صيد السلاحف البحرية وتهديدها بالانقراض

في إطار التعاون الوثيق بين دار الإفتاء المصرية وجهاز شئون البيئة، يطيب الإشارة إلى أنه في إطار قيام جهاز شئون البيئة برصد وتقييم المهددات التي تواجه وتؤثر على تواجد مجتمعات السلاحف البحرية في بيئاتها الطبيعية على السواحل المصرية بالبحر الأحمر المتوسط -أحد أهم مناطق تعشيش وتغذية السلاحف البحرية على مستوى الإقليم-، وذلك نظرًا للدور المهم الذي يقوم به هذا النوع في حفظ توازن وصحة النظام البيئي البحري، وفي ضوء دراسة تلك العوامل المهددة لها، تم تسجيل قيام فئة من الصيادين -سواء من خلال استهداف صيدها، أو خروجها بصورة عرضية في الشباك أو السنانير- بالاتجار بها في أسواق (حلقات) الأسماك بالمناطق الساحلية المتوسطية الرئيسية مثل: بورسعيد، دمياط، الإسكندرية؛ لاستغلاها في ظاهرة (شرب دم السلاحف) كأحد التقاليد الشعبية التي لا أساس لها من الصحة الطبية، أو الدينية؛ حيث تؤكد التقارير والشهادات أن هذا النوع من السلوكيات يتم تنفيذها على النحو التالي:
- تُنفذ هذه الظاهرة في صباح يومي الجمعة والأحد من كل أسبوع، وبناءً عليه: يتم تخزين السلاحف التي يتم صيدها قبل تلك الأيام بصور غير أخلاقية؛ حيث يتم قلبها على ظهرها مما يصيبها بالشلل التام، وكذلك التأثير على دورتها الدموية.
- تنفذ هذه العملية بصورة سرية؛ وذلك لإدراك الصيادين والتجار والمستهلكين بمخالفة القانون بالاتجار في السلاحف البحرية، بحكم قانون حماية البيئة رقم (4) لسنة 1994م، والمعدل بالقانون رقم (9) لسنة 2009م، ولائحته التنفيذية، لحمايتها من الانقراض، وحفاظًا على سلامة النظام البيئي البحري.
- يقوم التاجر أو الجزار بتعليق السلحفاة حيَّة، ويقوم بقطع جزء من الذيل حتى يتم تصفية الدم في أكواب، وبعد تصفية دمها يقوم بذبحها وتقطيع لحمها وبيعه. فهل هذا الذبح مطابق للشريعة الإسلامية ويجوز أكل لحمه في هذه الحالة؟
- يعتقد المستهلكون أن هذا الدم له قدرة على تحقيق كافة الرغبات والأمنيات، للرجال والنساء على حد سواء؛ مثل: الحمل، الجمال، القدرة الجنسية.. الخ.
- بسؤال مجموعة من المستهلكين لهذا الدم، أفادوا باعتقادهم أن هذا الدم هو من سمكة وهو حلال، علمًا بأن السلاحف البحرية ليست سمكة، وإنما هي من أنواع الزواحف، فهل شرب دمها حلال؟
وفي هذا الصدد، وفي ضوء ما سبق، وفي إطار حرص جهاز شئون البيئة على حماية البيئة والأنواع المهددة بخطر الانقراض، وكذلك حماية الإنسان من السلوكيات الخاطئة التي تخالف الشرع والعقل على حد سواء، فإننا نهيب بسيادتكم لاستصدار فتوى موثقة، بما يتراءى لكم من أدلةٍ شرعية بحكم الشرع في هذا السلوك إجمالًا؛ نظرًا لتهديده سلامة النظام البيئي، وحكم الذبح، وكذلك شرب الدم على الحالة المشار إليها بعاليه.
ونحن على ثقة من أن إظهار الحكم الشرعي لهذه الظاهرة سيكون له أثر إيجابيّ في القضاء عليها بصورة تفوق محاولات تشديد الرقابة وتطبيق القانون.
شاكرين لسيادتكم خالص تعاونكم معنا، ودعمكم الدائم لقضايا البيئة والحفاظ على التنوع البيولوجي، وتفضلوا بقبول فائق الاحترام. 

اختلف الفقهاء في حكم كون السلحفاة البحرية مأكولة اللحم أم لا، وهذا الخلاف محله إذا لم تكن مهددة بالانقراض ولم تَفْنَ سلالتُها، أما إذا أدى صيدها إلى إفناء سلالتها فإنه يتجه حينئذ القول بتحريم صيدها؛ لما يترتب عليه من اختلال التوازن البيئي الذي أمر الإنسان بالحفاظ عليه كمكوِّن من مكونات إعمار الأرض، الذي هو مقصد من مقاصد الخلق.
وأما ما يفعله بعض الناس من تعذيب السلحفاة بقلبها على ظهرها حتى تصاب بالشلل التام، ثم تعليقها وقطع جزء من ذيلها وهي حيَّة، وتصفية كل ما بها من دماء، ثم ذبحها بعد ذلك، مستندين على القول بحل أكلها والانتفاع بها؛ فهو تصرف محرم شرعًا ومن كبائر الذنوب؛ لتنافيه مع الرحمة التي تجب مع جميع المخلوقات. 

التفاصيل ....

اهتم الإسلام بالبيئة اهتماما كبيرًا؛ ووضع من التشريعات والقواعد ما يضمن سلامتها وتوازنها واستقرارها والحفاظ على جميع مكوناتها من ماء وهواء ونبات وحيوان وجماد.
فأمر بعمارة الأرض وإصلاحها، ونهى عن الإفساد فيها؛ قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]، وإعمارُها إنما يكون بالحفاظ على ما فيها من مخلوقات حيوانية ونباتية، وتجنب كل ما يؤدي إلى إفسادها أو الإخلال بمكوناتها، قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60].
والسلحفاة البحرية مكون من مكونات البيئة البحرية، ويطلق عليها في اللغة: "اللَّجَأَة"، و"التِرْسَة"، ويقال لذكَرها: "الغَيْلَم"، وهي حيوان زاحف كبير الحجم، من رتبة السلاحف، وتتغذى معظم أنواعها بالحيوانات والنباتات، ولها فَكَّان قويان حادان عديما الأسنان، وجسمها مغلف بصدفة تتركب من صفائح عظمية مندغمة من الضلوع والفقرات، وتغطيها من الخارج تروس قرنية.
قال العلامة النويري في "نهاية الأرب" (10/ 316، ط. دار الكتب المصرية): [يقال: إنّ "اللّجأة" تبيض فى البرّ، فما أقام به سمّي سلحفاة، وما وقع فى البحر سمّي "لَجَأَة"، فأمّا ما يبقى فى البرّ فإنه يعظم حتى لا يكاد الرجل الشديد يحمله، وما ينزل البحر يعظم حتى لا يكاد الحمار يحمله. والعرب تكنيها «أمّ طبق»] اهـ.
وجاء في معجم "محيط المحيط" لبطرس البستاني (1/ 978، ط. بيروت 1870م): [السُلْحِفاة والسُلحفة دابة برية ونهرية وبحرية، لها أربع قوائم، تختفي بين طبقتين عظميتين صقيلتين، والكبار من البحرية تبلغ مقدارًا عظيمًا، ويقال لها: اللجأة أيضًا، والذكر يقال له: الغَيلم، وهي معرَّبة "سولاح باي" بالفارسية، والعامة تقول: زلحفة، وبعضهم يقول: زحلفة بتقديم الحاء، والجمع سلاحف] اهـ.
وجاء في كتاب "مجموعة المصطلحات العلمية والفنية التي أقرّها مجمع اللغة العربية" (1/ 519-520، ط. المطابع الأميرية): [السُّلَحْفاة، والسُّلحفاء، والسُّلحفا، والسُّلحفية، وذكرُها: الغَيْلَم، تطلق على عدة أنواع تتبع رتبة السلاحف chelonian، من قسم الزواحف Reptilia، وهي حيوانات معروفة يحيط جسمَ كل منها صندوقٌ عظميٌّ مغطًّى بحراشيف قرنية كبيرة منتظمة تبرز منه الرأس والأيدي والأرجل والذيل.. ومن السلاحف أنواع تعيش في الماء ويقال لها: لَجَأَةٌ، وهي تشبه السلاحف البرية في شكلها العام، ولكنها تختلف عنها في أن أيديها وأرجلها متحولة إلى ما يشبه زعانف الأسماك، تسبح بها في الماء، وأن قشر بيضها لَيِّن، وهي لا تضعه في الماء؛ بل تخرج إلى الشاطئ، وتحفر له في الرمال ثم تغطيه بها وتتركه ليفقس بحرارة الشمس، ويضرب بالسلاحف المثل في البطء وطول العمر] اهـ.
وقد اختلف الفقهاء في حكم كون السلحفاة البحرية مأكولة اللحم أم لا:
فذهب السادة الحنفية أنه لا يؤكل مما يخرج من البحر سوى السمك، وكرهوا أكل السلحفاة البحرية؛ قال القاضي أبو يوسف في كتابه "اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى" (ص: 137، ط. لجنة إحياء المعارف النعمانية): [وإذا أصاب الرجل من صيد البحر شيئًا سوى السمك، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: "لا خير في شيء من صيد البحر سوى السمك"، وبه نأخذ] اهـ.
وقال الإمام الجصاص الحنفي في "شرح مختصر الطحاوي" (8/ 558، ط. دار البشائر الإسلامية): [قال: (ويكره أكل السلحفاة)؛ لأنه قد ثبت تحريم أكلها إذا ماتت، بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3]، وإذا صح ذلك في الميتة منها، كانت المذبوحة بمثابتها؛ لأن أحدًا لم يفرق في حيوان الماء بين موته وذبحه] اهـ.
وقال العلامة الميرغيناني في "الهداية" (4/ 353، ط. دار إحياء التراث العربي): [قال: "ولا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك"] اهـ.
وقال العلامة بدر الدين العيني في "البناية شرح الهداية" (11/ 604، ط. دار الكتب العلمية): [وقال شيخ الإسلام خواهر زاده: ويكره أكل ما سوى السمك من دواب البحر عندنا؛ كالسرطان، والسلحفاة، والضفدع، وخنزير الماء] اهـ.
وقال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (6/ 304-305، ط. دار الفكر): [(ولا يحل) (ذو ناب يصيد بنابه) فخرج نحو البعير (أو مخلب يصيد بمخلبه) أي ظفره فخرج نحو الحمامة (من سبع) بيان لذي ناب.. (والضبع والثعلب) لأن لهما نابا، وعند الثلاثة يحل (والسلحفاة) برية وبحرية] اهـ.
وذهب الشافعية إلى التفرقة في أكل حيوان البحر بين ما لا حياة له إذا خرج من الماء كالسمك بأنواعه، وأكله حلال مطلقًا بلا خلاف، وما له حياة خارج المياه، واختلفوا في حل أكله إلى ثلاثة أقوال: أولها: أن جميعه حلال؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: 96].
والثاني: أنه يحرم أكله.
والثالث: التفرقة بين يؤكل نظيره من حيوان البر: فحلال، وما لا يؤكل نظيره من حيوان البر: فيحرم.
قال الإمام النووي في "المجموع" (9/ 31، ط. دار الفكر): [فقال أصحابنا: الحيوان الذي لا يهلكه الماء ضربان (أحدهما) ما يعيش في الماء وإذا خرج منه كان عيشه عيش المذبوح، كالسمك بأنواعه؛ فهو حلال ولا حاجة إلى ذبحه بلا خلاف؛ بل يحل مطلقًا سواء مات بسبب ظاهر كضغطة أو صدمة حجر، أو انحسار ماء، أو ضرب من الصياد، أو غيره، أو مات حتف أنفه، سواء طفا على وجه الماء أم لا، وكله حلال بلا خلاف عندنا.
وأما ما ليس على صورة السموك المشهورة، ففيه ثلاثة أوجه مشهورة: ذكرها المصنف في "التنبيه"، وقال القاضي أبو الطيب وغيره: فيه ثلاثة أقوال:
(أصحها) عند الأصحاب: يحل الجميع، وهو المنصوص للشافعي في "الأم" و"مختصر المزني" واختلاف العراقيين؛ لأن الصحيح أن اسم السمك يقع على جميعها وقد قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: 96]، قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: صيده ما صيد وطعامه ما قذف؛ ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته».
(والوجه الثاني) يحرم، وهو مذهب أبي حنيفة.
(الثالث) ما يؤكل نظيره في البر كالبقر والشاة وغيرهما: فحلال، وما لا يؤكل كخنزير الماء وكلبه فحرام؛ فعلى هذا ما لا نظير له حلال] اهـ.
ومن ذلك اختلفوا في حل أكل السلحفاة البحرية، والأصح عندهم القول بالحرمة.
قال الإمام أبو المعالي الجويني الشافعي في "نهاية المطلب" (18/ 213، ط. دار المنهاج): [وأما السلحفاة، فهي من المستخبثات] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في كتاب "المجموع" (9/ 32، ط. دار الفكر): [(وأما) السلحفاة فحرام على أصح الوجهين] اهـ.
وقال العلامة ابن حجر الهيتمي في "تحفة المحتاج" (9/ 378، ط. المكتبة التجارية): [وسلحفاة والترسة وهي: اللجأة بالجيم جرى بعضهم على أنها كالسلحفاة، وبعضهم على حلها؛ لأنها لا يدوم عيشها في البر، وجرى عليه في "المجموع" في موضع، لكن الأصح الحرمة] اهـ.
وقال العلامة البجيرمي في "حاشيته على شرح المنهج" (4/ 304، ط. الحلبي): [(وحرم ما يعيش في بر وبحر كضفدع) بكسر أوله وفتحه وضمه مع كسر ثالثه وفتحه في الأول وكسره في الثاني وفتحه في الثالث، (وسرطان) ويسمى عقرب الماء (وحية) ونسناس، وتمساح، وسلحفاة، بضم السين وفتح اللام] اهـ.
بينما ذهب المالكية إلى جواز أكل السلحفاة البحرية "التِرسة" ولو لم تذبح؛ لأنها من صيد البحر وهو حلال كله، واشترطوا في سلحفاة البر التذكية بالذبح:
جاء في "المدونة" للإمام مالك (1/ 452، ط. دار الكتب العلمية): [قال: وقال مالك: يؤكل كل ما في البحر الطافي، وغير الطافي من صيد البحر كله ويصيده المحرم.
قال: وقال مالك: الضفادع من صيد البحر.
قال: وقال مالك: ترس الماء من صيد البحر، وسئل مالك عن ترس الماء إذا مات ولم يذبح أيؤكل؟ فقال: إني لأراه عظيمًا أن يترك ترس الماء فلا يؤكل إلا بذكاة] اهـ.
وقال الإمام خلف بن أبي القاسم القيرواني المالكي في "التهذيب" (1/ 612، ط. دار البحوث): [ويؤكل صيد البحر الطافي وغير الطافي، والضفدع، وترس الماء من صيد البحر، وهذه السلحفاة التي تكون في البراري هي من صيد البر، إذا ذكيت أكلت، ولا تحل إلا بذكاة] اهـ.
واشترط الحنابلة ذبح السلحفاة حتى يحل أكلها:
جاء في "مسائل الإمام أحمد بن حنبل" (ص: 271، ط. المكتب الإسلامي): [سألت أبي عن السلحفاة: فقال: كان عطاء لا يرى به بأسًا، قال أبي: إذا ذبح لا بأس به، قلت لأبي: فإن رمي به في النار من غير أن يذبح، قال: لا، إلا أن يذبح] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في كتاب "المغني" (9/ 424، ط. مكتبة القاهرة): [قال أحمد: كلب الماء يذبحه، ولا أرى بأسا بالسلحفاة إذا ذبح] اهـ.
وعلى ذلك: فالحنفية والشافعية على حرمة أكل السلحفاة البحرية، وأجازها المالكية بذبح وبغير ذبح، واشترط الحنابلة ذبحها لحل أكلها.
وهذا الخلاف محله ما لم تكن مهددة بالانقراض ولم تفن سلالتُها، أما إذا آل أمر صيدها إلى إفناء سلالتها فإنه يتجه حينئذ القول بتحريم صيدها؛ لما في صيدها من تهديد انقراضها وما يترتب على ذلك من اختلال التوازن البيئي الذي أمر الإنسان بالحفاظ عليه كمكوِّن من مكونات إعمار الأرض، الذي هو مقصد من مقاصد الخلق؛ قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61].
وقد عدَّ الشرع الشريف إفناء السلالات من الإفساد في الأرض؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205].
وأخرج الإمام أحمد في "مسنده"، وأصحاب السنن الأربعة، وابن حبان في "صحيحه" من حديث عبد الله بن مغفَّل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا»، قال الترمذي: حسن صحيح، ورواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" بلفظ: «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ أَكْرَهُ أَنْ أُفْنِيَهَا لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا» وبنحو لفظه رواه الروياني في "مسنده".
وأخرج الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَوْلا أَنَّ الْكِلابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لأَمَرْتُ بِقَتْلِ كُلِّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ».
قال الإمام أبو سليمان الخطابي في "معالم السنن" (4/ 289، ط. المطبعة العلمية): [معناه: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كَرِهَ إفناءَ أمةٍ مِن الأمم، وإعدامَ جيلٍ مِن الخلق حتى يأتي عليه كلِّه فلا يبقى منه باقية؛ لأنه ما مِن خلقٍ لله تعالى إلَّا وفيه نوعٌ مِن الحكمة وضربٌ مِن المصلحة] اهـ.
ومن القواعد الفقهية المقررة شرعًا أنه يمنع الخاص من بعض منافعه إذا ترتب عليه ضرر عام، فالمصالح الشخصية موقوفة إذا ما تعارضت مع المصالح العامة، والمصلحة العامة هنا تقتضي منع صيد السلحفاة؛ لما يترتب على صيدها من إفناء سلالتها، والإضرار بالبيئة المائية بفقد أحد مكوناتها.
كما أنه قد تقرر في قواعد الشرع أنَّ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولا يخفى أن درء مفسدة إفناء سلالة كاملة من السلاحف البحرية بصيدها، مقدم على مصلحة بعض الأفراد في الانتفاع بها بالأكل أو غيره.
كما أنه قد تقرر في قواعد الفقه أن "حكم الحاكم يرفع الخلاف" وذلك بما خول له من سلطة تمكنه من الوقوف على مصالح الأمور ومفاسدها، ولذا فقد أباح الشرع للحاكم حق تقييد المباح للمصلحة؛ كما هو الحال في "الحمى" التي يمنع الإمام فيها العامَّةَ من الانتفاع بموضع معين للمصلحة العامة، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59].
وقد نص القانون المصري في المادة رقم (28) لسنة 1994م، على أنه: [يحظر بأية طريقة القيام بأي من الأعمال الآتية:.. رابعًا: الاتجار في جميع الكائنات الحيَّة الحيوانية أو النباتية المهددة بالانقراض].
وأما ما يفعله بعض الناس من تعذيب السلحفاة بقلبها على ظهرها حتى تصاب بالشلل التام، ثم تعليقها وقطع جزء من ذيلها وهي حيَّة، وتصفية كل ما بها من دماء، ثم ذبحها بعد ذلك، مستندين على القول بحل أكلها والانتفاع بها، فهو تصرف محرم شرعًا، ولا تكون بذلك مُذَكّاةً تذكية شرعية؛ فإن تصفية دمها بقطع ذيلها يؤدي إلى موتها، فتكون حينئذ ميتةً محرمةً عند مَن يشترط مِن الفقهاء لحلِّ أكلِها ذكاتَها، وهم الحنابلة، وهي حرام أيضًا على مذهب الحنفية والشافعية الذين لا يبيحون أكلها أصلًا، بل هذا التصرف السيء هو من كبائر الذنوب حتى على قول مَن يبيح مِن الفقهاء أكلَها بلا تذكية وهم المالكية؛ فإن حل أكل الحيوان لا يُحِلُّ بحالٍ من الأحوال تعذيبَه وإيلامَه، وقد أمر الشرع بالرحمة مع جميع ما على الأرض من مخلوقات، وجعل تعذيب الحيوان من أسباب التعذيب في النار؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» أخرجه أبو داود والترمذي في "السنن".
ولعظم شأن الرحمة بالحيوان أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن امرأةً دخلت النار في هرة لم تُطْعِمْها حتى ماتت. وأن رجلًا غفر الله له في كلب سقاه؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ» متفق عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، اشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا، فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي، فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ أَجْرًا؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» متفق عليه.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه رأى رجلًا يَجُرُّ شاةً بِرِجْلِهَا ليذبحها، فقال له: "ويلك قُدها إلى الموت قَوْدًا جميلًا" أخرجه الصنعاني في "مصنفه".
فالإسلام عندما أحل للإنسان أكل الحيوان فقد حثه على الإحسان في طريقة قتله، وحذَّر من تعذيبه، وراعى الرفق والشفقة والرحمة في كل الوسائل المشروعة لإزهاق روحه؛ صيدًا كان ذلك، أو ذبحًا، أو نحرًا، أو عقرًا: فعن شداد بن أوس رضي الله عنه، قال: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» رواه الإمام مسلم في "صحيحه".
قال القاضي عياض في شرحه "إكمال المعلم بفوائد مسلم "(6/ 395، ط. دار الوفاء): [وقوله: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة»: عام في كل شيء؛ من التذكية، والقصاص، وإقامة الحدود، وغيرها، من أنه لا يعذب خلق الله، وليجهز في ذلك] اهـ.
كما أن حل أكل لحم السلحفاة -على ما ذهب إليه بعض الفقهاء- لا يحل شرب دمها؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: 3]، ولم يستثن الشرع من الدماء إلا دمين فقط وهما: "الكبد والطحال"، وهما دمان جامدان لا سائلان؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ. فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» أخرجه الإمام أحمد في "المسند"، وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي في "السنن".
قال العلامة الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (7/ 2674، ط. دار الفكر): [وهما دمان جامدان] اهـ.
وعليه: فإن الحفاظ على مكونات البيئة مطلب شرعي، دعا إليه الشرع الشريف وحث عليه، كما أن المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة، والخوف من انقراض السلحفاة البحرية مبرر شرعي صحيح لتحريم صيدها والانتفاع بها، وهو ما نص عليه القانون المصري.
وبناءً على ذلك في واقعة السؤال: فإنه لا يجوز شرعًا صيد السلحفاة البحرية ولا الاستيلاء عليها إذا وجدت خارج المياه للانتفاع بها في الأكل أو غيره، وإذا كان صيدها وأكلها حرامًا فإن تعذيبها وإيلامها بقطع ذيلها وتصفية دمها أشد حرمة وأعظم جرمًا، بل هو من كبائر الذنوب؛ لتنافيه مع الرحمة التي تجب مع جميع المخلوقات.
والله سبحانه وتعالى أعلم. 

اقرأ أيضا

صيد السلاحف البحرية وتهديدها بالانقراض

في إطار التعاون الوثيق بين دار الإفتاء المصرية وجهاز شئون البيئة، يطيب الإشارة إلى أنه في إطار قيام جهاز شئون البيئة برصد وتقييم المهددات التي تواجه وتؤثر على تواجد مجتمعات السلاحف البحرية في بيئاتها الطبيعية على السواحل المصرية بالبحر الأحمر المتوسط -أحد أهم مناطق تعشيش وتغذية السلاحف البحرية على مستوى الإقليم-، وذلك نظرًا للدور المهم الذي يقوم به هذا النوع في حفظ توازن وصحة النظام البيئي البحري، وفي ضوء دراسة تلك العوامل المهددة لها، تم تسجيل قيام فئة من الصيادين -سواء من خلال استهداف صيدها، أو خروجها بصورة عرضية في الشباك أو السنانير- بالاتجار بها في أسواق (حلقات) الأسماك بالمناطق الساحلية المتوسطية الرئيسية مثل: بورسعيد، دمياط، الإسكندرية؛ لاستغلاها في ظاهرة (شرب دم السلاحف) كأحد التقاليد الشعبية التي لا أساس لها من الصحة الطبية، أو الدينية؛ حيث تؤكد التقارير والشهادات أن هذا النوع من السلوكيات يتم تنفيذها على النحو التالي:
- تُنفذ هذه الظاهرة في صباح يومي الجمعة والأحد من كل أسبوع، وبناءً عليه: يتم تخزين السلاحف التي يتم صيدها قبل تلك الأيام بصور غير أخلاقية؛ حيث يتم قلبها على ظهرها مما يصيبها بالشلل التام، وكذلك التأثير على دورتها الدموية.
- تنفذ هذه العملية بصورة سرية؛ وذلك لإدراك الصيادين والتجار والمستهلكين بمخالفة القانون بالاتجار في السلاحف البحرية، بحكم قانون حماية البيئة رقم (4) لسنة 1994م، والمعدل بالقانون رقم (9) لسنة 2009م، ولائحته التنفيذية، لحمايتها من الانقراض، وحفاظًا على سلامة النظام البيئي البحري.
- يقوم التاجر أو الجزار بتعليق السلحفاة حيَّة، ويقوم بقطع جزء من الذيل حتى يتم تصفية الدم في أكواب، وبعد تصفية دمها يقوم بذبحها وتقطيع لحمها وبيعه. فهل هذا الذبح مطابق للشريعة الإسلامية ويجوز أكل لحمه في هذه الحالة؟
- يعتقد المستهلكون أن هذا الدم له قدرة على تحقيق كافة الرغبات والأمنيات، للرجال والنساء على حد سواء؛ مثل: الحمل، الجمال، القدرة الجنسية.. الخ.
- بسؤال مجموعة من المستهلكين لهذا الدم، أفادوا باعتقادهم أن هذا الدم هو من سمكة وهو حلال، علمًا بأن السلاحف البحرية ليست سمكة، وإنما هي من أنواع الزواحف، فهل شرب دمها حلال؟
وفي هذا الصدد، وفي ضوء ما سبق، وفي إطار حرص جهاز شئون البيئة على حماية البيئة والأنواع المهددة بخطر الانقراض، وكذلك حماية الإنسان من السلوكيات الخاطئة التي تخالف الشرع والعقل على حد سواء، فإننا نهيب بسيادتكم لاستصدار فتوى موثقة، بما يتراءى لكم من أدلةٍ شرعية بحكم الشرع في هذا السلوك إجمالًا؛ نظرًا لتهديده سلامة النظام البيئي، وحكم الذبح، وكذلك شرب الدم على الحالة المشار إليها بعاليه.
ونحن على ثقة من أن إظهار الحكم الشرعي لهذه الظاهرة سيكون له أثر إيجابيّ في القضاء عليها بصورة تفوق محاولات تشديد الرقابة وتطبيق القانون.
شاكرين لسيادتكم خالص تعاونكم معنا، ودعمكم الدائم لقضايا البيئة والحفاظ على التنوع البيولوجي، وتفضلوا بقبول فائق الاحترام. 

اختلف الفقهاء في حكم كون السلحفاة البحرية مأكولة اللحم أم لا، وهذا الخلاف محله إذا لم تكن مهددة بالانقراض ولم تَفْنَ سلالتُها، أما إذا أدى صيدها إلى إفناء سلالتها فإنه يتجه حينئذ القول بتحريم صيدها؛ لما يترتب عليه من اختلال التوازن البيئي الذي أمر الإنسان بالحفاظ عليه كمكوِّن من مكونات إعمار الأرض، الذي هو مقصد من مقاصد الخلق.
وأما ما يفعله بعض الناس من تعذيب السلحفاة بقلبها على ظهرها حتى تصاب بالشلل التام، ثم تعليقها وقطع جزء من ذيلها وهي حيَّة، وتصفية كل ما بها من دماء، ثم ذبحها بعد ذلك، مستندين على القول بحل أكلها والانتفاع بها؛ فهو تصرف محرم شرعًا ومن كبائر الذنوب؛ لتنافيه مع الرحمة التي تجب مع جميع المخلوقات. 

التفاصيل ....

اهتم الإسلام بالبيئة اهتماما كبيرًا؛ ووضع من التشريعات والقواعد ما يضمن سلامتها وتوازنها واستقرارها والحفاظ على جميع مكوناتها من ماء وهواء ونبات وحيوان وجماد.
فأمر بعمارة الأرض وإصلاحها، ونهى عن الإفساد فيها؛ قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]، وإعمارُها إنما يكون بالحفاظ على ما فيها من مخلوقات حيوانية ونباتية، وتجنب كل ما يؤدي إلى إفسادها أو الإخلال بمكوناتها، قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60].
والسلحفاة البحرية مكون من مكونات البيئة البحرية، ويطلق عليها في اللغة: "اللَّجَأَة"، و"التِرْسَة"، ويقال لذكَرها: "الغَيْلَم"، وهي حيوان زاحف كبير الحجم، من رتبة السلاحف، وتتغذى معظم أنواعها بالحيوانات والنباتات، ولها فَكَّان قويان حادان عديما الأسنان، وجسمها مغلف بصدفة تتركب من صفائح عظمية مندغمة من الضلوع والفقرات، وتغطيها من الخارج تروس قرنية.
قال العلامة النويري في "نهاية الأرب" (10/ 316، ط. دار الكتب المصرية): [يقال: إنّ "اللّجأة" تبيض فى البرّ، فما أقام به سمّي سلحفاة، وما وقع فى البحر سمّي "لَجَأَة"، فأمّا ما يبقى فى البرّ فإنه يعظم حتى لا يكاد الرجل الشديد يحمله، وما ينزل البحر يعظم حتى لا يكاد الحمار يحمله. والعرب تكنيها «أمّ طبق»] اهـ.
وجاء في معجم "محيط المحيط" لبطرس البستاني (1/ 978، ط. بيروت 1870م): [السُلْحِفاة والسُلحفة دابة برية ونهرية وبحرية، لها أربع قوائم، تختفي بين طبقتين عظميتين صقيلتين، والكبار من البحرية تبلغ مقدارًا عظيمًا، ويقال لها: اللجأة أيضًا، والذكر يقال له: الغَيلم، وهي معرَّبة "سولاح باي" بالفارسية، والعامة تقول: زلحفة، وبعضهم يقول: زحلفة بتقديم الحاء، والجمع سلاحف] اهـ.
وجاء في كتاب "مجموعة المصطلحات العلمية والفنية التي أقرّها مجمع اللغة العربية" (1/ 519-520، ط. المطابع الأميرية): [السُّلَحْفاة، والسُّلحفاء، والسُّلحفا، والسُّلحفية، وذكرُها: الغَيْلَم، تطلق على عدة أنواع تتبع رتبة السلاحف chelonian، من قسم الزواحف Reptilia، وهي حيوانات معروفة يحيط جسمَ كل منها صندوقٌ عظميٌّ مغطًّى بحراشيف قرنية كبيرة منتظمة تبرز منه الرأس والأيدي والأرجل والذيل.. ومن السلاحف أنواع تعيش في الماء ويقال لها: لَجَأَةٌ، وهي تشبه السلاحف البرية في شكلها العام، ولكنها تختلف عنها في أن أيديها وأرجلها متحولة إلى ما يشبه زعانف الأسماك، تسبح بها في الماء، وأن قشر بيضها لَيِّن، وهي لا تضعه في الماء؛ بل تخرج إلى الشاطئ، وتحفر له في الرمال ثم تغطيه بها وتتركه ليفقس بحرارة الشمس، ويضرب بالسلاحف المثل في البطء وطول العمر] اهـ.
وقد اختلف الفقهاء في حكم كون السلحفاة البحرية مأكولة اللحم أم لا:
فذهب السادة الحنفية أنه لا يؤكل مما يخرج من البحر سوى السمك، وكرهوا أكل السلحفاة البحرية؛ قال القاضي أبو يوسف في كتابه "اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى" (ص: 137، ط. لجنة إحياء المعارف النعمانية): [وإذا أصاب الرجل من صيد البحر شيئًا سوى السمك، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: "لا خير في شيء من صيد البحر سوى السمك"، وبه نأخذ] اهـ.
وقال الإمام الجصاص الحنفي في "شرح مختصر الطحاوي" (8/ 558، ط. دار البشائر الإسلامية): [قال: (ويكره أكل السلحفاة)؛ لأنه قد ثبت تحريم أكلها إذا ماتت، بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3]، وإذا صح ذلك في الميتة منها، كانت المذبوحة بمثابتها؛ لأن أحدًا لم يفرق في حيوان الماء بين موته وذبحه] اهـ.
وقال العلامة الميرغيناني في "الهداية" (4/ 353، ط. دار إحياء التراث العربي): [قال: "ولا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك"] اهـ.
وقال العلامة بدر الدين العيني في "البناية شرح الهداية" (11/ 604، ط. دار الكتب العلمية): [وقال شيخ الإسلام خواهر زاده: ويكره أكل ما سوى السمك من دواب البحر عندنا؛ كالسرطان، والسلحفاة، والضفدع، وخنزير الماء] اهـ.
وقال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (6/ 304-305، ط. دار الفكر): [(ولا يحل) (ذو ناب يصيد بنابه) فخرج نحو البعير (أو مخلب يصيد بمخلبه) أي ظفره فخرج نحو الحمامة (من سبع) بيان لذي ناب.. (والضبع والثعلب) لأن لهما نابا، وعند الثلاثة يحل (والسلحفاة) برية وبحرية] اهـ.
وذهب الشافعية إلى التفرقة في أكل حيوان البحر بين ما لا حياة له إذا خرج من الماء كالسمك بأنواعه، وأكله حلال مطلقًا بلا خلاف، وما له حياة خارج المياه، واختلفوا في حل أكله إلى ثلاثة أقوال: أولها: أن جميعه حلال؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: 96].
والثاني: أنه يحرم أكله.
والثالث: التفرقة بين يؤكل نظيره من حيوان البر: فحلال، وما لا يؤكل نظيره من حيوان البر: فيحرم.
قال الإمام النووي في "المجموع" (9/ 31، ط. دار الفكر): [فقال أصحابنا: الحيوان الذي لا يهلكه الماء ضربان (أحدهما) ما يعيش في الماء وإذا خرج منه كان عيشه عيش المذبوح، كالسمك بأنواعه؛ فهو حلال ولا حاجة إلى ذبحه بلا خلاف؛ بل يحل مطلقًا سواء مات بسبب ظاهر كضغطة أو صدمة حجر، أو انحسار ماء، أو ضرب من الصياد، أو غيره، أو مات حتف أنفه، سواء طفا على وجه الماء أم لا، وكله حلال بلا خلاف عندنا.
وأما ما ليس على صورة السموك المشهورة، ففيه ثلاثة أوجه مشهورة: ذكرها المصنف في "التنبيه"، وقال القاضي أبو الطيب وغيره: فيه ثلاثة أقوال:
(أصحها) عند الأصحاب: يحل الجميع، وهو المنصوص للشافعي في "الأم" و"مختصر المزني" واختلاف العراقيين؛ لأن الصحيح أن اسم السمك يقع على جميعها وقد قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: 96]، قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: صيده ما صيد وطعامه ما قذف؛ ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته».
(والوجه الثاني) يحرم، وهو مذهب أبي حنيفة.
(الثالث) ما يؤكل نظيره في البر كالبقر والشاة وغيرهما: فحلال، وما لا يؤكل كخنزير الماء وكلبه فحرام؛ فعلى هذا ما لا نظير له حلال] اهـ.
ومن ذلك اختلفوا في حل أكل السلحفاة البحرية، والأصح عندهم القول بالحرمة.
قال الإمام أبو المعالي الجويني الشافعي في "نهاية المطلب" (18/ 213، ط. دار المنهاج): [وأما السلحفاة، فهي من المستخبثات] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في كتاب "المجموع" (9/ 32، ط. دار الفكر): [(وأما) السلحفاة فحرام على أصح الوجهين] اهـ.
وقال العلامة ابن حجر الهيتمي في "تحفة المحتاج" (9/ 378، ط. المكتبة التجارية): [وسلحفاة والترسة وهي: اللجأة بالجيم جرى بعضهم على أنها كالسلحفاة، وبعضهم على حلها؛ لأنها لا يدوم عيشها في البر، وجرى عليه في "المجموع" في موضع، لكن الأصح الحرمة] اهـ.
وقال العلامة البجيرمي في "حاشيته على شرح المنهج" (4/ 304، ط. الحلبي): [(وحرم ما يعيش في بر وبحر كضفدع) بكسر أوله وفتحه وضمه مع كسر ثالثه وفتحه في الأول وكسره في الثاني وفتحه في الثالث، (وسرطان) ويسمى عقرب الماء (وحية) ونسناس، وتمساح، وسلحفاة، بضم السين وفتح اللام] اهـ.
بينما ذهب المالكية إلى جواز أكل السلحفاة البحرية "التِرسة" ولو لم تذبح؛ لأنها من صيد البحر وهو حلال كله، واشترطوا في سلحفاة البر التذكية بالذبح:
جاء في "المدونة" للإمام مالك (1/ 452، ط. دار الكتب العلمية): [قال: وقال مالك: يؤكل كل ما في البحر الطافي، وغير الطافي من صيد البحر كله ويصيده المحرم.
قال: وقال مالك: الضفادع من صيد البحر.
قال: وقال مالك: ترس الماء من صيد البحر، وسئل مالك عن ترس الماء إذا مات ولم يذبح أيؤكل؟ فقال: إني لأراه عظيمًا أن يترك ترس الماء فلا يؤكل إلا بذكاة] اهـ.
وقال الإمام خلف بن أبي القاسم القيرواني المالكي في "التهذيب" (1/ 612، ط. دار البحوث): [ويؤكل صيد البحر الطافي وغير الطافي، والضفدع، وترس الماء من صيد البحر، وهذه السلحفاة التي تكون في البراري هي من صيد البر، إذا ذكيت أكلت، ولا تحل إلا بذكاة] اهـ.
واشترط الحنابلة ذبح السلحفاة حتى يحل أكلها:
جاء في "مسائل الإمام أحمد بن حنبل" (ص: 271، ط. المكتب الإسلامي): [سألت أبي عن السلحفاة: فقال: كان عطاء لا يرى به بأسًا، قال أبي: إذا ذبح لا بأس به، قلت لأبي: فإن رمي به في النار من غير أن يذبح، قال: لا، إلا أن يذبح] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في كتاب "المغني" (9/ 424، ط. مكتبة القاهرة): [قال أحمد: كلب الماء يذبحه، ولا أرى بأسا بالسلحفاة إذا ذبح] اهـ.
وعلى ذلك: فالحنفية والشافعية على حرمة أكل السلحفاة البحرية، وأجازها المالكية بذبح وبغير ذبح، واشترط الحنابلة ذبحها لحل أكلها.
وهذا الخلاف محله ما لم تكن مهددة بالانقراض ولم تفن سلالتُها، أما إذا آل أمر صيدها إلى إفناء سلالتها فإنه يتجه حينئذ القول بتحريم صيدها؛ لما في صيدها من تهديد انقراضها وما يترتب على ذلك من اختلال التوازن البيئي الذي أمر الإنسان بالحفاظ عليه كمكوِّن من مكونات إعمار الأرض، الذي هو مقصد من مقاصد الخلق؛ قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61].
وقد عدَّ الشرع الشريف إفناء السلالات من الإفساد في الأرض؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205].
وأخرج الإمام أحمد في "مسنده"، وأصحاب السنن الأربعة، وابن حبان في "صحيحه" من حديث عبد الله بن مغفَّل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا»، قال الترمذي: حسن صحيح، ورواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" بلفظ: «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ أَكْرَهُ أَنْ أُفْنِيَهَا لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا» وبنحو لفظه رواه الروياني في "مسنده".
وأخرج الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَوْلا أَنَّ الْكِلابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لأَمَرْتُ بِقَتْلِ كُلِّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ».
قال الإمام أبو سليمان الخطابي في "معالم السنن" (4/ 289، ط. المطبعة العلمية): [معناه: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كَرِهَ إفناءَ أمةٍ مِن الأمم، وإعدامَ جيلٍ مِن الخلق حتى يأتي عليه كلِّه فلا يبقى منه باقية؛ لأنه ما مِن خلقٍ لله تعالى إلَّا وفيه نوعٌ مِن الحكمة وضربٌ مِن المصلحة] اهـ.
ومن القواعد الفقهية المقررة شرعًا أنه يمنع الخاص من بعض منافعه إذا ترتب عليه ضرر عام، فالمصالح الشخصية موقوفة إذا ما تعارضت مع المصالح العامة، والمصلحة العامة هنا تقتضي منع صيد السلحفاة؛ لما يترتب على صيدها من إفناء سلالتها، والإضرار بالبيئة المائية بفقد أحد مكوناتها.
كما أنه قد تقرر في قواعد الشرع أنَّ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولا يخفى أن درء مفسدة إفناء سلالة كاملة من السلاحف البحرية بصيدها، مقدم على مصلحة بعض الأفراد في الانتفاع بها بالأكل أو غيره.
كما أنه قد تقرر في قواعد الفقه أن "حكم الحاكم يرفع الخلاف" وذلك بما خول له من سلطة تمكنه من الوقوف على مصالح الأمور ومفاسدها، ولذا فقد أباح الشرع للحاكم حق تقييد المباح للمصلحة؛ كما هو الحال في "الحمى" التي يمنع الإمام فيها العامَّةَ من الانتفاع بموضع معين للمصلحة العامة، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59].
وقد نص القانون المصري في المادة رقم (28) لسنة 1994م، على أنه: [يحظر بأية طريقة القيام بأي من الأعمال الآتية:.. رابعًا: الاتجار في جميع الكائنات الحيَّة الحيوانية أو النباتية المهددة بالانقراض].
وأما ما يفعله بعض الناس من تعذيب السلحفاة بقلبها على ظهرها حتى تصاب بالشلل التام، ثم تعليقها وقطع جزء من ذيلها وهي حيَّة، وتصفية كل ما بها من دماء، ثم ذبحها بعد ذلك، مستندين على القول بحل أكلها والانتفاع بها، فهو تصرف محرم شرعًا، ولا تكون بذلك مُذَكّاةً تذكية شرعية؛ فإن تصفية دمها بقطع ذيلها يؤدي إلى موتها، فتكون حينئذ ميتةً محرمةً عند مَن يشترط مِن الفقهاء لحلِّ أكلِها ذكاتَها، وهم الحنابلة، وهي حرام أيضًا على مذهب الحنفية والشافعية الذين لا يبيحون أكلها أصلًا، بل هذا التصرف السيء هو من كبائر الذنوب حتى على قول مَن يبيح مِن الفقهاء أكلَها بلا تذكية وهم المالكية؛ فإن حل أكل الحيوان لا يُحِلُّ بحالٍ من الأحوال تعذيبَه وإيلامَه، وقد أمر الشرع بالرحمة مع جميع ما على الأرض من مخلوقات، وجعل تعذيب الحيوان من أسباب التعذيب في النار؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» أخرجه أبو داود والترمذي في "السنن".
ولعظم شأن الرحمة بالحيوان أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن امرأةً دخلت النار في هرة لم تُطْعِمْها حتى ماتت. وأن رجلًا غفر الله له في كلب سقاه؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ» متفق عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، اشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا، فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي، فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ أَجْرًا؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» متفق عليه.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه رأى رجلًا يَجُرُّ شاةً بِرِجْلِهَا ليذبحها، فقال له: "ويلك قُدها إلى الموت قَوْدًا جميلًا" أخرجه الصنعاني في "مصنفه".
فالإسلام عندما أحل للإنسان أكل الحيوان فقد حثه على الإحسان في طريقة قتله، وحذَّر من تعذيبه، وراعى الرفق والشفقة والرحمة في كل الوسائل المشروعة لإزهاق روحه؛ صيدًا كان ذلك، أو ذبحًا، أو نحرًا، أو عقرًا: فعن شداد بن أوس رضي الله عنه، قال: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» رواه الإمام مسلم في "صحيحه".
قال القاضي عياض في شرحه "إكمال المعلم بفوائد مسلم "(6/ 395، ط. دار الوفاء): [وقوله: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة»: عام في كل شيء؛ من التذكية، والقصاص، وإقامة الحدود، وغيرها، من أنه لا يعذب خلق الله، وليجهز في ذلك] اهـ.
كما أن حل أكل لحم السلحفاة -على ما ذهب إليه بعض الفقهاء- لا يحل شرب دمها؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: 3]، ولم يستثن الشرع من الدماء إلا دمين فقط وهما: "الكبد والطحال"، وهما دمان جامدان لا سائلان؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ. فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» أخرجه الإمام أحمد في "المسند"، وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي في "السنن".
قال العلامة الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (7/ 2674، ط. دار الفكر): [وهما دمان جامدان] اهـ.
وعليه: فإن الحفاظ على مكونات البيئة مطلب شرعي، دعا إليه الشرع الشريف وحث عليه، كما أن المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة، والخوف من انقراض السلحفاة البحرية مبرر شرعي صحيح لتحريم صيدها والانتفاع بها، وهو ما نص عليه القانون المصري.
وبناءً على ذلك في واقعة السؤال: فإنه لا يجوز شرعًا صيد السلحفاة البحرية ولا الاستيلاء عليها إذا وجدت خارج المياه للانتفاع بها في الأكل أو غيره، وإذا كان صيدها وأكلها حرامًا فإن تعذيبها وإيلامها بقطع ذيلها وتصفية دمها أشد حرمة وأعظم جرمًا، بل هو من كبائر الذنوب؛ لتنافيه مع الرحمة التي تجب مع جميع المخلوقات.
والله سبحانه وتعالى أعلم. 

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;