوجد ما يمنعني من أداء الفريضة بهذا المال، غير أنه لا يكفي إلا لأحد أمرين: فإما أن أؤدي به فريضة الحج هذا العام، وإما أن أدفعه في تكاليف زواج ابني حتى يعف نفسه ويكمل نصف دينه، وهو جدير بهذه المساعدة وفي حاجة إليها وإلا تأخر زواجه طويلًا، فأي الأمرين أحق بالتقديم وإنفاق المال فيه؟ أفتوني مأجورين إن شاء الله فإنني في حيرة شديدة.

قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، فكان الحج عبادة واجبة حقًا لله تعالى على كل مستطيع، وفي "صحيح مسلم" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ. حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ».

فأفاد الحديث الشريف تقييد وجوب الحج بالاستطاعة؛ لامتناع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الإجابة بما يلزم عنه وجوب الحج على المستطيع وغير المستطيع، ولإيمائه صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن رحمته بالأمة أن تكلف ما لا تستطيعه هو علة تركه الجواب، ثم لتصريحه عليه الصلاة والسلام بأن أمره يقتضي من المكلفين امتثاله قدر استطاعتهم؛ فقال: «فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة، فهي عبادة العمر. ينظر: "المغني" لابن قدامة (3/ 85، ط. دار إحياء التراث العربي).

وقد أجمع العلماء على خمسة شروط يجب بها الحج؛ وهي: "الإسلام" و"البلوغ" و"العقل" و"الحرية" و"الاستطاعة"، ولم يعرف للعلماء في هذا خلاف. يراجع: "مغني المحتاج" (2/ 210، ط. دار الكتب العلمية)، و"المغني" لابن قدامة (3/ 85).

ويفسر الإمام الباجي المالكي الاستطاعة فيقول في "المنتقى شرح الموطأ" (2/ 268-269، ط. دار الكتاب الإسلامي): [هي الاستطاعة على الوصول إلى البيت من غير خروج عن عادة، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس، فمن كانت عادته السفر ماشيًا واستطاع أن يتوصل إلى الحج بذلك لزمه الحج وإن لم يجد راحلة، ومن كانت عادته سؤال الناس وتكففهم وأمكنه التوصل به لزمه الحج وإن لم يجد زادًا، ومن كانت عادته الركوب والغنى عن الناس وتعذر عليه في التوصل إلى الحج أحدهما لم يلزمه الحج] اهـ.

فمتى توفر شرط الاستطاعة مع سائر شروط الوجوب فقد لزم المسلم البالغ العاقل الحر أن يؤدي حج فريضة الإسلام، وما لم يؤدِّ هذه الفريضة وهو متمكن من الأداء حتى فات موسم الحج تعلقت هذه الفريضة بذمته واستقرت فيها وصارت دينًا عليه، سواء ظلت الاستطاعة متوفرة له أم لا، ولا تبرأ ذمته أبدًا حتى يؤديها أو تؤدى عنه إذا عجز أو مات بأن يقتطع له من تركته ما يحج به عنه، كسائر الديون التي لا تسقط عنه مهما لم يستطع الوفاء بها بعد أن تعلقت بذمته، وهذا على الرغم من اختلاف العلماء في أن وجوب الحج على الفور أم على التراخي، فإنه بتركه الحج وهو متمكن من أدائه يستقر وجوبه في ذمته دينًا عليه.

قال الإمام النووي في "المجموع" (8/ 289، ط. المنيرية): [وإن كانت حجة وجبت في هذه السنة بأن استطاع في هذه السنة دون ما قبلها فقد استقر الوجوب في ذمته؛ لتمكنه، والأولى أن يحرم بها في هذه السنة وله التأخير؛ لأن الحج عندنا على التراخي] اهـ.

ويلخص الإمام النووي مذاهب العلماء في الفور والتراخي؛ فيقول "المجموع" (7/ 86): [فرع في مذاهب العلماء في كون الحج على الفور أو التراخي: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه على التراخي، وبه قال الأوزاعي والثوري ومحمد بن الحسن، ونقله الماوردي عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس رضي الله عنهم، وقال مالك وأبو يوسف: هو على الفور، وهو قول المزني كما سبق، وهو قول جمهور أصحاب أبي حنيفة، ولا نص لأبي حنيفة في ذلك] اهـ.

ومما استدل به القائلون بوجوب الحج على التراخي ما ذكره الإمام النووي في "المجموع" (7/ 89) قائلًا: [واحتج أصحابنا أيضًا بالأحاديث الصحيحة المستفيضة: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أمر فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هدى أن يفتتح الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَيَجْعَلُهُ عُمْرَةً"، وهذا صريح في جواز تأخير الحج مع التمكن.

واحتج أصحابنا أيضًا بأنه إذا أخره من سنة إلى سنة أو أكثر، وفعله، يسمّى مؤديًا للحج لا قاضيًا، بإجماع المسلمين، هكذا نقل الإجماع فيه القاضي أبو الطيب وغيره، ونقل الاتفاق عليه أيضًا القاضي حسين وآخرون، ولو حرم التأخير لكان قضاءً لا أداءً] اهـ. وهذا هو القول الراجح في مسألة الفور والتراخي.

ولو خشي بتأخير الحج احتمال أن يفوته ولا يتمكن ثانية من أدائه -بسبب مرض أو هرم أو هلاك مال ونحو ذلك- ففي عصيانه بالتأخير وجهان عند الشافعية: أصحهما عدم الجواز؛ قال الإمام النووي في "المجموع" (7/ 86): [إذا وجدت شروط وجوب الحج وجب التراخي على ما نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب إلا المزني، فقال: هو على الفور، فعلى المذهب يجوز تأخيره بعد سنة الإمكان ما لم يخش العضب، فإن خشيه فوجهان مشهوران في كتب الخراسانيين، حكاهما إمام الحرمين والبغوي والمتولي وصاحب "العدة" وآخرون، وقال الرافعي: (أصحهما) لا يجوز؛ لأن الواجب الموسع لا يجوز تأخيره إلا بشرط أن يغلب على الظن السلامة إلى وقت فعله، وهذا مفقود في مسألتنا. (والثاني): يجوز؛ لأن أصل الحج على التراخي، فلا يتغير بأمر محتمل، قال المتولي: ويجري هذان الوجهان فيمن خاف أن يهلك ماله، هل له تأخير الحج أم لا؟] اهـ.

وهذا إذا خشي احتمال الفوات، أما لو غلب على ظنه أنه يفوته -أو أنه يموت أو يفقد الاستطاعة قبل التمكن ثانية من الأداء- فيحرم عليه تأخيره حينئذ؛ لأنه أبيح له التأخير لا التفويت.

قال العلامة الشربيني الخطيب في "مغني المحتاج" (2/ 207، ط. دار الكتب العلمية): [التأخير إنما يجوز بشرط العزم على الفعل في المستقبل كما مر بيانه في الصلاة، وأن لا يتضيق بنذر أو قضاء أو خوف عضب، فلو خشي من وجب عليه الحج أو العمرة العضب حرم عليه التأخير؛ لأن الواجب الموسع إنما يجوز تأخيره بشرط أن يغلب على الظن السلامة إلى وقت فعله] اهـ.

وعلى هذا، فلو غلب على ظن الأب المتمكن من الحج أنه لو أنفق ماله في تزويج الابن لن يتمكن ثانيةً من أداء فريضة الحج، تعين عليه إنفاقه في الحج، وحرم إنفاقه في غيره مما لم يكن من الضروريات أو الحاجيات التي تنزل منزلة الضرورة.

ومما تفرد به المذهب الحنبلي دون سائر المذاهب الفقهية: القول بوجوب إعفاف الابن إذا احتاج للنكاح بشرط أن يكون ممن تلزم الأب نفقته؛ قال العلامة المرداوي في "الإنصاف" (9/ 404، ط. دار إحياء التراث العربي): [يجب على الرجل إعفاف من وجبت نفقته عليه من الآباء والأجداد والأبناء وأبنائهم وغيرهم، ممن تجب عليه نفقتهم. وهذا الصحيح من المذهب. وهو من مفردات المذهب وما يتفرع عليها] اهـ.

وفي إلزام الابن بتزويج الأم قال الإمام البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (5/ 486، ط. دار الكتب العلمية): [(ويلزمه إعفاف أمه كأبيه إذا طلبت ذلك وخطبها كفء) قال القاضي: ولو سلم فالأب آكد؛ لأنه لا يتصور؛ لأن الإعفاف لها بالتزويج ونفقتها على الزوج. قال في "الفروع": ويتوجه تلزمه نفقته إن تعذر تزويج بدونها وهو ظاهر القول الأول] اهـ. ويفهم من هذا أنه إذا تعذر أيضًا تزويج الابن المكتسب -اكتسابًا لا يفي بحاجته للزواج- وإعفافه بدون نفقة زائدة عما يمكنه اكتسابه؛ لزم الأب نفقته وتزويجه.

وحيث وجبت نفقة التزويج على الأب -بحيث لم يمكنه الجمع بين النفقة وأداء الحج- قدمت النفقة والتزويج على الحج في حالة أن يخشى على ابنه العنت؛ لأن حاجته حينئذ كحاجة نفسه للزواج وهي مقدمة على الحج في تلك الحالة، وفسر بعض الحنابلة العنت بمشقة العزوبة والحاجة للمتعة أو الخدمة لكبر سن أو سقم أو غيرها، لكن نقل العلامة المرداوي أن الصحيح في مذهبهم تفسيره بخشية مواقعة المحظور أي الزنا؛ يقول في "الإنصاف" (8/ 139-140): [قال الزركشي: فسر العنت القاضي أبو يعلى وأبو الحسين، وابن عقيل، والشيرازي، وأبو محمد: بالزنا. وكذا صاحب "المستوعب". وفسره بذلك في "الترغيب"، و"البلغة"، وقال: فلو كان يقدر على الصبر، لكن يؤدي صبره إلى مرض، جاز له نكاح الأمة. وفسره المجد في "محرره" وصاحب الرعايتين، و"الحاوي الصغير"، و"الوجيز"، و"المنور"، و"تذكرة" ابن عبدوس، وغيرهم: بعنت العزوبة؛ إما لحاجة المتعة، وإما للحاجة إلى خدمة المرأة لكبر أو سقم أو غيرهما. وقالوا: نص عليه. وهو ظاهر ما قدمه في "الفروع". وقال: ولم يذكر جماعة الخدمة] اهـ.

ويقول أيضًا (8/ 9): [من خاف العنت، فالنكاح في حق هذا واجب قولًا واحدًا، إلا أن ابن عقيل ذكر رواية: أنه غير واجب. ويأتي كلامه في تعداد الطرق. قال الزركشي: ولعله أراد بخوف العنت: خوف المرض والمشقة، لا خوف الزنا. فإن العنت يفسر بكل واحد من هذه. تنبيهات: أحدها: العنت هنا: هو الزنا على الصحيح. وقيل: هو الهلاك بالزنا. ذكره في "المستوعب". الثاني: مراده بقوله: إلا أن يخاف على نفسه مواقعة المحظور، إذا علم وقوع ذلك أو ظنه، قاله الأصحاب. وقال في "الفروع": ويتوجه إذا علم وقوعه فقط. الثالث: هذه الأقسام الثلاثة: هي أصح الطرق. وهي طريقة المصنف، والشارح، وغيرهما. قال الزركشي: هي الطريقة المشهورة] اهـ.

ويقول في موضع آخر (3/ 404): [إذا خاف العنت من يقدر على الحج قدم النكاح عليه، على الصحيح من المذهب، نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به أكثرهم لوجوبه إذن] اهـ.

وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (3/ 217، ط. مكتبة القاهرة): [وإن احتاج إلى النكاح وخاف على نفسه العنت، قدم التزويج؛ لأنه واجب عليه، ولا غنى به عنه، فهو كنفقته، وإن لم يخف قدم الحج؛ لأن النكاح تطوع، فلا يقدم على الحج الواجب] اهـ.

فعلى هذا: يجوز على قول بعض الحنابلة -وهم من فسروا العنت بمشقة العزوبة- تقديم تزويج الابن وإعفافه على الحج إذا كانت ممن تلزمه نفقته.

ومما زاده علماء المذهب الحنفي في شروط وجوب الحج: شرط "الوقت".

والمقصود به أن تتوفر سائر شروط الوجوب في وقت خروج أهل البلد التي فيها المكلف للحج، فمهما توفرت الشروط قبل وقت الخروج لم يتعلق الوجوب بذمته، فلا يجب عليه الحج، كما لا يجب عليه أيضًا الانتظار لتحصيل شروط الوجوب، وبالتالي فله أن ينفق ماله ويشتري به ما يشاء ما دام ذلك قبل وقت الخروج للحج، وعلى هذا فيجوز له أن يصرف المال في تزويج ابنه قبل حلول الوقت؛ وذلك كمن بلغ ماله نصاب الزكاة ولم يحل عليه الحول فله أن ينفقه كيف شاء أو يدخره ويؤدي زكاته.

يقول العلامة ابن عابدين في "رد المحتار على الدر المختار" (2/ 458، ط. دار الكتب العلمية): [شروط الوجوب وهي: التي إذا وجدت بتمامها وجب الحج وإلا فلا، وهي سبعة: الإسلام، والعلم بالوجوب لمن في دار الحرب، والبلوغ، والعقل، والحرية، والاستطاعة، والوقت: أي القدرة في أشهر الحج أو في وقت خروج أهل بلده على ما يأتي] اهـ.

ويقول أيضًا (2/ 462): [والذي رأيته في "الخلاصة" هكذا وإن لم يكن له مسكن ولا شيء من ذلك، وعنده دراهم تبلغ به الحج وتبلغ ثمن مسكن وخادم وطعام وقوت، وجب عليه الحج، وإن جعلها في غيره أثم، اهـ. لكن هذا إذا كان وقت خروج أهل بلده كما صرح به في "اللباب"، أما قبله فيشتري به ما شاء؛ لأنه قبل الوجوب] اهـ.

يقول العلامة الحصكفي: [ولو وهب الأب لابنه مالا يحج به لم يجب قبوله؛ لأن شرائط الوجوب لا يجب تحصيلها، وهذا منها باتفاق الفقهاء... وفي "الأشباه": معه ألف وخاف العزوبة: إن كان قبل خروج أهل بلده فله التزوج، ولو وقته لزمه الحج] اهـ. "المرجع السابق" (2/ 461).

ويقول العلامة الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (2/ 125، ط. دار الكتب العلمية): [ما ذكرنا من الشرائط لوجوب الحج: من الزاد، والراحلة، وغير ذلك يعتبر وجودها وقت خروج أهل بلده، حتى لو ملك الزاد والراحلة في أول السنة قبل أشهر الحج، وقبل أن يخرج أهل بلده إلى مكة؛ فهو في سعة من صرف ذلك إلى حيث أحب؛ لأنه لا يلزمه التأهب للحج قبل خروج أهل بلده؛ لأنه لم يجب عليه الحج قبله، ومن لا حج عليه لا يلزمه التأهب للحج، فكان بسبيل من التصرف في ماله كيف شاء، وإذا صرف ماله ثم خرج أهل بلده لا يجب عليه الحج، فأما إذا جاء وقت الخروج والمال في يده؛ فليس له أن يصرفه إلى غيره على قول من يقول بالوجوب على الفور؛ لأنه إذا جاء وقت خروج أهل بلده فقد وجب عليه الحج؛ لوجود الاستطاعة، فيلزمه التأهب للحج، فلا يجوز له صرفه إلى غيره، كالمسافر إذا كان معه ماء للطهارة وقد قرب الوقت: لا يجوز له استهلاكه في غير الطهارة، فإن صرفه إلى غير الحج أثم وعليه الحج] اهـ.

وبناء على ما سبق وفي واقعة السؤال: يتبين أنه إذا كان هذا العام هو العام الذي تتمكن فيه لأول مرة من أداء فريضة الحج بما امتلكته من الأموال، فيجوز لك أن تنفق المال في زواج ابنك وفقًا لمذهب السادة الحنفية والشافعية، وذلك ما لم يدخل الوقت الذي يخرج فيه أهل بلدك التي تقيم فيها للحج، فإن دخل الوقت تعلق الحج بذمتك وحرم عليك تفويته بإنفاق المال في غيره مما لم يكن ضروريًّا لك ولمن يلزمك نفقتهم ما لم يغلب على ظنك التمكن مرة ثانية من أداء الفريضة، فإن غلب على ظنك التمكن جاز إنفاقه في تزويج ابنك، أما إذا كانت نفقة الابن لازمة عليك، وكان يتعذر تزويجه بغير مساعدتك المالية له، وبحيث تخشى عليه العنت والوقوع في المحرمات، فحينئذ لك أن تقدم التزويج على الحج بناء على مذهب الحنابلة، وإلا فإن لم تخش عليه العنت فالزواج حينئذ يكون مندوبًا والحج هو الفرض فيقدم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

التفاصيل ....

قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، فكان الحج عبادة واجبة حقًا لله تعالى على كل مستطيع، وفي "صحيح مسلم" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ. حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ».

فأفاد الحديث الشريف تقييد وجوب الحج بالاستطاعة؛ لامتناع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الإجابة بما يلزم عنه وجوب الحج على المستطيع وغير المستطيع، ولإيمائه صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن رحمته بالأمة أن تكلف ما لا تستطيعه هو علة تركه الجواب، ثم لتصريحه عليه الصلاة والسلام بأن أمره يقتضي من المكلفين امتثاله قدر استطاعتهم؛ فقال: «فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة، فهي عبادة العمر. ينظر: "المغني" لابن قدامة (3/ 85، ط. دار إحياء التراث العربي).

وقد أجمع العلماء على خمسة شروط يجب بها الحج؛ وهي: "الإسلام" و"البلوغ" و"العقل" و"الحرية" و"الاستطاعة"، ولم يعرف للعلماء في هذا خلاف. يراجع: "مغني المحتاج" (2/ 210، ط. دار الكتب العلمية)، و"المغني" لابن قدامة (3/ 85).

ويفسر الإمام الباجي المالكي الاستطاعة فيقول في "المنتقى شرح الموطأ" (2/ 268-269، ط. دار الكتاب الإسلامي): [هي الاستطاعة على الوصول إلى البيت من غير خروج عن عادة، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس، فمن كانت عادته السفر ماشيًا واستطاع أن يتوصل إلى الحج بذلك لزمه الحج وإن لم يجد راحلة، ومن كانت عادته سؤال الناس وتكففهم وأمكنه التوصل به لزمه الحج وإن لم يجد زادًا، ومن كانت عادته الركوب والغنى عن الناس وتعذر عليه في التوصل إلى الحج أحدهما لم يلزمه الحج] اهـ.

فمتى توفر شرط الاستطاعة مع سائر شروط الوجوب فقد لزم المسلم البالغ العاقل الحر أن يؤدي حج فريضة الإسلام، وما لم يؤدِّ هذه الفريضة وهو متمكن من الأداء حتى فات موسم الحج تعلقت هذه الفريضة بذمته واستقرت فيها وصارت دينًا عليه، سواء ظلت الاستطاعة متوفرة له أم لا، ولا تبرأ ذمته أبدًا حتى يؤديها أو تؤدى عنه إذا عجز أو مات بأن يقتطع له من تركته ما يحج به عنه، كسائر الديون التي لا تسقط عنه مهما لم يستطع الوفاء بها بعد أن تعلقت بذمته، وهذا على الرغم من اختلاف العلماء في أن وجوب الحج على الفور أم على التراخي، فإنه بتركه الحج وهو متمكن من أدائه يستقر وجوبه في ذمته دينًا عليه.

قال الإمام النووي في "المجموع" (8/ 289، ط. المنيرية): [وإن كانت حجة وجبت في هذه السنة بأن استطاع في هذه السنة دون ما قبلها فقد استقر الوجوب في ذمته؛ لتمكنه، والأولى أن يحرم بها في هذه السنة وله التأخير؛ لأن الحج عندنا على التراخي] اهـ.

ويلخص الإمام النووي مذاهب العلماء في الفور والتراخي؛ فيقول "المجموع" (7/ 86): [فرع في مذاهب العلماء في كون الحج على الفور أو التراخي: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه على التراخي، وبه قال الأوزاعي والثوري ومحمد بن الحسن، ونقله الماوردي عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس رضي الله عنهم، وقال مالك وأبو يوسف: هو على الفور، وهو قول المزني كما سبق، وهو قول جمهور أصحاب أبي حنيفة، ولا نص لأبي حنيفة في ذلك] اهـ.

ومما استدل به القائلون بوجوب الحج على التراخي ما ذكره الإمام النووي في "المجموع" (7/ 89) قائلًا: [واحتج أصحابنا أيضًا بالأحاديث الصحيحة المستفيضة: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أمر فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هدى أن يفتتح الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَيَجْعَلُهُ عُمْرَةً"، وهذا صريح في جواز تأخير الحج مع التمكن.

واحتج أصحابنا أيضًا بأنه إذا أخره من سنة إلى سنة أو أكثر، وفعله، يسمّى مؤديًا للحج لا قاضيًا، بإجماع المسلمين، هكذا نقل الإجماع فيه القاضي أبو الطيب وغيره، ونقل الاتفاق عليه أيضًا القاضي حسين وآخرون، ولو حرم التأخير لكان قضاءً لا أداءً] اهـ. وهذا هو القول الراجح في مسألة الفور والتراخي.

ولو خشي بتأخير الحج احتمال أن يفوته ولا يتمكن ثانية من أدائه -بسبب مرض أو هرم أو هلاك مال ونحو ذلك- ففي عصيانه بالتأخير وجهان عند الشافعية: أصحهما عدم الجواز؛ قال الإمام النووي في "المجموع" (7/ 86): [إذا وجدت شروط وجوب الحج وجب التراخي على ما نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب إلا المزني، فقال: هو على الفور، فعلى المذهب يجوز تأخيره بعد سنة الإمكان ما لم يخش العضب، فإن خشيه فوجهان مشهوران في كتب الخراسانيين، حكاهما إمام الحرمين والبغوي والمتولي وصاحب "العدة" وآخرون، وقال الرافعي: (أصحهما) لا يجوز؛ لأن الواجب الموسع لا يجوز تأخيره إلا بشرط أن يغلب على الظن السلامة إلى وقت فعله، وهذا مفقود في مسألتنا. (والثاني): يجوز؛ لأن أصل الحج على التراخي، فلا يتغير بأمر محتمل، قال المتولي: ويجري هذان الوجهان فيمن خاف أن يهلك ماله، هل له تأخير الحج أم لا؟] اهـ.

وهذا إذا خشي احتمال الفوات، أما لو غلب على ظنه أنه يفوته -أو أنه يموت أو يفقد الاستطاعة قبل التمكن ثانية من الأداء- فيحرم عليه تأخيره حينئذ؛ لأنه أبيح له التأخير لا التفويت.

قال العلامة الشربيني الخطيب في "مغني المحتاج" (2/ 207، ط. دار الكتب العلمية): [التأخير إنما يجوز بشرط العزم على الفعل في المستقبل كما مر بيانه في الصلاة، وأن لا يتضيق بنذر أو قضاء أو خوف عضب، فلو خشي من وجب عليه الحج أو العمرة العضب حرم عليه التأخير؛ لأن الواجب الموسع إنما يجوز تأخيره بشرط أن يغلب على الظن السلامة إلى وقت فعله] اهـ.

وعلى هذا، فلو غلب على ظن الأب المتمكن من الحج أنه لو أنفق ماله في تزويج الابن لن يتمكن ثانيةً من أداء فريضة الحج، تعين عليه إنفاقه في الحج، وحرم إنفاقه في غيره مما لم يكن من الضروريات أو الحاجيات التي تنزل منزلة الضرورة.

ومما تفرد به المذهب الحنبلي دون سائر المذاهب الفقهية: القول بوجوب إعفاف الابن إذا احتاج للنكاح بشرط أن يكون ممن تلزم الأب نفقته؛ قال العلامة المرداوي في "الإنصاف" (9/ 404، ط. دار إحياء التراث العربي): [يجب على الرجل إعفاف من وجبت نفقته عليه من الآباء والأجداد والأبناء وأبنائهم وغيرهم، ممن تجب عليه نفقتهم. وهذا الصحيح من المذهب. وهو من مفردات المذهب وما يتفرع عليها] اهـ.

وفي إلزام الابن بتزويج الأم قال الإمام البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (5/ 486، ط. دار الكتب العلمية): [(ويلزمه إعفاف أمه كأبيه إذا طلبت ذلك وخطبها كفء) قال القاضي: ولو سلم فالأب آكد؛ لأنه لا يتصور؛ لأن الإعفاف لها بالتزويج ونفقتها على الزوج. قال في "الفروع": ويتوجه تلزمه نفقته إن تعذر تزويج بدونها وهو ظاهر القول الأول] اهـ. ويفهم من هذا أنه إذا تعذر أيضًا تزويج الابن المكتسب -اكتسابًا لا يفي بحاجته للزواج- وإعفافه بدون نفقة زائدة عما يمكنه اكتسابه؛ لزم الأب نفقته وتزويجه.

وحيث وجبت نفقة التزويج على الأب -بحيث لم يمكنه الجمع بين النفقة وأداء الحج- قدمت النفقة والتزويج على الحج في حالة أن يخشى على ابنه العنت؛ لأن حاجته حينئذ كحاجة نفسه للزواج وهي مقدمة على الحج في تلك الحالة، وفسر بعض الحنابلة العنت بمشقة العزوبة والحاجة للمتعة أو الخدمة لكبر سن أو سقم أو غيرها، لكن نقل العلامة المرداوي أن الصحيح في مذهبهم تفسيره بخشية مواقعة المحظور أي الزنا؛ يقول في "الإنصاف" (8/ 139-140): [قال الزركشي: فسر العنت القاضي أبو يعلى وأبو الحسين، وابن عقيل، والشيرازي، وأبو محمد: بالزنا. وكذا صاحب "المستوعب". وفسره بذلك في "الترغيب"، و"البلغة"، وقال: فلو كان يقدر على الصبر، لكن يؤدي صبره إلى مرض، جاز له نكاح الأمة. وفسره المجد في "محرره" وصاحب الرعايتين، و"الحاوي الصغير"، و"الوجيز"، و"المنور"، و"تذكرة" ابن عبدوس، وغيرهم: بعنت العزوبة؛ إما لحاجة المتعة، وإما للحاجة إلى خدمة المرأة لكبر أو سقم أو غيرهما. وقالوا: نص عليه. وهو ظاهر ما قدمه في "الفروع". وقال: ولم يذكر جماعة الخدمة] اهـ.

ويقول أيضًا (8/ 9): [من خاف العنت، فالنكاح في حق هذا واجب قولًا واحدًا، إلا أن ابن عقيل ذكر رواية: أنه غير واجب. ويأتي كلامه في تعداد الطرق. قال الزركشي: ولعله أراد بخوف العنت: خوف المرض والمشقة، لا خوف الزنا. فإن العنت يفسر بكل واحد من هذه. تنبيهات: أحدها: العنت هنا: هو الزنا على الصحيح. وقيل: هو الهلاك بالزنا. ذكره في "المستوعب". الثاني: مراده بقوله: إلا أن يخاف على نفسه مواقعة المحظور، إذا علم وقوع ذلك أو ظنه، قاله الأصحاب. وقال في "الفروع": ويتوجه إذا علم وقوعه فقط. الثالث: هذه الأقسام الثلاثة: هي أصح الطرق. وهي طريقة المصنف، والشارح، وغيرهما. قال الزركشي: هي الطريقة المشهورة] اهـ.

ويقول في موضع آخر (3/ 404): [إذا خاف العنت من يقدر على الحج قدم النكاح عليه، على الصحيح من المذهب، نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به أكثرهم لوجوبه إذن] اهـ.

وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (3/ 217، ط. مكتبة القاهرة): [وإن احتاج إلى النكاح وخاف على نفسه العنت، قدم التزويج؛ لأنه واجب عليه، ولا غنى به عنه، فهو كنفقته، وإن لم يخف قدم الحج؛ لأن النكاح تطوع، فلا يقدم على الحج الواجب] اهـ.

فعلى هذا: يجوز على قول بعض الحنابلة -وهم من فسروا العنت بمشقة العزوبة- تقديم تزويج الابن وإعفافه على الحج إذا كانت ممن تلزمه نفقته.

ومما زاده علماء المذهب الحنفي في شروط وجوب الحج: شرط "الوقت".

والمقصود به أن تتوفر سائر شروط الوجوب في وقت خروج أهل البلد التي فيها المكلف للحج، فمهما توفرت الشروط قبل وقت الخروج لم يتعلق الوجوب بذمته، فلا يجب عليه الحج، كما لا يجب عليه أيضًا الانتظار لتحصيل شروط الوجوب، وبالتالي فله أن ينفق ماله ويشتري به ما يشاء ما دام ذلك قبل وقت الخروج للحج، وعلى هذا فيجوز له أن يصرف المال في تزويج ابنه قبل حلول الوقت؛ وذلك كمن بلغ ماله نصاب الزكاة ولم يحل عليه الحول فله أن ينفقه كيف شاء أو يدخره ويؤدي زكاته.

يقول العلامة ابن عابدين في "رد المحتار على الدر المختار" (2/ 458، ط. دار الكتب العلمية): [شروط الوجوب وهي: التي إذا وجدت بتمامها وجب الحج وإلا فلا، وهي سبعة: الإسلام، والعلم بالوجوب لمن في دار الحرب، والبلوغ، والعقل، والحرية، والاستطاعة، والوقت: أي القدرة في أشهر الحج أو في وقت خروج أهل بلده على ما يأتي] اهـ.

ويقول أيضًا (2/ 462): [والذي رأيته في "الخلاصة" هكذا وإن لم يكن له مسكن ولا شيء من ذلك، وعنده دراهم تبلغ به الحج وتبلغ ثمن مسكن وخادم وطعام وقوت، وجب عليه الحج، وإن جعلها في غيره أثم، اهـ. لكن هذا إذا كان وقت خروج أهل بلده كما صرح به في "اللباب"، أما قبله فيشتري به ما شاء؛ لأنه قبل الوجوب] اهـ.

يقول العلامة الحصكفي: [ولو وهب الأب لابنه مالا يحج به لم يجب قبوله؛ لأن شرائط الوجوب لا يجب تحصيلها، وهذا منها باتفاق الفقهاء... وفي "الأشباه": معه ألف وخاف العزوبة: إن كان قبل خروج أهل بلده فله التزوج، ولو وقته لزمه الحج] اهـ. "المرجع السابق" (2/ 461).

ويقول العلامة الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (2/ 125، ط. دار الكتب العلمية): [ما ذكرنا من الشرائط لوجوب الحج: من الزاد، والراحلة، وغير ذلك يعتبر وجودها وقت خروج أهل بلده، حتى لو ملك الزاد والراحلة في أول السنة قبل أشهر الحج، وقبل أن يخرج أهل بلده إلى مكة؛ فهو في سعة من صرف ذلك إلى حيث أحب؛ لأنه لا يلزمه التأهب للحج قبل خروج أهل بلده؛ لأنه لم يجب عليه الحج قبله، ومن لا حج عليه لا يلزمه التأهب للحج، فكان بسبيل من التصرف في ماله كيف شاء، وإذا صرف ماله ثم خرج أهل بلده لا يجب عليه الحج، فأما إذا جاء وقت الخروج والمال في يده؛ فليس له أن يصرفه إلى غيره على قول من يقول بالوجوب على الفور؛ لأنه إذا جاء وقت خروج أهل بلده فقد وجب عليه الحج؛ لوجود الاستطاعة، فيلزمه التأهب للحج، فلا يجوز له صرفه إلى غيره، كالمسافر إذا كان معه ماء للطهارة وقد قرب الوقت: لا يجوز له استهلاكه في غير الطهارة، فإن صرفه إلى غير الحج أثم وعليه الحج] اهـ.

وبناء على ما سبق وفي واقعة السؤال: يتبين أنه إذا كان هذا العام هو العام الذي تتمكن فيه لأول مرة من أداء فريضة الحج بما امتلكته من الأموال، فيجوز لك أن تنفق المال في زواج ابنك وفقًا لمذهب السادة الحنفية والشافعية، وذلك ما لم يدخل الوقت الذي يخرج فيه أهل بلدك التي تقيم فيها للحج، فإن دخل الوقت تعلق الحج بذمتك وحرم عليك تفويته بإنفاق المال في غيره مما لم يكن ضروريًّا لك ولمن يلزمك نفقتهم ما لم يغلب على ظنك التمكن مرة ثانية من أداء الفريضة، فإن غلب على ظنك التمكن جاز إنفاقه في تزويج ابنك، أما إذا كانت نفقة الابن لازمة عليك، وكان يتعذر تزويجه بغير مساعدتك المالية له، وبحيث تخشى عليه العنت والوقوع في المحرمات، فحينئذ لك أن تقدم التزويج على الحج بناء على مذهب الحنابلة، وإلا فإن لم تخش عليه العنت فالزواج حينئذ يكون مندوبًا والحج هو الفرض فيقدم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

تعارض نفقة الحج مع نفقة تزويج الابن

أمتلك مبلغًا من المال أستطيع به أداء فريضة الحج، ولا يوجد ما يمنعني من أداء الفريضة بهذا المال، غير أنه لا يكفي إلا لأحد أمرين: فإما أن أؤدي به فريضة الحج هذا العام، وإما أن أدفعه في تكاليف زواج ابني حتى يعف نفسه ويكمل نصف دينه، وهو جدير بهذه المساعدة وفي حاجة إليها وإلا تأخر زواجه طويلًا، فأي الأمرين أحق بالتقديم وإنفاق المال فيه؟ أفتوني مأجورين إن شاء الله فإنني في حيرة شديدة.

قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، فكان الحج عبادة واجبة حقًا لله تعالى على كل مستطيع، وفي "صحيح مسلم" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ. حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ».

فأفاد الحديث الشريف تقييد وجوب الحج بالاستطاعة؛ لامتناع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الإجابة بما يلزم عنه وجوب الحج على المستطيع وغير المستطيع، ولإيمائه صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن رحمته بالأمة أن تكلف ما لا تستطيعه هو علة تركه الجواب، ثم لتصريحه عليه الصلاة والسلام بأن أمره يقتضي من المكلفين امتثاله قدر استطاعتهم؛ فقال: «فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة، فهي عبادة العمر. ينظر: "المغني" لابن قدامة (3/ 85، ط. دار إحياء التراث العربي).

وقد أجمع العلماء على خمسة شروط يجب بها الحج؛ وهي: "الإسلام" و"البلوغ" و"العقل" و"الحرية" و"الاستطاعة"، ولم يعرف للعلماء في هذا خلاف. يراجع: "مغني المحتاج" (2/ 210، ط. دار الكتب العلمية)، و"المغني" لابن قدامة (3/ 85).

ويفسر الإمام الباجي المالكي الاستطاعة فيقول في "المنتقى شرح الموطأ" (2/ 268-269، ط. دار الكتاب الإسلامي): [هي الاستطاعة على الوصول إلى البيت من غير خروج عن عادة، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس، فمن كانت عادته السفر ماشيًا واستطاع أن يتوصل إلى الحج بذلك لزمه الحج وإن لم يجد راحلة، ومن كانت عادته سؤال الناس وتكففهم وأمكنه التوصل به لزمه الحج وإن لم يجد زادًا، ومن كانت عادته الركوب والغنى عن الناس وتعذر عليه في التوصل إلى الحج أحدهما لم يلزمه الحج] اهـ.

فمتى توفر شرط الاستطاعة مع سائر شروط الوجوب فقد لزم المسلم البالغ العاقل الحر أن يؤدي حج فريضة الإسلام، وما لم يؤدِّ هذه الفريضة وهو متمكن من الأداء حتى فات موسم الحج تعلقت هذه الفريضة بذمته واستقرت فيها وصارت دينًا عليه، سواء ظلت الاستطاعة متوفرة له أم لا، ولا تبرأ ذمته أبدًا حتى يؤديها أو تؤدى عنه إذا عجز أو مات بأن يقتطع له من تركته ما يحج به عنه، كسائر الديون التي لا تسقط عنه مهما لم يستطع الوفاء بها بعد أن تعلقت بذمته، وهذا على الرغم من اختلاف العلماء في أن وجوب الحج على الفور أم على التراخي، فإنه بتركه الحج وهو متمكن من أدائه يستقر وجوبه في ذمته دينًا عليه.

قال الإمام النووي في "المجموع" (8/ 289، ط. المنيرية): [وإن كانت حجة وجبت في هذه السنة بأن استطاع في هذه السنة دون ما قبلها فقد استقر الوجوب في ذمته؛ لتمكنه، والأولى أن يحرم بها في هذه السنة وله التأخير؛ لأن الحج عندنا على التراخي] اهـ.

ويلخص الإمام النووي مذاهب العلماء في الفور والتراخي؛ فيقول "المجموع" (7/ 86): [فرع في مذاهب العلماء في كون الحج على الفور أو التراخي: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه على التراخي، وبه قال الأوزاعي والثوري ومحمد بن الحسن، ونقله الماوردي عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس رضي الله عنهم، وقال مالك وأبو يوسف: هو على الفور، وهو قول المزني كما سبق، وهو قول جمهور أصحاب أبي حنيفة، ولا نص لأبي حنيفة في ذلك] اهـ.

ومما استدل به القائلون بوجوب الحج على التراخي ما ذكره الإمام النووي في "المجموع" (7/ 89) قائلًا: [واحتج أصحابنا أيضًا بالأحاديث الصحيحة المستفيضة: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أمر فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هدى أن يفتتح الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَيَجْعَلُهُ عُمْرَةً"، وهذا صريح في جواز تأخير الحج مع التمكن.

واحتج أصحابنا أيضًا بأنه إذا أخره من سنة إلى سنة أو أكثر، وفعله، يسمّى مؤديًا للحج لا قاضيًا، بإجماع المسلمين، هكذا نقل الإجماع فيه القاضي أبو الطيب وغيره، ونقل الاتفاق عليه أيضًا القاضي حسين وآخرون، ولو حرم التأخير لكان قضاءً لا أداءً] اهـ. وهذا هو القول الراجح في مسألة الفور والتراخي.

ولو خشي بتأخير الحج احتمال أن يفوته ولا يتمكن ثانية من أدائه -بسبب مرض أو هرم أو هلاك مال ونحو ذلك- ففي عصيانه بالتأخير وجهان عند الشافعية: أصحهما عدم الجواز؛ قال الإمام النووي في "المجموع" (7/ 86): [إذا وجدت شروط وجوب الحج وجب التراخي على ما نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب إلا المزني، فقال: هو على الفور، فعلى المذهب يجوز تأخيره بعد سنة الإمكان ما لم يخش العضب، فإن خشيه فوجهان مشهوران في كتب الخراسانيين، حكاهما إمام الحرمين والبغوي والمتولي وصاحب "العدة" وآخرون، وقال الرافعي: (أصحهما) لا يجوز؛ لأن الواجب الموسع لا يجوز تأخيره إلا بشرط أن يغلب على الظن السلامة إلى وقت فعله، وهذا مفقود في مسألتنا. (والثاني): يجوز؛ لأن أصل الحج على التراخي، فلا يتغير بأمر محتمل، قال المتولي: ويجري هذان الوجهان فيمن خاف أن يهلك ماله، هل له تأخير الحج أم لا؟] اهـ.

وهذا إذا خشي احتمال الفوات، أما لو غلب على ظنه أنه يفوته -أو أنه يموت أو يفقد الاستطاعة قبل التمكن ثانية من الأداء- فيحرم عليه تأخيره حينئذ؛ لأنه أبيح له التأخير لا التفويت.

قال العلامة الشربيني الخطيب في "مغني المحتاج" (2/ 207، ط. دار الكتب العلمية): [التأخير إنما يجوز بشرط العزم على الفعل في المستقبل كما مر بيانه في الصلاة، وأن لا يتضيق بنذر أو قضاء أو خوف عضب، فلو خشي من وجب عليه الحج أو العمرة العضب حرم عليه التأخير؛ لأن الواجب الموسع إنما يجوز تأخيره بشرط أن يغلب على الظن السلامة إلى وقت فعله] اهـ.

وعلى هذا، فلو غلب على ظن الأب المتمكن من الحج أنه لو أنفق ماله في تزويج الابن لن يتمكن ثانيةً من أداء فريضة الحج، تعين عليه إنفاقه في الحج، وحرم إنفاقه في غيره مما لم يكن من الضروريات أو الحاجيات التي تنزل منزلة الضرورة.

ومما تفرد به المذهب الحنبلي دون سائر المذاهب الفقهية: القول بوجوب إعفاف الابن إذا احتاج للنكاح بشرط أن يكون ممن تلزم الأب نفقته؛ قال العلامة المرداوي في "الإنصاف" (9/ 404، ط. دار إحياء التراث العربي): [يجب على الرجل إعفاف من وجبت نفقته عليه من الآباء والأجداد والأبناء وأبنائهم وغيرهم، ممن تجب عليه نفقتهم. وهذا الصحيح من المذهب. وهو من مفردات المذهب وما يتفرع عليها] اهـ.

وفي إلزام الابن بتزويج الأم قال الإمام البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (5/ 486، ط. دار الكتب العلمية): [(ويلزمه إعفاف أمه كأبيه إذا طلبت ذلك وخطبها كفء) قال القاضي: ولو سلم فالأب آكد؛ لأنه لا يتصور؛ لأن الإعفاف لها بالتزويج ونفقتها على الزوج. قال في "الفروع": ويتوجه تلزمه نفقته إن تعذر تزويج بدونها وهو ظاهر القول الأول] اهـ. ويفهم من هذا أنه إذا تعذر أيضًا تزويج الابن المكتسب -اكتسابًا لا يفي بحاجته للزواج- وإعفافه بدون نفقة زائدة عما يمكنه اكتسابه؛ لزم الأب نفقته وتزويجه.

وحيث وجبت نفقة التزويج على الأب -بحيث لم يمكنه الجمع بين النفقة وأداء الحج- قدمت النفقة والتزويج على الحج في حالة أن يخشى على ابنه العنت؛ لأن حاجته حينئذ كحاجة نفسه للزواج وهي مقدمة على الحج في تلك الحالة، وفسر بعض الحنابلة العنت بمشقة العزوبة والحاجة للمتعة أو الخدمة لكبر سن أو سقم أو غيرها، لكن نقل العلامة المرداوي أن الصحيح في مذهبهم تفسيره بخشية مواقعة المحظور أي الزنا؛ يقول في "الإنصاف" (8/ 139-140): [قال الزركشي: فسر العنت القاضي أبو يعلى وأبو الحسين، وابن عقيل، والشيرازي، وأبو محمد: بالزنا. وكذا صاحب "المستوعب". وفسره بذلك في "الترغيب"، و"البلغة"، وقال: فلو كان يقدر على الصبر، لكن يؤدي صبره إلى مرض، جاز له نكاح الأمة. وفسره المجد في "محرره" وصاحب الرعايتين، و"الحاوي الصغير"، و"الوجيز"، و"المنور"، و"تذكرة" ابن عبدوس، وغيرهم: بعنت العزوبة؛ إما لحاجة المتعة، وإما للحاجة إلى خدمة المرأة لكبر أو سقم أو غيرهما. وقالوا: نص عليه. وهو ظاهر ما قدمه في "الفروع". وقال: ولم يذكر جماعة الخدمة] اهـ.

ويقول أيضًا (8/ 9): [من خاف العنت، فالنكاح في حق هذا واجب قولًا واحدًا، إلا أن ابن عقيل ذكر رواية: أنه غير واجب. ويأتي كلامه في تعداد الطرق. قال الزركشي: ولعله أراد بخوف العنت: خوف المرض والمشقة، لا خوف الزنا. فإن العنت يفسر بكل واحد من هذه. تنبيهات: أحدها: العنت هنا: هو الزنا على الصحيح. وقيل: هو الهلاك بالزنا. ذكره في "المستوعب". الثاني: مراده بقوله: إلا أن يخاف على نفسه مواقعة المحظور، إذا علم وقوع ذلك أو ظنه، قاله الأصحاب. وقال في "الفروع": ويتوجه إذا علم وقوعه فقط. الثالث: هذه الأقسام الثلاثة: هي أصح الطرق. وهي طريقة المصنف، والشارح، وغيرهما. قال الزركشي: هي الطريقة المشهورة] اهـ.

ويقول في موضع آخر (3/ 404): [إذا خاف العنت من يقدر على الحج قدم النكاح عليه، على الصحيح من المذهب، نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به أكثرهم لوجوبه إذن] اهـ.

وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (3/ 217، ط. مكتبة القاهرة): [وإن احتاج إلى النكاح وخاف على نفسه العنت، قدم التزويج؛ لأنه واجب عليه، ولا غنى به عنه، فهو كنفقته، وإن لم يخف قدم الحج؛ لأن النكاح تطوع، فلا يقدم على الحج الواجب] اهـ.

فعلى هذا: يجوز على قول بعض الحنابلة -وهم من فسروا العنت بمشقة العزوبة- تقديم تزويج الابن وإعفافه على الحج إذا كانت ممن تلزمه نفقته.

ومما زاده علماء المذهب الحنفي في شروط وجوب الحج: شرط "الوقت".

والمقصود به أن تتوفر سائر شروط الوجوب في وقت خروج أهل البلد التي فيها المكلف للحج، فمهما توفرت الشروط قبل وقت الخروج لم يتعلق الوجوب بذمته، فلا يجب عليه الحج، كما لا يجب عليه أيضًا الانتظار لتحصيل شروط الوجوب، وبالتالي فله أن ينفق ماله ويشتري به ما يشاء ما دام ذلك قبل وقت الخروج للحج، وعلى هذا فيجوز له أن يصرف المال في تزويج ابنه قبل حلول الوقت؛ وذلك كمن بلغ ماله نصاب الزكاة ولم يحل عليه الحول فله أن ينفقه كيف شاء أو يدخره ويؤدي زكاته.

يقول العلامة ابن عابدين في "رد المحتار على الدر المختار" (2/ 458، ط. دار الكتب العلمية): [شروط الوجوب وهي: التي إذا وجدت بتمامها وجب الحج وإلا فلا، وهي سبعة: الإسلام، والعلم بالوجوب لمن في دار الحرب، والبلوغ، والعقل، والحرية، والاستطاعة، والوقت: أي القدرة في أشهر الحج أو في وقت خروج أهل بلده على ما يأتي] اهـ.

ويقول أيضًا (2/ 462): [والذي رأيته في "الخلاصة" هكذا وإن لم يكن له مسكن ولا شيء من ذلك، وعنده دراهم تبلغ به الحج وتبلغ ثمن مسكن وخادم وطعام وقوت، وجب عليه الحج، وإن جعلها في غيره أثم، اهـ. لكن هذا إذا كان وقت خروج أهل بلده كما صرح به في "اللباب"، أما قبله فيشتري به ما شاء؛ لأنه قبل الوجوب] اهـ.

يقول العلامة الحصكفي: [ولو وهب الأب لابنه مالا يحج به لم يجب قبوله؛ لأن شرائط الوجوب لا يجب تحصيلها، وهذا منها باتفاق الفقهاء... وفي "الأشباه": معه ألف وخاف العزوبة: إن كان قبل خروج أهل بلده فله التزوج، ولو وقته لزمه الحج] اهـ. "المرجع السابق" (2/ 461).

ويقول العلامة الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (2/ 125، ط. دار الكتب العلمية): [ما ذكرنا من الشرائط لوجوب الحج: من الزاد، والراحلة، وغير ذلك يعتبر وجودها وقت خروج أهل بلده، حتى لو ملك الزاد والراحلة في أول السنة قبل أشهر الحج، وقبل أن يخرج أهل بلده إلى مكة؛ فهو في سعة من صرف ذلك إلى حيث أحب؛ لأنه لا يلزمه التأهب للحج قبل خروج أهل بلده؛ لأنه لم يجب عليه الحج قبله، ومن لا حج عليه لا يلزمه التأهب للحج، فكان بسبيل من التصرف في ماله كيف شاء، وإذا صرف ماله ثم خرج أهل بلده لا يجب عليه الحج، فأما إذا جاء وقت الخروج والمال في يده؛ فليس له أن يصرفه إلى غيره على قول من يقول بالوجوب على الفور؛ لأنه إذا جاء وقت خروج أهل بلده فقد وجب عليه الحج؛ لوجود الاستطاعة، فيلزمه التأهب للحج، فلا يجوز له صرفه إلى غيره، كالمسافر إذا كان معه ماء للطهارة وقد قرب الوقت: لا يجوز له استهلاكه في غير الطهارة، فإن صرفه إلى غير الحج أثم وعليه الحج] اهـ.

وبناء على ما سبق وفي واقعة السؤال: يتبين أنه إذا كان هذا العام هو العام الذي تتمكن فيه لأول مرة من أداء فريضة الحج بما امتلكته من الأموال، فيجوز لك أن تنفق المال في زواج ابنك وفقًا لمذهب السادة الحنفية والشافعية، وذلك ما لم يدخل الوقت الذي يخرج فيه أهل بلدك التي تقيم فيها للحج، فإن دخل الوقت تعلق الحج بذمتك وحرم عليك تفويته بإنفاق المال في غيره مما لم يكن ضروريًّا لك ولمن يلزمك نفقتهم ما لم يغلب على ظنك التمكن مرة ثانية من أداء الفريضة، فإن غلب على ظنك التمكن جاز إنفاقه في تزويج ابنك، أما إذا كانت نفقة الابن لازمة عليك، وكان يتعذر تزويجه بغير مساعدتك المالية له، وبحيث تخشى عليه العنت والوقوع في المحرمات، فحينئذ لك أن تقدم التزويج على الحج بناء على مذهب الحنابلة، وإلا فإن لم تخش عليه العنت فالزواج حينئذ يكون مندوبًا والحج هو الفرض فيقدم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

التفاصيل ....

قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، فكان الحج عبادة واجبة حقًا لله تعالى على كل مستطيع، وفي "صحيح مسلم" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ. حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ».

فأفاد الحديث الشريف تقييد وجوب الحج بالاستطاعة؛ لامتناع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الإجابة بما يلزم عنه وجوب الحج على المستطيع وغير المستطيع، ولإيمائه صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن رحمته بالأمة أن تكلف ما لا تستطيعه هو علة تركه الجواب، ثم لتصريحه عليه الصلاة والسلام بأن أمره يقتضي من المكلفين امتثاله قدر استطاعتهم؛ فقال: «فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة، فهي عبادة العمر. ينظر: "المغني" لابن قدامة (3/ 85، ط. دار إحياء التراث العربي).

وقد أجمع العلماء على خمسة شروط يجب بها الحج؛ وهي: "الإسلام" و"البلوغ" و"العقل" و"الحرية" و"الاستطاعة"، ولم يعرف للعلماء في هذا خلاف. يراجع: "مغني المحتاج" (2/ 210، ط. دار الكتب العلمية)، و"المغني" لابن قدامة (3/ 85).

ويفسر الإمام الباجي المالكي الاستطاعة فيقول في "المنتقى شرح الموطأ" (2/ 268-269، ط. دار الكتاب الإسلامي): [هي الاستطاعة على الوصول إلى البيت من غير خروج عن عادة، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس، فمن كانت عادته السفر ماشيًا واستطاع أن يتوصل إلى الحج بذلك لزمه الحج وإن لم يجد راحلة، ومن كانت عادته سؤال الناس وتكففهم وأمكنه التوصل به لزمه الحج وإن لم يجد زادًا، ومن كانت عادته الركوب والغنى عن الناس وتعذر عليه في التوصل إلى الحج أحدهما لم يلزمه الحج] اهـ.

فمتى توفر شرط الاستطاعة مع سائر شروط الوجوب فقد لزم المسلم البالغ العاقل الحر أن يؤدي حج فريضة الإسلام، وما لم يؤدِّ هذه الفريضة وهو متمكن من الأداء حتى فات موسم الحج تعلقت هذه الفريضة بذمته واستقرت فيها وصارت دينًا عليه، سواء ظلت الاستطاعة متوفرة له أم لا، ولا تبرأ ذمته أبدًا حتى يؤديها أو تؤدى عنه إذا عجز أو مات بأن يقتطع له من تركته ما يحج به عنه، كسائر الديون التي لا تسقط عنه مهما لم يستطع الوفاء بها بعد أن تعلقت بذمته، وهذا على الرغم من اختلاف العلماء في أن وجوب الحج على الفور أم على التراخي، فإنه بتركه الحج وهو متمكن من أدائه يستقر وجوبه في ذمته دينًا عليه.

قال الإمام النووي في "المجموع" (8/ 289، ط. المنيرية): [وإن كانت حجة وجبت في هذه السنة بأن استطاع في هذه السنة دون ما قبلها فقد استقر الوجوب في ذمته؛ لتمكنه، والأولى أن يحرم بها في هذه السنة وله التأخير؛ لأن الحج عندنا على التراخي] اهـ.

ويلخص الإمام النووي مذاهب العلماء في الفور والتراخي؛ فيقول "المجموع" (7/ 86): [فرع في مذاهب العلماء في كون الحج على الفور أو التراخي: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه على التراخي، وبه قال الأوزاعي والثوري ومحمد بن الحسن، ونقله الماوردي عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس رضي الله عنهم، وقال مالك وأبو يوسف: هو على الفور، وهو قول المزني كما سبق، وهو قول جمهور أصحاب أبي حنيفة، ولا نص لأبي حنيفة في ذلك] اهـ.

ومما استدل به القائلون بوجوب الحج على التراخي ما ذكره الإمام النووي في "المجموع" (7/ 89) قائلًا: [واحتج أصحابنا أيضًا بالأحاديث الصحيحة المستفيضة: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أمر فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هدى أن يفتتح الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَيَجْعَلُهُ عُمْرَةً"، وهذا صريح في جواز تأخير الحج مع التمكن.

واحتج أصحابنا أيضًا بأنه إذا أخره من سنة إلى سنة أو أكثر، وفعله، يسمّى مؤديًا للحج لا قاضيًا، بإجماع المسلمين، هكذا نقل الإجماع فيه القاضي أبو الطيب وغيره، ونقل الاتفاق عليه أيضًا القاضي حسين وآخرون، ولو حرم التأخير لكان قضاءً لا أداءً] اهـ. وهذا هو القول الراجح في مسألة الفور والتراخي.

ولو خشي بتأخير الحج احتمال أن يفوته ولا يتمكن ثانية من أدائه -بسبب مرض أو هرم أو هلاك مال ونحو ذلك- ففي عصيانه بالتأخير وجهان عند الشافعية: أصحهما عدم الجواز؛ قال الإمام النووي في "المجموع" (7/ 86): [إذا وجدت شروط وجوب الحج وجب التراخي على ما نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب إلا المزني، فقال: هو على الفور، فعلى المذهب يجوز تأخيره بعد سنة الإمكان ما لم يخش العضب، فإن خشيه فوجهان مشهوران في كتب الخراسانيين، حكاهما إمام الحرمين والبغوي والمتولي وصاحب "العدة" وآخرون، وقال الرافعي: (أصحهما) لا يجوز؛ لأن الواجب الموسع لا يجوز تأخيره إلا بشرط أن يغلب على الظن السلامة إلى وقت فعله، وهذا مفقود في مسألتنا. (والثاني): يجوز؛ لأن أصل الحج على التراخي، فلا يتغير بأمر محتمل، قال المتولي: ويجري هذان الوجهان فيمن خاف أن يهلك ماله، هل له تأخير الحج أم لا؟] اهـ.

وهذا إذا خشي احتمال الفوات، أما لو غلب على ظنه أنه يفوته -أو أنه يموت أو يفقد الاستطاعة قبل التمكن ثانية من الأداء- فيحرم عليه تأخيره حينئذ؛ لأنه أبيح له التأخير لا التفويت.

قال العلامة الشربيني الخطيب في "مغني المحتاج" (2/ 207، ط. دار الكتب العلمية): [التأخير إنما يجوز بشرط العزم على الفعل في المستقبل كما مر بيانه في الصلاة، وأن لا يتضيق بنذر أو قضاء أو خوف عضب، فلو خشي من وجب عليه الحج أو العمرة العضب حرم عليه التأخير؛ لأن الواجب الموسع إنما يجوز تأخيره بشرط أن يغلب على الظن السلامة إلى وقت فعله] اهـ.

وعلى هذا، فلو غلب على ظن الأب المتمكن من الحج أنه لو أنفق ماله في تزويج الابن لن يتمكن ثانيةً من أداء فريضة الحج، تعين عليه إنفاقه في الحج، وحرم إنفاقه في غيره مما لم يكن من الضروريات أو الحاجيات التي تنزل منزلة الضرورة.

ومما تفرد به المذهب الحنبلي دون سائر المذاهب الفقهية: القول بوجوب إعفاف الابن إذا احتاج للنكاح بشرط أن يكون ممن تلزم الأب نفقته؛ قال العلامة المرداوي في "الإنصاف" (9/ 404، ط. دار إحياء التراث العربي): [يجب على الرجل إعفاف من وجبت نفقته عليه من الآباء والأجداد والأبناء وأبنائهم وغيرهم، ممن تجب عليه نفقتهم. وهذا الصحيح من المذهب. وهو من مفردات المذهب وما يتفرع عليها] اهـ.

وفي إلزام الابن بتزويج الأم قال الإمام البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (5/ 486، ط. دار الكتب العلمية): [(ويلزمه إعفاف أمه كأبيه إذا طلبت ذلك وخطبها كفء) قال القاضي: ولو سلم فالأب آكد؛ لأنه لا يتصور؛ لأن الإعفاف لها بالتزويج ونفقتها على الزوج. قال في "الفروع": ويتوجه تلزمه نفقته إن تعذر تزويج بدونها وهو ظاهر القول الأول] اهـ. ويفهم من هذا أنه إذا تعذر أيضًا تزويج الابن المكتسب -اكتسابًا لا يفي بحاجته للزواج- وإعفافه بدون نفقة زائدة عما يمكنه اكتسابه؛ لزم الأب نفقته وتزويجه.

وحيث وجبت نفقة التزويج على الأب -بحيث لم يمكنه الجمع بين النفقة وأداء الحج- قدمت النفقة والتزويج على الحج في حالة أن يخشى على ابنه العنت؛ لأن حاجته حينئذ كحاجة نفسه للزواج وهي مقدمة على الحج في تلك الحالة، وفسر بعض الحنابلة العنت بمشقة العزوبة والحاجة للمتعة أو الخدمة لكبر سن أو سقم أو غيرها، لكن نقل العلامة المرداوي أن الصحيح في مذهبهم تفسيره بخشية مواقعة المحظور أي الزنا؛ يقول في "الإنصاف" (8/ 139-140): [قال الزركشي: فسر العنت القاضي أبو يعلى وأبو الحسين، وابن عقيل، والشيرازي، وأبو محمد: بالزنا. وكذا صاحب "المستوعب". وفسره بذلك في "الترغيب"، و"البلغة"، وقال: فلو كان يقدر على الصبر، لكن يؤدي صبره إلى مرض، جاز له نكاح الأمة. وفسره المجد في "محرره" وصاحب الرعايتين، و"الحاوي الصغير"، و"الوجيز"، و"المنور"، و"تذكرة" ابن عبدوس، وغيرهم: بعنت العزوبة؛ إما لحاجة المتعة، وإما للحاجة إلى خدمة المرأة لكبر أو سقم أو غيرهما. وقالوا: نص عليه. وهو ظاهر ما قدمه في "الفروع". وقال: ولم يذكر جماعة الخدمة] اهـ.

ويقول أيضًا (8/ 9): [من خاف العنت، فالنكاح في حق هذا واجب قولًا واحدًا، إلا أن ابن عقيل ذكر رواية: أنه غير واجب. ويأتي كلامه في تعداد الطرق. قال الزركشي: ولعله أراد بخوف العنت: خوف المرض والمشقة، لا خوف الزنا. فإن العنت يفسر بكل واحد من هذه. تنبيهات: أحدها: العنت هنا: هو الزنا على الصحيح. وقيل: هو الهلاك بالزنا. ذكره في "المستوعب". الثاني: مراده بقوله: إلا أن يخاف على نفسه مواقعة المحظور، إذا علم وقوع ذلك أو ظنه، قاله الأصحاب. وقال في "الفروع": ويتوجه إذا علم وقوعه فقط. الثالث: هذه الأقسام الثلاثة: هي أصح الطرق. وهي طريقة المصنف، والشارح، وغيرهما. قال الزركشي: هي الطريقة المشهورة] اهـ.

ويقول في موضع آخر (3/ 404): [إذا خاف العنت من يقدر على الحج قدم النكاح عليه، على الصحيح من المذهب، نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به أكثرهم لوجوبه إذن] اهـ.

وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (3/ 217، ط. مكتبة القاهرة): [وإن احتاج إلى النكاح وخاف على نفسه العنت، قدم التزويج؛ لأنه واجب عليه، ولا غنى به عنه، فهو كنفقته، وإن لم يخف قدم الحج؛ لأن النكاح تطوع، فلا يقدم على الحج الواجب] اهـ.

فعلى هذا: يجوز على قول بعض الحنابلة -وهم من فسروا العنت بمشقة العزوبة- تقديم تزويج الابن وإعفافه على الحج إذا كانت ممن تلزمه نفقته.

ومما زاده علماء المذهب الحنفي في شروط وجوب الحج: شرط "الوقت".

والمقصود به أن تتوفر سائر شروط الوجوب في وقت خروج أهل البلد التي فيها المكلف للحج، فمهما توفرت الشروط قبل وقت الخروج لم يتعلق الوجوب بذمته، فلا يجب عليه الحج، كما لا يجب عليه أيضًا الانتظار لتحصيل شروط الوجوب، وبالتالي فله أن ينفق ماله ويشتري به ما يشاء ما دام ذلك قبل وقت الخروج للحج، وعلى هذا فيجوز له أن يصرف المال في تزويج ابنه قبل حلول الوقت؛ وذلك كمن بلغ ماله نصاب الزكاة ولم يحل عليه الحول فله أن ينفقه كيف شاء أو يدخره ويؤدي زكاته.

يقول العلامة ابن عابدين في "رد المحتار على الدر المختار" (2/ 458، ط. دار الكتب العلمية): [شروط الوجوب وهي: التي إذا وجدت بتمامها وجب الحج وإلا فلا، وهي سبعة: الإسلام، والعلم بالوجوب لمن في دار الحرب، والبلوغ، والعقل، والحرية، والاستطاعة، والوقت: أي القدرة في أشهر الحج أو في وقت خروج أهل بلده على ما يأتي] اهـ.

ويقول أيضًا (2/ 462): [والذي رأيته في "الخلاصة" هكذا وإن لم يكن له مسكن ولا شيء من ذلك، وعنده دراهم تبلغ به الحج وتبلغ ثمن مسكن وخادم وطعام وقوت، وجب عليه الحج، وإن جعلها في غيره أثم، اهـ. لكن هذا إذا كان وقت خروج أهل بلده كما صرح به في "اللباب"، أما قبله فيشتري به ما شاء؛ لأنه قبل الوجوب] اهـ.

يقول العلامة الحصكفي: [ولو وهب الأب لابنه مالا يحج به لم يجب قبوله؛ لأن شرائط الوجوب لا يجب تحصيلها، وهذا منها باتفاق الفقهاء... وفي "الأشباه": معه ألف وخاف العزوبة: إن كان قبل خروج أهل بلده فله التزوج، ولو وقته لزمه الحج] اهـ. "المرجع السابق" (2/ 461).

ويقول العلامة الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (2/ 125، ط. دار الكتب العلمية): [ما ذكرنا من الشرائط لوجوب الحج: من الزاد، والراحلة، وغير ذلك يعتبر وجودها وقت خروج أهل بلده، حتى لو ملك الزاد والراحلة في أول السنة قبل أشهر الحج، وقبل أن يخرج أهل بلده إلى مكة؛ فهو في سعة من صرف ذلك إلى حيث أحب؛ لأنه لا يلزمه التأهب للحج قبل خروج أهل بلده؛ لأنه لم يجب عليه الحج قبله، ومن لا حج عليه لا يلزمه التأهب للحج، فكان بسبيل من التصرف في ماله كيف شاء، وإذا صرف ماله ثم خرج أهل بلده لا يجب عليه الحج، فأما إذا جاء وقت الخروج والمال في يده؛ فليس له أن يصرفه إلى غيره على قول من يقول بالوجوب على الفور؛ لأنه إذا جاء وقت خروج أهل بلده فقد وجب عليه الحج؛ لوجود الاستطاعة، فيلزمه التأهب للحج، فلا يجوز له صرفه إلى غيره، كالمسافر إذا كان معه ماء للطهارة وقد قرب الوقت: لا يجوز له استهلاكه في غير الطهارة، فإن صرفه إلى غير الحج أثم وعليه الحج] اهـ.

وبناء على ما سبق وفي واقعة السؤال: يتبين أنه إذا كان هذا العام هو العام الذي تتمكن فيه لأول مرة من أداء فريضة الحج بما امتلكته من الأموال، فيجوز لك أن تنفق المال في زواج ابنك وفقًا لمذهب السادة الحنفية والشافعية، وذلك ما لم يدخل الوقت الذي يخرج فيه أهل بلدك التي تقيم فيها للحج، فإن دخل الوقت تعلق الحج بذمتك وحرم عليك تفويته بإنفاق المال في غيره مما لم يكن ضروريًّا لك ولمن يلزمك نفقتهم ما لم يغلب على ظنك التمكن مرة ثانية من أداء الفريضة، فإن غلب على ظنك التمكن جاز إنفاقه في تزويج ابنك، أما إذا كانت نفقة الابن لازمة عليك، وكان يتعذر تزويجه بغير مساعدتك المالية له، وبحيث تخشى عليه العنت والوقوع في المحرمات، فحينئذ لك أن تقدم التزويج على الحج بناء على مذهب الحنابلة، وإلا فإن لم تخش عليه العنت فالزواج حينئذ يكون مندوبًا والحج هو الفرض فيقدم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;