3 ربيع الأول 1439 هـ   -  22 نوفمبر 2017 م
Skip Navigation Linksالرئيسة > فتاوى بحثية

زوال الوصف المعتبر في آخذ الزكاة وما يترتب عليه

الســؤال

ما حكم من أعطي من مال الزكاة لسد حاجته –كالغارم مثلًا أو ابن السبيل– ثم بعد ما أخذ المال زالت عنه الحاجة، هل يجب عليه رد المال أم هو ملكه؟ 

الجـــواب

 الأصل في هذه المسألة قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60]؛ فحصر الزكوات لهؤلاء المعدودين دون غيرهم.
والفقير: من لا مال له ولا كسب يقع موقعًا من حاجته من الفقار كأنه أصيب فقاره.
والمسكين: من له مال أو كسب لا يكفيه من السكون كأن العجز أسكنه.
والعاملين عليها: الساعِين في تحصيلها وجمعها.
والمؤلفة قلوبهم: قوم أسلموا ونيتهم ضعيفة فيه فيستألف قلوبهم، أو أشراف قد يترتب بإعطائهم ومراعاتهم إسلام نظرائهم.
وفي الرقاب: وللصرف في فك الرقاب بأن يعاون المكاتب بشيء منها على أداء النجوم. وقيل بأن تبتاع الرقاب فتعتق... أو بأن يفدي الأسارى. والعدول عن اللام إلى في للدلالة على أن الاستحقاق للجهة لا للرقاب. وقيل للإيذان بأنهم أحق بها.
والغارمين: والمديونين لأنفسهم في غير معصية ومن غير إسراف إذا لم يكن لهم وفاء، أو لإصلاح ذات البين وإن كانوا أغنياء؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلا لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ رَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكينٌ، فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ، فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا».
وفي سبيل الله: وللصرف في الجهاد بالإنفاق على المتطوعة وابتياع الكُراع والسلاح. وقيل وفي بناء القناطر والمصانع.
وابن السبيل: المسافر المنقطع عن ماله. ينظر: "تفسير البيضاوي" (3/ 85-86، ط. دار إحياء التراث العربي).
وقد ذكر الله تعالى ثمانية أصناف، وقسمهم إلى مجموعتين: الأولى أفاد استحقاقها لمال الزكاة بحرف (اللام) التي تفيد التمليك: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، وهذا ما يعبر عنه الفقهاء بالأخذ المستقر. والمجموعة الأخرى أفاد استحقاقها للزكاة بحرف (في) التي تفيد الظرفية: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، وهذا ما يعبر عنه الفقهاء بالأخذ المراعى.
وينبني على ذلك أن أي صنف من أصناف المجموعة الأولى لو زال عنه الوصف الذي أخذ به الزكاة -كالفقر مثلًا- لا يرد الزكاة، وأن أي صنف من أصناف المجموعة الثانية لو زال عنه الوصف الذي أخذ به الزكاة -كالغرم مثلًا- يرد الزكاة.
قال الفخر الرازي في "مفاتيح الغيب" (16/ 86، ط. دار إحياء التراث العربي): [قال أصحابنا: والاحتياط في سهم الرقاب دفعه إلى السيد بإذن المكاتب، والدليل عليه أنه تعالى أثبت الصدقات للأصناف الأربعة الذين تقدم ذكرهم بلام التمليك، وهو قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾، ولما ذكر الرقاب أبدل حرف اللام بحرف في فقال: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ فلا بد لهذا الفرق من فائدة، وتلك الفائدة هي أن تلك الأصناف الأربعة المتقدمة يدفع إليهم نصيبهم من الصدقات حتى يتصرفوا فيها كما شاءوا.
وأما في الرقاب فيوضع نصيبهم في تخليص رقبتهم عن الرق، ولا يدفع إليهم ولا يمكنون من التصرف في ذلك النصيب كيف شاءوا، بل يوضع في الرقاب بأن يؤدى عنهم، وكذا القول في الغارمين يصرف المال في قضاء ديونهم، وفي الغزاة يصرف المال إلى إعداد ما يحتاجون إليه في الغزو وابن السبيل كذلك.
والحاصل: أن في الأصناف الأربعة الأُوَّل: يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كما شاءوا، وفي الأربعة الأخيرة: لا يصرف المال إليهم، بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة] اهـ.
وقال العلامة البهوتي في "كشاف القناع" (2/ 282، ط. دار الكتب العلمية): [(وإذا دُفع إليه) أي: الغارم (ما يقضي به دينه، لم يجز) له (صرفه في غيره وإن كان فقيرًا)؛ لأنه إنما يأخذ أخذًا مراعى، (وإن دفع إلى الغارم) من الزكاة (لفقره، جاز له أن يقضي به دينه)؛ لملكه إياه ملكًا تامًّا، إذا تقرر ذلك (فــ)ـقاعدة (المذهب) كما ذكره المجد وتبعه في الفروع وغيره (أن من أخذ بسبب يستقر الأخذ به -وهو الفقر والمسكنة والعمالة والتألُّف- صرفه فيما شاء كسائر ماله)؛ لأن الله تعالى أضاف إليهم الزكاة فاللام للملك. (وإن لم يستقر) الأخذ بذلك السبب (صرفه) أي المأخوذ (فيما أخذه له خاصة، لعدم ثبوت ملكه عليه من كل وجه) وإنما يملكه مراعى، فإن صرفه في الجهة التي استحق الأخذ بها، وإلا استرجع منه، كالذي يأخذه المكاتب والغارم والغازي وابن السبيل؛ لأن الله تعالى أضاف إليهم الزكاة بفي، وهي للظرفية؛ ولأن الأربعة الأول يأخذون لمعنى يحصل بأخذهم، وهو إغناء الفقراء والمساكين، وتأليف المؤلفة، وأداء أجرة العاملين، وغيرهم يأخذ لمعنى لم يحصل بأخذه للزكاة، فافترقا.
(ولهذا يسترد) المأخوذ زكاة (منه)، أي: من المكاتب والغارم والغازي وابن السبيل (إذا برئ) المكاتب أو الغارم (أو لم يغرم) الآخذ للغرم، أو فضل معه أو مع ابن السبيل شيء] اهـ.
هذا بما يتعلق بالمجموعة الأولى، أما المجموعة الثانية فيخرج منها المكاتب والغازي؛ أما الأول فلذهاب المحل، وأما الثاني فلتعلقه بالدولة بعد تغير الحال في إعداد الجهاد عن السابق، فلم يتبق إلا الغارم وابن السبيل.
فأما الغارم فالجمهور على أنه إن استغنى بعد أخذ الزكاة قبل دفعها في دينه تنزع منه، وكذا لو أبرئ من الدين، أو قضاه من غير الزكاة، أو قضاه عنه غيره. وقد تقدم كلام العلامة البهوتي في "كشاف القناع" عن الغارم.
وقال الإمام الدردير في "الشرح الكبير" (1/ 498، ط. دار الفكر): [(وإن جلس) أي: أقام بعد الإعطاء في بلد الغربة (نزعت منه)، إلا أن يكون فقيرًا ببلده؛ (كغاز) جلس عن الغزو فتنتزع منه، وأتبع بها إن أنفقها وكان غنيا، (وفي) نزعها من (غارم) أي: مدين (يستغني) بعد أخذها وقبل دفعها في دينه، وعدم نزعها (تردد) للخمي وحده، قال: ولو قيل تنزع منه لكان وجها، فقد رجح الأول، فكان الأولى للمصنف أن يقول واختار نزعها من غارم استغنى] اهـ.
وقال الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" (6/ 209، ط. دار الفكر): [قال أصحابنا: إنما يعطي الغارم ما دام الدين عليه، فإن وفاه أو أبرئ منه لم يعط بسببه، وإنما يعطى قدر حاجته؛ فإن أعطي شيئًا فلم يقض الدين منه بل أبرئ منه أو قضي عنه أو قضاه هو لا من مال الزكاة بل من غيره فطريقان؛ (أحدهما): وبه قطع المصنف وآخرون أنه يسترجع منه لاستغنائه عنه، (والثاني): حكاه الرافعي وغيره أنه على الخلاف السابق في المكاتب إذا قضي عنه الدين أو أبرئ منه، ولو أعطي شيئًا من الزكاة فقضى الدين ببعضه ففي الباقي الطريقان والله تعالى أعلم. قال ابن كَجّ في "التجريد": لو تحمل دية قتيل فأعطيناه فبان القاتل وضمن الدية استرد من الغارم القابض ما أخذ وصرف إلى غارم آخر، فإن كان سلمها إلى مستحق الدين لم يرجع عليه ولا يطالب القاتل بالدية؛ لأنها سقطت عنه بالدفع، قال: فإن تطوع بأدائها أخذت وجعلت في بيت المال، ولو أعطيناه ليدفع إلى أولياء القتيل فأبرؤوا الناس قبل قبضهم منه استرد منه] اهـ.
وأما ابن السبيل فالجمهور أيضًا على استرداد ما أخذه إن لم يخرج من البلد ما لم يكن فقيرًا ببلده، وقد اختلفوا هل يرد ما أخذ لو سافر ثم عاد ولم يصرف ما أخذه، أو أنفق بعضه وتبقى معه جزء منه. وقد تقدم كلام البهوتي في "كشاف القناع" عن ابن السبيل.
وقال العلامة الخرشي في "شرح مختصر خليل" (2/ 219، ط. دار الفكر): [الغريب إذا ادعى أنه ابن سبيل فإنه يصدق إذا كان على هيئة الفقراء؛ إذ لا يجد من يعرفه بذلك الموضع، قال مالك: وأين يجد من يعرفه وظاهره بغير يمين. (ص) وإن جلس نزعت منه كغاز (ش) يعني أن كلا من ابن السبيل والغازي إذا أخذ من الزكاة ليغزو به أو ليسافر إلى بلده فلم يفعل ذلك بل جلس فإنها تؤخذ منه وترد إلى محلها، إلا أن يسوغ له الأخذ من الزكاة بوصف الفقر، أو غيره فلا تؤخذ منه] اهـ.
وقال العلامة الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (4/ 184، ط. دار الكتب العلمية): [(ويعطى غاز) جاء وقت خروجه كما في "الروضة" وأصلها (وابن سبيل) كذلك قياسًا عليه ... (فإن لم يخرجا) مع الرفقة وإن تأهبا للغزو والسفر (استرد) منهما ما أخذاه؛ لأن صفة الاستحقاق لم تحصل، ولم يتعرض الجمهور للقدر الذي يحتمل تأخيره، وقدره السرخسي بثلاثة أيام... تنبيه: مقتضى عبارة المصنف أن الغازي وابن السبيل إذا خرجا ورجعا وفضل شيء لم يسترد منهما، وليس على إطلاقه، بل يسترد من ابن السبيل مطلقًا. وأما الغازي فإن غزا ورجع وبقي معه شيء صالح ولم يقتر على نفسه استرد منه ذلك فقط؛ لأنا تبينا أن المعطى فوق حاجته فإن قتر على نفسه أو لم يقتر والباقي يسير لم يسترد منه شيء] اهـ.
وقال العلامة ابن عابدين في "حاشيته على الدر المختار" (2/ 343-344، ط. دار الفكر): [وقال في "الفتح" -أيضًا-: ولا يحل له أي: لابن السبيل أن يأخذ أكثر من حاجته، والأولى له أن يستقرض إن قدر، ولا يلزمه ذلك لجواز عجزه عن الأداء، ولا يلزمه التصدق بما فضل في يده عند قدرته على ماله؛ كالفقير إذا استغنى والمكاتب إذا عجز. وعندهما من مال الزكاة لا يلزمها التصدق اهـ] اهـ.
والخلاصة: أن من كان من المجموعة الأولى -وهي تضم الفقير والمسكين والعاملين- لا يرد ما أخذ أو ما تبقى معه ولو زال عنه الوصف الذي أخذ به الزكاة، وأما مَن كان مِن المجموعة الثانية والتي يقتصر الأمر فيها على الغارم وابن السبيل فيجب على من زال عنه الوصف أن يرد ما عنده من أموال الزكاة إن بقي عنده منها شيء، هذا هو الوسط، لكن لا يكلف المعطي بتتبع زكاته؛ لأن ذلك يجلب له مشقةً لم يكلَّف بها، وإنما العبرة في حقه بما كان في وقت الإعطاء، وإنما يكلَّف بذلك الآخذ أو الدولة إن قامت بجمع الزكاة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

Feedback