29 جُمادى الآخرة 1438 هـ   -  28 مارس 2017 م
الرئيسة  >> من روائع الحضارة الإسامية  >> إحياء الموات 

إحياء الموات

إحياء الأرض الميتة من التشريعات الدينية ذات البعد الحضاري الواضح، المتمثل في تحقيق مراد الله سبحانه وتعالى من خلق العباد بعد تحقيق العبودية له وحده؛ وفقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61].

فقد وجَّهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إحياء الأرض الميتة، وهي الأرض التي لا تخُصُّ أحدًا من الناس، كالأرض التي في الصحاري وليس بها عمران أو زراعة أو يتم استخراج معادن منها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» رواه أبو داود.

ولقد اهتم الفقهاء بتفصيل أحكام إحياء الأرض الميتة؛ اعتناءً منهم بتوجيهات الله عز وجل ونبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ، أَوْ طَيْرٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ». رواه الترمذي، وقال أيضًا: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ». رواه أحمد.

وينقل الإمام السرخسي قول سيدنا عمر رضي الله عنه في تمليك الأرض التي يتم إحياؤها لمن أحياها: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس بعد ثلاث سنين حق"، ويعقب على ذلك بقوله: "الإحياء أن يجعلها صالحة للزراعة"؛ بأن يبدأ في تهيئة الأرض وتنظيفها أو توصيل الماء لريِّها، وليس بأن يحدد الأرض ويبني حولها سورًا مثلًا أو غير ذلك وهو ما يُسمَّى بالتحجير، وحدد لذلك مدة ثلاث سنوات، تقديرًا منه أن هذا الزمن هو الذي يناسب ذلك العصر من عودة من أراد إحياء الأرض إلى موطنه وتدبير الموارد اللازمة لإحياء هذه الأرض والعودة إلى الأرض الميتة لإحيائها مرة أخرى، "فسبب الملك هو الإحياء دون التحجير"، وهذا إدراك واضح من الفقهاء لمقصد الشارع من أهمية هذا الحكم الفقهي، الذي يؤدي إلى التنمية والعمران ومنفعة المسلمين.

وقد اشترط الإمام أبو حنيفة الحصول على إذن الإمام قبل الإحياء، تنظيمًا لعملية إحياء الأرض، ومنعًا للنزاع والشقاق، وهو أمر يتوافق مع الأنظمة الحديثة، التي صارت وسائل الانتقال والاستكشاف فيها أسرع وأدق، مما يحتاج إلى تدخل من جانب السلطة لتنظيم مثل هذه العملية بقبول طلبات من يرغب في استصلاح أرض أو إحيائها، أو تقوم السلطة نفسها بطرح أراضٍ للمواطنين أو لغيرهم للقيام باستصلاحها أو البناء عليها أو إقامة منفعة بها أو استخراج ثروة أو معدن منها... إلخ.

وهذا النوع من التدخل ليس غريبًا على التشريع الإسلامي، الذي أباح إقطاع مساحة من الأراضي لمن يقدر على إحيائها.

وإدراكًا لغرض الشارع من تحقيق العمران لم يقصر هذا الحق في الدولة الإسلامية على المسلمين فقط، بل إن جمهور الفقهاء على جواز إحياء غير المسلم للأرض الميتة، مقابل تمليكها أو إعطائه حق استغلالها والانتفاع بريعها.

إن الإسلام يحرص على التنمية عميقة الأثر في حياة الناس والمجتمعات، ولا يوجههم إلى تحقيق الربح السريع الذي يستنزف موارد الأمم وثرواتها وإفقار أهلها وتركيز الثروة في يد قلة من المستأثرين بها، بل كان التوجيه القرآني في هذا السياق واضحًا: ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7].

يقول الطاهر بن عاشور: "وقد بدا من هذا التعليل أن من مقاصد الشريعة أن يكون المال دُولة بين الأمة الإسلامية على نظام محكم في انتقاله من كل مال لم يسبق عليه ملك لأحد مثل الموات، والفيء، واللُّقَطَات، والركاز، أو كان جزءًا معينا مثل: الزكاة، والكفارات، وتخميس المغانم، والخراج، والمواريث...".

فإحياء الموات يأتي كعامل متسق للغاية مع قواعد هذه المنظومة في التعامل مع الثروات التي حباها الله لنا، ومحققة لغاية الله سبحانه من استخلاف الإنسان في الأرض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
- "المبسوط" للسرخسي (23/ 167).
- "المغني" لابن قدامة (5/ 418).
- "التحرير والتنوير" للطاهر بن عاشور (28/ 85).
- "الخراج" لأبي يوسف (ص: 77).

Feedback