7 ذي الحجة 1439 هـ   -  18 اغسطس 2018 م
الرئيسة  >> كلمة المفتي  >> الهجرة النبوية رسالة في التعاي ... 

الهجرة النبوية رسالة في التعايش الكريم

تُعَدُّ الهجرة النبوية الشريفة فتحًا عظيمًا لدعوة الإسلام، وانطلاقة كبرى للرسالة المحمدية لتبلغ آفاق المعمورة ليخرج الناس من الظلمات إلى أنوار الهداية بإذن ربهم في حرية كاملة لا يشوبها إكراه لأحد على قبولها والإيمان بها، وتمثل أعظم دليل على نصر الله تعالى وتأييده للإسلام والمسلمين ورفع لواء هذا الدين الحنيف خالدًا في الخافقين، بعد أن أغلق أهل مكة كل الأبواب أمام النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته على مدى ثلاث عشرة سنة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: "بُعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أُمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين".

إن هذه السنوات الثلاث عشرة التي قضاها النبي في مكة بعد البعثة كانت مليئة بالأوقات الحرجة، والأزمات الشديدة، والمواقف القاسية، فلقد وجد فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من أنواع العذاب وألوان الاضطهاد الداعية إلى الفتنة في دينهم، وتنغيص حياتهم، وزعزعة استقرارهم.

ورغم هذا العذاب الأليم بلَّغ النبي رسالة ربه، صابرًا شجاعًا صادقًا، وهو معرَّض للفتك به والقتل، لا يخشى أحدًا غير الله تعالى، ولا يخاف شيئًا من طغيان المشركين واستبدادهم، معرضًا عن بعض أحوالهم لا عن ذواتهم كما أمره ربه بقوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ • إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ • الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: 94- 96].

وكان النبي في ذلك مثالًا للمسلمين في الصبر وتحمل المصائب والبلايا والثبات عند الشدائد مع ترسيخ التعايش والمشاركة والتعاون والميل إلى السلام والالتزام بالقيم والأخلاق وبذل المعروف والبر دون تمييز أو تفرقة، وعن ذلك يقول جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه في خطبته أمام النجاشي: "أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوى منا الضعيف، وكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله، لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، قال: فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنا، واتبعناه على ما جاء به".

ولا ريب فإن الله تعالى قد هيأ نبيه لمكارم الأخلاق وكرم الشمائل وخصال الخير، التي تقضي بضرورة هجر أخلاق أهل الشرك وأفعالهم المشينة، بل توجب مقابلة إساءتهم بالإحسان والفضل. كما نجد اشتراك النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حلف الفضول مع قبائل قريش الذين تعاقدوا على نصرة المظلوم وإحقاق الحقوق لأصحابها، تعظيمًا للمشترك الإنساني من القيم والأخلاق، ودرسًا في وجوب التعاون على تدعيمه ونصرته ذلك؛ لأن هذا اللون من التعاون تفرضه الحكمة وتمليه أسباب العيش بين البشر بحكم التجاور والمصالح المتبادلة، وهو أصل تأسس عليه ما حواه التشريع الإسلامي بمذاهبه المختلفة من تراث فريد في مجال العلاقات الدولية التي تكشف عن سمات وأصول منهج المسلمين نظرية وتطبيقًا، في العيش الكريم مع الآخر، واحترامه والدعوة المطلقة للحوار والتعايش السلمي، وتعميق المشترك الإنساني.

هذه بعض دلائل وسمات حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الأُول ممن آمن به وبدعوته في مكة المكرمة بعد نزول الوحي وقبل الهجرة إلى المدينة، وبذلك يظهر أن مقاصد دعوة الإسلام وموجبات الرسالة المحمدية في كل مراحلها توجب تنظيم المجتمع على أسس مستقرة سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، تنظيمًا يؤسس على العدل، ويرسخ فيه التعايش والتعاون وتعظم فيه المشاركة الإيجابية في العمل والإنتاج، وهذا ما بدا بوضوح في مكة قبل الهجرة النبوية وإن كان على نطاق غير واسع، ولكنه ازداد تأسيسًا ورسوخًا بعد الهجرة فكان على مستوى الدولة والمجتمع، وفي مناخ من التعايش والاندماج بين فئات مجتمع المدينة جميعًا؛ من خلال مبدأ "المواطنة".


مقال الأهرام 20/9/2016م
الرابط: http://www.ahram.org.eg/NewsQ/553523.aspx
 

كلمات فضيلة المفتي السابقة
عن البوابة
العيش الكريم
"الأسوة الحسنة"
تجربة مصر في التعايش والمشاركة
Feedback
هذه الخدمة تعمل من الساعة التاسعة صباحا، حتي الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل، أو بلوغ الحد الأقصى لتلقي الأسئلة، وذلك يوميا ما عد الجمعة والسبت والإجازات الرسمية.