3 رمضان 1438 هـ   -  29 مايو 2017 م
Skip Navigation Linksالرئيسة > فتاوى بحثية

مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات الخبرية

الســؤال

يحذر بعض الشيوخ الناس من عدم إثبات صفات الله الخبرية التي قد توهم التشبيه على حقيقتها اللغوية، فما المقصود بذلك، وما هو مذهب أهل السنة والجماعة في هذا؟

الجـــواب

في البداية لا بد من التأكيد على أن العوامَّ -غير المتخصصين في علم العقيدة- ليس من شأنهم الدخول في تفاصيل هذه المسائل المتخصصة في علم العقيدة، أو أصول الدين، ويكتفى منهم بالإثبات الإجمالي لكل كمال لله تعالى، والنفي الإجمالي لكل نقص عن الله تعالى، كما لا يجوز إثارة هذه القضايا العقدية أمام العوام، حتى لا يقعوا في الشبهات التي تؤدي إلى تخلخل عقيدتهم في ذات الله تبارك وتعالى.

هذا، وقد أجمع أهل السنة والجماعة من السلف والخلف، أن الله تعالى يجب له كل كمال وجلال وجمال يليق بذاته المقدسة، ويستحيل عليه كل نقص لا يليق بذاته المقدسة، فالله سبحانه وتعالى يستحيل عليه أن يتصف بصفات المخلوق بأي وجه من الوجوه؛ قال الله تعالى في المحكم من آياته: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، وكل ما ورد في القرآن الكريم، أو في السنة النبوية مما ظاهره يوهم التشبيه والتجسيم، فللعلماء فيه مذهبان:

أولهما: تفويض المعنى لله تعالى مع تنزيهه سبحانه وتعالى عن المعنى الظاهر.

ثانيهما: التأويل على أحسن المحامل التي تليق بالله تعالى، وذلك على مقتضى لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم.

أما عن قضية الإضافات إلى الله، أو ما يسمَّى بـ"الصفات الخبرية"؛ كإضافة اليد، والعين، والوجه، والنزول، وغير ذلك مما ورد في القرآن والسنة، فأهل السنة والجماعة يعتقدون أن هذه الألفاظ التي وردت في القرآن والسنة من ذكر اليد والعين والنزول ونحو ذلك تعد من قبيل المتشابه، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن تتبع المتشابه وترك المحكم، بل نرد المتشابه للمحكم؛ قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 7].

فأهل السنة والجماعة يرون أن هذه الإضافات أو الصفات الخبرية لم تثبت لله تعالى من جهة العقل، وإنما ثبتت بالخبر، فطريقهم فيها هو أن هذه الألفاظ المضافة لله تعالى، أو الصفات المخبر بـها يُسلَّمُ بـها وتُـمَرُّ كما جاءت، فلم يتكلم السلف الصالح رضي الله عنهم بإثباتـها على الحقيقة اللغوية، ولم ينكرها السلف الصالح؛ إذ ظاهر الألفاظ لها معانٍ معروفة في اللغة، وهذه الحقائق اللغوية تتنافى مع تنزيه الباري سبحانه وتعالى، وهذا ما يسمى عند أهل السنة والجماعة بمذهب "التفويض"، وعلى هذا درج المتقدمون من جماهير من أهل السنة والجماعة.

يقول الإمام البغوي رحمه الله في "تفسيره" (1/ 269) عند تفسير قول الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: 210]: [والأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلى الله تعالى، ويعتقد أن الله عز اسمه منزه عن سمات الحدوث، على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة، قال الكلبي: هذا من العلم المكتوم الذي لا يفسر، والله أعلم بمراده منه، وكان مكحول، والزهري، والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، وسفيان الثوري والليث بن سعد، وأحمد، وإسحاق، يقولون فيه وفي أمثاله: أمرُّوها كما جاءت بلا كيف، قال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه، فتفسيره قراءته والسكوت عنه؛ ليس لأحد أن يفسره إلا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم] اهـ.

ولجأ المتأخرون من أهل السنة إلى التأويل، حين رأوا أن إثبات اللفظ قد ساء فهمه، وأصبح هو الإثبات للحقائق اللغوية، والتزام لوازمها على طريقة المشبهة والمجسمة أفضى عند بعضهم إلى القول بالجسمية ولوازمها، حتى صرح بـهذا ابن كرَّام المجسم الذي نسب نفسه إلى الإمام أحمد، وما تقرر وجاء في "كتاب التوحيد" لابن خزيمة، وما ذكره عثمان بن سعيد الدارمي -وهو غير أبي عثمان الدارمي صاحب السنن- وغيره من تجسيم صريح، وتابع هؤلاء فئام من الناس، خرجوا عن مذهب أهل السنة والجماعة من السلف والخلف، وفسروا هذه الإضافات على ظاهرها، مما أوقعهم في التشبيه والتجسيم والتحيز للباري، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.

هذا، وقد اتفق المتقدمون من أهل السنة والجماعة والمتأخرون منهم على الإمرار وعدم التعرض للفظ بالنفي، وكذلك عدم التصريح بإثباتـه على الحقيقة اللغوية التي من شأنـها تشبيه الرب سبحانه وتعالى بخلقه؛ كما تقدم، ولكن زاد المتأخرون بأن هذه الألفاظ لا يجوز أن يفهم منها إلا ما يليق بالله، فكأنهم يقولون للخصم: إذا صممت أن تتكلم عن معنى لهذه الصفات فقل أي معنى مقبول لغة إلا المعنى الذي ينقص من قدر الرب جل جلاله ويُشبِّهُهُ بخلقه.

فمذهب التفصيل أو التنظير الذي وضحه متأخرو أهل السنة والجماعة يمكن التعرف عليه مثلًا مع قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: 39]، فيرون أن هذا السياق القرآني يعني عناية الله سبحانه وتعالى ورعايته لسيدنا موسى عليه السلام، ولكن إياك أن تقول: إنـها عين على الحقيقة اللغوية؛ مما يقتضي كونـها جارحة، وهو ما يقتضي الجسمية، ولذا يصلح أن نقول: إن مذهب السلف مذهب اعتقاد، ومذهب الخلف مذهب تنظير.

ويقولون في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي رواه البخاري: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا»: أنه تنـزل الرحمات، واستجابة الدعوات، ولا يمكن أن يكون نزولًا بالحقيقة اللغوية، إذ إن النزول على الحقيقة اللغوية يعني الانتقال والتحرك، وهذا لا يكون إلا في الأجسام، فإن قالوا: لا نقصد معنى التحرك والانتقال، قلنا: إذن أنت لا تثبت الحقيقة اللغوية، وتقول: إن النزول في حق الله معنى مجازي، وهو ما يفعله أهل السنة في مناقشة هذه الألفاظ، وإذا قال: بل أثبته بما يقتضي التحرك والانتقال إذا كان هذا هو الحقيقة اللغوية، نقول: إذن أنت تنعت الله بصفات الأجسام، وهذا مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة؛ ولذا يجب التزام مذهب أهل السنة والجماعة من الإقرار والإمرار، ونفي المعنى على الحقيقة اللغوية.

وبعد، فهذا مذهب أهل السنة والجماعة في التعامل مع تلك الألفاظ التي إذا ما أُثبتت على الحقيقة اللغوية تلزم التشبيه قطعًا، وحاشا لله أن يشبهه أحد من خلقه، وعلى هذا المنهج الرصين من التفويض أو التأويل درج السواد الأعظم من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وقامت المدارس الكبرى في العالم الإسلامي على تدريس هذا المنهج الصحيح إلى وقتنا هذا؛ كالأزهر الشريف، والزيتونة، والقيروان، وغيرها.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

Feedback