أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه

 «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِيْنًا، وَأَمِيْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ»، هذه شهادة سيدنا رسول الله ﷺ وخيرته من خلقة لسيدنا أبي عبيدة بن الجراح فأنعم بها من شهادة، تجعلنا متعطشين لمعرفة سيرة أمين هذه الأمة وصاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
- اسمه وسبقه للإسلام:
هو أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري القرشي رضي الله عنه، وبالرغم أن المصادر التاريخية لم تذكر شيئًا كثيرًا عن حياة أبي عبيدة قبل الإسلام أو عن أسرته برغم كونه قرشيًّا، إلا أنَّ ذلك ربما يشير أنَّ حياة ذلك الصحابي الحقيقية ربما بدأت مع إسلامه؛ فقد سارع أبو عبيدة رضي الله عنه للإسلام في أيامه الأولى ليكون من السابقين الأولين.
- جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
منذ أن أسلم سيدنا أبو عبيدة بن الجراح وهو يحمل في قلبه أمانةَ الدين وكيف يصل هذا الدين للعالمين بواسطة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي سبيل ذلك نجده رضي الله عنه يتحمل من المصاعب ويظهر من الجلد والشجاعة ما يجعله جديرًا بلقب أمين الأُمَّة لحمله الأمانة على خير وجه، فنجده يترك وطنه مكَّة مع المهاجرين للحبشة صيانة لدينه من إيذاء كفَّار قريش، ثم يترك وطنه للمرَّة الثَّانية إلى المدينة؛ امتثالًا لأمرِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالهجرة، وفي المدينة يشارك أبو عبيدة في الدفاع عن الدَّولة الناشئة ، فيشترك في غزوة بدرٍ فيبلي البلاء الحسن، ثم وفي غزوة أُحد يرى أبو عبيدة رضي الله عنه المشركين يحيطون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويحاولون قتْلَه، فلم يتأخر أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه في أن يسرع للدِّفاع عن حبيبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويحكي لنا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه ذلك الموقف العصيب فيقول : "لما كان يوم أحد، ورُمِيَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخلت في وجنته حلقتان من المِغْفَرِ (الخوذة التي تحمي الرأس)، أقبلت أسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنسان قد أقبل من قِبَلِ المشرق يطير طيرانًا، فقلت: اللهم اجعله طاعةً، حتى اذا توافينا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا هو أبو عبيدة بن الجرَّاح قد سبقني، فقال: أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..
فتركتُه، فأخذ أبو عبيدة بأسنانه إحدى حَلَقَتَيِ المِغْفَر، فنزعها، وسقط على الأرض وسقطت أسنانه الأماميَّة معه، ثم أخذ الحلقة الأخرى بسِنَّةِ أُخرى فسقطت!".
- جهاده وبطولاته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
استمرَّ سيدنا أبو عبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنه على عهده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمينًا على الدِّين قائمًا بأمر الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولذلك استعان به خلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ ففي خلافةِ سيدنا أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه يرسله على رأس جيوش المسلمين التي تواجه الرومان في بلاد الشام، واستطاع أن يدير المعارك بكفاءَةٍ مما مهَّد لفتح بلاد الشَّام بلدا تلو الأخرى، وفي عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتح بيت المقدس، وكان إيذانًا بزوال ملك الروم عن سائر بلاد الشام، ونظرًا لجهود أبي عبيدة بن الجراح رَضي الله عنه في فتوح الشام جعله الفاروق عمر أميرًا على الشام، فسار بين الناس بالعدل وكان زاهدًا متواضعًا حتى أن سيدنا عمر رضي الله عنه زاره في يوم من الأيام قال لأبي عبيدة: "اذهب بنا إلى منزلك"، قال: "وما تصنعُ عندي؟ ما تريد إلا أن تبكي عليّ!"، فدخل فلم يرَ شيئاً، قال: "أين متاعك؟ لا أرى إلا لِبدًا (الصوف المتلبد) وصَحْفةً (وعاء الطعام) وشنًّا (القربة من الجلد)، وأنت أمير، أعندك طعام؟"، فقام أبو عبيدة إلى جَوْنةٍ (وعاء يشبه السلة أو الجرة يوضع فيه الخبز) فأخذ منها كُسَيراتٍ، فبكى عمر رضي الله عنه، فقال له أبو عبيدة: "قد قلت لك: إنك ستبكي عليَّ، يا أمير المؤمنين إنما يكفي المرء القليل!".
وهكذا سار أبو عبيدة رضي الله عنه قانعا بالقليل مقبلا على الله رغم أن أسباب الدنيا قد تيسرت له، وما هذا إلا أثر من آثار تربية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لصحابته الكرام رضي الله عنهم.
- وفاته رضي الله عنه:
في عهد خلافة سيدنا عمر رضي الله عنه انتشر في الشام مرض الطَّاعون، وكان وقتها من الأمراض الوبائية، وكان ذلك إبَّان زيارة مرتقبةٍ من سيدنا عمر رضي الله عنه للشام، فقرر سيدنا عمر الرجوع عن هذه الزيارة؛ امتثالًا لحديثٍ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدم دخول أرض الطاعون؛ حتى لا تتسع دائرةُ المرض وحفظًا للنفس؛ وفي نفس الوقت كان أبو عبيدة رضي الله عنه من ساكني الشام، فأصابه المرض، فبقي محتسبًا صابرًا حتى لقي ربه شهيدًا بمرض الطاعون وكان ذلك في عام 18هـ.
فحزن المسلمون لفقدهم واحدًا من كبار الصحابة، وواحدًا من قادة المسلمين الكبار، وبعد سنوات وفي نهاية حياة سيدنا عمر رضي الله عنه قبيل استشهاده يتذكر أبا عبيدة رضي الله عنه ويقول: "لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيًّا لاستخلفته؛ فإن سألني ربي عنه قلت: استخلفت أمين الله وأمين رسوله صلى الله عليه وآله وسلم".
رضي الله عنك يا أمين الأمة، ويا صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

اقرأ أيضا

أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه

 «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِيْنًا، وَأَمِيْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ»، هذه شهادة سيدنا رسول الله ﷺ وخيرته من خلقة لسيدنا أبي عبيدة بن الجراح فأنعم بها من شهادة، تجعلنا متعطشين لمعرفة سيرة أمين هذه الأمة وصاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
- اسمه وسبقه للإسلام:
هو أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري القرشي رضي الله عنه، وبالرغم أن المصادر التاريخية لم تذكر شيئًا كثيرًا عن حياة أبي عبيدة قبل الإسلام أو عن أسرته برغم كونه قرشيًّا، إلا أنَّ ذلك ربما يشير أنَّ حياة ذلك الصحابي الحقيقية ربما بدأت مع إسلامه؛ فقد سارع أبو عبيدة رضي الله عنه للإسلام في أيامه الأولى ليكون من السابقين الأولين.
- جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
منذ أن أسلم سيدنا أبو عبيدة بن الجراح وهو يحمل في قلبه أمانةَ الدين وكيف يصل هذا الدين للعالمين بواسطة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي سبيل ذلك نجده رضي الله عنه يتحمل من المصاعب ويظهر من الجلد والشجاعة ما يجعله جديرًا بلقب أمين الأُمَّة لحمله الأمانة على خير وجه، فنجده يترك وطنه مكَّة مع المهاجرين للحبشة صيانة لدينه من إيذاء كفَّار قريش، ثم يترك وطنه للمرَّة الثَّانية إلى المدينة؛ امتثالًا لأمرِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالهجرة، وفي المدينة يشارك أبو عبيدة في الدفاع عن الدَّولة الناشئة ، فيشترك في غزوة بدرٍ فيبلي البلاء الحسن، ثم وفي غزوة أُحد يرى أبو عبيدة رضي الله عنه المشركين يحيطون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويحاولون قتْلَه، فلم يتأخر أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه في أن يسرع للدِّفاع عن حبيبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويحكي لنا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه ذلك الموقف العصيب فيقول : "لما كان يوم أحد، ورُمِيَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخلت في وجنته حلقتان من المِغْفَرِ (الخوذة التي تحمي الرأس)، أقبلت أسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنسان قد أقبل من قِبَلِ المشرق يطير طيرانًا، فقلت: اللهم اجعله طاعةً، حتى اذا توافينا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا هو أبو عبيدة بن الجرَّاح قد سبقني، فقال: أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..
فتركتُه، فأخذ أبو عبيدة بأسنانه إحدى حَلَقَتَيِ المِغْفَر، فنزعها، وسقط على الأرض وسقطت أسنانه الأماميَّة معه، ثم أخذ الحلقة الأخرى بسِنَّةِ أُخرى فسقطت!".
- جهاده وبطولاته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
استمرَّ سيدنا أبو عبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنه على عهده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمينًا على الدِّين قائمًا بأمر الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولذلك استعان به خلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ ففي خلافةِ سيدنا أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه يرسله على رأس جيوش المسلمين التي تواجه الرومان في بلاد الشام، واستطاع أن يدير المعارك بكفاءَةٍ مما مهَّد لفتح بلاد الشَّام بلدا تلو الأخرى، وفي عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتح بيت المقدس، وكان إيذانًا بزوال ملك الروم عن سائر بلاد الشام، ونظرًا لجهود أبي عبيدة بن الجراح رَضي الله عنه في فتوح الشام جعله الفاروق عمر أميرًا على الشام، فسار بين الناس بالعدل وكان زاهدًا متواضعًا حتى أن سيدنا عمر رضي الله عنه زاره في يوم من الأيام قال لأبي عبيدة: "اذهب بنا إلى منزلك"، قال: "وما تصنعُ عندي؟ ما تريد إلا أن تبكي عليّ!"، فدخل فلم يرَ شيئاً، قال: "أين متاعك؟ لا أرى إلا لِبدًا (الصوف المتلبد) وصَحْفةً (وعاء الطعام) وشنًّا (القربة من الجلد)، وأنت أمير، أعندك طعام؟"، فقام أبو عبيدة إلى جَوْنةٍ (وعاء يشبه السلة أو الجرة يوضع فيه الخبز) فأخذ منها كُسَيراتٍ، فبكى عمر رضي الله عنه، فقال له أبو عبيدة: "قد قلت لك: إنك ستبكي عليَّ، يا أمير المؤمنين إنما يكفي المرء القليل!".
وهكذا سار أبو عبيدة رضي الله عنه قانعا بالقليل مقبلا على الله رغم أن أسباب الدنيا قد تيسرت له، وما هذا إلا أثر من آثار تربية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لصحابته الكرام رضي الله عنهم.
- وفاته رضي الله عنه:
في عهد خلافة سيدنا عمر رضي الله عنه انتشر في الشام مرض الطَّاعون، وكان وقتها من الأمراض الوبائية، وكان ذلك إبَّان زيارة مرتقبةٍ من سيدنا عمر رضي الله عنه للشام، فقرر سيدنا عمر الرجوع عن هذه الزيارة؛ امتثالًا لحديثٍ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدم دخول أرض الطاعون؛ حتى لا تتسع دائرةُ المرض وحفظًا للنفس؛ وفي نفس الوقت كان أبو عبيدة رضي الله عنه من ساكني الشام، فأصابه المرض، فبقي محتسبًا صابرًا حتى لقي ربه شهيدًا بمرض الطاعون وكان ذلك في عام 18هـ.
فحزن المسلمون لفقدهم واحدًا من كبار الصحابة، وواحدًا من قادة المسلمين الكبار، وبعد سنوات وفي نهاية حياة سيدنا عمر رضي الله عنه قبيل استشهاده يتذكر أبا عبيدة رضي الله عنه ويقول: "لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيًّا لاستخلفته؛ فإن سألني ربي عنه قلت: استخلفت أمين الله وأمين رسوله صلى الله عليه وآله وسلم".
رضي الله عنك يا أمين الأمة، ويا صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;